الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 


جدار بغداد

(الحلقة الثالثة) : عملية "ثعلب الصحراء"

 

في منتصف ديسمبر 1998 صعدت الولايات المتحدة من الموقف، وهددت بشن هجمات ضد العراق، وبينما وزع الرئيس العراقي السابق صدام حسين المسؤوليات على كبار مساعديه، وتم تقسيم العراق إلى أربع مناطق عسكرية، فقد سارع رئيس لجنة (اونسكوم) الجديد ريتشارد باتلر إلى سحب المفتشين من العراق، وحتى تلك اللحظة، لم يطلب العراق من المفتشين مغادرة أراضيه.
استمر القصف الأميركي لثلاثة أيام وبدأت في الساعة العاشرة من مساء السادس عشر من ديسمبر 1998 ما أسماها الرئيس بيل كلنتون (ثعلب الصحراء)، وصادفت مع أول أيام شهر رمضان. لكن مهما حاول المراقبون إيجاد مسوغات لتلك الحرب، لا اعتقد أنهم سيصلون إلى قناعة عميقة، ولم يتمكنوا من إقناع الآخرين، إلا بتفسير واحد، وهو إيقاع الحكومة العراقية في الشرك الذي نصبوه لها، فقد شعر العراقيون، أن القصف الذي تعرضوا له، كان بسبب التقرير الذي رفعه ريتشارد باتلر، والذي تبين أن الرئيس بيل كلنتون وكبار مساعديه، قد اطلعوا عليه، قبل أن يصل إلى أروقة الأمم المتحدة.
فما كان من القيادة العراقية، حينذاك إلا إعلان البيان، الذي خططت إدارة كلنتون لسماعه، وكانت تواقة لذلك، وهو عدم السماح بعودة لجان التفتيش، لأنها تسببت بدفع واشنطن لشن الحرب على العراق، وأنها غير صادقة في تقاريرها، لأنها لم تجد أي أدلة على وجود أسلحة أو برامج داخل القصور الرئاسية، ثم الضرب بقوة على الوتر الأهم، وهو أن مهمة هذه اللجان، هو التجسس لصالح الموساد الإسرائيلي.
لا شك أن أهم محرك كان يتفاعل داخل عقول أعضاء القيادة العراقية، في تلك الأثناء، هو استقالة سكوت ريتر، التي أوحت بكل ذلك، وكانت بمثابة الأدلة الدامغة على ما يقوله المسؤولون العراقيون.
ما أن انتهت الحرب، ذات الأيام الثلاثة، وبدأت الأحاديث والتصريحات تتحدث عن عودة لجان التفتيش، وبينما كانت الأجواء مشحونة بالعداء لتلك اللجان داخل العراق، حتى خرجت صحيفة (الواشنطن بوست) بمعلومات تؤكد فيها وجود جواسيس يعملون داخل لجان التفتيش.
التقط العراق تلك المعلومة، دون أن يتفحص أبعادها، ووزعتها وكالة الأنباء العراقية الرسمية، بعد إعادة صياغة بعض فقراتها، وبما يتلاءم والخطاب العدائي الموجه إلى لجان التفتيش، ونشرتها الصحف الرسمية في بغداد بعناوين بارزة على صدر صفحاتها الأولى. ثم ازدادت المقالات والتحليلات في وسائل الإعلام العراقية المملوكة للدولة بهذا الاتجاه، واعتمد العديد من الكتاب على ما قالته الواشنطن بوست. ولم أجد في حينها رأياً أو تحليلاً واحداً يتساءل عن مصلحة واشنطن في تحريض الحكومة العراقية، ضد لجان التفتيش، ولماذا تدفعها باتجاه المزيد من التزمت لموضوع عودة المفتشين.
مع استمرار الموقف على هذه الشاكلة، حاولت أن استفسر من حامد يوسف حمادي وهو من المقربين جداً من الرئيس العراقي صدام حسين، وتسلم وزارة الاعلام لمرتين، سألته عن الكيفية التي تتابع بها القيادة العراقية التصريحات الأميركية، قال لي، إن العراق لن يتبع سياسة الفعل ورد الفعل، وإن مواقفه ثابتة. وعندما حاولت أن أصل إلى صواب الموقف من الإصرار على عدم السماح بعودة المفتشين، أجابني بأن هؤلاء عبارة عن جواسيس، واستشهد بما أعلنه سكوت ريتر، وعندما قلت له، ألا تعتقد القيادة العراقية، أن للولايات المتحدة مصلحة بتشويه سمعة اللجنة الخاصة، عندما تنشر معلومات في (الواشنطن بوست) المعروفة بصلاتها بالإدارة الأميركية، أجابني بابتسامة غريبة، قال: يريدون أن يقولوا إنهم يكتبون كل شيء. في تلك الأثناء، أدركت أن القيادة العراقية، لا تقرأ ما هو خلف ستار السياسة الأميركية، وإذا قرأت ذلك، فإن القراءة تستند إلى أسس خاطئة، الأمر الذي يفضي إلى نتائج كارثية، وهذا ما شاهدناه على أرض الواقع.
من هنا نجد أن ترابطاً قوياً، لابد أن نعترف به وندرسه بتوسع وعمق، يصل بين ثلاثة أحداث هامة، حصلت عام 1998، وهذه الأحداث هي، أزمة القصور الرئاسية، وزيارة كوفي عنان في فبراير، التي توصل خلالها إلى الاتفاق الشهير، الذي دخلت لجان التفتيش بموجبه جميع القصور والمواقع، واستقالة سكوت ريتر في أغسطس من ذات العام، و(ثعلب الصحراء) في السادس عشر من ديسمبر، الذي سبقه سحب فرق المفتشين بأمر من باتلر، ثم موقف حكومة بغداد الرافض لعودة تلك اللجان، والذي أعطى الفرصة الذهبية للولايات المتحدة، لإعادة تجميع أوراقها وأدواتها للتهيئة لمرحلة احتلال العراق.
إن (ثعلب الصحراء) منتصف ديسمبر 1998 أحدثت تغييراً كبيراً وواسعاً، في الشارع العربي وفي المحافل السياسية الدولية، واتجه الحديث والنقاشات إلى انتقاد السياسة الأميركية، ومحور تلك الانتقادات، كانت تنصب على خلفية السماح بتفتيش القصور الرئاسية، التي سبق وخلقت منها وسائل الإعلام الأميركية والمسؤولون الأميركيون هالة خطيرة، وصورتها على أن مكمن الخطر الذي يهدد المنطقة والسلام العالمي، يختبئ في تلك القصور. لهذا فإن (ثعلب الصحراء) أضعفت كثيراً من قوة الموقف الأميركي، الذي ظل صلباً طيلة السنوات السابقة، وخلال فترة المواجهة بين بغداد وواشنطن.
لكن سرعان ما بدأ الموقف الأميركي يستعيد قوته، مع إصرار المسؤولين العراقيين على منع المفتشين من العودة إلى العراق، وبدأت الآلة السياسية والإعلامية الأميركية تعمل بقوة، من خلال القصص، التي تقول إن العراق يعيد بناء برامجه التسليحية، وإن المفتشين كادوا يصلون إلى البوابة، التي تخفي وراءها الأسلحة الخطيرة، قبل أن تحصل الأزمة. بل إن الكثير من التصريحات أخذت تردد أن العراق هو الذي طرد المفتشين الأمميين، قبل ساعات من بداية الهجمات بالصواريخ والطائرات في السادس عشر من ديسمبر عام 1998، وطبعاً هذه كذبة أميركية انطلت على الكثيرين، لكن الحقيقة، أن ريتشارد باتلر هو الذي أمر مفتشيه بمغادرة العراق، وذهبوا سالكين الطريق البري، الذي يمتد لأكثر من ألف كيلو متر باتجاه العاصمة الأردنية، وقبل أن يصل المفتشون إلى عمَّان، كانت الصواريخ قد انهالت على بغداد والمدن العراقية الأخرى في أول يوم من شهر رمضان المبارك.
أما العراق، الذي تمسك بموقفه الصارم من عدم عودة المفتشين، لم يدرك أن المخطط الأميركي أخذ يسير بخطوات أكثر حزماً وصرامة. وطيلة تلك الفترة، التي امتدت منذ انتهاء (ثعلب الصحراء) والأشهر والسنوات اللاحقة، لم تتوقف الدعوات العربية والدولية، التي تطالب العراق بضرورة السماح بعودة المفتشين، وكلما كان العراق يتشدد في موقفه، كلما كان الموقف الأميركي يزداد قوة، وتترسخ القناعة لدى الكثيرين، من أن الرفض العراقي، يخفي مخاوف من احتمال اكتشاف الأسرار المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، وبمشاريع تطوير الأسلحة كما تقول واشنطن.
في فبراير عام 2002، كتبت مقالاً تحليليا، ضمنته رؤية لموقف العراق من لجان التفتيش، وكان هذا المقال، يخالف آراء جميع المسؤولين في الدولة العراقية، ولم اتوقع أن ينشر، خاصة أنني كنت أنشر مقالاتي في صحيفة (الثورة) الناطقة بلسان حزب البعث الحاكم، مع أنني لست بعثياً، لكن رئيس تحريرها الكاتب والشاعر سامي مهدي، كان يحرص باستمرار على نشر مقالاتي، التي كانت تنشر في ذات الوقت بصحف عربية أخرى، ولم يحصل أن تم حذف أو تغيير، حتى جملة أو كلمة واحدة.
كان دافعي لكتابة ذلك المقال، أنني درست بعناية مسلسل الأحداث، التي أشرت إليها ابتداءً من اتفاق فبراير عام 1998، واستقالة ريتر، ومن ثم ما حصل في (ثعلب الصحراء) وبعد ذلك موقف الحكومة العراقية من عودة لجان التفتيش.
ذهبت إلى صحيفة الثورة، وجلست مع رئيس تحريرها سامي مهدي، وقلت له، هذا المقال يخالف تماماً موقف الحكومة العراقية في موضوع عودة المفتشين، وبالأخص موقف الأستاذ طارق عزيز (كان يشغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء).
حدق بوجهي رئيس تحرير صحيفة الثورة للحظات، مبدياً استغرابه لما أقول، قطعت الصمت، الذي استمر للحظات وقلت له، سأشرح لك مضمون المقال، وقرار نشره يعود لك بعد ذلك.
أصغى الرجل بكثير من الانتباه، وشرحت قناعاتي بكل ما حصل، بما في ذلك الدوافع التي تقف وراء تعمد الإدارة الأميركية تشويه سمعة اللجنة الخاصة (اونسكوم) أمام العراقيين، وتسريب معلومات عبر (الواشنطن بوست) عن وجود جواسيس داخل هذه اللجان. كان المقال بعنوان (لماذا يتم تشويه سمعة اللجنة الخاصة).
أخذ المقال، قال سيقرأه بدقة، وقبل أن أغادر مكتبه، قال لي سامي مهدي، أنا اتفق مع تصورك لهذه المسألة.
بعد يومين نشر المقال بمكان بارز في صفحة الرأي والدراسات، ولا أعرف إذا أخذ موافقة بنشره من جهات أخرى أم لا، مع أنني أعرف أنه جريء في مثل هذه المواقف. واتصل بي بعض الأصدقاء والباحثين، وسألوني، فيما إذا كتبت هذا المقال بتوجيه من الدولة، فأجبتهم بأنني لست موظفاً، ولم أتسلم أي توجيه للكتابة، وحاولت أن أشرح دوافعي لكتابة المقال.
أواخر فبراير عام 2002، وبعد أسبوعين من نشر المقال، فوجئت بسلسلة مقالات افتتاحية (4 حلقات) يكتبها سامي مهدي في صحيفة الثورة، تناقش الأفكار التي طرحتها وتدعو إلى إعادة النظر بموضوع عودة المفتشين في ضوء تداعيات الأحداث والتصعيد الأميركي. ولا أعرف إذا كان ذلك المقال قد نبه رئيس تحرير الثورة، خاصة أنه عبر عن اقتناعه فوراً بوجهة نظري، أم إن القيادة العراقية، بدأت تنظر إلى المسألة من الزاوية، التي تناولتها، والتي قلت فيها ما خلاصته، لو أن العراق أبقى على لجان التفتيش حتى أواخر عام 1999، أي بعد عام من (ثعلب الصحراء)، لوجدت الولايات المتحدة نفسها في مأزق خطير جداً، ولاضطرت إلى تغيير سياستها إزاء العراق، خاصة في حال عدم وجود أي أسلحة دمار شامل، أو دلائل تشير إلى ذلك.
أي أن الإدارة الأميركية، ستكون عاجزة عن تقديم الإجابات المقنعة للدول الكبرى وجامعة الدول العربية، عن مسوغ استمرار العقوبات، والإبقاء على حالة العداء والمواجهة بين بغداد وواشنطن. وأن المدة، التي أمضتها اونسكوم من بداية مارس، حتى منتصف ديسمبر، لم تعثر خلالها على أي شيء، رغم دخولها جميع المواقع الحساسة والقصور الرئاسية، وإن بقاءها لعام آخر على أبعد تقدير أي حتى أواخر نهاية عام 1999، سيدفع بالمجتمع الدولي، لإعلان موقف صارم وقوي، في مواجهة أي إصرار أميركي، يبقي على العقوبات الاقتصادية.
هنا لابد من الإشارة، إلى أن الموقف الرسمي للدولة العراقية، يمكن قراءته من خلال افتتاحيات الصحف، التي غالباً ما كانت تتناول قضية واحدة، بناءً على توجيهات مركزية، تأتي عن طريق وزير الإعلام، الذي تأتيه مباشرة من القصر الجمهوري. إلا أن موقف صحيفة الثورة، من موضوع لجان التفتيش الذي أشرنا إليه، لم تتبناه الصحف الأخرى.
واشنطن من جانبها واصلت ضخ المزيد من المعلومات التي تشير إلى فشل برنامج التفتيش الذي بدأ عام 1991، بسبب غياب المفتشين أواخر عام 1998، وجاء في تقرير لوكالة المخابرات المركزية (CIA) وزعته أوائل أكتوبر عام 2002، أن بغداد استغلت غياب المفتشين لتنشيط برنامجها الكيمياوي والبيولوجي.
كما أكد ذلك التقرير امتلاك العراق مئات الأطنان، من الغازات السامة واستمرار العمل في ثلاثة مراكز لإنتاج الأسلحة الجرثومية. وجاء في التقرير، الذي روجت له وسائل الإعلام الأميركية والعالمية وحتى العربية على نطاق واسع، أن الجوانب الأساسية في برنامج الأسلحة البيولوجية الهجومية تعمل بشكل فعال، وأن معظم العناصر الداخلة في هذه الأسلحة أصبحت أكثر وأكبر تقدماً مما كانت عليه قبل حرب الخليج، وأكد التقرير أن لدى العراق مختبرات جرثومية متحركة، يمكن إخفاؤها بسهولة.
في تلك الأثناء، التي تم فيها تسريب هذا التقرير، الذي لم يترك جانباً من الأسلحة، إلا وأكد تطويره من قبل الحكومة العراقية، ولإعطاء الموضوع المزيد من المصداقية والانتشار في أوساط الرأي العام الأميركي والدولي، أقدم مدير وكالة المخابرات جورج تنت، على تقديم تقرير إلى مجلس الشيوخ، كان ذلك في الخامس من أكتوبر 2002، وقصة ذلك التقرير جاءت على خلفية النقاشات الحامية التي حصلت أواخر سبتمبر، أي قبل أسبوع من ذلك التأريخ، داخل مجلس الشيوخ، وطالب فيها السيناتور بوب غراهام تقديم تقارير لها صلة بالعراق، واتهم لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، بانتهاج أسلوب العرقلة، لكن جاءت خلاصة تلك النقاشات، التي أثارت اهتمام الرأي العام، بما ينسجم وتحرك الإدارة الأميركية، حيث قال بوب غراهام، لقد حصلنا على معلومات كثيرة، كانت جلسة مفيدة للغاية، التي حضرها جورج تنت.
من جانبه، ناغم الرئيس جورج دبليو بوش تلك التحركات وقال في خطابه الأسبوعي، الذي صادف في نفس يوم جلسة مجلس الشيوخ التي أشرنا إليها، قال: العراق يمثل خطراً متنامياً لأميركا، وإن شن حرب ضد العراق ربما يكون حتمياً.
يربط الرئيس الأميركي بين علاقة نزع سلاح صدام حسين بالسلام، وفي خطابه المذكور، أشار إلى هذه القضية، وقال، إن المسؤولين في الكونغرس، توصلوا إلى اتفاق حول قانون حازم وثنائي الولاء، يسمح باستخدام القوة عند الحاجة لنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية والمحافظة على السلام.
كان كلام الرئيس الأميركي، الذي تزامن مع تسريب تقرير السي آي إيه، ونقاشات الكونغرس، موجهاً إلى ثلاث جهات، هي الحكومة العراقية، والرأي العام الأميركي، الذي تجري تهيئته للحرب، والأمم المتحدة، وبالتحديد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وبينما كانت الشبكة السياسية والإعلامية تنشغل بالشأن العراقي، وتعمل على اشغال الناس به، كان هانز بليكس كبير المفتشين يتباحث مع وزير الخارجية الأميركي كولن باول وكبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، وقال في نفس يوم خطاب جورج بوش، إنه مقتنع بضرورة تبني قرار جديد من الأمم المتحدة بشأن العراق، يضع آلية خاصة ومحددة لعودة مفتشي الأسلحة إلى العراق، أما كولن باول، فقد أعلن عن قرب التوصل إلى اتفاق في مجلس الأمن يفرض على بغداد شروطاً حازمة جداً.
إن قراءة متأنية للنشاطات الأميركية والإعلانات التي صدرت من جهات مختلفة، خلال الأسبوع الأول من شهر أكتوبر عام 2002، والتحرك المستمر داخل أروقة الأمم المتحدة، تشير إلى أن الإدارة الأميركية، بدأت برسم الملامح الأساسية للحرب، لكن لم يتم تحديد موعد نهائي لتلك الحرب، التي مازالت بحاجة لاكتمال بعض أدواتها الأخرى، ومن أهمها كسب المزيد من الأصوات المؤيدة لواشنطن في مشروع الحرب المقبلة، ويعتمد ذلك على طبيعة التحرك والضغوطات التي تمارسها الإدارة الأميركية، وكانت الخيارات مطروحة على الشكل الآتي:
أولاً: إذا أصرت الحكومة العراقية، على رفض عودة مفتشي الأسلحة، فإن كسب التحالف الدولي إلى جانب الولايات المتحدة، سيكون سهلاً، ولا يحتاج إلى الكثير من العناء والجهد.
ثانياً: إذا عثر المفتشون على أسلحة مخبأة أو أدلة على وجود برامج لتطوير أسلحة الدمار الشامل، في حال موافقة العراق على عودتهم، فإن ذلك سيسهل حشد المجتمع الدولي إلى جانب الولايات المتحدة، وستكون الحرب مشروعة، بسبب الخداع والمراوغة، الذي تمارسه الحكومة العراقية.
أما في حال عدم الوصول إلى غاية واشنطن، التي قررت شن الحرب، من خلال ذلك، فلابد أن تنفذ الخطة الأخرى، التي تم رسمها بطريقة أخرى، وتقوم على احتمالين هما:
أولاً: احتمال أن تتمكن الإدارة الأميركية من إقناع الدول دائمة العضوية (الصين، روسيا، فرنسا) بالموافقة على شن الحرب، من خلال اتفاقات وصفقات بين الدول الكبرى، وعند ذاك تكون الحرب شرعية، حتى لو فشل المفتشون في العثور على أي دليل أو مستمسك يساعد في دعم مثل هكذا قرار.
الثاني: أن تتبنى الحرب واشنطن ولندن وبعض العواصم الأخرى، وتم إضافة مدريد، ووقفت حكومة اثنار إلى جانب حكومتي بوش وبلير، وكانت القمة الشهيرة، التي جمعت الثلاثة في جزر الازور، قبل شن الحرب بعدة أيام.
وبعيداً عن الدخول بتفاصيل ما جرى خلال الأشهر اللاحقة، يمكن القول، أن التحرك الأميركي، ظل يدور في هاتين الدائرتين، لكن واشنطن اقتنعت مع بداية عام 2003، أنها يجب أن تطبق الخيار الثاني، لذلك اتجه الحديث عن أدلة خطيرة تمتلكها كل من واشنطن ولندن، على إخفاء العراق أسلحة دمار شامل، وأن بغداد تمارس الخداع على نطاق واسع على هذا الصعيد. وكانت لندن تردد ما تقوله واشنطن، ومثلما قدم كولن باول تقريره في الخامس من فبراير 2003، أعلن رئيس وزراء بريطانيا عن أدلته الخاصة بأسلحة العراق في تقريره الشهير.
هنا لابد أن نتوقف عند قضية المشروع الأميركي، الخاص باحتلال العراق، انطلاقاً من إصرار واشنطن على شن الحرب، بدون موافقة المجتمع الدولي، في وقت تمارس فيه لجان التفتيش مهامها في العراق على أفضل وجه، وأقصد خلال الفترة التي قدم فيها كولن باول تقريره الشهير، مع تقرير بلير.
لكن ما يستدعي التوقف عنده طويلاً، هو طبيعة وخفايا الاستراتيجية الأميركية، التي برزت إلى الوجود، منذ انتهاء الحرب الباردة، ولايمكن بأي حال من الأحوال، فصل قضية احتلال العراق، عن تلك الاستراتيجية، بل أنها تدخل في صلبها وصميمها، وإن أي محاولة لقراءة ما حصل في العراق، بعيداً عن هذه القناعة، التي تستند إلى معطيات وحقائق سنأتي عليها، ستكون قراءة مثلومة من جميع جوانبها، ومشروخة في أكثر من مكان، وبالتالي، لن تفضي إلى سبر أغوار المعضلة الحقيقية، التي تواجه البشرية مع بداية القرن الحادي والعشرين، وهذه الاستراتيجية، إذا ما تحقق لها المرور، فإن نتائجها السلبية، لن تقف عند الدول التي ستكون ساحات للمعارك والدمار، بل إن آثارها ستتجاوز ذلك، وإن اعتقد البعض، أن الازدهار قد برز بقوة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، خاصة الدول، التي دمرتها آلة الحرب، بالأخص ألمانيا واليابان، إلا أن الأمر هذه المرة يختلف تماماً، إذ أن وجود القطب الثاني (الاتحاد السوفيتي) قد ساهم في دفع السياسة الأميركية، لتقديم جميع مستلزمات النهوض الصناعي في تلك البلدان، بسبب سياسة خلق النماذج، للاقتداء بها من قبل اتباع القطب الثاني، ولأن الخزانة الأميركية خرجت متفوقة على مثيلاتها بأضعاف مضاعفة، إذ انتقلت أرصدة الذهب إلى بورصة نيويورك، كما سارعت رؤوس الأموال المتنقلة بالهروب إلى الولايات المتحدة، بسبب سنوات الحرب والدمار والركود الاقتصادي المخيف، الذي عاشته أوروبا ودول العالم الأخرى أثناء الحرب العالمية الثانية، يضاف إلى ذلك، أرادت الإدارة الأميركية، أن تقدم نموذج الازدهار الاقتصادي، وتعتمده أساساً في نشر أفكارها وثقافاتها، في حين كانت الأوضاع الاقتصادية للاتحاد السوفيتي ضعيفة جداً عندما خرج من الحرب الطويلة، وما ألحقه الألمان بالمصانع والمنشآت والمدن من دمار، إضافة إلى مقتل الملايين من السوفيت في تلك الحرب، وبدأ الصراع من تلك النقاط، فبينما دفعت الولايات المتحدة بقدراتها المالية لصناعة اليابان وألمانيا جديدتين، فقد اتجهت مخططات الاتحاد السوفيتي إلى تسويق الأفكار أكثر من اعتمادها على البناء الاقتصادي، وهذا يرتبط بالإمكانات المالية، وطبيعة الفكر الذي تبناه الكرملين، منذ بداية الحرب الباردة. حتى جاءت نهاية تلك الحرب، لتبدأ الولايات المتحدة بحروب أخرى، ومن هذه الزاوية، يمكن فهم المراحل المتداخلة، التي أفضت إلى الحرب الأميركية على العراق.

 

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept