الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 


الرحلة البيلوروسية في عهدين

القوات النازية أحرقت 618 قرية بيلوروسية واستدعت إلى الذاكرة مذابح الاحتلال

 

oo على بعد أربعين كيلومتراً من مينسك، تقع قرية خاتين، ذهبنا لزيارتها في حافلة تنطلق من مينسك إليها يومياً في رحلات منتظمة. كانت ليلى والولدان معي، تقترب من القرية عن بعد. . . . فتحس ّ بشيء غير عادي جرى لها. رأينا مساحة كبيرة مملوءة ببقع سوداء لم نتحقق طبيعتها، وتمثالا كبيرا يقع في مقدّمة تلك المساحة.
في 22 مارس من عام 1943، جمعت القوات النازية أهالي 26 بيتاً يسكنون القرية، وكان عددهم 149 شخصاً بينهم 75 طفلاً، في كوخ خشبي واسع وأغلقت نوافذه، وسكبت البنزين فيه ثم قامت بإحراقه بمن فيه.
كان الجنود الألمان يحيطون بالكوخ ومن يحاول الخروج من النوافذ بعد احتراقها. . . . كانوا يطلقون النار عليه.
كان صراخ من في الكوخ ينبعث عالياً ويُسمع من الغابة القريبة، مثلما يقول يوسف كامينسكي، الناجي الوحيد من السكان، فقد كان ساعتها في الغابة القريبة يجمع الحطب من أجل التدفئة وكان شاهداً حياً على ما يجري في القرية.
كان الوقت مساءً يومها، كانت ألسنة النيران تتصاعد عالياً، وكانت رائحة لحم الناس المحترق تشق عنانها في الأفق لتصل إلى البعيد. . . لتحاصر الإنسانية جمعاء، كان يوسف يتألم لابنه ولزوجته وللأطفال البريئين، ولضحكاتهم. . . . كان يتألم لجيرانه وأهل قريته، والذين كانوا يقتسمون لقمة الخبز في سنوات الحرب.
لم يعتقد يوسف بأن الغزاة سيصلون إلى هذا المستوى من الإجرام واقتراف المجازر. . . لم يكن باستطاعته فعل أي شيء! غادر الجنود الألمان بعد أن أنهوا مهمتهم، لم يبق في الكوخ المحروق أي إنسان حي. . . كانت الجثث المتفحمة فوق بعضها. . . كانت الأمهات تحتضن أطفالهن في محاولات أخيرة لمنع القدر المحتوم عنهم. . . لكنهم حرقوا وهم في أحضان أمهاتهم. جاء كامينسكي إلى الكوخ عثر على زوجته وابنه الصبي، حمل ابنه على يديه. . . وأخذ ينادي. . . علّ أحداً يسمع. . . علّ أحداً يأتي للمساعدة. . . ولكن كيف؟ ومن أين؟ والطرق محتلة من قبل الألمان. . . وهم لا يريدون أن يكون أحد شاهداً على مجزرتهم.
كانت الدليلة تحكي، وعقلي يذهب بعيداً إلى مجزرة دير ياسين، ومجازر كفر قاسم وقبية، وصبرا وشاتيلا، وبحر البقر. . . وغيرها من المجازر الدموية التي اقترفتها إسرائيل بحق شعبنا الفلسطيني وبحق أبناء امتنا العربية. . . انها نفس الأساليب، نفس القتل. . . ونفس المجازر.
أكدت دليلتنا أن (618) قرية بيلوروسية جرى حرقها وتدميرها خلال الحرب العالمية الثانية على أيدي قوات ال: إس . إس وفرقها التي أنشأتها من أجل معاقبة البيلوروس على تأييدهم ومساندتهم لعمليات الفدائيين ضد القوات الغازية.
ومن بين تلك القرى التي جرى تدميرها وحرقها، فإن (185) قرية جرى مسحها عن الخريطة. . . فلم يبق أحد من ساكنيها على قيد الحياة. . . وكان من المستحيل إعادة بنائها.
في عام 1969، افتتحت بيلوروسيا مجمعاً تذكارياً لتخليد ذكرى قرية خاتين والقرى الأخرى التي جرى حرقها.
في أماكن البيوت، جرى بناء مساحات مربعة (متر في متر) من الرخام الأسود، ترتفع نصف متر عن الأرض ، مكتوبا عليها أسماء من كانوا يسكنونها وجرى حرقهم، ويرتفع على كل بناء من تلك، قوس ، معلق فيه جرس .
وفي مكان الكوخ حيث جرى إحراق أهالي القرية، ارتفعت مسلات ثلاث وفي أعاليها علقت أجراس .
وفي المقدمة من هذه المساحة: جرى صنع تمثال ليوسف كامينسكي وهو يحمل جثة ابنة القتيل.
وعلى قاعدة التمثال جرى نقش الكلمات التالية: ''أيها البشر، تذكروا، لقد أحببنا الحياة، ووطننا وقريتنا، لكنهم أحرقونا بالنيران ونحن أحياء، نود أن نقول لكم:
لتكن مصيبتنا عبرة للاَخرين، ولتتحول إلى إصرار وقوة من أجل أن تعملوا على تحقيق السلام على الأرض ، حتى لا يكون هنالك حروب في أي مكان. . . وحتى لا يختفي أناس اَخرون نتيجة حرقهم عمداً بالنيران. . . اصنعوا السلام على الأرض ''.
المهم أن الأجراس تقرع معاً في كل ساعة على شكل رنات تحس فيها رائحة الحزن وهول المصيبة. . . الأجراس تحاول الدق على أدمغة كل الذين ينسون مأساة قرية خاتين البيلوروسية والقرى الأخرى. . . .
تتشدق الصهيونية دوماً، بأن اليهود هم من عانوا في الحرب العالمية الثانية، وأن معسكرات مثل أوشفيتز وغيرها هي شاهد على معاناتهم، ويقولون بأن ستة ملايين يهودي جرى حرقهم في أفران النازية!
كثيرون من الباحثين يشككون في الأرقام التي تدعيها الأجهزة الصهيونية، لكن هؤلاء يُحارnبون في لقمة عيشهم وفي وظائفهم فيطردون منها، وتجري ملاحقتهم، وتصل المسألة أحياناً حد اغتيالهم جسدياً وتصفيتهم.
دول أوروبية عديدة سنت قانوناً (قانون غيسو) وهذا القانون يعمل في هذه الدول المعنية، وبموجبه يمنع التشكيك فيما تدعيه الأجهزة الصهيونية من معاناة بالنسبة لليهود، والأرقام التي تقولها.
لكن العالم لا يذكر قرية خاتين مثلاً، ولا القرى البيلوروسية الأخرى. . . وكأن هذه الوقائع ليست موجودة.
كثيرة هي الشعوب الأوروبية التي عانت من جراء الاحتلال النازي، لكن معاناة هذه الشعوب موضوعة على الرّف، والتي تبرز فقط هي معاناة اليهود!
فأجراس خاتين التي تدق كل ساعة. . . . لمن تقرع؟ من الاتحاد السوفياتي جرى نقل 2^2 مليون شخص من بينهم 000^380 من البيلوروس ليعملوا عمالاً في المانيا.
وفي بيلوروسيا وفقاً للإحصائيات فإن 209 مدن وبلدات إضافة إلى 9200 قرية جرى تهديمها. . . ورغم ذلك قاوم البيلوروس كما غالبية الجمهوريات الأخرى كما الشعب السوفياتي الغزاة الألمان حتى انتصروا عليهم بالتحالف مع الدول الأخرى. نماذج كثيرة من المقاومة موجودة في بيلوروسيا، لكني أسجل نموذجاً واحداً. . . وهو: أن امرأة بيلوروسية في إحدى القرى المحتلة من النازيين، كانت تشتري البيض صباح كل يوم من أهالي قريتها وتجمعه لديها، ولم يكن بإمكان الجنود الألمان الموجودين في القرية أن يعثروا على البيض حينما يطلبونه. . . ولما استدعاها قائدهم للتحقيق معها عن مكمن السر في جمعها للبيض قالت: أجمع البيض وادوسه، حتى لا تجدوا بيضةً تأكلونها في قريتنا، وحتى لا يقال مستقبلاً بأننا كنا نطعمكم بيضاً.
لقد قدّم الاتحاد السوفياتي تضحيات كبيرة في الحرب العالمية الثانية، واعتبر عاملاً رئيسياً في هزيمة النازية، بفضل شعبه وجيشه، الذي قاتل على كل الجبهات. . . وأذكر لقاءً تلفزيونياً في أواسط السبعينيات مع المارشال السوفييتي جيفكوف، بطل الاتحاد السوفياتي أربع مرّات، والشخص الذي كان قادراً على مناقشة ستالين بحريّة، ونجم الحرب العالمية الثانية، عندما سُئل عن سرّ انتصاراته على كلّ الجبهات العسكرية، التي قادها. . . قال: في كل جبهه تسلّمت قيادتها، كنت أجمع أركان حرب الفرقة الفرق، وأناقش معهم كل الاحتمالات الممكنة، إيجاباً وسلباً، وبعد أن يذهبوا، أبقى وحدي، وأناقش مع نفسي، احتمالات لم نتطرّق لها. . . وبذلك، كنت لا أترك جيشي للمفاجاَت، فأي شيء يحصل، كان متوقعاً بالنسبة لي.
االلززييااررةة اإٍلىلى ييااللططةة على شاطئ البحر الأسود تقع مدينة يالطة، والتي في العادة تعج بالمصطافين صيفاً، حيث تنظم إليها رحلات جماعية بواسطة شركات السياحة والسفر من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك من الدول العربية، تُنظم الرحلات إليها وإلى المدينة الجميلة الأخرى على شاطئ البحر الأسود: مدينة سوتشي.
عرفت مدينة يالطة في صيف عام1973 أثناء دراستي في موسكو وبعد إنهاء السنة التحضيرية، حيث نظمت جامعة الصداقة رحلة طلابية إليها بالقطار، حيث بتنا ليلتين وقضينا ثلاثة أيام في الرحلة الطويلة إليها من موسكو، والتي لم نشعر بها مطلقاً، حيث كنا في جماعات نستمع إلى الأغاني ونلعب الورق ونأكل، ونتعرف على الفتيات المسافرات أيضاً في القطار.
نزلنا في منتجع تابع للجامعة يقع في حضن جبل أخضر من سلسلة الجبال المشرفة على الشاطئ بالقرب من مدينة يالطة، كانت المدينة تبعد عن موقعنا حوالي عشرين كيلومتراً، نذهب إليها في (الكتريتشكا) وهو ما يشبه قطار نقل سريع للمسافات القصيرة.
مكثت في المنتجع حوالي عشرة أيام من مدّة مقررة لثلاثة أسابيع، وكان ذلك بسبب ارتباطات لي في موسكو.
من مينسك، حجزت مسبقاً في أحد الفنادق بواسطة صديق لي، يدير مكتباً للانتوريست للرحلات الداخلية، واستخرجت فيزا لي وللعائلة بواسطة المعهد، كما أخذت ورقة منه، ليتم التعامل معي بدفع أجرة الفندق، بالروبل الروسي، وكما الأسعار المخصصة للروس ، كوني أحد الدارسين في مينسك. سافرنا بالطائرة في رحلة استغرقت ثلاث ساعات ونصف، ومن المطار القريب من المدينة أخدنا سيارة إلى الفندق. كنا نقضي أوقات الصباح على الشاطئ الرملي الجميل للفندق، نسبح ويلعب الأبناء بالرمال، وبعد الغداء نذهب في رحلات داخلية ينظمها الفندق.
واذكر مرة أننا أخذنا رحلة في قارب كبير أشبه بسفينة صغيرة، للتعرف على أماكن تقع على شاطئ البحر، ننزل في عدة مناطق، يخصص لكل منطقة حوالي ساعتين من الزمن لرؤيتها ومن ثم نعود إلى القارب وهكذا.
ذهبنا لرؤية قصر يالطة، حيث عقد مؤتمر يالطة بين ستالين والرئيس الأميركي روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني تشرشل، هذا المؤتمر، الذي عقد في عام 1945، وفيه تم تقاسم مناطق النفوذ في العالم، والذي جاء بنتائج كارثية على منطقتنا، ذلك أنه تم الاتفاق في ذلك المؤتمر على إنشاء إسرائيل وتم أخذ موافقة الاتحاد السوفياتي على هذا الأمر، وبالفعل فقد اعترف الاتحاد السوفياتي بإسرائيل بعد إعلان إنشائها مباشرة، وكان بذلك الدولة الثانية التي تعترف بها بعد الولايات المتحدة الاميركية.
كنت أتطلع إلى صور الزعماء الثلاثة في الغرفة التي جلسوا فيها، وأسألهم لماذا؟ لماذا؟ لماذا وافقتم على أن تسرق إسرائيل وطننا؟ كنت أتطلع بلوم إلى صورة ستالين واحمّله مسؤولية ذلك، فالاتحاد السوفياتي، الحليف الطبيعي لكل المظلومين في العالم، لا يليق به أن يوافق على إنشاء وطن قومي لليهود على حساب الفلسطينيين وبلدهم. وأنا أتطلع إلى الصور والدليلة السياحية تشرح، كان شريط ماَسي شعبي الكثيرة والكبيرة يمر في ذاكرتي بتواصل كبير، كنت أتساءل: لو لم تكن نتائج الحرب العالمية الثانية بمثل ما كانت عليه. . . هل كان من الممكن إقامة إسرائيل؟ لكن ما زال السؤال يلح عليّ حتى كتابة هذه السطور من شهر ابريل عام 2005، دون التمكن من الإجابة عنه.
رأينا قصوراً كثيرة لمشهورين كثيرين كانوا يملكونها في الفترة ما قبل الثورة الروسية، والتي جرى تأميمها فيما بعد.
ابني بدر تصادق مع الكابتن الذي يقود القارب الكبير والذي يتسع لمائة وخمسين شخصاً، جعله يشترك معه في القيادة وينظر إلى البحر بالمنظار، واهداه هدية يومها.
أصر بدر في اليوم التالي على ركوب البحر مرّة أخرى، اشترينا هدية للكابتن، لكننا للأسف لم نره، فقد تم استدعاؤه للقيام برحلة خارجية. . . هكذا أخبرونا يومها.
ركبنا القارب، وما أن سرنا قليلاً في البحر، حتى بدأت الرياح القوية في الهبوب، كانت أشبه بعاصفة، وارتفع موج البحر، وأخذ القارب في الارتفاع والنزول مع الموج، وبدأ الركاب بالصراخ وبدأ بعضهم بالتقيؤ، رأيت الخوف في عيونهم جميعاً، وكنت خائفاً بدوري على ابني، بداَ هما أيضاً في الصراخ كنت أصرخ على الكابتن، لماذا لا يتجه مباشرة إلى الساحل القريب؟ ورغم الصياح استمر في الإبحار في عمق المياه، واستمرت الرحلة حوالي الساعة والنصف حتى وصلنا إلى الشاطئ الاَخر كما كان مقرراً، نزلنا من القارب وقطعنا الرحلة مثلما فعل معظم الركاب، وعدنا إلى الفندق بسيارة، أخبرني الكابتن قبل خروجنا. . . بأنه كان من الخطر تغيير مسار القارب، ولما سألته: لماذا تقومون بهذه الرحلات في مثل هذا الطقس ، وأين هي التنبؤات الجوية. . . أخبرني أن الذنب لم يكن ذنبه.
ذهبنا بالحافلة في رحلة إلى بحيرة تقع بين الجبال على ارتفاع (1100) م عن سطح البحر، وما أجمل تلك البحيرة وما أبرد الطقس في ذلك المكان، وتناولنا طعام الغداء في مطعم على شاطئها. . . لقد كانت بالفعل رحلة من العمر، ما زلت وزوجتي نذكرها حتى هذه اللحظة. ذهبنا أيضاً في زيارة إلى سوتشي القريبة، وبعد انقضاء أسبوعين من العمر (باستثناء التنغيص في رحلة القارب) عدنا إلى مدينة مينسك.
وبعد انقضاء مدة شهر ونصف على زيارة عائلتي لي، كان لا بدّ من عودتهم مرّة أخرى إلى دمشق.
ألعاب كثيرة كنت قد اشتريتها للأولاد، ملأت نصف غرفة وسط احتجاجات ليلى وكان السؤال: أين نذهب بها؟
جمعنا ما يمكن جمعه وحمله في السفر، وأصر بدر على أن يأخذ سيارته الصغيرة معه، ذهبنا بالطائرة إلى موسكو وفي اليوم التالي كان سفرهم إلى دمشق.
حزنت كثيراً بعد سفرهم، خفف عني صديقي أمين، الذي بات معي في الفندق عندما لاحظ حالتي التي كنت بها، شعرت بعد أن ودعتهم في المطار بأن قطعة مني ذهبت بعيداً، ترقرقت عيناي بالدموع، وبكيت. . . ولم يخفف ذلك عني.
بعد عودتي إلى سكني في مينسك، شعرت كم هي موحشة الشقة بدونهم، دخلت غرفة الأولاد، فرأيت ما بقي من ألعابهم، التي وزعتها فيما بعد. . . . وبكيت.
اذكر أنني وبعد سفرهم ذهبت إلى الغداء في أحد المطاعم القريبة، ولما وصلت شممت رائحة الطعام وكانت غير محبّبة، كان ذلك بعد فترة أمضيتها في صحبة العائلة، كانت ليلى تحضّر الطعام في البيت غالباً، مستفيدة مما أحضرته معها من مواد. . . بعد ذلك كان من الصعب عليّ تذوق أكل المطاعم بعد الأكل البيتي. . . . وقررت بعدها أن أطبخ بنفسي ما ساَكله. . . وفي أحد المرات قررت طبخ (ملوخية جافة) من تلك التي أحضرتها ليلى معها، وضعت الملوخية على اللحمة، التي كنت قد أبقيتها على النار تغلي لمدة ساعة ونصف، خففت من حدة النار (وهي عبارة عن سخانات كهربائية) وخرجت في مشوار قريب في السكن، وبعد أن عدت شممت رائحة شيء يحترق، وكان الدخان الأسود معبقاً في المطبخ وفي الغرف، كانت الحلة وما بداخلها محترقة. . . وحمدت الله على أن الأمور جاءت على هذه الشاكلة ولم تتطور إلى حريق.
وفي إحدى المرات، اشتريت فولاً جافاً، وبعد أن وضعته في الماء مدة يومين أردت غليه، فوضعته في حلة للضغط، ودخلت الغرفة، وبعد ساعة بالضبط، سمعت صوت انفجار، خرجت فإذا بقطع الفول الصغيرة والماء تتطاير على شكل عمود طويل على الحيطان من غطاء الحلة، وبعد أن نفذ كل شيء، هدأ الوضع، ولكن انتشر الفول في كل أنحاء المطبخ، وكنت بحاجة إلى وقت طويل لتنظيف اَثاره، على ما يبدو وضعت في طنجرة الضغط ماء بكمية تزيد عن اللازم، وقطعة فول كانت قد سدت صمّام خروج البخار، فانفتح صمام الأمان الثاني مباشرة، وكان ما كان، حمدت الله على أن الأمور جاءت هكذا، لكن ذلك لم يمنعني من الاستمرار في الطبخ، وإن كنت قد أصبحت أكثر انتباهاً.
ما زلت اذكر عندما وقع حادث تشيرنوبل في 26ابريل من عام 1986، فقد انفجر المفاعل النووي المقام في بلدة تشيرنوبل الاوكرانية، وكان سبباً في وفاة حوالي 35 شخصاً، وترحيل حوالي 000^135 من المواطنين الذين يسكنون في مناطق قريبة منه بسبب الإشعاعات.
لقد تم إتلاف المزروعات في الاَلاف من الهكتارات المربعة، وكانت الأرض بحاجة إلى جهود كبيرة من أجل إعادة استصلاحها، ذلك أن تأثيرات الحادث ستمتد إلى خمسين سنة قادمة أخرى مثلما تقول الأنباء.
حتى هذه المرحلة في عام 2005، لا أزال أسمع عن تأثيرات تشيرنوبل، فالكثير من النساء الحوامل أجهضن حينها، والكثيرون من المواليد بعد تشيرنوبل خلقوا مشوهين، وفي مساحات واسعة قريبة من البلدة المنكوبة، ارتفعت نسبة الإصابة بمرض السرطان ارتفاعاً ملحوظاً، ومؤخراً فإن بعض العاملين في الدفاع المدني والإطفاء ممن هرعوا إلى منطقة الحادث بعد وقوعه، قاموا بتظاهرة في موسكو من أجل المطالبة بتعويضات عمّا تم إلحاقه بهم من أذى، وقد مات كثيرون منهم في السنوات السابقة، وأبناء كثيرون وأقاربهم شاركوا أيضاً في التظاهرة.
المناطق البيلوروسية القريبة من تشيرنوبل، والتي تقع على الحدود الأوكرانية- البيلوروسية تضررت كثيراً من جرائه، فنفس التأثيرات في أوكرانيا انسحبت على تلك المناطق، حيث زاد الهلع وصولاً إلى حدود الرعب في بيلوروسيا من حادثة تشيرنوبل.
واذكر أن مسؤول الكافيدرا (القسم) حيث أعمل، ومسؤول بحثي للدكتوراة فيما بعد (فلاديمير اولاتشك) كان نائباً لوزير الصحة البيلوروسية، وكان يحدثنا عن الجهود الكبيرة التي تبذلها الوزارة بالتعاون مع الوزارات الأخرى وبخاصة الزراعة، للتعامل مع ما خلفه الحادث من تبعات، ولكن ذلك كان يجري بعيداً عن أجهزة الإعلام الرسمية المحلية والسوفياتية، التي حاولت التقليل من الكلام عن الحادث واَثاره الكبيرة والخطيرة على المناطق المنكوبة. واذكر يومها الأحاديث التي جرت في الأوساط الشعبية عن التسيّب الكبير واللاجدّية في تعامل المعنيين بهذه المفاعلات النووية معها ومع أخطارها. وانتشرت دعايات كثيرة عن إمكانية وقوع انفجارات في مفاعلات نووية في مناطق أخرى، وما تركه ذلك من رعب في نفوس الناس ، إضافة إلى الحملة الإعلامية الدولية الكبيرة، التي تعرض إليها الاتحاد السوفياتي حينها، وكذلك من الأ· المتحدة ومن اللجنة الدولية للطاقة الذرية ومنظمات دولية معنية أخرى كثيرة غيرها.
من عادتي، بأن أنتهز فرصة وجودي في الدراسة لزيارة أكبر عدد من المدن السوفياتية، التي أكن لها مودة خاصة لجمالها وحميميتها، ومن بين هذه المدن، مدينة لينينغراد، التي كنت قد زرتها مع شقيقي أمين عندما حضر لزيارتي في موسكو.
في عام 1986، سنحت لي الفرصة لزيارة لينينغراد مرة أخرى، هذه المدينة التي تعتبر مهداً لقيام ثورة أكتوبر الاشتراكية، وكأن قدر هذه المدينة أن تحوي فيها كل التاريخ الروسي قديمه وحديثه، فهي عاصمة القياصرة وكان اسمها قبل الثورة (بطرسبرغ) أي (مدينة بطرس ) والتي سميت تيمناً ببطرس الأكبر، بعد الثورة جرى تحويل اسمها إلى لينينغراد (مدينة لينين) وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي أعيد إليها اسمها السابق (بطرسبرغ).
هذه المدينة ذات طابع معماري فريد، وهي واسعة الشوارع منظمة، يخترقها نهر النيفا من وسطها، وعلى ركن من النهر توجد السفينة افرورا، والتي هي عنوان لثورة أكتوبر الاشتراكية، فبحارتها تمردوا على سلطات القيصر، وهي التي أطلقت أول قذيفة إيذاناً بإعلان الثورة في عام1917.
في عام 1905شهدت ساحة المدينة الرئيسية، إطلاق نار قوات القيصر، على مظاهرة سلمية شاركت فيها، كل الأحزاب الروسية في ذلك الحين، ومات الناس بالاَلاف، هذه الأحداث التي قال عنها لينين فيما بعد: ''إنها شكلت بروفة لثورة عام 1917''.
منظر رائع. . . ذلك المنظر عندما ينفصل جزءا الجسر المقام على نهر النيفا في الساعة الثانية عشرة ليلاً ويعودان للاتصال في الساعة الرابعة صباحاً ، فمعظم الجسور المقامة على نهر النيفا تنفصل أجزاؤها ليلاً لتقطع الاتصال بين ضفتي لينينغراد، والتي تبقى متصلة من خلال بعض الجسور القليلة الأخرى.
في لينينغراد توجد ليالي تسمى بالبيضاء، وهي بضع ليال في شهر يوليو، يكون الظلام فيها خفيفاً، بحيث يتبين الإنسان معالم المدينة ليلاً.
في لينينغراد توجد القصور الشتوية للقياصرة من بطرس إلى ايكاترينا، وتوجد أيضاً القصور الصيفية، التي أبدع المعماريون (الروس وغيرهم) تصميمها: مساحات واسعة من الخضرة: أشجار ونباتات وزهور، أشكال هندسية جميلة من شوارع للنوافير، شارع مرتفع منها في وسطه نوافير، ثم شارع أقل ارتفاعاً من الأول وعلى جانبيه نوافير، ثم شارع منخفض في وسطه وعلى جانبيه نوافير في مشهد جميل يخالك تعتقد أنك في الجنة.
في لينينغراد توجد الكثير من الحدائق والأديرة والكنائس ، ولعل أهم ما فيها هو متحف (الأرميتاج)، هذا المتحف الكبير إلى الحد، بحيث لو أردت أن تقف أمام كل لوحة فيه لثوان قليلة، لاحتجت إلى ما يقارب الشهرين لإتمام الجولة فيه، يحتوي المتحف على أقسام كثيرة لمختلف أنواع الفنون. وعرض اللوحات يأخذ التدرج التاريخي له، وهكذا دواليك. وفي الحرب العالمية الثانية استطاع السوفياتيون إخفاء معظم اللوحات المعروضة في متحف الارميتاج، وكانوا أكثر ما يحرصون عليها، فعندما حوصرت المدينة من قبل القوات النازية لمدة تزيد عن الثلاث سنوات جرى قصف الأرميتاج، لكنه كان خالياً من معظم اللوحات.
وعند قيام ثورة اكتوبر أوصى لينين بعدم تعريض الارميتاج لأية أخطار، وأهمية الحفاظ على محتوياته.
تظل لينينغراد (بطرسبرغ) مدينة تستحق الذهاب إليها مرات ومرات.
في يوم أحد وفي الصباح الباكر، ذهبت وصديقي معتز في رحلة بالحافلة استغرقت ثلاث ساعات من مينسك إلى فيلنوس عاصمة ليتوانيا، دون أن نأخذ (الفيزا)، والحمد لله أنها مرت بسلام، فلم تسألنا الشرطة في فيلنوس عن وثائقنا والفيزا.
العاصمة الليتوانية جميلة المباني، وهي ذات طابع معماري قديم. وأكثر ما يميزها الكنائس الكثيرة المنتشرة في كل جهاتها، ومتحفها المميز، الذي يستطيع من خلال معروضاته عرض n تاريخ ليتوانيا وبيلوروسيا معاً، فقد جمعتهما مراحل تاريخية في دوقية واحدة. ولذلك فإن الكثير من السمات المشتركة تربط ما بين الليتوانيين والبيلوروس . وفي الحقبة السوفياتية فإن علاقات تجارية كبيرة كانت تربط بين الجمهوريتين، يتضح ذلك من خلال البضائع الكثيرة التي كانت تعرض في أسواق مينسك وهي ليتوانية المصدر، والعكس بالعكس صحيح.
تناولنا طعام الغداء وصديقي في مطعم وسط المدينة، ويقع تحت الأرض . ورغم درجة الحرارة العالية في المدينة يومها، إلا أن أجواء المطعم كانت باردة جداً دون استعمال المكيفات. أكثر ما لفت انتباهي فيه، هو الأيقونات الكثيرة المعلقة على جدرانه، حيث تحس ، أنك لست في دولة علمانية. الأكل الليتواني يشابه في معظمه الأكل البيلوروسي. وبعد جولة في الحي التاريخي للمدينة، عدت وصديقي إلى مينسك.
على بعد ألف كيلو متر من مينسك تقع مدينة فيتبسك، التي ذهبت إليها بالطائرة في رحلة تستغرق ساعة ونصف. هذه المدينة صورة مصغرة عن العاصمة البيلوروسية، فقد جرى هدمها أيضاً في الحرب العالمية الثانية. يدرس في هذه المدينة طلبة أجانب قليلون، من بينهم فلسطينيون، وقد التقيت بمعظمهم في زيارتي التي استغرقت يومين.
تشتهر فيتبسك بتصنيع الفودكا البيلوروسية المميزة، كما توجد فيها أيضاً العديد من الصناعات البيلوروسية الخفيفة. يقول البيلوروس عنها: أنها عاصمة الجمال، فالمميز فيها أن فتياتها غاية في الجمال. وأكثر من مرّة فإن ملكات جمال الاتحاد السوفياتي كنّ من هذه المدينة. وانتخاب ملكة جمال سنوية جاء في العشر سنوات الأخيرة من الحقبة السوفياتية. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فإن كل جمهورية أخذت بانتخاب ملكة جمال خاصة بها. وملكات جمال بيلوروسيا في غالبيتهن أيضاً، كن من فيتبسك. . . مما يعني دقة الوصف، الذي أطلقه البيلوروس على هذه المدينة.
أنهيت عام 1986، وجاء العام الجديد، وفرحت لكونه عام انهائي فترة السنتين من الدراسة والخبرات العلمية والعملية. اشتغلت بشكل طبيعي، كنت أداوم في عيادة قسم العلاج الطبيعي لوصف هذا العلاج للمرضى الذين يأتون من أجل استشارات طبية، أما المرضى العاجزون عن الحضور، فكنا نذهب إليهم في غرفهم، فتأتي الممرضات المختصات بالأجهزة المحمولة من أجهزة العلاج الطبيعي لمعالجتهم في أسرتهم.
كنت أقضي بضع ساعات يومياً في أقسام العلاج الطبيعي المختلفة، وكان يهمني أيضاً إلى جانب إبداء الرأي في الاستشارات الطبية، إتقان العمل على الأجهزة، وهذا ما حرصت عليه.
مرّت الحياة عادية وبطيئة وروتينية، باستثناء التفاعلات الجديدة في كل يوم لشعارات البيريسترويكا، والبدء في تطبيقها في الحياة العملية.
كان مقرراً لي الانتهاء من دراستي في نهاية شهر أكتوبر من عام 1987، وفي بداية يوليو حيث إجازة الكافيدرا لمدة شهر، سمحوا لي بالذهاب فترة أسبوعين إلى دمشق، ومن ثمّ الحضور للإشراف على العيادة طيلة غيابهم، وفترة الأسبوعين الأولين من الشهر كلّف بها أحد الزملاء من الدارسين في الكافيدرا. وحين جئت لوداعهم قبل السفر، فوجئت بطلب من المسؤول البروفيسور أولاتشيك يستدعيني للحديث معه. ذهبت إليه وكان ملخص ما جرى، أنه يعرض عليّ الاستمرار في الدراسة لنيل شهادة الدكتوراة في الطب الطبيعي، كان ذلك بعد إشادته بي وبجديتي في العمل وحرصي على الاستفادة من الجديد العلمي. . . الخ.
خجلت من إبداء الرأي بتسرع، وكنت أم يل إلى الرفض مني إلى القبول، كنت أعتقد أن الدكتوراة لن تفيدني في الحياة العملية، فعملي سيكون مع الهلال الأحمر الفلسطيني في دمشق كطبيب بدكتوراة أو من دونها. من ناحية أخرى فالدراسة الجديدة ستستغرق ثلاث سنوات إضافية أخرى، وأنا للسنة الثانية على التوالي أسكن في جهة، وعائلتي تسكن في جهة أخرى، وابناي بحاجة إلى رعاية والدهما، ولا بد من لم شمل العائلة، وفوق هذا وذاك، كان لا بد من أخذ رأي ليلى في الموضوع فهي التي ستمضي ثلاث سنوات أخرى وحدها في تربية الولدين.
خرجت من غرفة المسؤول، ودخلت في غرفة الأساتذة، وبدأوا يسألونني تلميحاً، كيف جرت الأمور مع البروفيسور؟ وهل سأوافق على عرضه أم لا؟ تبين أنهم يعلمون الأمر وقد خططوا لذلك مسبقاً، وبدأوا باقناعي واحداً بعد الاَخر، كنت أصرnح في إبداء وجهة نظري معهم أكثر مني إلى البروفيسور، أجمعوا كلهم على أن من السيء بمكان أن أرفض ما تم عرضه علّي؟ وبخاصة أن الدارسين السوفييت يتعبون في الحصول على منحة وفرصة لنيل درجة الدكتوراة!
قلت لهم، سأبدي رأيي نهائياً بعد عودتي من الإجازة

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept