الأربعاء 22 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة على هامش ما جاء في ويكيبيديا “الموسوعة الحرة” عن مفهوم الملحمة الشعرية
قراءة على هامش ما جاء في ويكيبيديا “الموسوعة الحرة” عن مفهوم الملحمة الشعرية

قراءة على هامش ما جاء في ويكيبيديا “الموسوعة الحرة” عن مفهوم الملحمة الشعرية

في دردشةٍ أدبية مُمتعة مع صديقي الشاعر والناقد الدكتور محمد عبد الباسط زيدان..عن أساليب كتابة المقالة والدراسة الأدبية للصحف اليومية أو الملاحق الأسبوعية..تناولت معه ما يُسمّى بـ (مقالٍ على مقال ) أو ( حوار على حوار )، وهي طريقة من طرق الكتابة وجدت لها أمثلة عدّة في العديد من الصحف اليومية والملاحق الأسبوعية والمجلات الشهرية أو الدوريات، ولا ضير في هذه الطريقة من الكتابة ما دامت تقدّم شيئاً جديداً، وسوف أتّبعها هنا في هذه القراءة المختصرة عن الملحمة الشعرية، وإرهاصات الأمل في ظهورها انطلاقاً من التاريخ العماني، سواء من كاتب هذه السطور – الذي لا يزال يفكّر في هذا المشروع بصوتٍ مقروء- والذي لا يزال يتمنى أن يكتب هذه الملحمة الشعرية الكبرى، أو من أي شاعر مُتمكنٍ آخر، عمانيا كان أو من أي دولة عربية أخرى، وسأعتمد في هذه القراءة والتهميش والتعليق على ما جاء في ” ويكيبيديا الموسوعة الحرة ” – التي هي من الأساس قد نقلت هذه المعلومات عن الملحمة عن بعض المصادر والمراجع ـ.
الملحمة الشعرية كما ذكرت الموسوعة المُشار إليها هي: ” قصة شعرية طويلة مليئة بالأحداث غالباً ما تقص حكايات شعب من الشعوب في بداية تاريخه وتقص عن تحرك جماعات بأكملها وبنائها للأمة والمجتمع “.. وهذا الأسلوب القصصي الشعري موجود في الكثير من حضارات الدنيا، وسنأتي على ذكر أمثلة منها، أما في حضارتنا العربية فالموجود من هذا اللون الأدبي قليل جداً قياساً لما وُجد منه في الحضارات الأخرى، أما هذه المميزات من الشعر القصصي الملحمي فهو يتواجد لدى العديد من الشعراء العرب قديماً وحديثاً بنسب متفاوتة من شاعر لآخر وإن لم تكن عندهم هذه الطريقة على سبيل الاختصاص، والغالب على كلّ شاعر مبدع يريد أن يقدم عملاً عن هذا الشعب العظيم.. شعب عمان..، حيث يُضفي على عمله الشعري طابعاً ملحمياً، ولكنه لا يأخذ كل مزايا الملحمة ومقوماتها، وإنما يأخذ منها زينتها الخارجية، والغطاء التاريخي الذي يمرّ عليه مرور الكرام مُشيداً بإضاءات معيّنة تعتبر من الأمجاد التي ينبغي أن يخلّدها الدهر ويتغنى بها المغنون والشعراء..ولعلّ ” الأوبريت الشعري ” الذي يؤلفه شاعر الفصحى أو شاعر العامية خير مثال على ذلك.. وفي تاريخ عمان الحديث العديد من النصوص الشعرية التي تم تمثيلها على المسارح في مختلف محافظات عمان.. حيث يأخذ الشاعر بلمسات من الأسلوب الملحمي، مما يُضفي على العمل الأوبريتي – إن صحت النسبة – سحراً وإدهاشاً للمتلقي.
والأمر يختلف إذا كان عملاً ملحمياً متكاملاً، حيث ينبغي أن تكون له شروطه الخاصة من حيث كونه قصة طويلة تحتدم بالكثير من الأحداث التي تدور حول نهضة الشعب من بداياته حتى أوج تطوّره، ويأتي في تفاصيل هذه الملحمة الشعرية تحرك جماعات كثيرة من هذا الشعب للانضمام لهذا المجد الذي تصنعه هذه الأمة المحددة بهذا المكان المحدد.
و” الملحمة – كما جاء في الموسوعة الآنفة الذكر – حكاية بطولية تخبر عن حركة جماعات أو حركة الشعوب وحركة القبائل وهي نموذج إنساني يُحتذى به، يفعل بحياته وسلوكه ما يمكن أن يطمح المرء لتحقيقه”.. وفي التاريخ العماني أجلى أنواع البطولات التاريخية لتحقيق الطموحات المشروعة في تكوين وطن مُستقل يحكمه أهله ولا يرضخ للقوى الخارجية، وهذا التاريخ الواقعي يكاد يكون خيالاً لقهره المستحيل وتخطي الكثير من العقبات الكأداء للوصول إلى هذه الانتصارات المجيدة عبر العصور، أما في الكثير من الملاحم الشعرية يكون فيها الواقع أكثره من نسج الخيال.. وإذا ما قرأنا في التاريخ الحقيقي نجد فروقاً كثيرة بين ما يصوره الشاعر الملحمي وبين ما تثبته الوقائع وكتب التاريخ والوثائق، وهذا هو الظلم الواقع على تاريخنا الإسلامي عبر العصور، حيث ينظر إليه المستشرق على أنه عبارة عن نزاعات قبلية أو أطماع عائلات معينة لتصل إلى الحكم ومسك زمام الأمور هنا وهناك، بينما في الحقيقة التاريخية نجد أن أغلب سلاطين عمان لم يكونوا ممن يمتلك نزعة السلطة لذات السلطة، وإنما نجدهم سبّاقين في خدمة شعبهم وأرضهم ووطنهم بشكل عام.
” قد تحتوي الملحمة على أساطير قد تدخل الأسطورة في نسيج الملحمة ولكن لا تتداخل الملحمة مع الأسطورة فالملحمة شيء والأسطورة شيء آخر حيث أن الفرق الجوهري بين الأسطورة والملحمة هو أن أبطال الأسطورة من الآلهة أما أبطال الملحمة فهم من البشر “.. ومن هنا نعرف الفروقات الكبيرة بين الملحمة والشعر الاعتيادي أو الشعر التاريخي المتسلسل زمنياً، أو الشعر السردي لأحداث معينة من التاريخ في حقبة محددة، ومن هنا أيضاً نعرف أن الملحمة الشعرية تعتمد في الدرجة الأولى على تاريخ أمة نهضت من بدايتها حتى أوج مجدها، وبالدرجة الثانية تعتمد على دمج هذا التاريخ بأشياء من الخيال والذي يمكن أن يحلّ محله هنا بعض الأساطير والخرافات التي نمت في ثقافة هذه الأمة بمختلف مجتمعاتها، حيث يكوّن تاريخ هذه الأمة أبطالها، ويبرز في أساطيرها الشخوص الذين يمكن أن تكون لهم هنا وهناك في أحداث الملحمة بعض الأدوار المساندة لأحداث هذا التاريخ سواء في العملية التوصيفية لراوي الملحمة، أو لما يرويه بعض أبطال هذه الملحمة تعليقاً على بعض أحداثها، أو لما يرويه أفراد عاديون من المجتمع ممن يتفاعلون مع أحداث التاريخ وتكون لهذه الأساطير نوعاً من العبرة تتناسب والأحداث التي يتعايشون معها، وكل ذلك لا ينفصل عن الجسد العام للملحمة وخطتها من بداية انطلاقتها حتى إسدار الستار الأخير على نهايتها، وهنا ينبغي من راوي الملحمة أن يكون دقيقاً في ربط الأحداث، والحركة، والحوار، والمعارك، والانتصارات، وفترات الهدوء، وفترات التوتّر، والاختباء، والتحرك الخفي، ومن ثم الثورة، والظهور، ثم الحرب، ثم الانتصار، ثم البناء، ثم التغني بالمجد، وهكذا.
وقد قرأت بعض القصص الأسطورية النابعة من الذاكرة التاريخية للشعب العماني، فوجدتها أساطير وحكايات تأخذ الطابع الشعبي، ومنها على سبيل المثال تلك الأسطورة التي حررها الكاتب والمؤرخ والأديب الشيخ حمود بن حمد بن جويد الغيلاني، من مواليد مدينة صور العمانية، والتي عنونها بـ (بلاّل بو كبيش ) وهي مجموعة قصصية من التراث العماني، ولكنها تحمل في طيّاتها العديد من الفوائد والمناقبيات التي يصلح توظيفها في العملية الشعرية على أساس أنها جزء من الأساطير العمانية، من باب التناص بين الشعر الملحمي والنثر القصصي العماني الذي يأخذ طابع الأسطورة، وكلنا نعرف أن الشعر القصصي قديم قِدَم الشعر ذاته، كما نلاحظ ذلك في دراسة الدكتوراة للدكتور أحمد الخاني (رحلة القصة الشعرية منذ الجاهلية إلى نهاية القرن العشرين)، وهناك العديد من دراسات البكالوريوس والماجستير في هذا المجال أيضاً ولكن من زوايا مختلفة.

واستكمالاً لما تقوله الموسوعة الآنفة الذكرة: ” يعبر مصطلح (ملحمة) عن أعمال عسكرية كبرى “.. وهذا ما نجده في التاريخ العماني منذ العصور القديمة، فالطابع العسكري يطغى على كل الجوانب الأخرى لتكوين الامبراطورية العمانية منذ تكونها حتى أوج مجدها، ولا تقوم الدول إلا بالجيوش التي يقودها حكّام الحكمة والعدل، لا حكام الجهل والجور، وكما جاء – موسوعة ويكيبيديا الحرة – ” تشتهر سلطنة عُمان بتاريخها العميق من قبل بزوغ فجرالإسلام وبعده، ولكن بعد إسلام أهل عُمان بدون حرب بعد دعوة أبا زيد الأنصاري من الخزرج وعمرو بن العاص أثناء حًكم أبناء الجلندى جيفر وعبد توالت عليها كثير من التغييرات فقد ذهب العُلماء إلى الحكم الإسلامي بحيث ينتخب حاكم ذو صيت واسع ويطلق عليه اسم الإمام، ثم توالت على عُمان الكثير من العهود، فهناك فترة حكم آل الجلندى وعمال الخلفاء الراشيدن والعباسيين والأمويين والعثمانيين بنسب متفاوتة وحكم الأئمة والسلاطين وفترات من الاختلافات والحروب الداخلية والإحتلال البرتغالي والبريطاني”، ولم تمر تلك العهود من غير حروب ومعارك.. بل أكثر هذه الحروب يعتبرها المؤرخون حروباً مصيرية كان للعمانيين فيها الغلبة والانتصار لتحقيق ذواتهم كسلاطين يحملون طموحات عالية للحفاظ على دولتهم وعلى شعبهم وأرضهم وأمجادهم التاريخية.
وتواصل الموسوعة توصيفها للعمل الملحمي الشعري من كونهِ ” يعبر أيضا عن الأدب الذي يضم هذا النوع الأدبي، فنذكر مثلاٌ “ملحمة نابليون” التي تحتفي وتخلد أعمال نابليون بونابارت العسكرية وتجعل منها أسطورة”.
وفي التاريخ العماني الكثير من السلاطين الذين لا يقلّون مكانة عن نابليون بونابرت كشخص، ممن قادوا حملات عسكرية لتحرير عمان من الغزاة الفرس، والبرتغاليين في عصور مختلفة، وعهود متعاقبة، وهذه الإنتصارات لا تقل عن كل الإنتصارات التي حققها نابليون في أوج عظمته، وتستحق كلّ جهود العمانيين المباركة التخليد في قصائد بمختلف تشكيلاتها، ونجد في التاريخ العماني العديد من أمثلة هذه القصائد المنفردة، والقصائد التي أخذت من الأسلوب الملحمي ما أخذت، وهي كثيرة لا مجال لحصرها في هذه القراءة المختصرة.
وتتابع الموسوعة عن الملحمة بقولها: ” هناك أيضا قصائد طويلة مثل ” أفانجيلاين” لهنري لونجفيلو ” و”الكوميديا الإلهية” لدانتي وهي مصنفة كملاحم رغم عدم تطابقها كلياٌ مع الخصائص التقليدية المتعارف عليها لهذا النوع الأدبي.. من نفس هذا المنطلق نستطيع تصنيف العديد من النصوص والروايات…نصوص ملحمية بسبب الأبعاد التأسيسية وأهميتها الكبرى في ثقافة شعب ما “..
وأظنّ أن هذا رأي من الآراء له صحته من جهة، وولكن تبقى الملحمة الشعرية ذات خصائص ومزايا تجعل لها شخصيتها الاعتبارية من بين الأجناس الأدبية الأخرى، حيث تمتلك العنصر الغنائي في شكلها الموسيقي التي تكونت من خلاله أبياتها في كل دور من أدوارها، وكذلك التسلسل الشعري الموضوعي الذي يربطه الشاعر الملحمي بخيط سحري دقيق، لا يستهجنه المتلقي أبداً، وكأن النص جاء شلاّلاً يهبط من قمة الجبل إلى واديه مُكوناً نهراً جميلاً يزيّن الطبيعة من حوله، أما الأجناس الأخرى كالرواية والشعر التاريخي، والرواية الفلسفية، حتى لو كان لها الأبعاد التأسيسية لأمة أو أمم ما، فإنها تبقى في حدود تكوينها النصي، فالرواية رواية، والشعر التاريخي هو الشعر التاريخي ينقصه الكثير من مقومات الملحمة الشعرية.
وتستمر الموسوعة في حديثها عن الملحمة قائلة: وأما عن خصائص الملحمة فهي تعتمد على: ” التقليد الشفهي، فتنتقل عبر الأجيال عن طريق المنشدين المتنقلين والأطباء السحرة ورواة القصص والشعراء القبليين والشعراء الغنائيين المتنقلين، كانت تقال أو ترتل على نغمة رتيبة وأحياناٌ تغنى، في البداية تأتي كتابة هذه الملاحم عن طريق الكتابة من المستمعين لما يقوله المنشد وأحيانا تأتي من مصادر أخرى فتصبح الملحمة نوعا أدبيا قائما بذاته، لكن تبقى الملحمة فناٌ يستعمل الطرق القائمة على التقليد الشفهي، ورغم كتابته، نستطيع إذن أن نفرق بين الملاحم الابتدائية أي الشعبية والملاحم الثانوية أي الأدبية”..
وهذا صحيح في التاريخ الأغريقي القديم.. وهو صحيح أيضاً في تراثنا العربي قديماً حيث يتداول الناس ملاحمهم الشعرية سماعياً حيث لا كتابة ولا كتب ولا صحف ولا مجلات ولا تسجيل ولا وسائل تواصل إجتماعي، ووسيلتهم الإعلامية الوحيدة هو الشاعر الذي يتنقل من بادية إلى أخرى ومن حضرٍ إلى حضر، فتطير قصائده من مكان إلى آخر بواسطة الذاكرة الشعبية وتصبر كالمثل السائر بين الأمصار.
وفي التاريخ العماني نماذج كثيرة من هؤلاء الشعراء كثيري الحفظ، وواسعي الذاكرة، إضافة إلى اشتهار شعراء عمان بالتغني بأشعارهم بأطوار معروفة لديهم، حتى عصرنا الحاضر، وكنت أطرب لهذه الأطوار عندما أسمعها من أفواه الشعراء أنفسهم، كما هو الحال لدى بعض الشعراء في أمسيات مجلس السبت للسيد قحطان البوسعيدي في مدينة بوشر بالقرب من مسقط، وكم هو جميل أن يُثبت الحاضر امتداده التاريخي في لونٍ من ألوان الأدب العربي الأصيل وهو الشعر الذي يتم التغني به من قبل الشاعر أو الراوي.
ومما ذكرته الموسوعة: ” برغم اتخاذ مواضيعها من التاريخ إلا اننا نستطيع تفريق الملحمة بإهتمام الكاتب بخلق عمل مرتبط بأحداث منطقية أو محتملة الحدوث وليس أحداث وحقائق تاريخية مثلما يعمل المؤرخ، فعلاقة الملحمة بالحقائق التاريخية تبقى إذن متغيرة بشكل كبير لدرجة ان القصيدة الملحمية تتضمن احيانا كثيرة بعدا مبهجا وسحريا فينتقل من التاريخ إلى الاسطورة ومن الاسطورة إلى التاريخ”..
وهذا الجانب من أهم التقنيات في حبك وصياغة الملحمة الشعرية، لتستحق أن تُسمى بهذا الإسم، وتأخذ مزايا هذا اللون الأدبي الرفيع، فبدون الأساطير والخُرافات في الملحمة تصبح باهتة في ألوانها، وباردة في أحداثها، فسرد التاريخ بطريقة المرآة لا يُضيف شيئاً مُدهشاً للمتلقي، وإنما يستخدم الشاعر هذا الجانب الأسطوري ودمجه بالحقائق التاريخية بطريقةٍ ما ليجذب المتلقين، ويصنع لهم مجالاً للتفكير والتأويل لاستخراج الحكمة من بين الأحداث التي تسردها الملحمة الشعرية.. فالهدف الحقيقي ليس هو ما تتطرق إليه الكلمات والأشعار من أجزاء العملية السردية، وإنما الهدف الأساس هو ما بين السطور أو ما خلف هذه الصور البيانية من معانٍ كلية.
وتواصل الموسوعة حديثها عن الملحمة بقولها: ” يسمح الشاعر باستخدام العديد من الأشياء غير الحقيقية، ويستخدم ايضا الصور البلاغية و بالأخص المبالغة لأن القصيدة الملحمية يكون هدفها الأساسى هو مدح شعب او بطل وطنى فيتغاضى الشاعر عن بعض العيوب والحقائق التاريخية والحربية والفكرية لكى يظهر الممدوح في صورة مثالية تصلح لتكوين الملحمة، هذا التزيين للمدوح يعطى للعمل المزيد من الحياة ويكون الطابع الشعرى له مرتكز القصيدة الملحمية على ضمير الغائب وتساهم في الوظيفة المرجعية للقصيدة أي أنها ترسم عالما وأحداثا، بينما أن القصيدة الغنائية ترتكز على مشاعر وعواطف الـ “أنا”، و الالقصيدة الدرامية ترتكز على الحوار والـ “أنت”، فلا يجب على الشاعر وضع نفسه في الأمام أو الظهور في الصورة بل إن عليه الاختفاء…”.
ولو نظرنا في أرشيف الشعب العماني الأدبي، والتراثيات المقولة، من أمثال وحكايات وأساطير وألغاز وأراجيز وأناشيد لأصبنا بالذهول، حيث أن هذا التراث القومي لهذه الأرض الطيبة لا ينتمي لمرحلة زمنية محددة بل ينتمي لمراحل زمنية متعاقبة منذ عصور الأنبياء مروراً بأولي العزم، والرسول الأكرم(ص) والعهد الراشدي حتى تعاقب الأمبراطوريات الإسلامية، إلى العصر الحديث..ومن الطبيعي أن تحتدم في تاريخ هذا الشعب الكثير الكثير من الحقائق وغير الحقائق..القصص التاريخية المروية بشكل صحيح، والقصص التاريخية التي يشوبها بعض الزيف أو بعض التحريف.. وهي طبيعة بشرية متواجدة في كل مكان بهذه المعمورة..كما تتواجد التوثيقات للكثير من الأحداث التاريخية المُترابطة زمنياً، فكتابةالتاريخ كما هو معروف قد يأخذ شكل التسلسل الزمني، وقد يأخذ شكل تسلسل حقب السلاطين والملوك، وهو أيضاً تسلسل زمني، ولكن الأول يأخذ أحداث السنوات سنة بعد سنة، أما الثاني فيأخذ أسلوب دراسة حقبة السلطان من مولده إلى ارتحاله للرفيق الأعلى ومجيء السلطان أو الملك أو الحاكم الذي يليه.. وهكذا.
والقصيدة الملحمية الناجحة لا تخلو من بلاغيات على مُستوى الجملة والصورة البيانية البسيطة، والصورة البيانية المركبة، ومجموع الصور البيانية المركبة مرتبطة بعضها ببعض سواء في إطار الموضوع الواحد، أو ارتباط الموضوع بالذي يليه والذي بعده وهكذا..
وشاعر الملحمة ليس ناقداً يحكم على الشعب بما يحمله من أخطاء تاريخية وحسنات، وإنما هو مُصوّر بارع يُركّز على ما يُقوّم الخيط السحري الذي يربط ملحمته من بدايتها حتى نهايتها، إنه يُركّز على شاعرية النص الملحمي، تماماً كما يقول يرى الشاعر الأردني مهدي نصير رئيس فرع رابطة الكتّاب الأردنيين بإربد ” أن الشِّعرُ عبر التاريخ رؤية ورؤيا ولغةٌ تترجمها بإيقاعاتها وتناصَّاتها الواعية وغير الواعية مع التاريخ والأسطورة والمكان والناس والطبيعة والحياة “، وبالتالي لا وجود لموقف القاضي في شخصية الشاعر.. ومن حقه أن يتغاضى عن كل منغصات النص الملحمي بالتغاضي عن بعض الأحداث التاريخية التي قد تشوّه العمل الملحمي، بل يركّز على محاسن هذا الشعب ومُجمل حسناته والصبغة الظاهرية المُبهرة التي انصبغ بها عبر تاريخه، فعُرف بين الشعوب على أنه كافح ووصل إلى ما يريد.
أما عن “القصة و الشخصيات الموجودة في القصيدة، قال هيغل الذي تكلم عن “إنجيل الشعب”: أن الملحمة تملك بعداٌ تأسيسياٌ قوياٌ و تحكي “حلقة متصلة بالعالم الكامل لبلد أو لفترة من الزمن ” فتكون ” الأسس الحقيقية للوعي” و لهذا تدور أحداثها على ” أرض مفتوحة للمعارك بين جميع البلدان”.
وهذه الرؤية للقصة والشخصيات في القصيدة الملحمية لا يمكن لكاتب الملحمة العمانية العظمى أن يغفلها، فعامل القص موجود بقوة في القصية، والشخصيات هم الأعمدة التي يقوم به جسد هذه الملحمة، وهؤلاء الشخصيات هم من نقل الوعي الفردي والوعي الجمعي للشعب العماني منذ تأسيس الدولة قبل قرونٍ عدة حتى عصرنا الحاضر..
” في كل أوروبا، كانت الملاحم تكتب ويبحث عنها ويكتشف الكثير منها فتحكي عن أساطير جديدة أو قديمة أو مواد أو نصوص، نستطيع أن نذكر منها على سبيل المثال دون خوان لجورج غوردون بايرون، و”هرمان آند دروثيا” ليوهان فولفغانغ فون غوته، و إعادة اكتشاف أغنية “نيبيلنجن”، وإنتاج الملحمة الوطنية الفينلندية كاليفالا، فضلا عن العديد من المشاريع الكبرى للرواية مثل الملهاة الإنسانية لبلزاك، والحرب والسلم لتولستوي “.
وكل التاريخ الأوروبي بما فيه من تحوّلات حضارية من عصور الظلمات التي مرت بها أوروبا، حتى العصر الحديث، لا يمكن أن نقارنه بازدهار العصور التي مرّت بها الإمبراطورية العمانية، فلكلٍّ ظروف خاصة وأحداث تاريخية تختلف من دولة لأخرى، وعلى حدّ علمي أن المستشرقين الأوروبيين كانوا يقتنون الكتب والمخطوطات العربية والإسلامية بشكل عام سواء من عمان أو غيرها ومن ثم يقومون بترجمتها والاستفادة منها لبناء أوروبا إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه في عصرها الحديث، وآن الأوان لخروج المارد العماني من قمقمه ليحكي للعالم ما كانت عليه عمان في عصور ازدهارها الماضية وعصرها الحالي الذي بلغ أوج مجده بين الكثير من دول العالم، حيث أصبحت عمان دولة السلم والسلام العربي والعالمي أجمع، وكل الأوروبيين يعلمون تماماً ما هي عمان وكيف وصلت إلى هذه المكانة، وقد كتب أحمد الجنابي في مقال له بعنوان (تحرير مسقط من البرتغاليين) نشرته الجزيرة نت بتاريخ 296/11/2012م: ” التاريخ يكتب للعُمانيين بأنهم نجحوا في جميع المراحل رغم خلافاتهم الداخلية في إبقاء بلادهم بعيدة عن الاستعمار الأوروبي الذي اجتاح المنطقة في القرون الأخيرة من الألفية الثانية، واستطاعوا بعد خروج البرتغاليين أن ينظموا علاقاتهم مع القوى الدولية بواسطة معاهدات تجارية وسياسية تنظم العلاقة، ويتضح ذلك من إيفاد السلطان سعيد بن سلطان أول ممثل تجاري عُماني إلى الولايات المتحدة عام 1840م “.
وفي التاريخ الإنساني العديد من الملاحم الخالدة أمثال: ” الإلياذة والأوذيسة لهوميروس، والفردوس المفقود لجون ميلتون، والشاهنامة لفردوسي، والمهابهاراتا الهندية، وأغنية السيد الإسبانية، وكاليفالا الفلندية، وقصة الهائيكي اليابانية، ونشيد نبيلونك الألمانية، وبيولف الإنجليزية، والكوميديا الإلهية لدانتي، والانياذة الرومانية، وشاعرية أدا الاسكندفاية، ونشيد رولاند الفرنسية، ودون كيخوت لثيرفانتس، وملحمة جلجامش السومرية، وملعبة الكفيف الزرهوني المغربية، وأساطير نارت الشركسية القوقازية، وملحمة الملك جسار المغولية، والفارس ذو جلد النمر الجورجية، وملحمة عنتر بن شداد، وتغريبة بني هلال “، وليس من العجب أن تُضاف لأمثال هذه الأعمال الأدبية الكبرى ملحمة شعرية تتحدث عن شعب عمان العظيم، وفي التاريخ العماني تبرز الملحمة الشعرية للشاعر الراحل البطاشي التي تبلغ أكثر من 124 ألف بيت من الشعر، وأغلبها من السرد العلمي لبعض العلوم كالأصول والفقه، كما احتوت على الأدب والتاريخ، ولكنها ليست ملحمة شعرية لقصة تجمع بين التاريخ والأسطورة والخرافة والخيال التي اعتادت عليه الملحمة الشعرية عبر التاريخ الإنساني، والساحة لا تزال تنتظر مثل هذا العمل الملحمي العملاق.
وأختم هذه الإطلالة مع ما ذكرته الموسوعة العالمية ويكيبيديا، وما أضفته من تعليقات وتهميشات بخصوص مشروع ( ملحمة عمان الشعرية )، التي تجد في التاريخ العماني، أرضية خصبة لزراعتها ومن ثم نموّها وظهور ثمارها اليانعة.

عقيل بن ناجي المسكين
aqeelmiskeen@yahoo.com

إلى الأعلى