الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 


الرحلة البيلوروسية في عهدين

الطلبة الفلسطينيون في بيلوروسيا قاموا بتنظيم برامج عمل تطوعية أكسبتهم احترام الهيئات المحلية
oo o سافرت في إجازة أسبوعين إلى دمشق. . . كبر بدر، وبشار أصبح يمشي وبدأ في الكلام. كان الصيف لهيباً في دمشق، حتى مع جهاز التكييف الوحيد في بيتنا والموضوع في الصالون لم أشأ في بداية الإجازة مفاتحة ليلى في موضوع التخصص كنا نذهب إلى مسبح قريب يقع في ضاحية المدينة، ونمضي الأمسيات مع الأصدقاء والمعارف الذين جاءوا للسلام عليّ، أو نردّ لهم الزيارات.
كان بدر وبشار قد اعتادا على تهاني (ابنة أخت ليلى) التي تكرمت بالبقاء في بيتنا طيلة فترة غيابي في الدراسة لمساعدة ليلى. . فكان لابد أيضاً من أخذ رأي تهاني، وهل بإمكانها الاستمرار في المكوث معنا ؟ قررت خوض الحديث في التحضير للدكتوراة بدون مقدمات، فأجابتني ليلى بموافقتها وتشجيعها لي واستعدادها للبقاء من دون وجودي ثلاث سنوات أخرى، كان رأيها. . . أن الفرصة يجب أن تُستغل، وبخاصة أن الولدين مازالا صغيرين، وعندما يكبران سيكون من الصعب البدء في مشروعٍ دراسي.
حجزتُ وليلى للسفر إلى موسكو معاً، فهي كانت في طريقها لحضور مؤتمر سياسي في فيينا عن طريق العاصمة السوفياتية ودعتها في مطار (شيرميتوفو 1)، وانتقلت هي إلى صالة الترانزيت في رحلة عودتي إلى مينسك، كنت أفكر بالسنوات التي سأقضيها في الدراسة. وكنت أتساءل: هل سأكون بمستوى المسؤولية الملقاة على عاتقي؟ وهل ستوافق وزارة التعليم العالي في موسكو على طلبي للاستمرار في الدراسة العليا حتى نيل درجة الدكتوراة؟ فهي أولاً وأخيراً المعنية بالموافقة أو الرفض ويستطيع مسؤولي فقط التنسيب من خلال توصية أحملها إلى الوزارة بعد توقيعها من إدارة المعهد في مينسك داومت أسبوعين في العمل، ثم جاء الأساتذة في الكافيدرا بعد انقضاء إجازتهم، وكانوا على أبواب استقبال فوج جديد من الأطباء للتخصص في العلاج الطبيعي. . . أخبرتهم بموافقتي على الاستمرار في الدراسة، وكتب لي المسؤول توصية جيدة. كان عليّ قبل كل شيء تقديم امتحان في الطب الطبيعي عن سنتين، والحمد لله اجتزته بنجاح. سافرت إلى موسكو، وقبل الذهاب إلى الوزارة ذهبت إلى منظمة التضامن الأفرو - اَسيوي في وسط المدينة، لأخذ رسالة منهم إلى الوزارة يوافقون فيها على ترشيحي للحصول على منحة جديدة لنيل درجة الدكتوراة كان لي بعض المعارف هناك، وسهلوا لي مهمة الرسالة، التي أخذتها وذهبت عند المعني في الوزارة وللصدفة الحسنة، كان أحد معارفي أثناء دراستي الأولى، فلطالما راجعته مراراً بشأن معاملات بعض الطلبة الفلسطينيين كان اسمه (يريميان) وهو من أرمينيا استقبلني بحرارة، ولما عرف بطلبي أبدى استعداده الفوري للمساعدة، وذهب معي لتوقيع معاملة الطلب من المعنيين، ولكنني واجهت مشكلة وهي: أنني أصبحت فوق السن القانوني للتسجيل في التحضير للدكتوراة، فقد بلغ عمري حينها (37) عاماً، والسن المسموح به للبدء هو (35) عاماً في حده الأقصى! لكن يريميان أصرّ على حل المشكلة، من خلال إعطائي سنتين إضافيتين للمزيد من التدريب، وكتب ورقة للمعهد أوضح فيها أن هذا يعني البدء في التحضير للدكتوراة، وإعطائي بحثاً وأخبرهم أنه سيكون على استعداد لإعطاء سنة ثالثة لي بعد انتهاء السنتين.
لم أصدّق أنني استطعت خلال يوم حل هذه المشكلة المعقدة، التي تحتاج إلى أسابيع من أجل حلها، لكن الله وفقني من حيث لا أدري.
عدت إلى مينسك، واستغرب الزملاء حضوري بهذه السرعة، احتفلنا معاً في الكافيدرا، ففي العادة في المناسبات: كأعياد ميلادهم أو ترفيع أحد منهم، نجلس في الاستراحة مدة نصف ساعة، بعد تحضير الطاولة بمختلف أنواع المأكولات والقليل من المشروب، وكذلك الحلويات و(الجاتوه) تحديداً حدّد المسؤول بحثاً لي عن المزاوجة بين استعمال الأدوية والعلاج الطبيعي في علاج التهابات الكبد والبنكرياس .
كان عليّ تنظيم وقتي: أذهب لمعاينة المرضى من التاسعة صباحاً وحتى الحادية عشرة، ومن ثم أذهب لمعاينة المرضى في قسم أمراض الجهاز الهضمي وإجراء العلاج الطبيعي لهم، ومن ثم أعمل على تدوين الملاحظات وكان من الضروري أخذ هؤلاء المرضى لمستشفى اللجنة المركزية للحزب لإجراء صور الرنين المغناطيسي لهم، قبل العلاج وبعده، وذلك من أجل مراقبة النتائج. كان جهاز تصوير الرنين المغناطيسي الوحيد فقط في بيلوروسيا في مستشفى اللجنة المركزية للحزب، ولم يكن بإمكاني دخول هذا المستشفى لولا عضوية مسؤولي فيها إضافة إلى كونه نائباً لوزير الصحة، ثم إن المعهد اشترى لبحثي من أوروبا كميات كبيرة من دواءين بقيمة (7000) دولار وهما:
حتى تكفي لعلاج ما يزيد عن مائتي مريض في التهابات الكبد، ومثلهم في التهابات البنكرياس وكان علي أن أقدم نتائجي لمسؤولي ن لي: الأول هو مسؤولي في العلاج الطبيعي البروفيسور أولاتشك، والثاني رئيس قسم أمراض الجهاز الهضمي وهو البروفيسور برونوفيتز .
كان عليّ الذهاب بعد انتهاء الدوام في الثالثة، وبعد تناول الغداء السريع إلى مكتبة مينسك لمراجعة الدوريات والمصادر والمراجع، وبعد ذلك كان عليّ الكتابة بالروسية، وفي البداية كانت مهمة صعبة وشاقة، بالنسبة لي، لكنها بدأت تسهل يوماً بعد يوم كان يساعدني بعض الأطباء في التدقيق على كتابتي باللغة الروسية .
ورغم هذه المشاغل والمهمات الدراسية والعملية الكثيرة، إلا أنني أؤمن بأهمية تنظيم الوقت، وأؤمن أيضاً بأهمية القيام بواجباتي الاجتماعية تجاه الطلبة الفلسطينيين باعتباري من أكبر الطلبة سناً، وكانوا ينظرون إليّ باحترام خاص ، ثم لن أنسى واجبي تجاه قضيتي الفلسطينية والقيام بكل ما يخدمها، ولقد نظمنا (الطلبة الفلسطينيون) وبالتنسيق مع منظمة التضامن الأفرو- اَسيوي أيام عمل تطوعية، حيث يذهب غالبيتنا في يوم أحد إلى أحد المصانع من أجل العمل التطوعي فيه بضع ساعات، لقد كان انعكاس هذه الأيام إيجابياً وبشكل كبير لدى الهيئات المعنية البيلوروسية، والتي قدّرت للطلبة الفلسطينيين مبادراتهم الإيجابية هذه.
كنت أومن أيضاً بأهمية القيام بزيارات لمدن أخرى داخل بيلوروسيا وخارجها، فالاضطلاع على ما كان يجري يفتح اَفاقاً جديدة، وهو إضافة للمعرفة التي تتشكل بطريقة تراكمية كما أن للإجازة انعكاسا سليما على الجسم وعلى القدرات الذهنية، وهي أولاً وأخيراً، عامل محفز للاستمرار في العمل بنفnس عال وبنفسية جيدة، لذلك قمت بزيارة الكثير من الأماكن والكثير من المواقع داخل جمهورية بيلوروسيا وخارجها.
مموؤہتتممرر ((ممنن اأہججلل ععااللمم ببلالا اأہسسللححةة ننووووييةة)) عقد هذا المؤتمر في موسكو في أواخر عام 1987، بتنظيم من الحكومة السوفياتية، وقد دعت إليه منظمات نسائية، وأخرى تهتم بشؤون الطفل من مختلف أنحاء العالم وحضره الأمين العام للأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية الدولية افتتح أعماله الزعيم السوفياتي غورباتشوف، الذي أكد على أهمية تحديد الأسلحة النووية على طريق التخلص منها نهائياً، وأشاد بالاتفاقيات الموقعة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الاميركية على هذا الصعيد.
حضرت ليلى هذا المؤتمر ضمن وفد الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، وهي عضو المجلس الإداري فيه. سافرت إلى موسكو لرؤية ليلى، وبعض الأخوات في الوفد الفلسطيني، وبخاصة اللواتي جئن من الضفة الغربية وغزة وكذلك من أجل إجراء بعض اللقاءات الصحفية مع عضوات من المؤتمر لمجلة الهدف.
أجريت لقاءات عديدة مع بعض النساء من بينها: ممثلة المنظمة النسوية للمؤتمر الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا، ممثلة أكبر منظمة تهتم بالأطفال في الولايات المتحدة الأميركية، زوجة القس جيسي جاكسون، والمحامية الإسرائيلية التقدمية فيليتسيا لانجر، المشهورة بالدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين أمام المحاكم الإسرائيلية، ومع الممثلة البريطانية فانيسيا ريد غريف وغيرهن.
وفي اللقاء مع فيليتسيا لانجر، أخبرتني سرّاً، وهي أنها وزوجها وأبناؤها قرروا الهجرة إلى ألمانيا، لأن الخيوط التي تربطها بالحياة في إسرائيل قد انقطعت فهي لم تعد تطيق الظلم القائم على الفلسطينيين فيها، ولم تعد أعصابها تحتمل التفرقة العنصرية التي تمارسها إسرائيل ضدهم، وأن هجرتها هي احتجاج واستنكار للجرائم والسياسات الإسرائيلية.
وأذكر أن مجلة الهدف عندما نشرت ذلك، حققت سبقاً صحفياً، وتناقلته عنها وكالات أنباء عالمية بما فيها الإسرائيلية لقد كان المؤتمر فرصة كبيرة لدعم القضية الفلسطينية وبخاصة النساء والأطفال الفلسطينيين من قبل منظمات دولية عديدة. ومازلت أذكر عدد الحضور الهائل لعرض الأزياء الفلسطينية، والتي قامت به عضوات من الوفد الفلسطيني والذي تحول إلى حفل خطابي تحدّثت فيه الكثيرات من أعضاء الوفود الأخرى العالمية كان المؤتمر مناسبة لتأييد حقوق المرأة والطفل في بلدان عديدة في اَسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وكان مهرجاناً كبيراً (أيضاً) تأييداً لسياسات غورباتشوف في البيريسترويكا والغلاسنوست.
االلررححللةة اإٍللىى تتاالليينن في بداية حضوري إلى مينسك، وأثناء انتظامي في دورة طب الأطفال، قبل تحويل اتجاه دراستي إلى العلاج الطبيعي، تعرفت إلى طبيب كان يحضر الدورة، واسمه يفغيني وكان من تالين عاصمة استونيا، تصادقنا كثيراً ولم ننقطع عن بعضنا في الاتصالات الهاتفية، وكان يلح عليّ في زيارته في تالين. طرت إليه مستغلاً عطلة عيد صادفت يوم سبت إضافة إلى الأحد، مما مكنني من زيارته في بداية عام 1988، بالطبع بعد أن أخذت (فيزا) نزلت في أحد فنادقها القديمة وهو من طراز معماري خاص .
أجمل ما في تالين، خضرة مناطقها، وتلالها المليئة بالأشجار، وهي تتكئ على ضفاف بحر البلطيق فيها حارات قديمة وأزقة عمرها مئات الأعوام، أما مناطقها الحديثة فهي لا تختلف أيضاً عن الأحياء السوفياتية في المدن الأخرى.
ما لفت انتباهي أيضاً في تالين، هو وجود بعض المقاهي فيها، والتي تفتح حتى ساعة متأخرة من الليل.
وجود الكنائس الكثيرة والأديرة هي سمة عامة بين مدن جمهوريات البطليق. صديقي يفغيني رغم ارتفاع الشعور لديه بقوميته الاستونية، لكنه كان من المدافعين عن بقاء الاتحاد السوفياتي كوحدة واحدة، ورغم أنه ليس شيوعياً، لكنه يعترف بإيجابيات الوحدة بين الجمهوريات السوفياتية على العكس من زوجته، والتي تصل عندها القومية الاستونية حدود الشوفينية مشينا على شاطئ بحر البطليق مساء اليوم الأول مدة ساعتين الشاطئ التاليني يمتاز بتعرجاته وبشواطئه الرملية الكثيرة عدت إلى مينسك بعد قضاء يومين حافلين بالراحة والاستجمام في تالين.
سارت الأمور في عام 1988 بنفس الروتين السابق، أعمل بجهد كبير على الأطروحة من أجل الانتهاء منها في المدة المقررة وهي ثلاث سنوات وأذكر أنه في أواسط هذا العام سقط شعر نصف حاجبي الأيسر، اعتقدت أنها ثعلبة، وكذلك أصبحت أشعر بتسارع كبير في دقات القلب، أجريت شتى أنواع الفحوصات، وكانت النتائج طبيعية، كل من استشرتهم من الزملاء الأطباء أفادوني بأن مرد ذلك إلى الإرهاق والتوتر العصبي. . تركت السجائر حينها فترة شهرين.
كنت أشعر أن يومي مثل اَلة مبرمجة، ندمت لأنني وافقت على الأطروحة، كنت بحاجة إلى جهود جبارة لمتابعتها أولاً بأول كنت أرى زميلي (ساشا) في الكافيدرا، وكان قد مضى عليه خمس سنوات، ولم ينته من أطروحته، كان ذلك يحفزني على ألا أكون مثله.
وللاستراحة أخذت إجازة في أواسط يوليو من ذلك العام، سافرت إلى دمشق، كانت الدنيا ليلاً، وفي الصباح أفاق بدر، وكان أول ما أراني إياه هو عمود التليفزيون الذي كسره الجيران، جرّاء مشكلة اختلقوها، إذ أنهم أخذوا يطالبون بالبيت، مخالفين بذلك اتفاقنا معهم وكنا قد أعطيناهم أجرة سنتين مقدماً من أجل تشطيبه، وعلى أبواب انتهاء المدة أخذوا يتصنعون المشاكل مع ليلى والأولاد، وهم من فلسطينيي مخيم اليرموك .
كان الوضع مؤلماً، فمن جهة كنت أعتبر من الخطأ أن أذهب للشكوى على فلسطينيين، ومن جهة ثانية من الصعب الاستمرار في نفس السكن في ظل المشاكل وبخاصة أني بعيد عن العائلة أخبرتهم بأننا سنرحل ومن دون تحضير أخذنا فيزاً للسفر من السفارة السوفياتية في دمشق لليلى والولدين ولتهاني أيضاً، من أجل السفر إلى بيلوروسيا من أجل استراحتهم، فقد شعرت أنهم بحاجة ماسة إلى الإجازة .
فوجئ المسؤولون عن السكن والمعهد أيضاً بإحضاري للعائلة، فلم أكن قد أخبرتهم، لكنني نلت الموافقات اللازمة على إسكانهم معي في الشقة التي أسكن فيها وحدي لقد كبر الوالدان، فبدر يقترب من السادسة وبشار من الثالثة.
وأذكر في أحد المرات وعندما ذهبنا إلى دكان قريب من السكن لشراء الخبز، كيف تناول بدر وبشار كلw منهما رغيفاً كاملاً وبداَ بقضمهما، فقد كانا طازجين وساخنين، وسط ذهول البيلوروس في المحل، الذين يشترون في العادة ربع رغيف أو نصفه لعائلة بأكملها، وكانوا نادراً ما يشترون رغيفاً كاملاً .
كان البرنامج معروفاً لبدر وبشار ولليلى. . . الذهاب إلى الحدائق والألعاب والسيرك، وقد أعدنا الكرّة مرات ومرات في هذه الرحلة وكما في الرحلة السابقة. . . دعوت العاملين في الكافيدرا على أكل عربي حضرّته ليلى، وأحبوه، والغريب أن كل الأجانب يحبون الأكل العربي.
في إحدى الأمسيات، حضرت وزوجتي أوبرا (كارمينا بورانا) لكارل أورف في مسرح مينسك، وقد أبدع المغنون في ترتيلهم لها. . . ومع أننا لا نفهم في الغالب ما يقولون، لكننا قرأنا ملخصاً لها قبل الدخول، وكنا مفتونين لسماع الموسيقى وفي أسواق مينسك كنا نذهب جميعاً، وأذكر أنه في إحدى المرات أُعجبت ليلى بطقم فخاري يتألف من (450) قطعة من الفناجين والصحون وغيرها، وكان من صنع ألمانيا الشرقية وكان جميل اللون والتصميم، كان سعره ما يقارب المائتي دولار، أرادت ليلى شراءnه، لكنني قلت لها بأنك ستتغلبين في نقله مع الأولاد، سأحضره أنا معي. . لم أكن لأتصور أنه وبعد ذلك ببضعة شهور لن يتبقى شيء للشراء في المحلات بسبب من بيريسترويكا غروباتشوف، وحتى اللحظة لم نشتر هذا الطقم.
في العادة فإنني أنظم الحجز على الطائرة، وفي الفنادق، قبل مدة وبخاصة في فصل الصيف، ففي رحلة العائلة الأولى إلى مينسك استطعت حجز الفندق في يالطة قبل بضعة أشهر. . . أما هذه المرة، فكان السفر سريعاً ودون تخطيط بالصدفة وجدت أمكنة في الطائرة من مينسك إلى يالطة، لكنني لم أجد حجزاً في أي فندق، صديقي أجابني بأن الأماكن فيها محجوزة حتى نهاية سبتمبر اقترح علي أن نسافر ونذهب مباشرة إلى فندق معين. . . ولعل وعسى؟ وأضاف في أسوأ الحالات تستطيعون استئجار شقة مفروشة، وسيكون ذلك أفضل للأولاد.
سافرنا، وللأسف لم نجد غرفاً شاغرةً في الفندق المعني، ولا في كل الفنادق الأخرى، التي لففنا إليها بسيارة كنت ألوم نفسي كثيراً لإصراري على الذهاب إلى يالطة دون حجز، فقد أُرهق الأولاد من السفر. . . ولا حل!
ذهبت إلى وسط المدينة حيث يتواجد أصحاب الشقق، لم نعثر على شقة خالية مطلقاً، فجميعهم يؤجرون غرفة واحدة من الشقة التي يسكنونها، والتي غالباً ما تكون صغيرة ولا تنفع لعائلة. . ولكن ما من مفر!
استأجرت غرفة لدى عائلة، وبالفعل كانت صغيرة، لم نقدر على التحرك فيها، وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى المطار في يالطة، أخذت مواعيد الرحلات إلى مينسك، وهي عدة رحلات في اليوم لم نجد أمكنة في نفس الطائرة. . بل على طائرتين في موعدين مختلفين، سافرت ليلى مع الولدين، وبقيت وتهاني للطائرة الأخرى. . وكرد فعل على ما جرى في تلك الرحلة غير الموفقة، قررنا البقاء في مينسك صيف ذلك العام، والذهاب فقط في رحلات داخلية في بيلوروسيا وليوم واحد فقط، على أن نعود في المساء إلى السكن. كانت ليلى غالباً ما تطلب الاتصال بأهلي في فلسطين المحتلة، فلم يكن هناك اتصالات مباشرة من الدول العربية معهم، بل عندما يسافر الإنسان إلى الخارج، يُجري الاتصال بالأراضي المحتلة تكلم الأولاد مع عمّيهما في قلقيلية، وكانت الوالدة رحمها الله قد توفيت بعام قبل ذلك بعد بقائها مقعدة فترة ست سنوات أما أخي الأكبر عاهد فقد توفي بعد ذلك بعام من جرّاء مضاعفات السكري، ولم أكن قد رأيت أمي أو أخي الأكبر منذُ فترة طويلة. . إنه قدر الفلسطيني. بعد قضاء حوالي الأربعين يوماً في مينسك، قررت ليلى العودة مع تهاني والأولاد إلى دمشق، لكنني اقترحت أن نقضي بضعة أيام في العاصمة السوفياتية موسكو، ليتعرف عليها الولدان، فربما لا تتكرر الفرصة لهما مرّة أخرى.
من جانبي، كنت أعيش على أمل الانتهاء من الدراسة في أسرع وقت من أجل اللقاء الدائم بالعائلة والعيش معها. لقد نظّمت الرحلة مسبقاً إلى موسكو، حيث إنّ أهم شيء هو الحجز المسبق في الفندق، وقد حجزت لنا جميعاً لمدة أسبوع بالنسبة لي، فإن موسكو تظل موطن الذكريات، فبدأت رحلتي فيها وأنا في سن الثانية والعشرين، أي سن بداية التفتح على الحياة .
أول شيء أردت للولدين أن يتعرفا عليه هو مترو موسكو، فهو أنظم وأنظف وأكبر مترو في العالم، وبعض محطاته في غاية الروعة والجمال، بل تحسبها متاحف، مثل محطة مايكوفسكي (الشاعر الروسي المعروف، الذي مات منتحراً) ومحطة ماركس بالقرب من الساحة الحمراء في وسط موسكو. . والمترو فيها واسع وكبير ومتعدد الخطوط بحيث يشمل كل جوانب العاصمة وأسعار ركوبه لم تكن تتجاوز الخمسة فلسات، مع أن أطواله تتعدى المائتي كيلو متر طولاً ومائة كيلو متر عرضاً، وموسكو مدينة يسكنها ما يقارب الخمسة عشر مليوناً من البشر اصطحبت بدر وبشار في الجولة داخل المترو، وأريتهما أهم وأجمل المحطات.
في موسكو قمنا أيضاً بجولة سياحية في قصر الكرملين بالقرب من مقر الحكومة السوفياتية، وهذا الجزء مسموح للتجوال فيه، ويبين العظمة الفعلية للتاريخ المعماري الروسي والقصر بالطبع يقع على جانب الساحة الحمراء، حيث تعرفنا على معالمها وعلى كنيسة القديس فاسيلي، التي تقع على طرفها الجنوبي دخلنا الكنيسة ذات القباب المتعددة والطرق والأدراج الضيقة، وهي بالفعل تحفة فنية رائعة. حاولنا الدخول إلى ضريح لينين، لكنه كان مغلقاً أمام الزوار وأمامه ينتصب جنديان مثل تمثالين، ويجري تغييرهما كل ساعة على مدار الليل والنهار، في طريقة ملفتة للنظر وفي غاية التنظيم والأناقة والحرس الخاص بالمثول على باب الضريح ابتدأ بتنظيمه بعد وفاة لينين وتحنيطه، وبعد بناء الضريح في عام 1924م وحتى هذه اللحظة في عام 2005 وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فإن أصواتاً كثيرة أخذت تطالب بإلغاء هذه المراسم ودفن جثته. . . لكن ذلك لم يحصل وبقيت جثة لينين محنطة في الضريح، باعتبارها أحد أبرز معالم موسكو. كنت قد زرت الضريح في رحلة نظمتها الجامعة في عام 1974، ذهبنا يومها إلى الساحة الحمراء، وكان الطابور أكثر من بضعة كيلو مترات وبالرغم من هذا الدور الطويل، إلا أن الزيارة تتم بسرعة، ذلك أنه لا يسمح بالوقوف أمام الجثة في الضريح، بل يستمر المشي ببطء.
ولأننا أجانب سمحت لنا الشرطة المسؤولة عن تنظيم الطابور باختراق الدور في موقع قريب من الضريح. على الباب، قال المنظمون: يحظر التصوير، نزلنا بضع درجات إلى أسفل، وكان الجو بارداً رغم حرارة الجو، فعلى ما يبدو أن درجة الحرارة داخل الضريح تظل دون الصفر، رأيته مسجى في بيت زجاجي، يمنع لمسه، ومغطى بشرشف من أسفل بطنه حتى قدميه، ملامح وجهه مثل الصور التي نراها باستمرار، لكن جلد هذا الوجه كان مشدوداً(لعله بفعل التحنيط).
صعدنا بضع درجات أخرى، وخرجنا من الباب لزيارة سور الكرملين، حيث يوضع عليه لوحات نحاسية تبين أسماء العظماء من الدولة السوفياتية، الذين تم (دفن) رمادهم بعد حرق جثثهم في أماكن داخل السور، وهم كبار رجالات الدولة والحزب والقادة العسكريون والعلماء والكتاب المشهورون وغيرهم تذكرت ذلك وأنا مع العائلة، ونحن نمر بالقرب من الضريح في الجزء الغربي من الساحة الجزء الشرقي من الساحة الحمراء يحاذي أشهر محل (من محلين كبيرين) معروف في موسكو واسمه (الجوم) وهو عبارة عن عدة طوابق في بناية كبيرة طويلة وعريضة متصلة، وفيه باستطاعتك أن تشترى ما تشاء أما المحل الاَخر ويسمى (تزوم) فيبعد عنه حوالي كيلو مترين اثنين، والمحلان من أشهر معالم موسكو، وقد زرناهما واشترينا لبدر وبشار منهما بعض الملابس .
أما الجانب الشمالي من الساحة فيحتله المتحف الوطني، وهو بناية كبيرة حمراء، وفيه ترى التاريخ القديم والحديث لروسيا، بدءًا من قرون طويلة ماضية مروراً بحملة نابليون على روسيا، وصولاً إلى تاريخ الثورة الروسية، والحرب العالمية الثانية والأحداث القريبة. . . ذهبنا إليه وزرنا جزءًا منه، فبدر وبشار كانا يدعوان إلى الخروج السريع منه.
بالقرب من الساحة الحمراء توجد حديقة كبيرة يلتقي فيها الناس وعلى إحدى جوانبها يقع فندق موسكو العريق، وهو مبني في القرن الثامن عشر، وعلى جانبه يقع مسرح البلشوي المشهور، ولسوء الحظ فإن له عطلة صيفية، تسافر فيه الفرق الكثيرة التي تؤدي على مسرحه، الباليه والأوبرا وغيرهما من الفنون، وبسبب ذلك لم نتمكن من حضور شيء فيه.
لقد سبق لي وأن حضرت فيه أثناء فترة دراستي الأولى في موسكو: باليه بحيرة البجع لشايكوفسكي، وباليه اَنا كاريننا وغيرهما، وكان من الصعب إيجاد تذاكر على عروضه، وأذكر أنني صادقت إحدى الراقصات فيه، وكانت تسهّل لي الحصول على التذاكر.
في إحدى المرات، كنت أمر بالقرب منه قبل بدء العرض ، وفي العادة أناس كثيرون يتجمعون لشراء ما يمكن أن يبيعه أحد المتعذر عليهم حضور العرض لسبب أو لاَخر، من التذاكر. . . ورأيت كثيرين من الناس يحيطون بامرأة جميلة تريد بيع تذكرة زائدة من تذكرتين معها (على ما يبدو أن إحدى أصدقائها أو صديقاتها اعتذر فجأة عن الحضور). . . لمحnتني وفجأة قالت لهم: هاهو صديقي قد حضر، خرجت من وسط الناس ، ووضعت ذراعها في ذراعي، وانفض الناس عنّا وسط ذهولي المطلق، فلم أكن أعرف هذه المرأة. . . لكنها وعلى ما يبدو أرادت الخلاص من إلحاح الناس الكثيرين عليها لشراء التذكرة الزائدة معها، ورأت فيّ المخلص .
استوعبت ذلك، وحرصت على تمثيل دور صديقها أمام الناس ، وحضرنا العرض معاً وكان باليه (كسارة البندق) ومن ثم أصبحنا صديقين.
في موسكو ذهبنا أيضاً إلى قصر المؤتمرات وهو بناية كبيرة تقع على جانب الكرملين، تعقد فيها المؤتمرات الكبيرة، وتقدم فيها فرق الباليه عروضها، فمسرحها يتسع لما يزيد عن ثلاثة اَلاف شخص ، وبذلك فإنها تخفف ضغطاً كبيراً عن مسرح البلشوي، وليس ببعيد عنها توجد صالة شايكوفسكي (الموسيقار الروسي العظيم) لعزف الموسيقي، واذكر كيف دخلناها وأنا في السنة الدراسية الثالثة لسماع الموسيقى، وما يلفت النظر فيها هو الصمت الكبير أثناء عزف الموسيقيين للمقطوعات الموسيقية.
ذهبت والعائلة أيضاً في صباح يومٍ مشمس إلى المعرض السوفياتي التجاري الصناعي (الفدنخا) والذي يقع على إحدى أطراف العاصمة موسكو، ويحتل مساحة هائلة من الأرض مقامُ عليها، وهو واسع إلى الحد، حيث تُسيّر فيه باصات وقطارات صغيرة للتنقل من موقع إلى موقع، وفيه تعرض كافة الصناعات السوفياتية، من الأقمار الصناعية وسفن الفضاء مروراً بالأسلحة (باستثناء السري منها بالطبع) وصولاً إلى الأجهزة الصغيرة. وفيها أيضاً المئات من المطاعم والمقاهي ومحلات الأكل السريع والأكشاك التي تبيع المشروبات الباردة.
كان أبرز مكان ذهبنا إليه في هذا المعرض ، هو القسم المتعلق بالفضاء، فإلى جانب السفن الفضائية ونماذج المحطات الفضائية أيضاً، توجد نماذج للأقمار الصناعية، ورأينا الكلبة (لايكا) المحنطة في إحدى السفن الفضائية، وهي أول من جرى إرسالها إلى الفضاء قبل أول رحلة قام بها إنسان إلى الفضاء، وهو رائد الفضاء السوفياتي: يوري غاغارين، الذي يوجد له تمثال في أطول شارع في موسكو وهو شارع لينين، والذي في طرفه الغربي وإلى الجنوب منه، يوجد سكن جامعة الصداقة وقد أقمت في مبانيه سبع سنوات أثناء دراستي في موسكو في المعرض أيضاً توجد الدبابات والصواريخ والطائرات والسيارات وغيرها اطلعنا أيضاً في المعرض على وجبات الأكل اليومية التي يتناولها رواد الفضاء في رحلاتهم، وهي أشبه ما تكون بحبات الدواء. وبعد قضاء بضع ساعات فيه، انتقلنا بالسيارة إلى أطول برج في العالم، وهو برج موسكو (يزيد طوله عن ثلاثمائة وخمسين متراً) وفيه ماينوف عن مائة طابق، في أعلاها ثلاث طوابق لمطعم مفتوح بعضه على بعض وما أجمل تناول الغداء في هذا المطعم، الذي يدور بهدوء دون أن تحس بدورانه وما أجمل مناظر مدينة موسكو من زجاجه وبخاصة إذا كان الجو صاحياً، فترى جهاتها البعيدة الأربع مما يلفت النظر أيضاً فيه: السرعة التي تصعد بها وتنزل، مصاعده الكثيرة. وفي العصر، ذهبنا إلى شارع كالينين وهو أحد أهم وأشهر ثلاثة شوارع في موسكو، فهو مملوء بالمطاعم الكثيرة ودور السينما والمسارح والمكتبات ومحلات الموسيقى، وعلى جانبيه يوجد حي (أربات) الشهير والقديم في مبانيه وتاريخه، وبالقرب من نهايته الغربية وبالتقاطع مع شارع القائد العسكري الروسي المشهور كوتوزوفسكي، توجد البانوراما وهي مبنى دائري كبير، مرسوم على جدرانه الداخلية وقائع معركة موسكو بين الجيش الفرنسي، بقيادة نابليون والجيش الروسي، بقيادة كوتوزوفسكي والملفت للنظر، وبالمساحات الأرضية الموجودة بجانب الجدران، والقش ، والخيم المنصوبة، ووسائل القتال عليها، والتي تتكامل مع ما هو مرسوم على الجدران. . . حيث تحس أن المعركة حيّة وتجري الاَن بالقرب منك لقد شارك في رسم البانوراما فنانون سوفياتيون كثيرون، وبالفعل إنها مفخرة كبيرة للفن السوفياتي. وفي المساء ذهبنا إلى شارع غوركي، وهو قلب العاصمة السوفياتية، فهو أيضاً مملوء بالمحلات والفنادق وأهمها الإنتوريست، وبصالات العرض ، والمقاهي والمطاعم، وبخاصة المطاعم الشرقية: الأذربيجاني والصيني، والأرمني والأوزبكستاني وغيرها ولعل أهم ما فيه، تمثال الشاعر الروسي العظيم، بوشكين وفي العاشرة مساءً وبعد أن استنفدنا كل ما فينا من قوة، قفلنا راجعين بعد زيارات كثيرة في يوم مضنٍ، إلى الفندق

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept