الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن .. العرَّاب المغالط

رأي الوطن .. العرَّاب المغالط

لا تحتاج صورة الأحداث المتسارعة في المنطقة إلى عناء جهد لاستنطاقها أو إبداء الكثير من التدقيق والتمحيص للوصول إلى حقيقة مفادها بأن الولايات المتحدة تغرق حتى أخمص قدميها في مستنقع إخفاقاتها المتكررة في المنطقة، سواء على صعيد الأزمة السورية وما يمور خلف كواليس تحركاتها واستراتيجيتها وتحالفها الستيني من خلافات وانقسامات يجعلها تلهث وراء إيجاد هامش آخر للمناورة تلعب من خلاله على أوتار الترهيب والترغيب، لتبقى ممسكة بخيوط اللعبة، أو على صعيد الصراع العربي ـ الإسرائيلي واستمرارها في قصف القضية الفلسطينية بالمصطلحات القابلة للتأويل المزدوج، واستهدافها بسياسات الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير.
فملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي جراء التدخل الأميركي وفرض الولايات المتحدة نفسها راعية أوحد لعملية السلام، وعدم القبول بطرف ثانٍ أو ثالث أو أكثر، هو ملف مفعم بالمغالطات التاريخية المرتكزة على تلك المصطلحات والسياسات المزدوجة، لكنها كالعادة سرعان ما تنتهي إلى لحظات الحقيقة، حيث ينكشف زيف المصطلحات والسياسات وبطلانها، وأنها ما تخفي من السموم والمهالك للطرف العربي والفلسطيني الكثير والكثير.
لحظات الحقيقة هذه عديدة في تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي على وجه الخصوص، لكن هذه اللحظات تكون بحاجة إلى من يبرزها ويجسدها للعيان، خاصة في الوقت الراهن الذي يغدو ويروح العرَّاب الأميركي متبخترًا ومبتهجًا بأن ما سمي زورًا “الربيع العربي” جعل دولًا عربية على منصة التطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، بل الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك بمعاونة كيان الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه الاستراتيجيين على مد مشروعه الاحتلالي الاستعماري في المنطقة. لذلك نؤكد أن لحظات الحقيقة بحاجة إلى من يبرزها؛ لأن صنَّاع المغالطات يحرصون خلال صناعتها على أن تبرز للناس في ثوب الحقيقة، وهي تظل كذلك حتى تحين لحظة الكشف، فتتعرى وتتجرد لتبدو معالمها صارخة في وجه الكذابين والأفاقين وهواة طمس الحقائق وحفز المغالطات لتبقى لها مكان الصدارة في اللاشعور الجمعي لشعوب العالم التي تنادي بالسلام وتكره الحرب وغطرسات الساسة الذين يسعون إلى إشعالها بذرائع واهية.
العرَّاب الأميركي يعود من واجهة مصطلح ما يسمى “حل الدولتين” الذي تحزم إدارته حقائبها استعدادًا للرحيل لتطوي هذا المصطلح على أمل بإعادة استنساخه وتكراره، أو العمل على إيجاد مصطلح جديد تقصف به القضية الفلسطينية ومن ثم جبهات المنطقة، مثلما جرت العادة، بتدوير الفلسطينيين ومن يساندهم من العرب صدقًا وحقًّا في حلقة المفاوضات العبثية واستهلاك الوقت لصالح مشروع الاحتلال وتمدده في الأرض الفلسطينية وخارجها.
ومن جديد المغالطات دعوة جون كيري وزير الخارجية الأميركي عرَّاب مشروع الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة من العاصمة الأردنية عمَّان “إلى الهدوء وخفض العنف والتحريض والخطب النارية” وذلك أثناء لقائه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في إقامة السفير الفلسطيني في عمَّان.
وما يلفت الانتباه أن هذه الدعوة تأتي متزامنة مع الدفاع المستميت الذي يقوده المتطرف بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي عن الأصوات في حكومته الداعية إلى استعمال القوة المفرطة فوق الإعدامات الميدانية التي تنفذها قوات الجيش والشرطة للاحتلال بحق الشباب الفلسطيني المنتفض المدافع عن قضيته والساعي إلى لجم الإرهاب الإسرائيلي المتصاعد.
وفي الحقيقة، إن هذه المغالطة المرتكزة على الازدواجية بقدر ما تعني انتصارًا للاحتلال الإسرائيلي كالعادة، بقدر ما تؤكد فشل السياسات الخارجية الأميركية والتخبط في منطقة الشرق الأوسط، حيث كان الأجدر بالوزير الأميركي أن يضغط على حلفائه المحتلين وإجبارهم على وقف إرهابهم بحق المدنيين الفلسطينيين العزل، لكن هذا ما لم يحدث.

إلى الأعلى