الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / المدرسة العمانية في الشعر الشعبي بين التأصيل والتأسيس (3)

المدرسة العمانية في الشعر الشعبي بين التأصيل والتأسيس (3)

صالح السنيدي:
هناك أمثلة عديدة تدعم ما قلنا في السابق حول القصيدة العمانية وما تركز عليه،وما أقصده هنا بالأمثلة والشواهد هو بعض القصائد التي تدل على ما أسلفنا واستفضنا فيه،كذلك بعض الأسماء الشعرية التي أثرت الساحة الشعبية العمانية، ومن هنا نحن نُؤرخ للمدرسة العمانية في الشعر الشعبي برموزها والذي كان لهم دور في إثراء مرحلة من مراحل النهوض الفكري في القصيدة العمانية أو إضافة طريقة معينة للكتابة في المضمون أو الشكل في القصيدة،أو كانت له تجربة نجاحة في الإنتقال بالقصيدة من أسلوب إلى أسلوب آخر جديد لم تعهدة القصيدة في الساحة العمانية من قبل، وسأمر مرورا سريعا مع هذه التجارب بأسمائها، دون طول توقف ولو أنه في هذا الشأن كل أسم من هذه الأسماء يحتاج إلى دراسة مستفيضة ومنصفه له، كذلك وللفائدة الكبيرة التي يمثلها كل أسم للساحة الشعرية والأدب عامة.
وقبل أن نذكر أي أسم من الأسماء مهما كانت أهميته أو حجمه، لا يعني أن هذا الاسم هو بداية القصيدة العمانية، ولا شك أن البداية بعيدة في القدم ولا نستطيع رصدها أو تحديد ماهيتها وتاريخ صاحب السبق فيها، ولا شك ان هناك الكثير من الأسماء الرائعة التي أثرت الشعر في القديم والحديث، وما الشاعر الأمير: قطن بن قطن الهلالي التميمي إلا أحد تلك الشواهد على قدم وأسبقية القصيدة العمانية الشعبية على غيرها، ومن هنا سأذكر بعض الأسماء التي كان لها كبير أثر في القصيدة العمانية ولها دورعظيم به أثرت الشعر العامي والقصيدة العمانية الشعبية خاصة، ومن هؤلاء: الشاعر الشيخ عامر الشعيبي (المطوع) رحمة الله تعالى وأسكنة فسيح الجنان،وهو الذي أعطى القصيدة زخما شعريا هائلا، وقد تنوع في معالجة القضايا والذي أضافه الشعيبي للقصيدة الشعبية هو التغيير في الأوزان إما بالنقص أو الزيادة في التفعيلات، وإضافة تغييرات جديدة على المعتاد من البحور المستخدمة في القصيدة الشعبية في تلك الفترة، والمتابع للشعر وللقصيدة يعلم تمام العلم أن التغيير في نسق البحر بالاضافة أو النقصان ليس أمرا سهلا، وأصعب منه درجة القبول لهذا التغيير من قبل الشعراء أنفسهم،وهل سيرضى غيرك من الشعراء بهذا التغيير، وقد نجح الشاعر الشعيبي في هذا نجاحا باهرا حتى أنه، أصبح له نسق خاص في روح القصيدة وبحر يكتب عليه وسمي باسمه، ناحية مطوع أو بالمعنى الصواب طريقة (مطوع )لأنه هو من اخترعها، وبهذا أضاف (المطوع ) لخزينة المدرسة العمانية أسلوبا جديدا ومهما، لم يجهله الكثير من الشعراء بل كتبوا عليه وساروا على نهجه.
ثم جاء الشاعر سويري الذي أضاف اللمسة الفنية والأكثر شفافية في ملامح النص العماني، كذلك اعتمد الصور والخلق والإبداع، كذلك الشاعر حافظ المسكري الذي اعتمد لغة المخاطبة وتبادل الحديث داخل النص أكثر من غيره وكأنه ينبئ عن الحوار المسرحي داخل نصه، واعتمد كذلك عنصر التشويق والمفاجأة وهذا جعل القصيدة أكثر نشاطا ومتعة ويسهل حفظها لما تحمله من حوار وأحداث.
أما الشاعر الرائع خويدم الحارثي، فقد كانت لنصوصه السلاسة غير المخلة بالجودة العالية التي كانت تمثل أجمل معاني السهل الممتنع في القصيدة العمانية، وكان يغمر النص الشعري بالصورة القريبة من ذهن المتلقي، كذلك اخترع أوزانا، وما زال يمارس بها الكتابة إلى هذا اليوم، فقصائد (المزيفينه) و(الطارق الشرقي) يكتب كله أو جله على أوزان الشاعر خويدم الحارثي، ولنصوص خويدم نفس مختلف ترسم حقبة خاصة مرت بها القصيدة العمانية تغذت فيها من شعبية المكان أكثر من قراءة الكتب والقصائد التي تدعمها القراءات الفقهية وغيرها من الثقافات فقد كانت أقرب إلى الفطرة أكثر من العلم والفقه، وهذه مرحلة أخرى مرت بها القصيدة الشعبية العمانية.
فإذا وصلنا إلى الشاعر خميس بني عرابه نجد أن هذا الشاعر قد أوصل النص الشعري الشعبي إلى أوجه من الناحية اللغوية وقربه من الفصحى، فإذا ما قرأت نصه تجد نفسا تقرأه لشعراء العصر الأموي إلا أنه بالشعر الشعبي، وكان ثراء القصيدة العمانية في عصره بالتسابق على توظيف المفردة الأقرب للفصحى أو الفصيحة والمستخدمة في الكلام العام، وقد تغذت القصيدة العمانية في هذا الشأن حتى تشبعت وأصبحت أكثر فخامة ورونقا.
ونختصر المسافات حتى يصل بنا الترحال في أروقة القصيدة العمانية إلى الشاعر ربيع العلوي رحمه الله، وهنا عالم آخر تدخله القصيدة العمانية، وبثوب جديد لم تعهده من قبل إلا أنه امتداد لما سبق فقد أنضجته التجارب السابقة للقصيدة العمانية وجعلت قصيدته أكثر ثقافه وقوة، وعندما قرب الشاعر ربيع العلوي القصيدة الخليجية من القصيدة العمانية وحاول الدمج بينهما، أصبحت القصيدة أكثر ثراء، وأكثر قبولا عند فئة الشعراء الشباب، وخاصة المثقفين منهم والمطلعين على ثقافة الآخر، وقد سوق لها تسويقا جيدا مع ظهور صفحات الشعر الشعبي الأولى، والتي خدمت هذه التجربة الجديدة، وأصبح لها متابعون ومؤيدون كثر.
وما الشاعران علي السناني ومحمد بن علي بهوان إلا نتاج ذلك الحراك الثقافي،الذي أورث قصيدة عمانية متكاملة ذات ملمح أكثر شمولية ، بحيث أصبح هذا النوع من النصوص في المدرسة العمانية يحمل وجهين جميلين، المبعث والولادة عمانية، مطعمة ومزخرفة باللون الخليجي الحديث.
وكان من الشعراء البارزين في تلك المرحلة الشاعر محفوظ الفارسي والذي تدرج في الكتابة وأنضج التجربة وجعلها أكثر فعالية وحدث في النص العماني وكان له فضل بلوغ التجربة الشعرية في القصيدة حتى حدود بعيدة في التحديث، أدخل الشاعر محفوظ الفارسي، الفلسفة وعلم النفس، والبعد السريالي في القصيدة الشعبية على مستوى المضمون، ولم يغفل محفوظ الفارسي التغيير في الشكل الخارجي للنص حيث، أكمل التجارب الناجحة في التفعيلة، والنص النثري، وبلغ الشاعر محفوظ الفارسي إلى هذا البعد من التغيير والتطوير في القصيدة العمانية، ومن هنا أخذت المدرسة العمانية ثراء من نوع آخر زاد في نمائها، وقدرتها على التطور والمعاصرة للواقع الشعري العالمي، ووقف وراء هذا التطور والتحديث في القصيدة العمانية اسم بارز لا يغفله التاريخ الشعري مهما طال الزمن ألا وهو الشاعر الناقد الأستاذ مسعود الحمداني، الذي أرسئ دعائم هذا التحديث في القصيدة العمانية، وقد كان عموده (سماوات) هو مركز التوجيه لهذا التطور والتحديث في القصيدة الشعبية في عمان قاطبة، حتى أن هذا التحديث أثر في الخليج وتأثر به، وقد نأى مسعود بهذا النسق والنوع من التركيب الشعري والذي كان يحمل أوج الثقافة ذات الصبغة الفلسفية ومخاطبة الذات وإسقاطها على الآخر من خلال نص شعري ناضج الأركان هذا هو الهدف، وكان التجارب تقام حوله للوصول إليه، مما جعل الكثير من الشعراء يتهم النص العماني بالغموض والحداثه المفرطة، وهذا باطل، فقط كان النص مثقف ووعي في مجتمع قليل الثقافة، وهنا الكلام عن المجتمع الخليجي عامة حيث أصبح النص العماني متابعا من الجميع في عمان وخارجها في هذه المرحلة بذات، والحديث هنا يطول لكن سوف أقف ولن أسهب وأستفيض فيه، فالمقام مرور سريع ولعله يكون هناك مقال مستقل حول هذا المشروع بالذات ومناقشة أفكاره وبيان اللبس فيه.
وهنا شاعر لا يغفل ورمز بارز في المدرسة العمانية الحديثه ألا وهو الشاعر أحمد الشحي، حيث تميز أحمد باعتماده في الكتابة والتركيز على المعنى المراد، بمعنى أن النص عند أحمد قليل الأبيات كثير المعاني بحيث تجد كل بيت يترجم نصا، كذلك كثافة الصورة الشعرية وعلاقتها بالمعنى، ومعنى المعنى وهذا يعتبر في نظرية النقد الحديثة أوج التطور في النص الشعري، وأدخل الشاعر أحمد الشحي وغيره، إلا أن هذا أكثر وضوحا في قصيدة أحمد الشحي، المنهج (الرومنتيكي) بكل أركانه وشروطه،من خطاب الذات، اللوم وإلقائه على المجتمع، الهروب إلى عوالم آخرى، ونقاء الطبيعة، والبعد عن التملق والمديح وغيرها من صور المدرسة الرومنتيكية، وهذا كان له أثر إذكاء لهذه الروح في المدرسة العمانية وشعرائها.
وأسم آخر يظهر في الجنوب الشاعر سالم المعشني ( أبو قيس) مع تميز قصيدة أبو قيس وهذا لا شك فيه، لكن ما يهمني هنا هو دور أبو قيس أو بالأحرى قصيدة أبو قيس، فقصائد أبو قيس أذكت روح التوفيق والربط بين القصيدة في الجنوب والشمال، فقط أوجدت قصائد أبو قيس صلة الوصل بين الجانبين ومن هنا كانت معبرا للنصوص الجنوبية والشمالية، وفتقربت الألفاظ وأصبحت لغة الشعر أكثر سهولة للفهم وبلوغ المعنى المراد مع احتفاظها بقوة التعبير والجزالة المعتادة في نصوص أهل الجنوب التي تحمل معاني الصلابة وروح النقد البناء، ثم جاء الشاعر علوي باعمر الذي حاول التطوير والتحديث في النص في الجنوب، وفي البداية كانت نصوص علوي هي النصوص الأكثر حداثة وتطورا بين شعراء الجنوب ونقل علوي تجربة التطوير إلى الجنوب وكان الرائد فيها، إلا أنه لم يكمل الطريق واكتفى بالمحاولات الأولى وبقي ما بعد ذلك تكرارا للسابق، انتبه لهذا الأمر مجموعة من الشعراء وكان الرائد في هذا الأمر الشاعر أحمد المعشني الشاعر الذي حدث كثير في النص الشعري وتميز وأضاف على هذا التميز، وحتى هذا الوقت تعتبر نصوص الشاعر أحمد المعشني وتجاربه من النصوص الأكثر تطورا ونموا مستمرا فلم يكتف أحمد بالتجربة فقط بل زاد عليها الاستمرار وكثرة المحاولات التي أسبغت على نصوصه، الوعي الفكري داخل زوايا النص على مستوى المعنى والفكرة والبحر وحتى في اختيار القوافي والتنسيق بين الغرض والبحر في الأبيات الشعرية وهذا يحسب للشاعر أحمد المشعني ليس على مستوى الجنوب بل إضافة للمدرسة العمانية ككل.
وهناك شاعر كان له دور كبير في الربط بين المدرسة العمانية الحديثة بثوبها القطري الجديد والمدرسة القديمة التي كانت ترتكز على اللغة والمفردة ذات الصبغة التي تدعو للتقارب مع الفصحى، وهذا الشاعر هو بدر الشحيمي، نجح الشاعر بدر نجاحا كبيرا في كتابة القصيدة الحديثة بكل ما فيها دون خلع ثوبها الأصيل، أي أنه ربط الأمتداد في المدرسة العمانية من القديم للحديث، وقد ألبس بدر القصيدة العمانية ملامح التجديد الذي لم يخرجها من إطارها الزمني، وحتى في الشكل الخارجي، طبق بدر بحر الرزحة في النص الحديث ودمج بين التفعيلة والعمودي ولم ينس ملامح اللغة الشعرية التي تحمل صورة المدرسة العمانية بكل أطيافها لغة وصورا ومعاني وترصيعا، استحضار شخصيات وغيرذلك، ومن يقرأ قصيدة (صور ومشاهد للراقصين خلف الجنازة) يعرف هذا الربط بكل أشكاله وعبقه الراقي. وكان بدر أكثر شاعر أحيا وجه المدرسة العمانية وأضاف لها التحديث، وهذا يحسب له في تاريخه.
وملمح آخر شاهد على تطور المدرسة العمانية هو ما أظهرته الشاعرة هجير من الخطاب داخل النص والتشخيص الذاتي والإندماج مع الآخر، الشاعرة هجير ترسم لوحة متماسكة وتبني وتشيد أبراجا داخل النص الواحد، وفي نصوص الشاعرة هجير تجد الاحتدام في النفوس مع استقلالية الخطاب الفلسفي، وتصنع الصورة ذاتها مع لغة ناضجة، حيث ظهر هذا الأسلوب الذي أوجد نصا يحتاج إلى جهد وإخلاص في البناء والتكوين، هذا الأسلوب في الكتابة أضاف النص التنويري الذي يجمع بين الثقافات، والذي يحتاج إلى قراءة مستفيضة حول موضوع فكرة النص، ومن ثم الإبتكار والدمج فيخلق الإبداع.
من خلال هذا المقال أتمنى أن الصورة قد اتضحت ولو بشكل مختصر، حول المحطات التي مرة بها القصيدة العمانية من خلال نماذج من الشعراء الذي مثل أسلوبهم وجها من المدرسة العمانية، وكيف انتقلت القصيدة العمانية من البداية إلى هذا الوقت بين هذه المحطات التي أوضحناها من خلال الأسماء المعروضة، ولا شك أن هناك أسماء كثيرة ظهرت وخدمت الشعر، وما هذه الأسماء إلى نماذج من المبدعين الذين أثروا الساحة الشعرية والأدب بشكل عام.

إلى الأعلى