السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر .. كيف نحرك الهمم الساكنة في أبنائنا .. ؟؟

بداية سطر .. كيف نحرك الهمم الساكنة في أبنائنا .. ؟؟

منذ أكثر من عقد من الزمان كلفت بتدريس مادة اللغة العربية للصف السادس الأساسي ، ففي أول لقاء تعريفي بيني وبين طلابي ، طلبت من كل تلميذ أن يقرأ مما حفظ من القرآن أو من الأشعار أو القصص أو الدروس الماضية بينما أعني بداخلي تحديد مستويات الطلبة في مستوى القراءة ، لأتمكن من صياغة خطتي التعليمية لهؤلاء الطلبة حسب مستوياتهم وقدراتهم .
وبينما نواصل فحص قدرات التلاميذ في مهارة القراءة ومدى سرعتهم ودقة قراءتهم ، إذ بطالب يقبع في مؤخرة الفصل ويخفي رأسه تحت الطاولة بين الفينة والأخرى فطلبت منه القراءة فأجاب الطلبة : (ما يعرف شي) ذهلت من شدة الموقف وحزنت حزنا شديدا حين انعكس جواب الطلبة على وجه الطالب الذي بدا محمرّ الوجه يتصبب العرق من جبينه فنظرت إليه نظرة تأمل ولسان حاله يقول : ” لو علمتم بحالي ما لمتموني” فقررت الجلوس مع الطالب بعد مغادرة الطلبة من الصف للفسحة بهدف الإفطار .
جلست مع الطالب في جلسة لم يكتنفها الغموض بل هيأت نفسي لمعالجته مما ألم به من مشكل أدى إلى شعوره بالنقص في مهارة القراءة والتي أدت إلى فقدانه الثقة في التعليم فطلبت منه أن يصارحني ويقول الحقيقة لأجعل منه طالبا متميزا ووعدته بوعود إن صدق معي لمساعدته للتخلص من عقدة فقدان الثقة ولكن الطامة الكبرى حين صارحني الطالب بأن أباه في البيت منذ الصغر كان ينهره ويصرخ في وجهه ويضربه ضربا مبرحا لأسباب تافهة كما كان يقارن بينه وبين أبناء حارته في القدرات وكان لا يسأل عن وضعه وما زادني ألما أن أمه قد فارقت الحياة فقررت أن أفتش في ملفه لأحدد من خلال تقارير الأداء الوصفي عن مستوى الطالب فتفاجأت بأن وصف أدائه في الصف الأول الاساسي كان ممتازا ويحمل علامات مميزة في جميع المواد بينما أداء الصف الثاني كتب مربي الفصل بأنه جيد وحسن السلوك في حين وصفه مربي الصف الثالث بأنه يشرد كثيرا ويسرح في الفصل وكأنه يفكر في شيء ما ولابد من معالجة الوضع قبل تفاقم المشكلة ، أما معلم الصف الرابع فكان ممتعضا في تقريره من هذا الطالب ، أما في الصف الخامس وجدت في وصف الأداء بأنه طالب كسول غير مجتهد وسيفقد الأمل في النجاح .
فقررت حينها الاهتمام بهذا الطالب الذي يملك قدرات ذهنية ساكنة وجامدة بسبب مواقف محرجة تعرض لها من أبيه ومن مجتمعه ومن بعض الطلبة الذين يصفونه بمسميات أشعرته بهوان النفس والإحباط ، كما أسكنت في نفسه بأنه فاقد الثقة كل ذلك تراكم في نفسيته خصوصا مع تزايد ذلك من بعض المعلمين الذين يمرون عليه مرور الكرام دون تفهم لوضعه .
بدأت في التكثيف على الطالب ووضعته في المقدمة وكان كلما أخطأ في القراءة أو في جواب ما رفعت من معنوياته وتحمست لموقفه كثيرا وبدأت أصطحبه معي في غرفة المعلمين وأحكي له القصص التي ترفع من همته واكتشفت في داخله بحراً من الذكاء الساكن ونهراً من القدرات النائمة التي تحتاج إلى تحريك أجبرتها الإحباطات والمعاملة القاسية على السكون إلا أنني بدأت في تحريكها وشحذ همم الطالب الذي استفاق بعد غيبوبة طويلة فعاد أدراجه السابقة وبدأ لا يكترث للغو أقرانه ولا لضيق أبيه وانطلق في علومه مع المتابعة اللصيقة لجميع تصرفاته وسلوكياته فوضعته قائدا للصف ثم للإذاعة المدرسية وتبدلت فكرة أقرانه الطلبة عنه فبدأت أطلق عليه مسميات محفزه دفعت به إلى التميز عن أقرانه حتى أصبح طالبا متميزا .
هكذا وجب علينا تحليل المواقف الساكنة ودفع أبنائنا الطلبة إلى بر العلم والعطاء كما أن الأبوين في البيت عليهم أن يؤدوا أدوارا مكملة لدور المدرسة وألا يكونوا محبطين بل مكملين وفي ذلك فليدرك أولو البصائر والألباب.

د. خلفان بن محمد المبسلي
dr.khalfanm@gmail.com

إلى الأعلى