الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 


جدار بغداد

القراءة العراقية لتقرير كولن باول في مجلس الأمن الحلقة السادسة

عندما استأنف المفتشون نشاطاتهم ثانية داخل العراق، استيقظ أبناء مدينة بغداد، صباح السابع والعشرين من نوفمبر 2002، على صوت صفارات الإنذار، التي سرعان ما أعادتهم إلى حقب مختلفة ومتشابهة، كان أولها حرب الثماني سنوات مع إيران 1980-1988، وحرب عام 1991، ثم عام 1998 وانتشرت في بغداد شائعات عدة، بعضها يقول إن الأميركيين قد رتبوا مع لجان التفتيش التي وصلت قبل عدة أيام، وأن انقلاباً عسكرياً قد حصل ضد الرئيس صدام حسين، اَخرون قالوا : إن الطيران الأميركي تمكن من تعقب موكب الرئيس صدام حسين قرب القصر الجمهوري بمنطقة الكرخ، وتم قصف موكب الرئيس الغريب أن هذه الروايات سرت بسرعة بين العراقيين، ويبدو أن الأجهزة المعنية، علمت بسريان تلك الشائعات، فصدر بيان رسمي، يوضح سبب إطلاق صفارات الإنذار، وكان بسبب وجود طيران أميركي على ارتفاع شاهق فوق بغداد، وتم تفسير ذلك على أنها رسالة أميركية واضحة، تقول فيها : إنها هنا موجودة بالقرب من الحدث .
ما إن سارت الأمور في اليوم الأول من التفتيش بصورة طبيعية، وتأكد عدم صحة ما تناقله الناس ، خلال ساعات الصباح، حتى أخذت أسارير العراقيين بالانشراح، ورأى الكثيرون منهم، أن العديد من التعقيدات في حياتهم، ستنتهي، خاصة وأن جميع المشاكل والهموم التي أثقلت حياتهم ومستقبل أبنائهم، ارتبطت بموضوع أسلحة الدمار الشامل، التي ارتبط مصير العراق، بما سيؤول إليه موضوع الأسلحة، لأن رفع العقوبات، لا يمكن أن يتم، إلا بعد التأكد، من خلو العراق من هذه الأسلحة.
اعتقد الكثير من العراقيين، أن صفارات الإنذار، التي سمعوها، ربما ستكون اَخر ما يطرق أسماعهم من هذا النوع من الأصوات، التي تنذر بالشؤم والقتل والدمار ولم يدر بخلد الغالبية منهم، ما ستكون عليه النهاية، بعد هذه البداية الناجحة، التي وصفتها مساء ذلك اليوم ميليسيا فيلمنغ المتحدثة باسم انموفيك، وهي أميركية الجنسية، بأن عمليات التفتيش تسير بصورة جيدة واستمع العراقيون إلى تلك التصريحات، التي أطلقتها فليمنغ من فندق القناة، الذي اتخذته لجان التفتيش مقراً لها، لنزع أسلحة الدمار الشامل، والذي تم تدميره، بمن فيه في نهاية المطاف، وكان ذلك مطلع أغسطس عام 2003، بعد انفجار سيارة مفخخة تحت مكتب سيرجيو ديميلو ممثل الأمين العام للأ· المتحدة في العراق، الذي قُتل من جراء ذلك الانفجار، لم يمض حينها على الاحتلال الأميركي للعراق سوى أربعة أشهر.
في ذلك اليوم، وهو الأول في عودة المفتشين، أعلنت مصادر (انموفيك) أن المفتشين متحمسون للعمل ولإنجاز مهامهم.
من جانبها، أطلقت وكالات الأنباء قصصها الإخبارية، ضمنتها عبارة متشابهة تقول، : إن اليوم الأول من التفتيش ، لم يشهد حصول أي حادث، باستثناء قيام طائرة أميركية بالتحليق على ارتفاعات شاهقة في أجواء العاصمة العراقية.
ازدادت قناعة العراقيين، بأن الأمور تسير بصورة حسنة، عندما توقف المفتشون عن عملهم، في أول جمعة احتراماً لمشاعر المسلمين في العراق، وتحدث الناس في نقاشاتهم عما وصفه البعض بشفافية سلوك المفتشين، واستبشروا خيراً، لأنهم يختلفون عن فريق ريتشارد باتلر، الذي يرى الكثير من العراقيين، أنه يقف وراء الكوارث التي حلت بالعراق، لأنه سحب مفتشيه، بعد أن رفع تقريره، الذي نجم عنه قصف أميركي عنيف للمدن والمنشاَت العراقية، أواخر عام 1998، كما أن ذلك السلوك، تسبب بتأخير رفع العقوبات الاقتصادية، والإبقاء على الاثقال والمشاكل، التي أخذت تتفاقم في جميع المجالات، وعلى كافة الصعد، بسبب تقرير باتلر وما حصل من جراء ذلك.
لم ينشغل العراقيون بأمر لجان التفتيش ، مثلما انشغلوا بها هذه المرة، ولم يتابعوا نشاطاتهم اليومية، وموقف الحكومة منها، كما حصل خلال تلك الأيام، لأن الجميع يدركون، أن عرقلة عمل المفتشين، يعني شن الحرب، من قبل الولايات المتحدة، ولا أحد يعرف ماذا سيحصل من جراء تلك الحرب، كما اَمن الغالبية من العراقيين، أن لجان التفتيش هذه، إما ستجد الأسلحة المحظورة، وتدمرها، وعندها سيتم رفع العقوبات، أو لم تجد شيئاً، وسيتم رفع العقوبات أيضاً.
إلا أن نظرة العراقيين وتصوراتهم بصورة عامة، كانت متناقضة، وفيها الكثير من التشابك، وبدت رؤاهم أقرب إلى سلوك بطل قصة (الرجل المعلب) للكاتب الروسي الشهير تشيخوف.
لقد اختلطت عندهم الرغبات المشروعة، مع الخوف من المجهول، وكان للتأثير الدعائي الأميركي أثره الواضح لدى شرائح كثيرة من العراقيين، خاصة لدى العديد من المثقفين، الذين يرون في الخطاب الأميركي، في تلك الفترة، أنه ينطلق من عدة زوايا، أهمها القوة العسكرية، والقدرات الاقتصادية الهائلة، وانتصارها على القطب الثاني في المعادلة الدولية، وهو الاتحاد السوفيتي، دون الحاجة لاستخدام الأسلحة، بما فيها صواريخ عابرة القارات.
النقطة الأهم هنا، أن الانطباع، الذي كان سائداً لدى شرائح متعددة من العراقيين، أن الولايات المتحدة، لا يمكن أن تتحدث من فراغ، وأن اتهاماتها للعراق بامتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، لابد أن تكون مرتكزة إلى أدلة دامغة.
وينطلق أصحاب هذا الاعتقاد من النقاط التالية:
1) أن الولايات المتحدة، تمتلك قدرات هائلة على صعيد التجسس من الفضاء، وأن طائرة التي تتجول في سماء العراق، تستطيع الحصول على معلومات دقيقة، وبما أن مهمتها تتركز حول موضوع أسلحة الدمار الشامل، لابد أن الأجهزة المتطورة جداً، التي تحملها هذه الطائرة، وهي عبارة عن سفينة تتجول في سماء العراق، قد تمكنت من رصد أماكن أو الخيوط، التي تدلل على وجود هذه الأسلحة.
2) أن مصادر أسلحة الدمار الشامل محدودة جداً، ومعروفة ومرصودة من قبل المخابرات الأميركية، وأن الدوائر المختصة في واشنطن، لديها المعلومات التفصيلية عن استيرادات العراق من تلك الأسلحة، وقد حصلت عليها خلال التحالف الدولي عام 1991، إذ انضمت غالبية الدول الكبرى إلى ذلك التحالف الذي تزعمته الولايات المتحدة ضد العراق لإخراجه من الكويت ولابد أن تكون الشركات المجهزة، قد أعطت جميع ما لديها من وثائق وجداول تخص استيرادات العراق، إلى الإدارة الأميركية، للتعامل معها، أثناء الحرب، ومن ثم استكملت ذلك، استناداً إلى قرارات الأ· المتحدة، التي قضت بتدمير أسلحة العراق المحظورة. . وأن وجهة النظر هذه، لم تكن متداولة في وسائل الإعلام، لكنها كانت مدار حديث ونقاشات في أوساط النخب العراقية، ومن يتبنى هذا التوجه، لا يحتاج إلى طول عناء لإقناع الاَخرين بذلك، فهي تبدو أكثر قرباً إلى المعقول في قراءة تفاصيل الصورة.
3) إن الاستراتيجية الأميركية في الألفية الجديدة، تحتاج إلى ثبيت المزيد من الصدقية،وهذه من بديهيات العمل السياسي، بل من أبسط وأهم أولوياته، ولأن السياسة عبارة عن لعبة، وأن المخطط الأميركي المعلن، يهدف إلى التوسع والانتشار، وتحقيق معادلات جديدة في التوازنات الدولية، فإن الرأي الراجح، يقول، إن العقول الأميركية، صنعت من أسلحة الدمار الشامل العراقية قضية تقترب من الأسطورة، كما أنها تتحدث بثقة مطلقة عن امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، وإذا ما وضعنا هذه الثقة، إلى جانب الاستراتيجية الأميركية، التي يفترض أنها بعيدة المدى، سنجد أن النظرة المتفحصة، تقود إلى الاقتناع بأن ما تقوله الولايات المتحدة، لابد أن يكون دقيقاً، لكي يتساوى والاستراتيجية الأميركية، على اعتبار أن موضوع العراق سيكون الدرس الأهم، والتجربة الكبيرة، التي تمهد للخطوات اللاحقة في الاستراتيجية الأميركية في الألفية الثالثة.
في الواقع، لابد من الوقوف عند مثل هذه القناعات، لدى العراقيين، وإن كانت على نطاق محدود، إلا أنها تمثل طبيعة الفهم الذي يعتمده الاَخر، استناداً إلى محتويات الخطاب، الذي تستند إليه الإدارة الأميركية في سياستها، التي تتعدى الحدود الضيقة، إلى اَفاق أوسع.
كما أن دراسة القناعات، لدى هذا القطاع أو ذاك، استناداً إلى النتائج، التي سنصل إليها، تظل النقطة الأهم في هذا المحور وقد يرى البعض أن موقف العقلية العراقية، وتأثرها بالخطاب الأميركي، يجب أن تتم دراسته عبر مرحلة المواجهة، بين بغداد وواشنطن، التي استمرت منذ عام 1990، حتى أبريل عام 2003، وفي الحقيقة، هذه مسألة لا خلاف بشأنها، لكن المفصل، الذي نراه مهماً وحساساً، المتمثل بعودة لجان التفتيش إلى العراق، بعد غياب استمر لأربع سنوات، يعتبر نقطة التحول الأهم، بسبب تأثر العراقيين بالخطاب السياسي للدولة، الذي ما انفك يؤكد خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، ومرتكز قوة هذا الخطاب، أنه يصدر من الحكومة أولاً، ومن قيادة حزب البعث الحاكم ثانياً، واستناداً إلى ذلك، فإن تأثيره، يجب أن يكون قوياً وفاعلاً في العقلية العراقية، وعلى الطرف الثاني، فإن المناقض لكل ذلك يصدر من الولايات المتحدة، التي أشرنا إلى مرتكزات قوتها بهذا الشأن.
من الواضح، أن الولايات المتحدة، أرادت أن تقول للعالم : إنها قررت شن الحرب، من خلال تقرير كولن باول، الذي -كان موجهاً إلى الشعب الأميركي، لإقناعهم بضرورة القيام بهذه الحرب، مع التلويح بالمأساة، التي حصلت في الحادي عشر من سبتمبر 2001، في تدمير برجي التجارة بنيويورك وضرب مقر البنتاغون في واشنطن.
لم تكن في تلك الأثناء الصورة واضحة، وكان الكثيرون في داخل العراق، يترقبون المعلومات الخطيرة، التي سيكشفها كولن باول أمام أعضاء مجلس الأمن، وأمام العالم أجمع ، في الخامس من فبراير 2003.
قبل أن يعرض تقريره كولن باول في مجلس الأمن، ثم تشكيل فريق عمل عراقي لتقييم هذا التقرير وما ترد فيه من معلومات.
وتم تكليف عدد من المسؤولين في الخارجية العراقية، ومن مكتب نائب رئيس مجلس الوزراء طارق عزيز بمتابعة ما يقوله كولن باول أمام مجلس الأمن، وتم إلقاء التقرير في الساعة السابعة وعشر دقائق بتوقيت بغداد، وقبل منتصف الليل، وضع المكلفون بمتابعة الموضوع تقريراً مفصلاً، أمام وزير الخارجية العراقي د. ناجي الحديثي، الذي يفترض أن يناقشه مع طارق عزيز المسؤول عن الملف العراقي مع الأ· المتحدة.
وحسب ما علمته، أن القراءة العراقية حملت بعض الارتياح، منطلقة من عدم وجود أدلة أو مؤشرات حقيقية وملموسة في تقرير باول، وكانت خلاصة التقرير العراقي تؤكد على نقطتين أساسيتين هما:
الأولى: أن ما قدمه كولن باول، لن يؤثر في مجلس الأمن، باتجاه إقناع أعضائه في التصويت لصالح ما تريده الولايات المتحدة وبريطانيا، كما أنه لن يكون مؤثراً في الرأي العام الأميركي، الذي يطالب بأدلة أكثر قوة ووضوحاً من تلك التي قدمها كولن باول، بعد أن انتظر الجميع ذلك التقرير .
الثانية: أن القراءة العراقية، لهذا التقرير، تؤكد ضعف أدوات الإقناع لدى الإدارة الأميركية، وهذا الأمر دفع ببعض المسؤولين العراقيين في اللجنة المذكورة، إلى ترجيح عدم وقوع الحرب الأميركية على العراق.
هذا يعكس في الواقع، حالة الضبابية، التي كانت تسيطر على العديد من المسؤولين والجهات في الحكومة العراقية، بشأن الحرب واحتمالات اندلاعها، في وقت أخذ العد العكسي يزداد بين ساعة وأخرى، لشن الحرب.
لقد كانت القراءة العراقية، ليست دقيقة، وفي الواقع، كان تقرير باول بمثابة الإعلان الأول لبدء الحرب، وأشرت إلى أهداف الإدارة الأميركية، وأنها تسير بهذا الاتجاه، عندما اختارتني هيئة الإذاعة البريطانية لأناقش ما قاله وزير الخارجية الأميركي كولن باول، وكنت الوحيد، الذي اشترك في المناقشات من داخل العراق، واعتادت ال ، على استضافتي، في النقاشات التي تتناول الشأن العراقي النقطتان الأساسيتان، اللتان رددت بهما على تقرير كولن باول، من خلال البي بي سي، هما:
الأولى: أن وزير الخارجية الأميركي، تحدث عن قدرات استخبارية عالية جداً، من بينها استراق المكالمات الهاتفية لكبار الضباط في الحرس الجمهوري، ولكن قلت إنه بعد اثنين وثلاثين دقيقة، من حديثه عن تلك القدرات الهائلة، يأتي ليتحدث عن سحب أسلحة دمار شامل من تحصينات للجيش العراقي، قبل بضع دقائق من وصول قافلة سيارات للمفتشين الدوليين إلى الموقع، هذا يعني ضعفا كبيرا في تحديد الأهداف ومعرفة ما يجري داخل المواقع الحساسة وهذا يناقض تماماً ما بدأ به كولن باول تقريره من قدرات استخباراتية عالية جداً.
الثانية: عرض صور لأماكن قال إنها تعود لأنصار الإسلام، في المناطق الشمالية، وفي ردي على هذه النقطة، قلت إن المواقع، حسب تقرير باول تقع في المناطق الشمالية من العراق، وهذه غير خاضعة للسلطة المركزية، منذ عام 1991، وأن للولايات المتحدة القدرة الكبيرة، على الوصول إلى هذه الأماكن، فإذا كان هؤلاء يمثلون خطراً على الولايات المتحدة، لماذا لم تتحرك الإدارة الأميركية ضدهم، طيلة هذه السنوات وبالمناسبة طرح المسؤولون في الكونغرس الأميركي، ذات التساؤل في مناقشاتهم لكولن باول، بمناسبة مرور عام على إعلان باول لتقريره الشهير، وكان قد مضى على احتلال العراق ما يقرب من العام، وتلك النقاط تثير العديد من التساؤلات عن طبيعة السياسة الأميركية، وكيفية تعاطيها مع المعلومات، والاَلية التي تتبعها في عملية تسويقها للحرب. أما فيما يتعلق بالحكومة العراقية، فيبدو أنها تفاءلت كثيراً، بما جاء بتقرير كولن باول، استناداً إلى القراءة، التي توصل إليها المكلفون بمتابعته، كما كانت الحكومة العراقية قد استعدت للتقرير أو الأدلة، التي قدمها توني بلير رئيس الوزراء البريطاني، وفي جلسة لمجلس الوزراء، قرر الرئيس العراقي السابق صدام حسين، تشكيل لجنة خاصة لمناقشة تقرير بلير، وتكونت اللجنة، من كل من الدكتور عامر محمد رشيد الذي كان يشغل منصب وزير النفط، وهو من المعنيين بملف الأسلحة العراقية، والدكتور همام عبد الخالق، الذي كان يشغل منصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو من العلماء العراقيين أيضاً، وشغل عدة مناصب قبل ذلك، منها رئيس هيئة الطاقة الذرية ووزيراً للإعلام.
هذه اللجنة، لم يتم الإعلان عنها في وسائل الإعلام، وتم تشكيل فريق عمل من مكتب وزير الإعلام (محمد سعيد الصحاف) وأحد مساعدي اللواء حسام محمد أمين رئيس الهيئة الوطنية للرقابة، وهي الجهة المعنية بالتنسيق مع لجان التفتيش ، وكان برتبة عقيد مهندس ، له إلمام واسع ببرامج التسليح.
إن اهتمام الحكومة العراقية بتهيئة رد واسع وشامل، على تقرير توني بلير، يدلل على أن هناك مراهنة قوية، على الجهود الدبلوماسية، وقال لي أحد الأعضاء في تلك اللجنة، إن نائب رئيس مجلس الوزراء السابق طارق عزيز كان يتابع بنفسه الموضوع، ونظراً لأهمية وحساسية الرد، من وجهة نظر المسؤولين العراقيين، فإن الدكتور عامر محمد رشيد وزير النفط السابق، كان مهتماً كثيراً بتفاصيل الرد، لدرجة أنه بدا خلال الاجتماعات مشدود الأعصاب وكان يرفع سماعة الهاتف عدة مرات، خلال الاجتماع للتدقيق في المعلومات، ولمراجعة الملفات الخاصة بالأسلحة العراقية.
في تلك الأثناء، كانت وزارة الخارجية تعج بالحركة، وُتعقد في أروقتها اللقاءات والاجتماعات، ووسط قناعات المسؤولين العراقيين المتفاوتة بشأن وقوع الحرب، كان وزير الخارجية العراقي د. ناجي الحديثي، يعمل بمثابرة، على أمل أن يظهر الدور الفاعل للدبلوماسية، في أيام تزداد فيها حرارة الحرب ساعة بعد ساعة. كنت ألتقي د. ناجي الحديثي وزير الخارجية السابق، بين فترة وأخرى، أما في تلك الأيام، التي كان فيها منشغلاً جداً، خاصة بعد أن بدأت عمليات تدمير الصواريخ من نوع (الصمود اثنان) فكان وقته ضيقاً، رغم ذلك، أردت أن أعرف كيف يفكر الجناح الدبلوماسي في الحكومة العراقية، أن د. ناجي الحديثي وزير الخارجية السابق، لم يصرح لي بوضوح عن الأخطار الداهمة، التي يراها مقبلة على العراق، إلا أنني أدركت أنه يعمل ما في وسعه لتأجيل الحرب الأميركية على العراق، وليس لديه القدرة على إلغاء مخطط الحرب، بجميع تفاصيلها وعناوينها. لكن ثمة فرقا شاسعا، بين الجهود الدبلوماسية المبذولة، من قبل الجناح الدبلوماسي في الحكومة العراقية، لتأجيل الحرب، التي باتت وشيكة، بل قد تطرق الأبواب في كل يوم، وبين العمل على إلغائها، إذ أن التأجيل، يعني الدخول في مفاوضات سرية أو علنية مع الولايات المتحدة، وهذا ما كانت ترفضه واشنطن، أو إعلان الحكومة العراقية عن إجراءات كثيرة، من شأنها تخفيف الضغوطات الأميركية، وخلق تيار في المجتمع الدولي، للضغط بقوة على واشنطن، لغرض تأجيل حربها الوشيكة.
أما الخيارات المطروحة أمام القيادة العراقية فكانت محدودة، فمن الواضح، أن الجناح الأقوى، داخل الحكومة، هو الذي يراهن على أن الولايات المتحدة، لن تشن الحرب، قبل الحصول على موافقة الأ· المتحدة، وتزعمها لحشد دولي يشبه إلى حد ما ماحصل مطلع عام 1991، عندما شنت حكومة جورج بوش الأب حربها ضد العراق لإخراج قواته من الكويت.
ظل هذا الجناح، يراهن على ثبات مواقف بعض الدول إزاء مسألة الحرب على العراق وخاصة فرنسا وألمانيا ومعارضتهما الصارمة لها، وإصرارهما على طرح الخيار الدبلوماسي، لنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، التي تتحدث عنها كل من واشنطن ولندن، وتقول إن وجودها لدى حكومة صدام حسين، مسألة لا تحتاج إلى المزيد من الأدلة والمناقشات، ورغم ظهور ملامح قوية لاحتمالية أن تشن الولايات المتحدة الحرب، دون الرجوع إلى الأ· المتحدة، إلا أن القيادة العراقية، ظلت تراهن على صعوبة الإقدام على مثل هكذا خطوة، ووفق ما تريده واشنطن، وكانت أبرز تلك الملامح، قد ظهرت في الأيام الأولى من شهر مارس 2003، أي قبل بداية الحرب بثلاثة أسابيع تقريباً، ففي أواخر فبراير واستناداً إلى ما نشرته (الواشنطن بوست) في الأول من مارس ، فقد ألمح الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ، إلى أن الحرب أصبحت وشيكة من دون مجلس الأمن وقال بوش : (فكرت كثيراً في التبعات والثمن الذي يتعين دفعه) وقبل يوم من حديث بوش هذا، أعلن متحدث عسكري في الجيش الأميركي أن قاذفات تلقت أمراً بالانتشار تمهيداً لعمليات قتالية محتملة أما بالنسبة للقيادة العراقية، فكانت تنظر إلى التصعيد الأميركي من زاوية خاصة، وأن التفسير الأكثر حضورا كان يصب في خانة الحرب النفسية، وأن كل ما تقوله واشنطن يهدف إلى دفع بغداد لتقديم المزيد من المعلومات، عن الأسلحة المحظورة وبرامج تطويرها وعزز هذا الاعتقاد، أن واشنطن رأت في انصياع العراق للموافقة على تدمير صواريخ (الصمود اثنان) وإعلان بغداد بعد يومين من بداية عمليات التدمير، التي كانت تجري في معسكر التاجي شمالي بغداد، عن عثورها على الانتراكس وغاز الأعصاب في موقعين عراقيين، وفي الثاني من مارس 2003، أعلن المستشار في ديوان الرئاسة العراقية الفريق عامر حمودي السعدي، أن عمليات بحث جديدة أتاحت العثور على كميات كبيرة من مادة الانثراكس وغاز (في أكس )، وكانت هذه الكميات تطالب بها الأ· المتحدة، استناداً إلى المعلومات التي كانت بحوزتها وتم العثور على هذه المواد في موقعين قال المسؤولون العراقيون، إنه قد تم طمر هذه المواد فيها من أسلحته البيولوجية والكيمياوية. هنا أصبح التفسير الأكثر رواجاً بين العراقيين، أن مسلسل الضغوطات النفسية الأميركية على الحكومة في بغداد، بدأ يأتي أكله، كما يقال، لهذا ساد الاعتقاد، الذي يقول: إن واشنطن ستمارس المزيد من الضغوطات، وأن بغداد ستكشف المزيد من المعلومات

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept