الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 


الرحلة البيلوروسية في عهدين

مشكلات القومية لم يتم حل خلافاتها في الحقبة السوفيتية وأخطرها (ناغورني كارباخ) والشيشان

 

في مينسك لم أر مظاهر تمييزية لا في المسكن ولا في الملبس ولا في المواصلات وغيرها بين الناس ، فالبيوت هي نفس البيوت، والتي هي عبارة عن بنايات عالية ومتسعة ومتصلة في كثير من الحالات ضمن خطة معمارية هندسية، على شكل دائرة أو مستطيل مثلاً (بالطبع هذه البنايات حديثة، أما البيوت القديمة فغالبيتها تتألف من 5-7 أدوار) وهي تتكون من شقق يسكنها العامل والفلاح والأستاذ الجامعي والفنان. . . الخ.
والسيارات هي نفسها، فلا وجود لسيارات فارهة وأخرى متواضعة، والملبس هو نفسه للجميع، وكل الناس وإن اختلفت وظائفهم يستطيعون الذهاب إلى المطعم والسينما والمسرح والباليه وغيرها. كل حاجات الناس الأساسية مكفولة، ولكن صدق المثل القائل: (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان)، فحرية التعبير هي إحدى سمات العصر، ولا يمكن لكبت الحريات أن يدوم إلى الأبد، لم ألمس من المواطنين البيلوروس ، حتى من عملت معهم خمس سنوات ومن احتككت بهم فترات طويلة، الشعور بالحرية عند مناقشة المواضيع السياسية، فكأن لسان حالهم يقول (للحيطان اَذان) لم يكونوا ليريدوا التورط في انتقاد النظام الحاكم خوفا من التبعات، لكن البعض وبعد فترة طويلة من الصداقة معهم، وبعد أن تنزرع قيهم الثقة بك، يبدأون بالشعور بحرية الحديث معك، ويقولون حقيقة ما يفكرون، وبخاصة أن معظمهم يسمعون الإذاعات الأجنبية، التي تعمل على مدار أربع وعشرين ساعة وعلى مدى سنوات طويلة والموجهة خصيصاً لكل مناطق الاتحاد السوفيتي، والتي تتناول صورة ما يجري في هذا البلد المغلق. كان من يثق بك يشكو من الأوضاع، وحكم الحزب الواحد ويتكلم عن أهمية الملكية الخاصة. . . فما المانع من وجهة نظره. . . أن يمتلك الإنسان بيتاً منفصلاً، أو أن يقتني سيارة فارهة، أو أن يلبس في معصمه ساعة جميلة؟ وما المانع أن يكون حراً في قضاء إجازته في فرنسا أو في غيرها من البلدان؟. . . بمعنى اَخر. . . أن يسافر وقتما يشاء ويعود وقتما يشاء، وما المانع في أن يذهب للعمل في الخارج إذا سنحت له الفرصة؟ وما المانع في أن تكون هناك أحزابُ أخرى؟ وما المانع أن يمتلك الإنسان دولارات؟ ولماذا لا توجد مصانع (علكة) في الاتحاد السوفيتي. . . ومصانع لبنطلونات (الجينز)؟ مثلاً. . . وهكذا دواليك.
من صميم قلبي- عند مناقشتي لهؤلاء- كنت أتمنى لو يجري السماح لهم بالسفر خارج بيلوروسيا، فهم يتصورون أن كل من يعيش خارج الاتحاد السوفيتي. . . مليونيراً! الإغلاق سبب لهم تصوراً خاطئاً عن حقيقة ما يجري في الكثير من بلدان العالم. كنت أقول لهم: هناك من يموتون جوعاً في بلدان كثيرة، وهناك من لا يملكون بيوتاً، ومن يموتون دون أن يستطيعوا العلاج، وهناك من لا يستطيعون القراءة ولا الكتابة لانتشار الأمية في بلدانهم، وهناك من يجري اضطهادهم من العمال، ومن الأطفال من يجبرون على العمل لسد رمق عائلاتهم. . . . الخ.
وكنت أقول للأطباء منهم والمهندسين: في بلدان كثيرة لا يستطيع الطالب أن يكون طبيباً أو مهندساً حتى لو أراد ذلك وحتى لو حصل على أعلى المعدلات في نهاية الدراسة الثانوية، لأن دراسة هذين الفرعين أصبحت مكلفة كثيراً، والطالب قد لا يستطيع دفع أقساط جامعته، كنت أشرح لهم عن مستويات الباحثين عن العمل في الدول المختلفة حتى بين الأطباء والمهندسين وغيرهم من أصحاب المهن الأخرى.
كانوا يتصورون: أن العالم خارج الاتحاد السوفيتي: جنات عدن! كانوا يعتقدون أن من يخرج منهم خارج أسوار بلدهم، سيكون باستطاعته جمع الأموال في فترة قصيرة. لم يكونوا يسمعون شرحي واستعراضي للإيجابيات والمميزات، وحقيقة الشعور بالأمان، التي يعيشون وسطها!
كانوا يردون عليّ: لو كانت الصورة بمثل ما تقول، لتمّ السماح لنا بالخروج. . . لنرى العالم على حقيقته، ولكن لأنه ليس كذلك، فهم يمنعوننا.
كنت أرد: ولكن الا ترون ما يدور في العالم من مشاكل حياتية في المجالات الأساسية من خلال التليفزيون السوفيتي؟ الذي يحاول أن يظهر وباستمرار حقيقة الجوع والأمراض والباحثين عن العمل والمتشردين في بلدان كثيرة. . .
كانوا يردّون: نحن لا نثق بأجهزة إعلامنا! كنت أشعر. . . أنه عندما يصل النقاش إلى هذا المستوى فلا فائدة من الحديث، في نفس الوقت كنت أتساءل في نفسي: عن الأسباب التي أدّت بهم لاتخاذ مثل هذه المواقف؟ ولو قُدر لي أن أكون واحداً منهم. . . هل ستكون وجهات نظري مثل التي أقولها لهم؟ بالطبع فإن الافتراض خاطئ من أساسه. . . لكني كنت أجد بعض الأعذار لهم. . . فهم ممنوعون من السفر ومن حرية التعبير ومن الكثير من الحقوق الديموقراطية. . والقاعدة الحياتية تقول (كل ممنوع مرغوب)، بالتالي، فما داموا ممنوعين من السفر ومن حرية التعبير وحرية تشكيل الأحزاب. . . وغيرها من الحقوق، فلا بد أن تكون أراؤهم مثل التي أسمعها.
كانوا ينطلقون في نظرتهم إلى الأجانب من خلال الطلبة الدارسين، فالطالب من هؤلاء وعلى الرغم من إمكانية أهله المتواضعة، لكنهم يظلوا قادرين على إرسال بضع مئات من الدولارات إليه سنوياً ولو على حساب قوتهم، والطالب يستطيع والحالة هذه صرفها في السوق السوداء بخمسة- سبعة أضعاف السعر الرسمي، ولذلك سيبدو ثرياً أمام البيلوروس ، كما ساهم في ذلك أيضاً الأجانب الذين كانوا يأتون في أفواج سياحية أو للعلاج في الاتحاد السوفيتي، كانوا هم أيضاً يصرّفون ما معهم من دولارات في السوق السوداء، وكان الروس عندما يرون تبذير هؤلاء بالصرف في المطاعم والفنادق وفي أماكن الشراء، وما يلبسونه من بذلات جميلة وأحذية جميلة وساعات حديثة. . . كانوا يعتقدون بامتلاك هؤلاء لثروات طائلة!
وساهم في ذلك أيضاً الروس القلائل الذين كانوا يذهبون إلى الخارج في مهمات رسمية. . . وما يحضرونه معهم من بضائع يتباهون بها أمام الاَخرين.
مناقشة الحزبيين من الناس كنت أتجنبها لمعرفتي المسبقة لما سيقولون، ولكن من حقهم أن يدافعوا عما يعتقدونه صحيحاً، ولكن بشرط أن يؤمنوا حقاً بما يقولون.
كنت أستغرب أيضاً وأتساءل في نفسي: لماذا لا يتكلم البيلوروسيون لغتهم فيما بينهم؟ ولماذا هذا الانحسار الثقافي البيلوروسي لصالح الثقافة السوفيتية. . . والتي هي بشكل عام ثقافة روسية في غالبيتها؟ أعرف بالطبع أن اللغة الروسية هي اللغة السائدة، بحكم أن جمهورية روسيا هي الأكبر من بين كل جمهوريات الاتحاد السوفيتي فهي تعد (200) مليون من بين (400) مليون وهم كل سكان الاتحاد السوفيتي، أي تقريباً نصف سكانه. . . وبشكل موضوعي أقول: إن ذلك يعتبر أحد أهم الأسباب في السيادة الروسية في مختلف المجالات. وأعرف أيضاً أن ما يقوله الحزب والدولة في الاتحاد السوفياتي عن إذابة الفوارق بين القوميات المختلفة (تزيد عن 150 قومية) بجانب الصواب، فتجربة عشتها لسبع سنوات في موسكو مختلطاً بقوميات كثيرة في أماكن مختلفة، وفي زيارات لبعض الجمهوريات الأخرى، جعلتني أدرك، أن الشعور القومي مسألة موجودة وبعمق،. . . كنت أشعر كيف يشعر الأرمني باعتزازه نحو قوميته، وكذلك الأذربيجاني والأوزبكستاني والقرغيزي والكازاخستاني والشيشاني بالاعتزاز تجاه قومياتهم، وكنت أشعر بمدى الحساسية الكبيرة، والتي تصل حدود الكرة في أحيان كثيرة تجاه الروس ، والنظرة إليهم والمتمثلة في استغلال الروس لكل ثروات الشعوب في الجمهوريات الأخرى، والتساؤل الدائم: لماذا كل شيء في سبيل روسيا؟ ولماذا يجري تركيز المصانع المهمة فيها؟ وغير ذلك من التساؤلات الموضوعية وغير الموضوعية. . . لأن روسيا في مساحتها الجغرافية أكبر من كل الجمهوريات الأخرى مجتمعة، وتنوعها المناخي كبير من سيبيريا إلى فلاديفستوك!
وكنت أسمع كيف ينظر الروس إلى أبناء الجمهوريات الأخرى من خلال القول: بأن الأخيرين يتمتعون بخيرات الاتحاد السوفيتي على حساب الروس ، والذين هم في غاية الفقر، إذا ما قورنت أحوالهم بالأرمني أو الاذربيجاني وغيرهم، والذين يأتون إلى موسكو ويسكنون في أفخم الفنادق، ويصادقون أحلى الفتيات الروسيات ويصرفون عليهن بلا حساب!
المهم أن المسألة القومية لم يجر حل خلافاتها في المرحلة السوفيتية، وفي نهايات حقبتها اندلع الخلاف عنيفاً بين أرمينيا وجورجيا حول ناغورني- كارباخ، وما زال مستمراً حتى هذه اللحظة، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي تفجرت صراعات قومية عنيفة لعل أبرزها: الصراع المسلح الشيشاني- الروسي ونزوع الشيشان للاستقلال عن روسيا ولو عن طريق الحرب.
من العادات المتأصلة في البيلوروسيين وفي الروس أيضاً، هي شرب الكحول بمقادير كبيرة وبخاصة الفودكا الروسية المشهورة، فلم أصادف في حياتي أناساً يشربون صباحاً، سوى في روسيا وبيلوروسيا، فمن الطبيعي في الفترة الصباحية وأنت ذاهب إلى العمل أو الدراسة في الميترو وفي الحافلة وفي وسائل المواصلات المختلفة، أن تشم رائحة الكحول من أفواه كثيرين. ومن الطبيعي أيضاً أن ترى أناساً كثيرين يصفّون في طابور على المحلات المخصصة لبيع الكحول وأهمها الفودكا في الصباح، إنها عادة قديمة، حاولت معرفة سببها، سألت كثيرين عنها. . . أفادوني بأجوبة مختلفة. . فالبعض قال: انها بسبب برودة الطقس في الشتاء، وللبرهان يستطرد: على ماذا كان الناس يتدفؤون شتاءً قبل اختراع التدفئة المركزية؟ بالطبع على إشعال الحطب وشرب الفودكا. وفسّر البعض ذلك: بأنها عادة تاريخية مرتبطة بالروس وهي إحدى عناوين الرجولة الروسية، فالروسي (الموجيك، وتعني الرجل) لا بد وأن يشرب الفودكا، وبدونها لا يستطيع العمل ولا يستطيع القتال، فكثيرون حاولوا استعمار روسيا قديماً وحديثاً، لكنهم طردوا منها طرداً، والفودكا كانت عاملاً مساعداً في تحريض الروس على القتال، وهكذا تختلف الأجوبة على تفسير هذه الحقيقة.
واذكر في السنة التحضيرية لدراستي للطب في موسكو، وهي سنة يجري تدريس اللغة الروسية فيها إضافة إلى الأحياء والفيزياء والكيمياء، وكان ذلك في عام.1972. عندما قرأت لنا معلمة اللغة الروسية جالينا سوشكوفا قصة قصيرة عن أحد الأسرى من الفدائيين الروس ، الذي اعتقلته القوات النازية في غابة بالقرب من موسكو، وكان تائهاً ولم يأكل شيئاً سوى الحشائش طيلة عشرة أيام، ولما أحضروه إلى الضابط النازي في مقره. . . وكان يشرب الفودكا، سألn الفدائي (وكان قد عرف عن قصته وجوعه): - هل تستطيع شرب الفودكا وأنت لم تأكل منذ فترة طويلة؟
أجاب الفدائي:
- نعم أستطيع. - ولكن أي كمية تستطيع شربها؟ - زجاجتين. . . أجاب الفدائي. وهنا، ملأ الضابط كأساً للماء كبيرة بالفودكا وناولها للأسير، الذي شربها دفعة واحدة!
وهنا استغرب الضابط كيف استطاع أسيره ذلك، وعاد لسؤاله: - ألا تريد أن تأكل شيئاً؟ أجاب الفدائي ونظرة التحدي في عينيه: الرجل الروسي (الموجيك) لا يأكل شيئاً قبل الكأس الثالثة.
وهنا ملأ الضابط كأساً ثانية له وشربها، وكأساً ثالثة وشربها أيضاً. . . وظل الأسير واقفاً وهو ينظر بتحدٍ كبير إلى الضابط. . الذي أمر بإطلاق سراحه فوراً.
أكدت لنا معلمة الصف أن هذه القصة واقعية تماماً، أوردتُها للتدليل على بعض النواحي الخفية في تأصل عادة شرب الفودكا لدى الروس والبيلوروس ، والشعبان ينحدران من نفس الأصول السلافية.
البيلوروس في بيوتهم وفي احتفالاتهم يشربون كثيراً، والكؤوس لا بد وأن تُشرب حتى القعر، ويملؤونها من جديد وهكذا دواليك! ولذلك فمن الطبيعي أن ترى سكارى على عرض الشارع في النهار والليل، وهو منظر يؤلم كثيراً. وفي الحقبة السوفيتية كانت سيارات خاصة تجوب الشوارع من أجل جمع هؤلاء وإبقائهم في مراكز خاصة فيها إشراف طبي، حتى يعودون إلى الوعي. وأذكر في عام 1978 وحين وصلت درجة الحرارة في نهاية ديسمبر وتحديداً في الحادي والثلاثين منه إلى ما يقرب من 50 درجة تحت الصفر (وكان ذلك نادراً) عشية ليلة رأس السنة الجديدة، ليلتها كنت قادماً من سفرة إلى بيروت لحضور المؤتمر التاسع للاتحاد العام لطلبة فلسطين، والذي عقد في سوق الغرب واستغرق تسعة أيام. بعد انتهاء أعمال المؤتمر استعجلت سفري وعودتي إلى موسكو، رغم إلحاح أصدقائي في لبنان عليّ للبقاء لما بعد رأس السنة، لكني أصررت على السفر. أخذت رحلة في 30 ديسمبر من عام 1978 عن طريق العاصمة النمساوية فينا، التي قضيت فيها ليلة جميلة، وفي صباح اليوم التالي، تجولت فيها للتعرف على أهم معالمها، وبعد الظهر سافرت إلى موسكو، وصلت في التاسعة مساءً، لم أصدق ما أعلنه الطيّار من أن درجة الحرارة في موسكو هي 50 تحت الصفر، استغربت فهي المرة الأولى التي أسمع وأرى عن مثل هذه الحرارة المتدنية رغم وجودي في موسكو لما يقارب السبع سنوات. ذهبت من المطار إلى سكني وعلمت أن تجمع الأصدقاء سيكون حيث تسكن ليلى، غيرت ملابسي وانطلقت، وصلت إلى التجمع في الحادية عشر والنصف، ذهل الشباب لحضوري غير المتوقع وبدؤا في التصفيق، سهرنا واحتفلنا برأس السنة، ومن يومها ابتدأت علاقتي الحقيقية مع ليلى. مررنا في الثاني من يناير عام 1979 بدورة دراسية في الطب الشرعي، وذهبنا إلى المورغ (المكان الذي يحفظون فيه الجثث) في أحد مستشفيات موسكو، أخبرنا الأستاذ أن ما يقارب المائة وخمسين جثة تم العثور عليها متجمدة في شوارع موسكو في ليلة رأس السنة!
استغربت الرقم، وسألته مرة ثانية إعادة الرقم، فأكد على ذلك، إنها مسألة أكثر من مؤلمة كانت لي ولكافة الطلبة الاَخرين، لكنها الحقيقة!
وكان طبيعياً أن ترى بعض الروس والبيلوروس بالقرب من محلات بيع الفودكا في الصباح، وإذا ما اقتربت منهم يسألك أحدهم: هل تشاركنا؟
للوهلة الأولى، استغربت السؤال، أشاركهم ماذا؟ كانوا يقصدون: المشاركة المالية من أجل شراء زجاجة فودكا، فعندما يعجز أحدهم عن شراء الفودكا لأنه لا يملك ثمنها، يبدأ في البحث عن اَخرين يشترونها معه، وفي هذه الحالة يخرج كلw منهم كأسه المخبأ في جيبه، ويشربون الزجاجة بعد اقتسام محتواها.
وألطف نكتة سمعتها من أحدهم تقول: اختبر أحد الناس اَخر حول معلوماته عن الشرب سائلاً إياه: لماذا يجري دق الكؤوس بعضها ببعض حين الشرب؟
قال الثاني: من أجل التمنيات الطيبة، رفض الأول هذه الإجابة وفسر له الأمر كالتالي: عندما نشرب يسكر كل شيء فينا باستثناء الأذنين، ودق الكؤوس من أجل جعل الاَذان هي الأخرى تسكر.
وبأم عيني رأيت جراحاً روسياً مشهوراً في جراحة الكبد، وكان ذلك في السنة الثالثة لدراستي في الطب في موسكو وفي عام 1976، وهو يشرب نصف كأس من السبيرتو دفعة واحدة قبل أن يتجهز لإجراء عمليات، كانت الممرضة قد ناولته كأساً مملوءةً حتى منتصفها، اعتقدته ماءً، ولكن من تعابير وجهه أثناء الشرب، ومن جواب الممرضة عندما سألتها فيما بعد. . . تأكدت أنها سبيرتو من تلك التي يستعملونها في الجراحة وفي التعقيم.
وشرب السبيرتو ليس غريباً عند الروس والبيلوروس ، ففي البلدين يشربون نوعاً من الكحول المحلي يجري تصنيعه في المنازل ويسمى (سماغون) ونسبة الكحول فيه (95%) وهي نسبة أكبر من تلك الموجودة في السبيرتو.
قُدر لي أن أشرب (السماغون) في منزل صديق روسي، تحدث عن محاسنه وجودة تصنيعه. . . فحاولت ومن باب التجربة أن أتذوقه، قال الروسي: لا يجوز تذوقه، بل يجري شربه دفعة واحدة، ويصبون في العادة كميات صغيرة منه في كؤوس صغيرة مخصصة له وللفودكا، ما كدت أشرب ما في الكأس ، حتى أحسست بأسياخ من النار ما بين بلعومي ومعدتي، وذهبت إلى الحمام، وتقيأت مراراً. . . وظللت فترة ثلاثة أيام أشعر باَلام كبيرة في كل جهازي الهضمي، وبعد ذلك حرّمت تناول هذا النوع من المشروب.
في عام 1986، أرادت الحكومة السوفيتية وبإيعاز من الرئيس غورباتشوف الحد من استهلاك الناس للكحول، ففي تقارير أوردتها حينذاك ونشرتها الصحافة وأجهزة الإعلام الأخرى، أوضحت فيها أن دخل الحكومة من بيع الكحول يقدر ب (2) مليار روبل سنوياً، لكنها تنفق على المرضى بسبب شرب الكحول (4) مليارات روبل في العام، ولذلك فإن قرارها كان يقضي بحصر بيع الكحول ما بين الساعة الثانية ظهراً والسابعة مساءً وبكميات محدودة، ردود فعل المواطنين على هذا القرار كانت انزعاجاً شديداً وشتماً له، لكن من دون أي حركة جماهيرية فاعلة ومؤثرة. رضخ الناس للأمر ولكن عن كره شديد له.
كنت أرى الناس من التاسعة صباحاً وهم يأخذون دورهم في طابور طويل من أجل شراء الفودكا، بضع ساعات يقضيها المواطن البيلوروسي من أجل شراء زجاجة كحول واحدة!
في هذه المرحلة ازدهرت تجارة الكحول في السوق السوداء، وبأضعاف ثمنها.
كان الطلبة الأجانب غالباً ما يشترون الكحول من نادلي المطاعم، وبأسعار أعلى بالطبع.
رد فعل كثيرين من البيلوروس وبخاصة العمال على هذا التحديد، تمثّلn بالبدء في شرب السبيرتو، والمواد التي تحتوي على نسبة من الكحول ومنها: المنظفات الكيماوية بعد حلّها بالماء، مادة الغراء. . . يسخنونها على النار ويبدؤون في استنشاقها، الأصباغ ومنها أصباغ الأحذية يخلطونها بالماء ويستنشقونها، وغيرها وغيرها من الطرق بالإضافة إلى ازدهار تصنيع الكحول البيتي. المواد المشار إليها بدأت في النفاذ سريعاً من الأسواق، وكانت مشكلة كبرى أن تجد ما تحتاج إليه من المنظفات وغيرها في المحلات. الحصيلة: ارتفاع كبير في حالات التسمم بالمواد الضارة وازدياد أمراض الجهاز التنفسي، والهضمي (وبخاصة تشمع الكبد) وأمراض الجهاز البولي والدم. . . مما أخذ يكلف الخزينة السوفياتية أضعاف ما كانت تنفقه على المرضى نتيجة شرب الكحول في السنوات السابقة. . . لكن ذلك لم يردع الحكومة التي استمرت في تحديد ساعات بيع الكحول وكمياتها.
ارتبطت مرحلة دراستي للتخصص في مينسك بالتحولات الاجتماعية في الاتحاد السوفيتي، ففي عام 1985، فاجأ الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي ميخائيل غورباتشوف السوفيت والعالم بأسره، ففي مؤتمر الحزب الذي عقد في ذلك العام. ونقل التليفزيون السوفيتي- لأول مرة في تاريخه- وقائع المؤتمر على الهواء مباشرة- وهي سابقة تاريخية- أطلق غورباتشوف في المؤتمر شعاريه البيرسترويكا (إعادة البناء والتنظيم) والجلاسنوست (العلنية)، وانتقد بحدة كبيرة كل مراحل الاتحاد السوفيتي السابقة.
شعر الناس بأن ما يحدث هو ثورة حقيقية، فكثيرون منهم لم يصدقوا ما تراه أعينهم وما تسمعه اَذانهم، فالحزب كان دائماً على صواب وكذلك الدولة، وها هو زعيم الحزب يأتي ليقول جهاراً: بأن الحزب أخطأ وتم قمع الناس في عهد ستالين، وتجمّد الاتحاد السوفياتي في مرحلة بريجنيف، وتم تأليه القادة، وغيرها من الانتقادات الكبيرة التي تطرح لأول مرّة.
أنا ونتيجة مرحلة دراسية طويلة في موسكو امتدت سبع سنوات في عهد بريجنيف، كان لي ماَخذ على ما يجري في الدولة الاشتراكية الأولى في العالم. فلا وجود للحريات، ولا وجود للملكية الخاصة، وهي مسألة انسانية مرتبطة بوجود الإنسان وكذلك البيروقراطية الكبيرة المتفشية، فاستخراج شهادة (أية شهادة) بحاجة إلى قضاء أيام في سبيل الحصول عليها وبحاجة إلى توقيعات كثيرة، وعدم السماح للناس بالسفر، وغيرها من المظاهر المحبطة، ولأول مرّة أرى: أنه إذا أراد الطالب الأجنبي زيارة إحدى المدن في الاتحاد السوفيتي (غير التي يدرس فيها وبعيدة عنها 80 كيلو متراً أو أكثر) فهو بحاجة إلى استخراج (فيزا داخلية) من الهيئة المختصة، هذا إضافة إلى أن بعض المناطق (التي تعتبر هامة وأمنية) لا يسمح بدخول الأجنبي اليها، مع العلم أنها مفتوحة للمواطنين السوفيت، أما إذا سافر أحدهم، دون استخراج هذه الفيزا، كأن يركب في قطار ويسافر مثلاً، فذلك خرق عظيم يسجّل عليه، وله نتائجه الوخيمة فيما بعد.
مثل هذه المسائل، كنت لا أود أن أراها في بلد أحبه، ولذلك ما إن سمعت عن هذه التحولات في توجه الحزب، حتى أحسست أنها فعلاً تطرح من أجل تخليص الاشتراكية من الكثير من الأمراض ، فما تم طرحه من قبل غورباتشوف والحزب هو: المكاشفة والمصارحة وإعطاء الناس الحق في التعبير عن وجهات نظرهم دون خوف من التبعات، كما تمت الدعوة إلى صحافة حرة، وحرية الانتقاد العلني، وإعطاء دور للمواطنين في رسم سياسات بلدهم ومشاركتهم الحقيقية في صنعها وفي التخطيط الاقتصادي، والدعوة الى انتخابات حرّة على قاعدة التنافس ،وغير ذلك من الشعارات الإنسانية الجميلة مثل: التنمية الاقتصادية ومضاعفة دخل الاتحاد السوفيتي مرتين خلال خسمة أعوام (من 1985-1990). . . وكل ذلك سيجري ضمن الحفاظ على الاتحاد السوفياتي وبقائه موحداً، وضمن العلاقات الجيدة مع دول المنظومة الاشتراكية.
كان التفاعل الجماهيري بين الناس في بيلوروسيا كبيراً، فمعظمهم يؤيدون هذه الخطوات، وبدأوا في انتهاجها - بتوجيه من الحزب- في قواعدهم، في انتخابات الهيئات المشرفة على المصانع والمعاهد والمستشفيات وغيرها، وأصبح الناس أكثر جرأة في ملامسة الحقائق، وأقل خوفاً من توجيه النقد.
أما كبار السن من الحزبيين فقد كانت لهم وجهة نظر مختلفة وتتلخص في: أن غورباتشوف يعمل على إضعاف دور الحزب في الحياة السياسية والأخرى الاقتصادية على طريق تفكيك الاشتراكية والاتحاد السوفيتي.
كان مفهوماً أن تكون وجهات نظر هؤلاء بالطريقة التي يطرحونها، فهم يعتبرون أنفسهم (وبخاصة من شارك منهم في الحرب العالمية الثانية) أصحاب الاتحاد السوفياتي، ولولا دورهم لما بقيت هناك اشتراكية ولما بقي الاتحاد السوفيتي نفسه.
لقد سارت التظاهرات الشعبية، التي نظمها الحزب في موسكو وفي مختلف أنحاء الاتحاد السوفيتي من أجل مباركة خطوات غورباتشوف في البيريسترويكا. لقد نظم عقد اجتماعات التأييد في المعاهد والمصانع والأرياف وفي كل الأمكنة، وكانت ترسل في نهاياتها برقيات التأييد باسم غورباتشوف والمكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب، لقد فعلت شعارات البيرسترويكا فعلها وبخاصة في المرحلة الأولى في تحريك الركود والجمود السوفيتي الذي تميز به عهد بريجنيف.
انطلاقاً من هذا الإيمان بأهمية البيريسترويكا، كنت أنقل ما يحدث في بيلوروسيا من خلال مقالات تأييد أكتبها في بعض الصحف العربية، وبخاصة في مجلة الهدف، التي تصدر من دمشق، وهي المجلة المركزية الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واذكر مرة في موسكو، وعلى الغداء الذي دعاني اليه الدكتور جورج حبش ، الأمين العام للجبهة، والذي كان يزور موسكو في زيارة رسمية في عام 1988، قال لي: تصوّر كم هي عظمة البيريسترويكا! سنصبح قريباً أمام اتحاد سوفيتي جديد، تخلّص من أمراض ومظاهر سلبية كثيرة رافقت عملية البناء فيه، وبحجم اقتصادي مضاعف.
كانت هذه هي الروحية التي نظرت بمثلها غالبية الأحزاب الشيوعية، وتنظيمات اليسار في العالم إلى حملة التغيير التي يقودها غورباتشوف، وبخاصة أن الحزب وفي أواخر عهد بريجنيف قيّم تلك المرحلة باتمام بناء الاشتراكية المتطورة وأن الزمن القادم سيكون مرحلة الانتقال إلى الشيوعية حيث سيسود الشعار الشيوعي: من كل حسب طاقته. . . ولكل حسب حاجته. وجاء عهد غورباتشوف ليضع النقاط على الحروف، وليثبت بطلان ذلك التقييم اللاموضوعي واللاواقعي والبعيد كل البعد عن الحقيقة!
من بين التحديات التي أطلقتها الولايات المتحدة اَنذاك إبّان عهد الرئيس ريغان في وجه الاتحاد السوفيتي: هو سباق التسلح أو ما أطلق عليه (صواريخ حرب النجوم) واذكر جواب الرئيس غورباتشوف مراراً على ذلك في أكثر من مناسبة من خلال القول: أن الاتحاد السوفيتي قادر على الرد على تحدي الولايات المتحدة بفاعلية كبيرة وبطرق غاية في البساطة.
أسوق ذلك في الرد على وجهات النظر القائلة: بأن موضوع السباق في (صواريخ حرب النجوم) هو العامل الأول في تفكيك الاتحاد السوفيتي بسبب الأزمة الاقتصادية التي وقع فيها من خلال محاولة اللحاق بالولايات المتحدة الأميركية.
سباق التسلح لم يكن السبب الرئيسي في انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك جمهورياته، بل حصل بفعل عوامل كثيرة سأحاول توضيحها فيما بعد، انطلاقاً من رؤية شخصية ومعايشة عن قرب ممزوجة باهتمام لمرحلة ما قبل الانهيار. قوى كثيرة بدأت في استغلال ظروف الواقع الجديد، ومنها القوى في داخل الحزب الشيوعي نفسه بزعامة يلتسين، الذي كان يحتل عضوية أعلى هيئة فيه وهي المكتب السياسي، الذي أخذ في المزايدة على غورباتشوف نفسه، وكان ذلك يلمس بوضوح في اجتماعات اللجنة المركزية للحزب، والتي كانت تُبّث مباشرة على الهواء.
قوى يمينية كثيرة أيضاً استغلت هذا الواقع لتصفية حساباتها مع الحزب والدولة السوفيتية

 



الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept