الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / رؤية جدلية للشقيقات الثلاث في مهرجان تبليسي الدولي للمسرح
رؤية جدلية للشقيقات الثلاث في مهرجان تبليسي الدولي للمسرح

رؤية جدلية للشقيقات الثلاث في مهرجان تبليسي الدولي للمسرح

بقلم: عروج أيوب ترجم المقال عن الإنجليزية: د. عبد الكريم جواد
إن زيارة تبليسي عاصمة جورجيا تبقى عالقة في الذاكرة، فهي مدينة رائعة بما تتمتع به من مناظر خلابة وملامح تجمع ما بين الاصالة والمعاصرة. ولا شك أن زيارة المدينة تبدو أكثر امتاعاً عندما تتزامن مع فعاليات مهرجان تبليسي الدولي للمسرح الذي عقد في أكتوبر المنصرم.
مهما كتبت هنا عن هذا المهرجان تبقى الكلمات قاصرة عن ان تفيه حقه، ولعله من المناسب قبل الخوض في تفاصيل العرض المسرحي المنتقى لهذا المقال أن نذكر أن هذا المهرجان الذي بدأ اول دورة له عام 2009م، وينظم سنوياً منذاك الحين إذ يتم من خلاله تقديم باقة متنوعة من أحدث العروض المسرحية التي تقدمها فرق العاصمة تبليسي او التي تأتي من مختلف مناطق جورجيا، ويهدف المهرجان الى التعريف بالمسرح الجورجي وتأكيد مكانته ضمن شبكة العلاقات الثقافية الدولية.
ففي كل دورة مهرجانية تقوم الجمعية الجورجية لنقاد المسرح وهي فرع من الجمعية الدولية لنقاد المسرح باختيار ما بين 12 الى 15 عرضا مسرحياً من العروض المقدمة حديثاً في جورجيا لتقدم ضمن المهرجان. وكانت مسرحية “الشقيقات الثلاث “واحدة من تلك العروض التي اختارتها جمعية نقاد المسرح لدورة المهرجان عام 2015م.
ولما كانت المساحة المتاحة لهذا المقال لا تكفي لإعطاء كل فعاليات المهرجان حقها، لذا بدا لي من الحصافة أن نتناول في هذا المقال الحديث عن واحد من أكثر العروض الجدلية التي تم تقديمها في المهرجان، ألا وهي مسرحية “تشيخوف”، “الشقيقات الثلاث”، التي قدمت من قبل مسرح تبليسي للدراما والموسيقى (تأسس 1926م).
من المعروف أن مسرحية “الشقيقات الثلاث” قد كتبت اساساً لمسرح موسكو في 1990م، وقد مثلت لأول مرة عام 1991م، بإخراج من الأستاذ المسرحي الشهير قسطنطين استانلافسكي والمخرج فالديمير نميروفيش – دانشينكو.
إن الحبكة الرئيسية للمسرحية تدور حول حياة أسرة بروسوروف، حيث بناته الثلاث ربيبات موسكو يجدن أنفسهن يعيشن حالة من الضياع بعد عام على وفاته، ولكنهن يتشبثن بآمالهن بالعودة الى مدينة موسكو التي احتضنت طفولتهن بكل ما فيها من ذكريات طيبة، الشقيقة الكبرى “أولجا” هي معلمة ترتقي الى أستاذة جامعية لاحقاً في المسرحية، تبدو ملامح التعب وكبر العمر قد نالت منها لدرجة جعلتها تفقد كل أمل في الزواج. أما “ماشا” الشقيقة الوسطى فهي متزوجة بكوليجان ولكنها على علاقة عاطفية مع مساعد العقيد “فرشنين”، ولكنها في النهاية تعود الى زوجها عندما يرسل عشيقها الى في مهمة عمل خارج البلدة. مثل شقيقتيها “ايرنا” الشقيقة الصغرى تحلم ان تعود الى موسكو حيث تجد فتى أحلامها، ولكنها مع مرور الوقت تفقد الأمل في السفر. أما أندرية شقيق الفتيات الثلات فهو قد وقع في حب “ناتاشا” التي تصبح لاحقاً زوجته، وهي امرأة قروية ذات مزاج صعب وملابس منفرة، والتي سرعان ما تسفر عن وجهها الآخر القميء، اذ تستغل علاقتها بأندريه لتفرض هيمنتها وتحكمها بالشقيقات الثلاث، وفي نهاية الأمر أصبح كل شيء في البيت بأمرها وتحت تصرفها بسبب ضعف زوجها وتقاعسه، فاندريه بسبب زواجه الفاشل واحباطاته المتكررة يغرق في القمار والخسائر المالية الثقيلة مما يؤدي به الى رهن البيت من أجل أن يحصل على المال ليسدد ديونه من ناحية وليسدد طلبات “ناتاشا” التي استولت على البقية الباقية من المال من ناحية أخرى.
فشل الأخ “اندريه” واستسلامه التام لزوجته “ناتاشا“ أثار سخط شقيقاته الثلاث، ورغم أن “أولجا“ حاولت التصدي بقوة لزوجة أخيها “ناتاشا“ في خصوص موضوع خادم الأسرة العجوز “أنفيسا“ إلا ان كل جهودها في النهاية ذهبت أدراج الرياح.
“أرنيا“ لم تحب أيا من الإثنين اللذان وقعا في حبها “سولوني“ القبطان و“بارون“ المساعد في الجيش ولكن لأنها وجدت “سولوني“ مضجرا و مملا فضلت “بارون” عليه على أمل أن تحبه مستقبلا مع العشرة.
والسؤال الذي يطرح نفسه، ما الجديد في هذا العرض المسرحي الذي يبدو للوهلة الأولى من خلال النص أنه كلاسيكي بكل معنى الكلمة؟ وهل ستتم معالجة النص الكلاسيكي برؤية مسرحية مغايرة؟
ربما نجد بعض الإجابات على مثل تلك الأسئلة بقراءة بعض ما كتب في الكتيب التعريفي للعرض:
“انتوان تيشخوف يعد ساحر الدراماتورج الذي يوظف المشاعر والعواطف والأفكار بكلمات وعبارات غاية في الدقة، نعم تلك هي أبرز أدواته لتحقيق السحر الدرامي، ولكن ما الذي يمكن أن يحدث عندما تتلاشى الكلمات ولا يبقى سوى المشاعر، ولغة الجسد والرقص التعبيري الحديث“.
من الواضح من خلال العبارات أعلاه أن العرض يتجاوز الشكل التقليدي الحواري لمسرحية الشقيقات الثلاث الى عرض يعتمد على الحركة الجسدية الأمر الذي حذا بالعديد من النقاد الى التساؤل عن طبيعة التجربة المسرحية التي هم مقبلين على مشاهدتها.
هنالك إيماءة أخرى يمكن التعويل عليها لاستشراف طبيعة العرض الذي سيقدم، فمخرج العرض هو قسطنطين بيسيلاديز الذي يتمتع بخبرة واسعة في الاعمال الجورجية والعالمية كمصمم للرقصات للعروض الأدائية والأعمال التلفزيونية والسينمائية والموسيقي. ومن الجدير بالذكر ايضاً أن مخرج المسرحية قدم العرض الأصلي هو مكون من أربعة فصول درامية في فصل واحد من الرقص الادائي الحديث.
إن المسرحية بشكلها التقليدي وحواراتها الدقيقة بما تكتنفه من مشاعر مرتبكة معقدة تعد تحديا بالغا لأي مخرج كلاسيكي يعتمد اعتمادا شبه كلي على العبارات والحوارات المنطوقة، فما بالك بمخرج يحاول أن يختزل كل ذلك في عرض حركي شبه صامت إلا من عبارات قليلة جداً متناثرة هنا وهناك.
إن مسرحية “الشقيقات الثلاث“ لم تستقطب مخرجي المسرح والسينما فقط بل هي أيضاً كانت موضع دراسات بحثية عديدة و برؤى مختلفة وهذا يجعل أمر تداولها مسرحيا بشكل مختلف أكثر صعوبة.
عودة الى العرض المسرحي في تبليسي، إن المشهد الأول في العرض المسرحي يبدأ بالشقيقات الثلاث يظهرن بملابس بيضاء أنيقة يجلسن وهن يحملن أكواب شاي افتراضية يرشفن منها بعد حين.
إن سينوغرافيا المسرح بدت دقيقة التفاصيل وبسيطة في ذات الوقت، تمحورت حول الممثلين وحول طاولة طعام وكراس حيث اجتمعت الأسرة والأصدقاء، نلاحظ حركات واشارات مقتصدة تماماً، عطس، تصفيق، دقات، سعال، لتفخيم المشاعر واضافة الحيوية على الحركة التعبيرية الراقصة التي استخدمت بكفاءة بدلاً عن الكلمات لتوصيل المشاعر والرسائل المشفرة.
إن الرؤية التكاملية لمشهدية العرض المسرحي لم تكن بحاجة الى جهد كبير لقراءة وفهم الشخصيات بمشاعرها وأمانيها واحباطاتها وإن اختفت الحوارات والكلمات، ولعل هذا ما حذا بالنقاد الى أن يتفقوا في مجملهم بأن كل عنصر من عناصر العرض المسرحي كان له دوراً فاعلاً في تحقيق البناء المتجانس للصورة النهائية.
والحقيقة أن جميع الممثلين بدوا مجيدين في أداء أدوارهم لا سيما الممثلات اللواتي قمن بأداء الشقيقات الثلاث وان كانت من ادت شخصية “أولجا“ الأخت الكبرى قد لفتت انتباهي بشكل خاص.
ان الحركة الجماعية على خشبة المسرح وانسجامها مع العرض أمر آخر يستحق الثناء، كما ان استخدام الإضاءة والألوان في التعبير عن التغيرات التي تطرأ على الشخصيات عمق الدلالات، ولا سيما “ناتاشا” التي بدت بروح مختلفة ما بين حركة وأخرى وما بين مشهد وآخر، من مشاهد تبدو فيها غوغائية ومشتتة الى مشاهد الجبروت والهيمنة والتحكم والعناد الحاد، لذا يمكن التأكيد بأن هذا العرض المسرحي لعبت المجموعة فيه دوراً جوهريا متجانساً ولم يكن بحاجة الى ممثل بطل واحد يسودها او يحركها، كان الجميع في واحد، والواحد في الجميع.
على صعيد آخر، قدم العرض العديد من الجماليات المشهدية ذات المغزى الدلالي مثال ذالك عندما بدأ العرض بالشقيقات الثلاث وهن يجلسن على الكراسي يرشفن من أكوابهن الافتراضية لينتهي العرض بمشهد يأتي إثر نقل ملكية البيت الى “ناتاشا“ حيث تجلس على المقعد وهي ترتشف من كوبها الإفتراضي بينما بينما تقف الشقيقات الثلاث في وسط خشبة المسرح يرددن كلمات “ماشا “ كما وردت في النص الأصلي “علينا ان نرحل“…… “علينا ان نرحل“……
وكأن واقع حالهن يقول، الحياة مليئة بالمتقلبات ولكن المهم كيف ننجو بأنفسنا من متقلباتها ونبدأ بالحراك من جديد.
خرج الجميع من العرض وقد أوقنوا أن السؤال لم يكن ما إذا كان العرض قادراً على تقديم كافة تفاصيل النص المسرحي ام لا؟ او ما كان العرض المسرحي وفيا للنص الأصلي، أم لا؟ السؤال الحقيقي هو هل كان العرض المسرحي قادراً على أن يحمل جوهر النص المسرحي وروحه الى الجمهور؟ بكل أمانة أعتقد أن فريق العمل يستحق التحية على النجاح الذي حققه في صناعة مشهديه كانت قادرة على بلورة جوهر المسرحية وعلى الاستحواذ على انتباه الجمهور واستحسانهم طوال مدة المسرحية.
خلاصة القول ان العرض المسرحي الذي تم اختياره من قبل الفرقة وطريقة معالجته الحركية التعبيرية كانت تحد كبير بحد ذاته، وقد نجح العرض في بث روح النص الأصلي بكل ما يحمل من مشاعر قاتمة واحساس بالوحدة والكآبة، ولكن الحياة يجب أن تستمر رغم كل شيء رسالة ضمنة ختم بها العرض.
كم كنا ونحن نشاهد العرض نحس أن موسكو مطلع القرن الماضي حولنا، قريبة منا، اننا نعيش مع ناسها… نقاسمهم لحظات الحلم ولحظات الوحدة القاسية.
بقي ان نقول ان اختيار هذا العرض للمهرجان بواسطة الجمعية الجورجية لنقاد المسرح كان موفقاً جداً ويعتبر واحدا من العروض المميزة في مهرجان تبليسي الدولي للمسرح عام 2015م فشكراً تبليسي، وشكراً إدارة المهرجان.

إلى الأعلى