الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ليبيا والمنعرج التونسي الأخطر في لعبة الأمم

ليبيا والمنعرج التونسي الأخطر في لعبة الأمم

د.أحمد القديدي

” تتذكرون كيف عالجت واشنطن وحليفاتها الأوروبيات معضلة أوكرانيا أولا بالتحدي (الغربي) المتمثل في تكريس وتشجيع انفصال هذه (الولاية) الروسية ثم تتذكرون كيف حرك بوتين قطعة الشطرنج القرمية (نسبة لشبه جزية القرم) فأصبح التعادل هو سيد الموقف بين العملاقين ثم لاحظنا أنه في خضم هذه الأزمة الإقليمية الخطيرة مالت واشنطن إلى إرضاء موسكو…”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا نعرف بالتحديد ماذا يجري في الغرف السرية المقفلة لقيادة حلف شمال الأطلسي؟ ولا ندرك اليوم في مطلع السنة الجديدة كيف سيكون التدخل العسكري في ليبيا الشقيقة ومن سيشارك فيه ومن سيقوده وما غاياته (فلكل عمل عسكري عقيدة وأهداف) ثم من سيقصف بالطائرات ومن سيكون المقصوف وممن تتشكل القوى البرية حيث أثبتت الأحداث أن لا نصر يتحقق لفريق يكتفي بالقصف من الجو. ونحن كتونسيين معنيون بالدرجة الأولى بمشروع من هذا العيار ربما أكثر من الشقيقتين مصر والجزائر لأسباب تاريخية وجغرافية وإنسانية لا تخفى ولا يشكك فيها أحد. يقول أحد الخبراء الأميركان في الجيوستراتيجيا هذا الأسبوع بأن تونس ستتحمل توابع الزلزال العسكري والأمني حين تندلع الزوابع. فتونس لا تكاد تخرج من هزات أمنية و إجتماعية وسياسية تركت في إقتصادها ندوبا موجعة لكنها بالمقارنة مع مجتمعات الشرق الهشة يمكن القول أنها نجت من منطقة المطبات الكبرى بفضل صلابة عود الدولة وبقاء مؤسساتها سليمة فالدولة المهيكلة في تونس تعود إلى قرون تعاقبت على إدارتها أجيال من التوانسة إكتسبت خبرة في الإدارة و التصرف و تأطير المجتمع. لكن الذي سيطرأ في لعبة الأمم هو إمتحان عسير يتعدى الحدود و لا يقرأ حسابا لما نسميه السيادة واستقلال القرار و لا يمكن لتونس ألا تعيه و ألا تتوقع مضاعفاته. يجب علينا أولا قراءة الواقع الدولي بعيون مفتوحة وعقول واعية لنفك شفرات الأحداث. ففي أعلى سلم القوى العملاقة نجد التحول من حالة توافق المصالح بين الولايات المتحدة وروسيا إلى حالة التصادم. تتذكرون كيف عالجت واشنطن و حليفاتها الأوروبيات معضلة أوكرانيا أولا بالتحدي (الغربي) المتمثل في تكريس وتشجيع إنفصال هذه (الولاية) الروسية ثم تتذكرون كيف حرك بوتين قطعة الشطرنج القرمية (نسبة لشبه جزية القرم) فأصبح التعادل هو سيد الموقف بين العملاقين ثم لاحظنا أنه في خضم هذه الأزمة الإقليمية الخطيرة مالت واشنطن إلى إرضاء موسكو بتشريكها في إدارة ملف النووي الإيراني وإدراة ملف معالجة الحرب السورية سعيا منها لتحقيق توازن القوى وإجتناب التصادم وشهد المراقبون للوزيرين (جون كيري) و(سرغاي لافروف) بالحكمة وربما هنا عبارة الحكمة تعني الدهاء. وأعاد كثير من الزملاء خبراء السياسات الدولية إلى الأذهان معاهدة (سايكس بيكو) الموقعة بين القوتين المنتصرتين في الحرب العالمية الأولى بريطانيا وفرنسا بتعويض سايكس بكيري وتعويض بيكو بلافروف. فتقاسمت القوتان الأعظم (سنة 1916 ثم سنة 2015) تركة الرجل المريض. ورغم تغير المنتصرين على مدى قرن فإن الرجل المريض بقي هو نفسه (أي الشرق الأوسط و ما كنا نسميه دار الإسلام) و بعد أن تحركت عين العاصفة من المشرق الى المغرب حسب تعبير رئيس وكالة الإستخبارات الأميركية أصبح الجميع على كف عفريت وعلينا في تونس أكثر من جيراننا أن نستعد لمواجهة المجهول. استعرضنا المستوى الأعلى للأزمة أي بين العملاقين الأميركي والروسي ونحاول تحليل المستوى الثاني (أي التصادم بين مصالح القوى الإقليمية) لندرك أن باريس هي المعنية بالدرجة الأولى بكل تغيير في مناطق نفوذها و كل إخلال بتوازن القوى وهي التي تزعمت الجيوش الأوروبية المتدخلة في سوريا حاليا و قبلها في ليبيا إبان رئاسة ساركوزي و رد تنظيم داعش على زعامة فرنسا للعمل العسكري بالمجزرة إلارهابية في باريس يوم 13 نوفمبر الماضي ولم تخف الحكومة الفرنسية سعيها لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط على أساس الحرب على الإرهاب وعلى أساس تصور مستقبل سوري وعراقي وليبي و يمني لا يتعارض مع مصالح الإتحاد الأوروبي والغرب عموما في المنطقة. وفي المقابل نجد موقفا جزائريا صلبا يرفض كل تدخل عسكري في ليبيا بناء على ستراتيجية جزائرية عريقة تحاول النأي بالجزائر وبالمغرب العربي عن تواجد قوات أجنبية (فرنسية أساسا) على التراب المغاربي واصفة إياه بالإستعمار المباشرالجديد. وهذا الموقف تأخذه السلطات التونسية مأخذ الجد وستراعي جارتها الجزائرية عند اندلاع أي شرارة نار في ليبيا سوف تقترب من حدود تونس بقطع النظر عن التهديدات الصادرة عما يسمى حكومة طرابلس (وهي في الواقع إحدى أطراف الفسيفساء الليبية المعقدة) وأعتقد أن تونس في أشد الحاجة اليوم إلى خط دبلوماسي موحد و واضح و دقيق حتى لا نقع من جديد في التخبط الذي عاشته الدبلوماسية التونسية بعد 14 يناير 2011 إزاء الأوضاع في ليبيا وهو تخبط أساء لمصالح تونس وجاليتنا المقيمة في ليبيا بشكل غير مسبوق. تخبط بدأ بتولي حكومتنا المؤقتة تحديد الشرعية في ليبيا عوضا عن الليبيين أنفسهم و انتهى بتسليم المسكين البغدادي المحمودي إلى جلاديه في زمن التقلبات والفوضى وانهيار التوافقات. ونعود للقوى الإقليمية لنؤكد أن تقاسم رسم خريطة ما بعد الأزمات يعود إلى مصر وإيران والمملكة العربية السعودية وتركيا وإلى حد بعيد الجزائر والمملكة المغربية وتبقى تونس بالنسبة لجميع هذه الدول هي الحلقة الأساسية في لعبة التحالفات وربما من مصلحة هؤلاء جميعا التأثير في خيارات تونس ومواقفها لأن الجغرافيا تحكم بأن لا مستقبل لأي عمل عسكري في ليبيا دون استعداد تونس للتعاون مع منفذيه. وهنا لا بد من تقوية الجبهة الداخلية التونسية بجرأة كبيرة سريعة حتى تكون بلادنا قلعة موحدة راسخة صامدة تتحطم عليها كل مشاريع الفوضى والعنف و تأملوا معي كلام العميد شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد الذي أعلن أن الفساد (الناتج عن فقدان برامج الإصلاحات الكبرى) هو الخطر الأكبر الذي يهدد بلادنا ويلقي بها الى التهلكة لا قدر الله.

إلى الأعلى