الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / نعمان أبو عيشة: تابوهات المجتمعات العربية “شائكة ومعقّدة” ولابد من الكتابة فيها وعنها

نعمان أبو عيشة: تابوهات المجتمعات العربية “شائكة ومعقّدة” ولابد من الكتابة فيها وعنها

عمّان ـ العُمانية
تسجّل رواية “واهيفاء” للدكتور نعمان أبو عيشة ريادةً تاريخية وفنيّة في المشهد السردي في الأردن، إذ صدرت سنة 1957 في وقتٍ كان صاحبُها فيه لا يزال على مقاعد الدراسة الثانوية.
ورغم أن (أبو عيشة) لم يكن قد تجاوز السابعة عشرة من عمره حين كتب روايته، إلا أن تجربته القاسية في الطفولة واليفاعة سارعت في إنضاج وعيه وخبرته في الحياة، إذ شهد في صِغره الحرب واللجوء والتشرد والاقتلاع، وعانى مواقف أليمة حفرت عميقا في ذاكرته ووجدانه.
وقد تعرّض أبو عيشة إلى مضايقات بسبب الرواية التي تناولت موضوعا يعدّ من التابوهات الاجتماعية، ما أدى إلى نقله وهو تلميذ، من مدرسة الكرك جنوب الأردن إلى مدرسة السلط الثانوية وسط الأردن.
ويقول أبو عيشة وهو يتأمل ما مرّ به من أحداث عقب إصدار روايته اليتيمة، إن التابوهات في المجتمعات العربية مشكلة “شائكة ومعقّدة”، ورغم ذلك فإنه “لا بد من الكتابة فيها وعنها”، مؤكداً أن حل المشكلات الاجتماعية هو الخطوة الأولى للوصول إلى “سلام اجتماعي” على صعيد الفرد والعائلة والمجتمع.
وتستعين هذه الرواية الطليعية، بنصوص مؤثرة لمصطفى صادق الرافعي، وهو ما يشير إلى الوعي المبكر عند صاحبها بأهمية العتبات والتناص في المدونة السردية، تاركا للقارئ حرية استكشاف النص من زاوية نظره الخاصة.
لذا كان لجوؤه إلى عبارات للرافعي كفيلا بالتعبير عن تصورات غير محدودة، والانفتاح على تأويلات بلا نهاية.
إلى جانب ذلك، تقدم الرواية صورة عن مجتمع آخذ بالنشوء في تلك الفترة، إذ كانت تنحصر جغرافيا بين (وسط البلد) والدوار الثالث (قلب المدينة)، و”كان معظم سكانها من أبناء عائلات عربية أصيلة، ينأون بالنفس عن فعل الرذائل، ويتحلّون بالأخلاق العربية الأصيلة”. يقول أبو عيشة عن تجربته هذه: “كان النضوج الشبابي حينئذ في قمّته، ولا غرو أن نرى الكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان تُحدث في ذلك الزمان زلزالا في الأوساط الأدبية العالمية بروايتيها؛ (صباح الخير أيها الحزن) سنة 1954، و(ابتسامة ما) سنة 1956.
أعتقد أن شهرة ساغان في ذلك الحين تعود إلى يفاعتها أكثر من استنادها لنصوصها الروائية”. ويضيف أبو عيشة: “ساغان كانت واحدة من أطفال الحرب، كما كانت حالتي أيضا، إذ شهدتُ في صِغَري الحرب والتشرد والاقتلاع من منابت الطفولة، وهنالك مشاهد تُطبع في الذاكرة ولا تغادرها، منها أن تقف وأنت طفلٌ ليلةً بكاملها على الدور للحصول على نكتة ماء في بيت لحم.
لا شك أن هذه التجربة قد أنضجت الوعي وأمدّت الصراع من أجل البقاء بما يُشبه القوى الخفيّة، إن لم يكن جسمانيا ففكريا.
وهذا ما حدث لي ومعي!”. ويستذكر أبو عيشة ما حدث عندما قدم مخطوطة روايته “واهيفاء” إلى دار عويدات للنشر في بيروت في منتصف الخمسينات من القرن الفائت، إذ كتب له صاحب الدار أحمد عويدات بعد تقييمها: “أنا سعيد جدا بالتعرف إليك شخصيا بعد أن دامت بيننا مراسلات عدة، ولقد سعدت أكثر فأكثر لأنك شاب في مطلع حياتك .. وأصارحك بأنني لم أكن أتوقع أنك في الثامنة عشرة من العمر بعد أن قرأت روايتك الطويلة (واهيفاء) .. نفَسُك طويل، وهذا يبشّر بخير كبير”. ويوضح أن مصادره في إنجاز “واهيفاء”، هي “الخيال وبعض الترجمات العالمية من الشعر الصيني” التي رآها مكمّلة للموقف الرومانسي في أحد فصول الرواية.
ويقرّ أبو عيشة أن موقف بطله من قضايا الطبقية والإقطاعية في مجرى الرواية، “غير محسوم”، فالأحداث ليست سيرة ذاتية أو تدوينا لوقائع تاريخية، وإنما هي “قسم من البناء الروائي لوصف أبناء البرجوازية وتصرفاتهم حيال العمال والكادحين في الأرض”، وهي “وصف عابر لتصوُّر مفتعَل، وإن كان هناك ما يشابهها في الواقع في ذلك الحين، وهو ما يتكرر مع تقلُّب الأزمان بصور وأشكال أخرى”. وبشأن ما كشفته العبارة الأخيرة من الرواية أن البطل هو نفسه الكاتب، يستعيد أبو عيشة ما قالته فرانسواز ساغان ردّا على تبنّيها حضورها الشخصي في الرواية بصفة “الأنا”: “ما نعرفه نحن الكتّاب أننا لا نميل إلى الحقيقة في بعض الأحيان، ويتطور استعمال الأنا في فترات لاحقة ليكون السرد بصيغة الشخص الثاني (الآخر) أو يُترك الشخص الثاني ليحدّث القارئ وكأنه شخص ثالث، بل إن بعضهم أطلق العنان لنفسه ليتّخذ دورَي البطل والكاتب في الوقت نفسه”. هذا ما فعله أبو عيشة في روايته، وهو ما أعطى للقارئ إيحاءً بأن النص عبارة عن مذكرات شخصية واقعية، وسبّب للمؤلف بعض المشكلات في حينه نظرا لسوء الفهم.
ويوضح أبو عيشة في هذا السياق: “كنت أود الاستمرار في سرد طويل، لكني كنتُ في حيرة من أمري كيف أنهي الرواية، فوجدتُ المَخرج بهذا الفصل الأخير الذي حلمتُ به أثناء نومي، وفي صباح اليوم التالي دوّنْتُ النهاية على الورق.
ربما كان في ذلك فاصلٌ بين العيش في جو الرواية وكتابتها، وبين ما يريده العقل الباطن”. أما المضايقات التي تعرّض لها بعد صدور الرواية، فمنها ما هو عائليّ بحجّة أن الأدب هواية وليس وظيفة يأكل المرء الخبزَ منها، ومنها ما جاء من المسئولين.
ورداً على سؤال حول ما إذا كان أبو عيشة سيلجأ إلى التعديل على روايته اليتيمة التي أصدرها قبل ستين عاما، لو قُيّضَ له أن يعيد إصدارها، يقول الفائزُ بجائزة الإبداع التي منحتها وزارة الثقافة له أواخر عام 2015 عن مخطوطة سيرته الذاتية “جرّاح قلب يتذكّر”: “ربما كنتُ سأعيد صياغة بعض أجزاء الرواية من جديد بناءً على خبرة اكتسبتُها وأنا أغوص في أعماق الأدب الألماني، رغم أن صديقي الشاعر (الراحل) خالد محادين رفض هذه الفكرة قائلا إن هذا العمل نشأ وتأثر بحقبة تاريخية معينة في ألمانيا، وإن للأجيال الحق في معرفة وضع الرواية في الزمن الذي كُتبت فيه”.
يُذكر أن أبو عيشة وُلد سنة 1941 في بئر السبع، حصل على شهادة البكالوريوس في الطب من جامعة “إيرلنجن ـ نورنمبرغ” الألمانية (1967)، ثم شهادة الدكتوراه من جامعة “هايد لبرغ” (1968). عمل في عدد من المستشفيات الألمانية حتى حصل على شهادة الاختصاص في الجراحة العامة (1975)، ثم عمل أستاذا مساعدا في معهد جراحة الصدر والقلب والأوعية الدموية بجامعة “تيبنجن” حتى حصل على شهادة الاختصاص في جراحة القلب والصدر والأوعية الدموية (1975-1978)، وعندما عاد إلى الأردن عُيّن طبيبا أخصائيا في الخدمات الطبية الملَكية.
ثم عمل جراحا مستشارا في مركز الملكة علياء لأمراض وجراحة القلب بمدينة الحسين الطبية حتى سنة 1990، ثم أستاذا مشاركا في معهد جراحة القلب والصدر والأوعية الدموية بجامعة “بون” الألمانية حتى نهاية 1992.

إلى الأعلى