الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 


الرحلة البيلوروسية في عهدين

(الحلقة الأولى) : حياة الفلسطينيين سلسلة من المعاناة والعذابات بفعل الاعتداءات الإسرائيلية

درست في الاتحاد السوفياتي وعشت فيه اثني عشر عاماً، كانت الفترة الأولى بين الأعوام 1972- 1979 في موسكو من أجل دراسة الطب، أُطلق على تلك المرحلة فيما بعد، مرحلة الركود أما الفترة الثانية فقد قضيتها في مدينة مينسك (روسيا البيضاء) للتخصص بين الأعوام 1985-1990، وتلك الفترة هي مرحلة ما، قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي حصل في عام 1991. كنت شاهداً خلال سنوات دراستي على الكثير من الوقائع والأحداث، عشت الحياة فيها من داخلها ومع الناس مما يعطي أبعاداً واقعية لعملية التسجيل التي أجريتها في هذا الكتاب، كتبت الحقائق كما هي، دون تدخل مني، من أجل إتاحة الفرصة للقارئ للخروج بالاستنتاجات كما يراها هو تعرضت للتفاصيل الصغيرة ليس من أجل إيرادها، وإنما باعتبارها دلائل على طريقة حياة ونمط ثقافة، أطاحت إضافة إلى عوامل أخرى بإحدى أقوى إمبراطوريتين في التاريخ، وأدت بها إلى الانهيار! أردت سرد الوقائع لجزء من مرحلة بقيت سبعين عاماً في الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية، التي تمكنت من زيارتها إبان ازدهارها الاشتراكي الكبير، لكنها في النهاية اندثرت وأصبحت في غياهب التاريخ، من الماضي لأنني لم أسمع أو أقرأ عن أحد قام بتسجيل وقائع الحياة في الاتحاد السوفياتي أو في إحدى الدول الاشتراكية الأخرى. . . أردت أن أقوم بتسجيلها، وذلك كشهادة إنسان عاش التجربة عن قرب.
ناقشت الصديق الروائي رشاد أبو شاور في هواجسي الكتابية هذه، قال : إن بإمكاني الكتابة عن الرحلة البيلوروسية بين عهدين، وبخاصة أنني قمت برحلتين إلى مينسك بعدما يقارب الأربعة عشر عاماً من مغادرتي لها، وبعد ثلاثة عشر عاماً من انهيار النظام الاشتراكي فيها، أيّد الصديق فكرتي . وبالفعل، فإن الكتابة عن مرحلتين، هي مسألة هامة للإطلالة والمقارنة بين واقعين، أحدهما اشتراكي والاَخر رأسمالي، ولد قيصرياً من رحم النظام الاشتراكي، فجاء في بعض جوانبه مشوهاً من ناحية أخرى. . . لم أشأ الكتابة عن رحلتي بشكل جاف، بل صغتها بطريقة أقرب للرواية، انطلاقاً من أن الكثير من جوانب ووقائع عشتها ارتبطت في حياتي التي عشتها في الاتحاد السوفياتي، وانطلاقاً أيضاً من استكمال لمذكرات شخصية كنت قد كتبتها في حصار عام 1982 في مدينة بيروت، إبّان الغزو الصهيوني الغاشم لها، وأصدرها الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين في دمشق عام 1983، وكانت بعنوان والجراح تشهد. . . مذكرات طبيب في زمن الحصار، وكان الكتاب الأول الذي أطلقني إلى عالم الكتابة. هذا ما أردت توضيحه للقارئ الكريم، متمنيا أن أكون قد أنجزت ما يمكن إضافته إلى أدب الرحلات في سلسلة (ارتياد الاَفاق). oo ممررححللةة ببييررووتت: :
كنت لتوي قد انتقلت إلى بيروت من عمان في فبراير عام 1982، عندما تركت عيادتي هناك في مخيم شنلر بالقرب من العاصمة الأردنية لظروف خاصة شهرين كانا قد مضيا على زواجي ومن ثم بدأت الحرب الكبيرة الغادرة التي شنتها إسرائيل على لبنان، وابتدأ حصار بيروت في واحد من أطول الحضارات التي تمر بها مدينة كانت تجربة كبيرة لي، فقصف الطيران والمدافع والبوارج الحربية طيلة النهار والليل وعلى امتداد ثلاثة أشهر، طبع حياة المدينة بطابعه الخاص . . . ركام وهدم في كل الأحياء، شهداء وجرحى في كل ساعة، خوف كبير في عيون الناس في البداية، ما لبث أن تحول إلى اعتياد حياتي على ما يجري، وعلى شح الماء والمواد الغذائية وانقطاع الكهرباء.
مهام جديدة وكبيرة أضيفت إلى واجبات الأطباء، بعد أن استهدف القصف الإسرائيلي المستشفيات الفلسطينية واللبنانية، فتح مراكز طبية جديدة للجرحى الكثيرين جرّاء العدوان المتواصل، في ظل تناقص متزايد للأدوية والمستلزمات الطبية، ومعالجة المهجرّين من الجنوب اللبناني، الذين أخذوا يتجمعون في مراكز خاصة ودور سينما ومدارس وبيوت سكنية وفي المراكز الطبية أيضاً، وكذلك تدبير العلاج للمرضى، ففي ظل الحصار: إن تشخيص المرض فقط وحده لا يكفي، وإنما لابد من إعطاء المريض الدواء كلّه أو بعضه. . . وإلا فلا فائدة من التشخيص .
وحدة المعاناة للبنانيين والفلسطينيين في بيروت، عمّقت من الوحدة الوطنية بين الجانبين: فالعدو واحد ومعركة الدفاع عن بيروت هي واحدة أيضاً، الكل في انتظار ما سيسفر عنه الصمود الذي يعتمد بشكل رئيسي على المقاتلين الفلسطينيين ومقاتلي الحركة الوطنية اللبنانية، ففي الأفق وتطور الأحداث ليس هناك ما يشير إلى أن مساعدة فعلية ما سيجري تقديمها من أجل فك الحصار عن العاصمة العربية المحاصرة الأهالي يحتضنون المقاتلين، وهم وبرغم أسلحتهم المحدودة مقارنة مع ما تملكه إسرائيل، لكنهم يصنعون المعجزات في كل يوم ويصدون كل محاولات التقدم للدبابات والمدرعات الإسرائيلية، التي تجري في مناطق مختلفة.
معركة بيروت. . . . تجربة جديدة كبيرة لي بكل حوادثها وتداعياتها في أيامها الأولى، كانت تتوارد إلى ذهني رغماً عني كل تلك الصور من صباح الخامس من يونيو عام 1967، عندما ابتدأت القذائف الإسرائيلية تمطر سماء مدينتي الحدودية قلقيلية في الضفة الغربية، كنت في السابعة عشر من عمري اَنذاك، سقطت قذيفة في ساحة بيتنا، وقذائف عديدة في مدرسة البنات الثانوية بجوار منزلنا، حيث كانت مركزاً للدفاع المدني، استشهد عديدون أمام عيني، وجرح كثيرون. . . وانهارت أحلامنا يومها في تحرير يافا وحيفا وكل فلسطين صور عديدة أيضاً اجتاحت ذاكرتي إبّان طفولتي وتحديداً في ليلة 10/10/1956، عندما شنت إسرائيل عدواناً جوياً وبرياً على مدينتي، أسفر عن سقوط أكثر من مائة شهيد ومئات الجرحى، كانت جدران الغرفة وزجاجها حيث اختبأنا في منزل جيراننا تهتز بفعل القصف، كنت أحتمي (بالمرحومة) والدتي يومها، كنت مملوءً بالرعب. . . وكذلك في الاعتداء الإسرائيلي على قلقيلية في عام1966.
حياتي كما حياة كل الفلسطينيين سلسلة من المعاناة والعذابات بفعل الاعتداءات الإسرائيلية. . . وفي بيروت ها هي تعود مرّة أخرى، ولكن بشكل طويل ومتواصل هذه المرة كذّابون هم من يروجون إلى أن الخطر الإسرائيلي مقتصر على فلسطين والفلسطينيين، إنه يمتد إلى كل العرب وكل الأقطار العربية، ولذلك فالأصح هو إطلاق مفهوم الصراع العربي- الإسرائيلي على الصراع مع إسرائيل وليس الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي كل هذه الأفكار كانت تتفاعل بحدة في ذهني أثناء معالجتي للجرحى في مركز هايكزيان الطبي في بيروت، والذي تسلمت الإشراف عليه بعد أن تم افتتاحه مركزاً طبياً بقرار من مسؤول الهلال الأحمر الفلسطيني في بيروت.
أكثر ما كان يؤلمني في بيروت هم الشهداء من الأطفال، والجرحى من الأطفال، والرعب في عيون الأطفال من جرّاء القصف، ومعاناة الأطفال من قلة الغذاء والماء. . . .
كنت أتساءل في نفسي: ما الذنب الذي اقترفه هؤلاء كي يعانوا كل هذه المعاناة؟ وكيف تلقى أباؤهم وأمهاتهم أخبار استشادهم؟ كنت أقارن بين صورتين: الصورة الحالية لمعاناتهم وعذاباتهم، وبين صورة أخرى تفترض عدم وجود العدوان. . . . كانوا سيعيشون طفولتهم بسعادة مثل بقية أطفال العالم. . . ولكن صوت قذيفة أو صاروخ كان يعيدني إلى الواقع بكل مرارته وقسوته.
في الحصار، كانت زوجتي حاملا بابننا البكر، بمعنى اَخر، كنت مشروع أب، ولكنني كنت أخشى كل الخشية على ابني أو ابنتي وهو وهي جنين في بطن أمه أمها، وبخاصة أن الأطباء نصحوا زوجتي بالاستلقاء والراحة التامة من أجل حياة الجنين أخاف كل هذا الخوف على جنين سيصبح ابني أو ابنتي. . . فكيف بالاَباء الذين رأوا أطفالهم يكبرون صباح كل يوم، ومن ثم جاء العدوان الإسرائيلي ليغتال طفولتهم! بطبعي لا أحب سماع طفل يبكي، وأقدّس بيت شعر للمرحوم الشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد، وجعلته من شعاراتي في الحياة: وأدفع نصف عمري . . . لمن يجعل طفلاً باكياً يضحك. ولعل حبّي للأطفال هو الذي كان يجعلني حائراً في مشروعي القادم للتخصص الطبي بين اختصاصي الأطفال والعلاج الطبيعي، والذي حسمته في النهاية لصالح الأخير، باعتباره مسألة مهمة، وهي إعادة تأهيل الأطفال وغيرهم من الجرحى بفعل العدوان. بيروت الوادعة، بيروت الحضارة، مأوى الهاربين من قمع أوطانهم بحثاً عن الحرية، تتعرض لحصار قاس في القرن العشرين. . . وليس من مغيث! بيروت بطيبة أهلها وأصالتها، عوّضت كل الألم والمرارة وقسوة الظروف جرّاء الحصار والعدوان. . . وقفت عن بكرة أبيها وهي تودع المقاتلين الفلسطينيين الذين يعبرون البحر إلى المجهول.
االلببححرر ووددممششقق البحر بالنسبة للفلسطيني يرتبط بيافا وحيفا وكل الساحل الممتد من رأس الناقورة إلى غزة، والبحر أيضاً يرتبط بالهجرات الكثيرة والمنافي إلى البعيد، حيث الفلسطينيون ينتشرون في كل أنحاء الدنيا.
في ذلك اليوم الأيلولي من عام 1982، حيث رطوبة البحر المتوسط تختلط بالحر الشديد ، وبالانفعالات النفسية الناتجة عن ترك قسري لمدينة عربية أحببتها مثل كل المقاتلين. . . غادرت بيروت على سفينة متجهة إلى ميناء طرطوس السوري، وكنا نحمل أسلحتنا الفردية فقط. . . كان البحر هادئ الأمواج، وزرقة المياه تعانق الضباب في الأفق البعيد، ترسم لوحات خيالية لواقع جديد بتفاصيله، يمتد من اليمن مروراً بتونس واليونان وصولاً إلى سوريا حيث يرحل المقاتلون .
عشر ساعات ومن ثم وصلت سفينتنا إلى طرطوس ، كانت الخطوة الأولى لنا هي تسليم الأسلحة الفردية، وبعد الاستقبال المعد من بعض المسؤولين السوريين ومسؤولي تنظيمات المقاومة الفلسطينية المتواجدة في دمشق، ركبنا الشاحنات العسكرية المعدة سلفاً والتي أوصلتنا بعد رحلة مضنية امتدت ثماني ساعات إلى معسكرات جرى إعدادها للمقاتلين الراحلين إلى سوريا في منطقة تبعد حوالي أربعين كيلومتراً عن دمشق وبعد تسجيل الأسماء وإصدار البطاقات، جرى توزيعنا في الخيم، وكان نصيبي مع بعض الأصدقاء في خيمة تقع على أطراف المعسكر.
كنت مثل الجميع، أشعر بأنني أعيش حلماً أو أرى فيلماً سينمائياً، أرفض تصديق الذي حصل، لكن غبار المكان وهو يلثم وجهي المتعب من رحلات متتالية مضنية بعد ثلاثة أشهر من الحصار، أعادني إلى الواقع.
كنا نمضي ساعات النهار ما بين إجراء التمارين الرياضية، وجلسات النقاش والأكل، والسهر البريء والنوم.
وبسبب وضع زوجتي الحامل تم استثناؤها مع أخريات للخروج من المعسكر استأجرنا غرفة في أحد فنادق دمشق سكnنتها، وفي إجازة يوم الجمعة كنت أذهب إلى الفندق.
أمضينا في المعسكر ما يقارب الشهر، ومن ثم خرج الجميع منه. ولأنني (وعلى حد علمي يومها) كنت مقبولاً لدراسة التخصص في براغ، اَثرت وليلى زوجتي البقاء في الفندق وعدم استئجار بيت، كما فعل الكثيرون، لأننا على أبواب سفر. الرحلة إلى تشيكوسلوفاكيا اخترت تشيكوسلوفاكيا للدراسة، مع أن الاتحاد السوفياتي حيث درست الطب العام، كان الخيار الأسهل بالنسبة لي بسبب اللغة، والتعود على أجواء الحياة فيه، حيث كنت قد أمضيت سبع سنين في دراسة الطب العام، ولكن نظراً لصعوبة القوانين هناك وعدم إمكانية السماح للزوجة بأن تعيش مع زوجها الدارس ، كانت براغ الخيار الأفضل، حيث يمكن لزوجتي أن تعيش معي ويمكننا استئجار بيت في المدينة، ولم يكن من الضرورة (وفقاً للقوانين كما في موسكو) العيش في منازل الطلبة للدارس دون عائلته.
حزمنا أمتعتنا، وهي بضع حقائب ملابس وبعض الأشياء الأخرى كنا قد أحضرناها معنا من لبنان، إضافة إلى ما اشتريناه من سوريا من مؤونة، أصرت ليلى على تجهيزها، كي تكفينا على الأقل مدة سنة في براغ، وهذا ما أضاف وزناً ثقيلاً على أغراضنا كنت دوماً أستغرب طريقتنا (أي العرب) في السفر فعندما يسافر العربي إلي الخارج، يحمل معه حقائب كثيرة، مما يسبب له إشكالاً كبيراً، وهو الوزن الزائد حين تدقيق معاملة السفر في المطارات، بينما الاَخرون يحملون الوزن بالضبط. . . مما كان يدعوني دوماً إلى التندر بالقول : نحن لا نعرف كيف نسافر، إذ أننا نصر على حمل كل شيء مما يلزم ولا يلزم . وصلنا براغ في يوم ضبابي بارد، بعض الأصدقاء كانوا في انتظارنا، وذهبنا معهم إلى فندق نهري في وسط العاصمة، للوهلة الأولى عندما دخلت فوجئت وكأنني أمشي مع النهر، إضافة إلى الغرفة الضيقة التي أعطيت لنا، وتكدست فيها حقائبنا بعضها فوق بعض ، مما سبب صعوبة الحركة داخل الغرفة. . . . من شدة التعب لم نشأ تغيير الفندق يومها. كانت صدمةً كبيرة لي، عندما راجعت وزارة التعليم العالي في براغ وأخبروني، بأن لا اسم لي ضمن المقبولين في التخصص ، صُعقت حينها! فبعد كل هذا التعب والسفر وإنفاق الجزء الأكبر مما كان معنا من النقود، التي كان بإمكاننا استئجار بيت فيها. . . ولا يوجد لي اسم! ! ! ؟ وكيف أخبرني سفيرهم في دمشق (دوشان) أنني قُبلت ؟! اسودّت الدنيا في عيني وعيني زوجتي، التي أخذت تخفف من وقع الصدمة على نفسي . كرهت الساعة التي أتينا فيها إلى براغ، وكرهت نفسي، وكرهت كل الدول الاشتراكية والنظام الاشتراكي، وبخاصة أن التشيكوسلوفاكيين في معظمهم يكرهون كل من يتحدث بالروسية ولا يتكلمون الانجليزية، فمازال ماثلاً أمامهم التدخل العسكري السوفياتي، للمحافظة على النظام الاشتراكي في أحداث ما اصطلح على تسميته ب( ربيع براغ) وأذكر مرّة أننا دخلنا وزوجتي إلى المطعم من أجل الغداء، كان من الطبيعي أن أتكلم مع النادلة باللغة الروسية، فأنا لا أعرف اللغة التشيكية، قرأت في عينيها احتقاراً لنا، لكنني صبرت، نصف ساعة ثم ساعة وساعة ونصف مرّت دون أن تحضر لنا الطعام ناديت عليها فلم ترّد، وهنا ثارت ثائرتي، صحت وبلغة انجليزية، وناديت المسؤولة، وأفهمتها أنني لست روسياً، لكنني درست في روسيا، وأفتخر بتحدثي الروسية، وأن الروس هم أفضل الناس في البلدان الاشتراكية. . . . فما كان منها إلا وابتدأت في الاعتذار، وأفهمتنا بلغة انجليزية ركيكة، أن النادلة مخطئة، وتجمعت حولنا النادلات، وجاءنا الطعام بسرعة فائقة، وتغيرت النظرة والمعاملة بالنسبة إلينا من النقيض إلى النقيض ، إذ أصبحت دافئة، وكانت الابتسامات تكسو الوجوه في محاولة لتخفيف المصاريف، انتقلنا إلى فندق أرخص ، وبدأنا التفكير في العودة وتدبير مصاريفها، وخاصة أننا في دمشق كنا قد حجزنا التذكرتين في اتجاه واحد! تبقّى معنا من المال ما يكفي لحجز تذكرة عودة إلى واحد منا فقط: ليلى أو أنا، بالطبع والحالة هذه، اتفقنا على أن تسافر ليلى في الطائرة، وأن أبقى وأبقي الحقائب معي لأسافر بالبر إلى دمشق، فنحن لم نكن نمتلك من المال. . . ما يكفي للدفع عن زيادة الوزن في الطائرة، وفي براغ كانوا يتقاضون عن كل كيلو غرام إضافي من الوزن، مبلغاً كبيراً وبالعملة الصعبة.
ودّعت ليلى في مطار براغ ودمعت عيناي، فلم نكن لنتصور أن تحدث مثل هذه القصة معنا، وأن نغادر هذه المدينة بهذه الطريقة الموجعة والمؤلمة إلى حد كبير، كرهنا المدينة من كل قلبينا، لم نحس بأي جمالٍ لها أو عراقة كنا نسمعها ونقرأها عنها.
عدت من المطار إلى الفندق، وأنا أحاول أن أرسم خطوتنا المقبلة، كنت أرى أن كل الأبواب مغلقة، غلب على تفكيري التشاؤم بكل مظاهره وصوره، ولم أستطع رؤية طاقة صغيرة للأمل ابتدأت البحث في رحلة العودة برّاً، واكتشفت أنني بحاجة إلى أخذ تأشيرات عدة دول سيمر القطار منها في الطريق إلى دمشق، فعلاً ذهبت إلى السفارات واحدةً بعد أخرى. . . . وكانت مشكلة جديدة أخرى. . . . فبعض قناصل هذه الدول لم يستطيعوا التصديق بأنني يمني، فشكلي ومظهري الخارجي لا يوحي بذلك، وكنت أحمل يومها جواز سفر يمني صادر عن جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، وبرغم كل المحاولات لإقناعهم، إلا أن بعضهم رفض إعطائي تأشيرة بلده تعقدت المشكلة التي عرف بها أحد الأصدقاء ممن التقينا بهم في براغ، وأخبرني عن ضياع معظم أغراضه في رحلة بالقطار إلى إحدى الدول العربية، ولم ينصحني بالسفر برّاً، وأضاف: بأنه سيتدبر أمر الوزن الزائد عن طريق صديقٍ له ومن خلال دفع (رشوة) لموظف في المطار يستطيع التغاضي عن كل الوزن! ورغم كرهي الشديد لمبدأ دفع الرشوة، لكنني وجدت الحل سحرياً، فالمهم هو أن أغادر هذه المدينة الملعونة.
االلععووددةة اإٍللىى ددممششقق اتصلت بليلى في دمشق، والتي سكنت في بيت عائلة صديقة لنا، من أجل استدانة مبلغ، وشراء تذكرة عودتي، فكما علمت أن سعر التذكرة أرخص من دمشق، اشترnتها وأرسلnتها لي. . . وعدت إلى دمشق.
فور عودتي، التحقت بليلى في بيت أصدقائنا، وبدأت رحلة البحث عن بيت مفروش للأجرة، تهت بين المكاتب العقارية، وأغلب الشقق التي رأيناها كانت إما غير مناسبة (تحت الأرض مثلاً ولا تراها الشمس ) أو باهظة التكاليف، وقد كانت في معظمها باهظة الأجرة، فهي تقع في أحياء دمشق الراقية، ففي مخيم اليرموك حيث يسكن معظم الفلسطينيين، وعدد كبير من معارفنا. . . لا توجد بيوت مفروشة للأجرة. في هذه الأثناء، وبعد بضعة أيام من وصولي إلى دمشق، شعرت ليلى بحركة غير عادية في بطنها، ذهبت معها إلى مستشفى يافا لمراجعة الطبيبة الاختصاصية التي تشرف على حملها، ولمّا فحصnتها، أخبرnتها بأنها على وشك الولادة، وكان ذلك قبل موعدها بشهر، وطلبت مني الذهاب لإحضار الملابس من أجل المولود. كان يوماً شتائياً غير عادي في دمشق، كان ذلك في 5/12/1982، فقطرات المطر كانت كبيرة الحجم، وبضع ثوان من المشي تحتها. . . كانت كفيلة بتبليل الجسم من الرأس حتى أخمص القدم استغرق مني مشوار الذهاب والإياب ساعتين، عدت إلى المستشفى فأخذوا يباركون لي المولود الجديد- الصبي دخلت لرؤية ليلى - كانت هادئة النظرات وابتسامة حزينة تكسو وجهها، ودموع كادت تفر من عينيها، كانت الغرفة باردة جداً. . . فالتدفئة لم تكن تعمل، وتم الاستعاضة عنها بمدفأة غاز، حمدت الله على سلامتها نظرت إلى ابني ورفعت الغطاء عنه، لقد لفّوا جسمه بقطعة قماش ، فالولادة تمت بعد ذهابي مباشرة. . . تطلعت حولي فلم أجد أحداً من أقربائنا أو من أصدقائنا ليشاركونا الفرحة في هذه المناسبة، ولكلينا (أنا وليلى) أهل كثيرو العدد، لكن لا يوجد أحد منهم في دمشق. . . لحظتها استوعبت تلك اللمسات الحزينة على وجه ليلى، وأخذ الحزن يكسو ملامحي أيضاً، فالفرح لدى معظم الفلسطينيين يختلط بالحزن انطلاقاً من الواقع الذي يعيشونه في أي بلد كانوا. أسمينا ابننا بدر، فوالدتي رحمها الله، ومنذ كان أبناؤها صغاراً، كان يطيب لها أن تسمي كلّ واحد منا (بأبو فلان)، وكان من نصيبي اسم (أبو بدر)، التزمت وإخواني جميعاً برغبة الوالدة في حياتها. مساء نفس اليوم، كان على ليلى مغادرة المستشفى. . . ولكن إلى أين؟ فقد أصبحنا الاَن عائلة من ثلاثة أفراد، والأصدقاء مهما كانوا طيبين، فكم سيتحملوننا ؟ لعلي أقول ذلك من خلفية الحساسية المفرطة، كانت قدماي تقدّمان خطوة وتؤخران أخرى. . . لم يكن أمامنا مفر من الذهاب إلى نفس البيت. . . ولعلّ الأصدقاء يتحملوننا! مساء نفس اليوم، سقطت علينا امرأة من السماء. . . إنها فاطمة صديقة عمر ليلى، فهي كانت قد حضرت إلى دمشق لزيارة أقاربٍ لها يسكنون العاصمة السورية، سألت عنّا، وأرشدوها إلى البيت، فوجئت بالمولود، وساعدتنا كثيراً اقترحت علينا فاطمة أن نسكن في شقة على الطابق الثاني مشتركة مع شقة على الطابق الأول يسكنها زوج ابنة اختها في مخيم اليرموك، للفترة التي نتمكن فيها من استئجار بيت لنا رحّبنا بالفكرة، فهي أيضاً كانت حلاv سحرياً لنا، اعتذرت فاطمة عن تواضع البيت مقدماً. . . لكن ذلك لم يكن يعني شيئاً لنا.
انتقلنا إلى البيت في مخيم اليرموك، وقد كان يتألف من غرفة واحدة يجري الصعود إليها من خلال درج كان شبه عامودي، ومن أجل الانتقال منها إلى المطبخ والحمّام كان ضرورياً نزول بضع درجات وصعود ست درجات أخرى، فهما يقعان في ناحية ثانية. استمر هطول المطر بضعة أيام، كان سقف الغرفة يسيّل نقاط ماء، مما جعلنا نغطي سرير بدر بمظلة من أجل تجنيبه الماء النازل من السقف. كل من زارنا في هذه الأثناء كان يرثي لحالتنا، لكن، لم يكن هناك من حلx اَخر. كان لزاماً عليّ البحث عن عمل، التحقت من جديد بالهلال الأحمر الفلسطيني وعُينت طبيباً في عيادة للهلال في مخيم السيدة زينب بالقرب من دمشق، وبدأت أموري في الاستقرار النسبي فعلى مساحة من الأرض كبيرة، تم إقامة مئات الخيم للمهجّرين الفلسطينيين واللبنانيين القادمين إلى سوريا من لبنان وخاصة من مناطق الجنوب، حيث الاحتلال الإسرائيلي. كانت العيادة تستقبل ما يزيد عن مائة وخمسين مريضاً في كل يوم، شعرت أنني انتقلت بنفس مهماتي من لبنان إلى سوريا، كانوا أناساً فقراء بكل ما في الكلمة من معنى، يعيشون على المساعدات التي تقدم لهم من هيئات ومنظمات اجتماعية كثيرة، سورية وعربية وإيرانية ودولية، كنّا نقدم لهم إضافة إلى الفحص ، العلاج اللازم حسب توفره، لقد أثّرت فيّ كثيراً فترة الثلاث سنوات التي خدمتها في عيادة المخيم.
بقينا في البيت الصعب الإقامة فيه، فترة ثلاثة شهور، انتقلنا بعدها إلى بيت مفروش في شارع المهاجرين في دمشق، استأجرناه من سيدة سورية ، كانت أرملة، والمفارقة أننا سجّلنا أنفسنا في المكتب العقاري وفي مركز الشرطة من أجل الإقامة، كيمني ين وفقاً لجوازي سفرينا.
انتظمت الحياة في دورانها الروتيني، فيها من مشاكل العمل والواقع الجديد، وضرورة التأقلم معه الشيء الكثير، غير أن المواصلات كانت مشكلة بالنسبة لكلينا، فذهابي من حي المهاجرين إلى مخيم السيدة زينب وبالمواصلات العادية كان يستغرق وقتاً طويلاً وبخاصة في الشتاء، وغالباً ما كان يلزمني الذهاب مساءً وبشكل يومي إلى مخيم اليرموك لممارسة نشاطي السياسي، وكذلك ليلى. . . كان عليها الذهاب يومياً صباحاً ومساءً لممارسة نشاطاتها السياسية والاجتماعية في المخيم، والذهاب والإياب كان يأخذ جزءاً كبيراً من وقتنا.
قضية أخرى أضافت هماً جديداً، وهي فقدان الكثير من المواد التموينية، بما فيها الأساسية خلال تلك السنوات في سوريا، مما كان يضطرني للذهاب إلى البقاع من أجل شراء تلك المواد، ومما جعلنا نوصي كل من يقوم بزيارتنا من خارج سوريا بإحضار ما يلزمنا من أغراض بما فيها المواد التموينية.
االلررححللةة اإٍللىى ققببررصص ووااللععووددةة اإٍللىى ددممششقق في إجازتي السنوية في سبتمبر من عام 1983، قمنا بزيارة أصدقائنا في قبرص لفترة أسبوعين، كانت المرة الأولى التي نخرج فيها كلانا من سوريا على شواطئ مدن قبرص المتعددة وفي ريفها قضينا فترة من أجمل فترات حياتنا، خاصة في زيارة مدينة بافوس حيث الطقس الجميل، ورمال الشاطئ الساحرة، كنا نستأجر وأصدقاءنا سيارة محددة نتنقّل بها، صاحبها يدعى ماخوس ، الطريف أنه كان يناديني مستر دكتور كنا سعيدين ونحن نرى السعادة والهدوء في عيني بدر، وهو الذي طالما شعر بتوتر والديه نتيجة للأحداث العامة المؤلمة في أغلب الأحيان، وبخاصة عند سماع الأخبار أذكر أنه في حرب المخيمات في لبنان، حيث كان التوتر في البيت هو سيد الموقف، قال وبكلماته البسيطة المعبرة ما معناه لا تسمعوا أخباراً مما دعاني إلى التفكير ملياً في أسئلة عديدة : هل نعرف كل ما يدركه الأطفال رغم صغر سنهم؟ هل حقيقةً نستطيع تصور انعكاسات أجواء البيت على أبنائنا الصغار؟ وهل من الضروري أن نتفاعل بهذه الصورة من الحدّة على الحدث وخاصة أمام الأطفال؟ وغير ذلك من الأسئلة الكثيرة. كان علينا الانتقال من حيّ المهاجرين إلى مخيم اليرموك وسط أصدقائنا ومعارفنا في الموقع الجديد، واجهنا مشكلة وهي، كثرة التنقل من البيوت، فمعظم أصحابها في العادة يبنون طابقاً إضافياً من عدة شقق ويتركونه من دون تشطيب (ما يسمى بالكسوة) ويبدأون رحلة البحث عن مستأجرين يدفعون أجرة سنتين مقدماً من أجل تشطيب الشقة، وبعد انتهاء المدة المحدودة، يبدأون بافتعال المشاكل مع المستأجر، فتارة يريدون تزويج أبنائهم، وتارة أخرى يخترعون سبباً وهمياً. . . وهم في الغالب يريدون إخلاء الشقق من أجل تأجيرها بأسعار أعلى! لا أقول إن كل أصحاب الشقق في مخيم اليرموك يتصرفون على هذا النحو، ولكن في معظمهم يتصرفون هكذا للأسف. . . . هذه الحادثة تكررت معنا عدة مرات من قبل أناس يتصورون بأن كل من ينتمي إلى المقاومة هو مليونير! زوجتي من المحبّات لتغيير ديكور البيت، فغالباً ما تقوم بتغيير أماكن خزانة الملابس والأسرّة في فترات متقاربة، وهي أيضاً من العاشقات لاستعمال المياه الكثيرة في الشطف. . . وفي أحدى الأيام، وبينما كنت في عملي، فإذا بالهاتف يرن، كانت على الجهة الأخرى صديقة للعائلة، أخبرتني بأن عليّ الحضور لمستشفى جيش التحرير في مخيم اليرموك، حيث نقلوا ليلى. قبل يوم من النقل إلى المستشفى، وأثناء الشطف، لمست ليلى وصلة كهربائية لإبريق شاي كهربائي كانت موجودة على الأرض ، تبيّن بأنها كانت موصولة في الكهرباء، فعندما لامستها ليلى زعقت صوتاً فقد مسكتها الكهرباء، كنت متمدداً على السرير أثناءها، كانت ردة فعلي أن صرخت بأعلى صوتي: ماذا حصل؟ كانت ليلى حاملاً في الشهر السابع، وفي اليوم التالي. . . عندما بدأت تنزف، نقلها الأصدقاء إلى المستشفى عندما حضرت. . . . كان الإجهاض قد تم، وقد أجرى لها الطبيب المختص عملية. . . . لقد كان الجنين بنتاً، ونحن طالما تمنينا أن يكون لدينا بنت فابنانا كانا دائماً السؤال: لماذا لا يوجد لنا أخت

 

 



الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept