الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 


الرحلة البيلوروسية في عهدين

(الحلقة الثانية) : سكان أوروبا الشرقية كانوا ينظرون نظرة عدائية تجاه كل ماله علاقة بالاتحاد السوفياتي

oo إلى بودابست: o في إجازة صيف عام 1984، سافرنا إلى العاصمة المجرية بودابست، هذه المدينة الرائعة التي يقسمها النهر إلى بودا وبست، إنها طراز جميل من المدن، ذكرّتني بمدينة لينينغراد والتي عادت إلى اسمها القديم بطرسبرغ وبمدينة براغ، فبين هذه المدن الثلاث قواسم مشتركة من حيث طراز المباني وتنظيم الشوارع، فالمباني في بودابست من الطراز القديم، ومن ذوات الشرفات المتعددة المطلة على الشوارع، وهي مدينة كانت بالاسم تسمى اشتراكية، فغالبية البضائع الغربية كانت موجودة فيها، لكن أسعارها كانت كبيرة، ومعظم الناس يكرهون الروس والمتحدثين بالروسية، فمازال ماثلاً أمامهم التدخل العسكري السوفياتي من أجل الحفاظ على النظام الاشتراكي هناك وأذكر مرّة، أننا كنا في أحد المنتزهات، حيث كان بدر صغيراً، وأردت شراء بعض الأشياء البسيطة من كشك في المنتزه، يومها سألني البائع: بأي عملة ستدفع؟ فقلت له مازحاً: بالروبل (العملة الروسية)، فبصق من فمه على الروبل وعلى الروس .
هذه كانت النظرة في البلدان الاشتراكية تجاه الاتحاد السوفياتي، والذي كان يعتبر الشقيق الأكبر بالنسبة لتلك البلدان وكذلك تجاه الروس ، باعتبارهم الأبرز من سكان الاتحاد السوفياتي أقول، هكذا كانت النظرة! لأنني زرت كثيراً من الدول الاشتراكية ولم تختلف النظرة تجاه الدولة الاشتراكية الأولى عنها في المجر أو في تشيكوسلوفاكيا.
استأجرنا في بودابست شقة بسيطة في ضواحي المدينة، كان البيت الذي تقع فيه الشقة يقع وسط مساحات خضراء شاسعة، فيها القليل من البيوت، وأذكر أنه كان بالقرب منا منزل السفير البرازيلي، كلّف استئجار الشقة لمدة أربعين يوماً في حدود المائة وخمسين دولاراً فقط، بالطبع كان تصريف العملة بأسعار السوق السوداء، وهذا ما كان يشجعنا على تمضية الإجازات في البلدان الاشتراكية، فلو كانت الأسعار مثلما هي عليه اليوم، لما استطعنا السفر وتمضية الإجازة في دولة أخرى .
تعرفت إلى عدد من الدارسين الفلسطينيين والعرب في هنغاريا (المجر) وإجمالاً كان عددهم قليلاً بالنسبة إلى عدد الطلاب العرب، الذين كانوا يدرسون في الاتحاد السوفياتي. في بودابست، تعرفنا إلى عائلة هنغارية، كانت تتألف من زوج وزوجته، كبيرين في السن، كنا نضع ابننا بدر لديهما بعض الأوقات، كانا يلاعبانه ويودانه، الطريف أن بدر أخذ يتحدث بعض الكلمات الهنغارية. كانت ممتعة حقاً تلك الإجازة التي قضيناها في بودابست.
ففيي سسوورريياا في السنتين التاليتين، سارت حياتنا في سوريا على طبيعتها، وبروتينها المعتاد، كنا نخرج أيام الجمعة مع بعض الأصدقاء إلى عين الخضرا بالقرب من دمشق، حيث نشوي اللحم، وحيث كانت عائلات سورية ہكثيرة تذهب إلى هناك، إذ يتم استئجار محلx للجلسة، ممن يمتلكون الأ راضي هناك، وغالباً ما يكون لديهم بيوتهم فيها، كانوا يعطوننا: الحرامات والمخدات، والفرشاة من أجل الجلوس ، وكل شيء كان بثمنه.
الفترة القاسية التي مررنا بها في سوريا، كانت حرب المخيمات في لبنان، فمن يجري حصارهم والهجوم عليهم، هم جزء من أهلنا الفلسطينيين. في مخيم السيدة زينب، حيث عملي، وحيث يوجد المسجد المسمى باسمها، ويعتقد كثيرون أنها مدفونة في المسجد، ولذلك ففي غالبية أوقات السنة، حيث الإجازات، وبخاصة في العشرة أيام الأولى من محرم (عاشوراء)، كانت المنطقة تعج بأناس كثيرين، يجيئون من مختلف دول العالم من لبنان والعراق وإيران وباكستان وأفغانستان وغيرها لزيارة الضريح. كان أصحاب البيوت في مخيم الست زينب، وهم فلسطينيون وسوريون، يؤجرون غالبية غرف منازلهم للقادمين، هذا عدا عن البيوت والفنادق المخصصة للأجرة، كانوا يؤجرون سريراً في غرفة تحتوي على عدة أسرّة. من المناظر التي لم أن سnها في المخيم، حيث يسكن المهجرون من لبنان، أنه وفي أثناء فصل الشتاء، وعندما كانت تهب الرياح القوية. . . . كانت خيم اللاجئين تطير! وفي بعض الأحيان، كانت الكثير من الأرض المغطاة بالخيم تغرق بالمياه، كان منظراً عادياً في كثير من الأحيان أن ترى ملابس الناس تطير فوق أجواء المخيم.
اإٍللىى ببررااغغ في إجازة صيف عام 1985، قررنا الذهاب مع عائلة صديقة: الشهيد أبو علي مصطفى وزوجته، إلى براغ وإلى منتجع كارلوفيفاري تحديداً ، والذي يقع على الحدود الألمانية - التشيكوسلوفاكية حيث كان من الضروري (لأبو) علي أن يتلقى العلاج فيها.
عندما وصلنا إلى براغ، كانت هي غير المدينة التي عرفناها سابقاً في شتاء عام 1982، حينما تم رفض طلبي للتخصص هناك أدرك وندرك أن المدينة هي نفس المدينة، لكن الذي تغير، هو العيون التي نراها بها.
لم نُمض في براغ سوى يومين، ثم ذهبنا إلى المنتجع، الذي بحق، هو قطعة من الجنة، أرض منبسطة يقع عليها المنتجع، الذي يشقه نهر صغير وفي وسط البلدة كان يُمنع دخول السيارات والمنتجع محاط بجبال شاهقة، وهو مملوء بالمصحات ذات الطبيعة العلاجية المختلفة، كنا نلتقي وعائلة (أبو) علي كل مساء، نتمشى عدة ساعات في المنتجع الذي بنى فيه كثيرون من الأغنياء والمشاهير فللاً وقصوراً ذات حدائق خاصة بهم، ومنهم روتشيلد، وبيتهوفن، وعندما جاءت السلطة الاشتراكية، جرى تأميم كل تلك الممتلكات الخاصة.
أذكر في أحد المرات. . . أننا مشينا كثيراً وصعدنا جبلاً، وكان ذلك باقتراح من (أبو علي) لرؤية كنيسة تقع على رأس الجبل، مشينا يومها خمس ساعات مع الاستراحات بالطبع، وكانت ليلى حاملاً بابننا الثاني: بشار، خفتُ يومها على ليلى، ولكن الله سلّم .
سكنّا في فندق من سلسلة فنادق متصلة في مجمع واحد كان يدعى مجمع موسكو، كنا غالباً ما نذهب وأصدقاءنا للعشاء في إحدى مطاعمه الكثيرة، والتي يجري الدخول إليها من أبواب كثيرة متصلة.
ومرّة. . . . ذهبنا مع (أبو) علي وزوجته إلى العشاء في مطعم من أحد تلك المطاعم الموجودة في المجمع، مشينا من حيث نسكن، ودخلنا ما يزيد على الثلاثين باباً داخلياً حتى وصلنا المطعم المذكور، والذي كان يقع تحت الأرض كان ابني بدر يبلغ من العمر سنتين ونصف سنة تقريباً، ولأنه لم ينم ذهب معنا، كان بدر في طفولته كثير الحركة، لا يستطيع أن يستقر في مكان، عندما دخلنا المطعم أوصيت الحارس على الباب، بألا يسمح لبدر بالخروج من المطعم جلسنا إلى طاولة، وكان من الطبيعي أن يتحرك بدر في تلك المساحة المحدودة، فهو حتماً سيذهب إلى حيث تعزف الأوركسترا أو يذهب للتجول بين الطاولات. . . فالأطفال في الدول الاشتراكية كانوا مُقدّسين ، الكل يداعبهم ويراعيهم افتقدنا بدراً بعد ساعة، ذهبت إلى الأوركسترا، أجابني أحد العازفين بأنه راَه، ومن ثم ذهب، سألت النادلين. . . أخبروني بأنهم لم يروا طفلاً، صعدت إلى الحارس . . . أكّد لي بأن بدراً لم يخرج من المطعم. . . صُعقت لحظتها. . . وقلت في نفسي. . . ضاع الولد! وما هي إلا لحظات قصيرة فقط ومن ثم دخل من أحد الأبواب. . . وكان يحمل مفتاح غرفتنا في الفندق! ذُهلت يومها. . . كيف استطاع الذهاب ومن ثم العودة من كل هذه الممرات والأبواب! لم أشأ تعنيفه في تلك اللحظة، فقد كان انفعالي كبيراً. . . وكنت أفضّل تأجيل ذلك.
حضنته وعيناي لم تكن تصدقان أنني أراه، عدت إلى الطاولة حيث كان الكل يبحثون، كذلك نادلو المطعم الذين بحثوا في المطبخ وفي كل الأمكنة!
وعندما عدنا إلى الفندق، سألت الموظف المعني بتسليم المفاتيح، فأجاب لقد حضر ابنك الذي نعرفه وأشار إلى المفتاح وذهب، كان من يسّلم المفاتيح يعتقد أننا نسير وراء بدر، لم يكن ليتصور أننا كنا في المطعم!
ثلاثة أسابيع امتدت إجازتنا في كارلوفيفاري، ومن ثم عدنا إلى دمشق، حيث وجدت خبراً في انتظاري وهو: قبولي في التخصص لمادة الأطفال في معهد رفع كفاءة الأطباء في مدينة مينسك في بيلوروسيا، كانت الفترة تمتد لسنتين. . استشرتُ ليلى، فأيدتني تماماً للذهاب. قائلة: ما أسرع ما تمر السنتان! استشرت الأصدقاء أيضاً. . . الكل أيّدني قائلاً: بأن هذه الفرصة جيدة، ومن الخطأ إضاعتها كان يحز في نفسي أن يظل بدر وليلى الحامل، وهي بانتظار مولود جديد، في دمشق، وأنا أذهب للتخصص . . . كنت أعتبر نفسي أنانياً بعض الشيء، لكنه التخصص والسفر من أجل تحصيل العلم، ففي اَخر سنة قضيتها في سوريا، أدركت كم أنا بحاجة إلى التخصص في أمراض الأطفال . . . وكان علي أن أستعد للسفر إلى مينسك عبر موسكو من جديد.
اإٍللىى ممووسسككوو ووممييننسسكك: :
في يوم 5/11/1985 غادرت دمشق متوجهاً إلى موسكو، بعد أن أخذت سمة الدخول من السفارة السوفياتية في العاصمة السورية وكنت قد رتبت أخذ إجازة من دون راتب من جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في دمشق، بسبب التخصص ، وقد أيد القائمون عليها خطوتي هذه وباركوها، على أمل العودة للعمل في الجمعية بعد إنهاء سنتي التخصص في طب الأطفال.
كان بصحبتي زميل جاء في دورة جديدة من أجل علاج عينيه بواسطة الوخز بالإبر الصينية في مستشفى للعيون مشهور في موسكو، وكان قد أخذ عدة دورات علاجية قبلها، ساهمت في تحسين نظره، وكان يشكو من انحدار متدرج في رؤية عينيه.
وأنا في طائرة (الايروفلوت) المتجهة إلى موسكو، كنت نهباً لأفكار كثيرة، فمن جهة، غادرت العائلة والحياة المستقرة نسبياً، وهذه المسألة لها تداعياتها، خاصة، عندما تكون المغادرة لفترة طويلة، وقد كانت المرة الأولى التي أغادر فيها عائلتي لسنتين كنت أتساءل: كيف ستكون حياتهم؟ ومن أين سيتدبرون النقود إذا احتاجوا لما هو أكثر من راتب ليلى؟ وكيف سأعتاد على واقع حياة الطلبة من جديد؟ صحيح أنني كنت قد أمضيت سبع سنين في منازل الطلبة، حيث اقتسمت غرفة واحدة مع اَخرين، كان يتم في البداية فرضهم فرضاً، فالمسؤولون الجامعيون كانوا يعتقدون أن في الغرفة الواحدة المخصصة لثلاثة طلبة، يجب أن يسكنها طلاب من قارات مختلفة، فمثلاً إضافة إلى الطالب من إحدى الجمهوريات السوفياتية، يجري انتقاء واحدٍ من اَسيا والاَخر من إفريقيا، أو من أميركا اللاتينية، فهذا من وجهة نظرهم كان يعزز الشعور الأممي بين الجميع لم يكونوا يدركون مسألة أساسية في الحياة وهي اختلاف الأمزجة! وفي السنوات التالية استطعت انتقاء زميل لي وكان فلسطينياً، والثالث كان روسياً متزوجاً يسكن في المدينة، مما سهّل حياتنا وزميلي، وقد تمكنت من إقناع مشرف السكن من خلال لقاءات وهدايا عديدة، من أجل موافقته على سكن زميلي معي!
احتملت تلك الحياة، لأنني كنت طالباً عازباً، وفي سن أصغر، والاَن كيف سأكون قادراً على تحمل هذه الحياة من جديد، وأنا الاَن أكبر سناً، وبعد أن أمضيت سنوات عديدة في العيش مع عائلتي؟ صحيح أن الذاهب للتخصص يسكن في غرفة منفصلة، ولكنها مشتركة مع غرف أخرى يسكنها اَخرون، مما يجعل المطبخ والحمام مشتركي ن، وأمزجة هؤلاء حتماً مختلفة، فأحدهم يريد سماع الأغاني بصوت عال على سبيل المثال، والاَخر يود الدراسة، ومسائل أخرى من هذا القبيل .
أكتب هذه المسألة بشكل مفصل بعض الشيء، من أجل إيراد مثل على الحياة في الدول الاشتراكية، حيث لم تكن تعطي قيمة أو أولوية لاحتياجات الإنسان النفسية أو المزاجية، والتي قد تنعكس سلباً على أدائه، في أي موقع كان.
كنت وأنا في الطائرة، أعتقد بإمكانية عودتي إن لم أوفق في سكنٍ مريح كانت هذه مشكلة من بين مشاكل أخرى تجتاح أفكاري من ناحية أخرى، كنت راغباً في تحويل دراستي التخصصية من مينسك إلى موسكو، حيث بقي البعض من أصدقائي ومعارفي هناك، أما في مينسك فلا أعرف أحداً كنت قد زرتها في عام 1975، ليومين ولم تعجبني حينها كنت أدرك صعوبة التحويل من جامعة لأخرى، كان زميلي يحاول التخفيف عني، عندما كنت أناقش معه هذه المسائل. وصلنا مطار (شيرميتوفو 1) في الخامسة مساءً، كانت طبقة رقيقة من الثلج تفترش الأرض ، كان الجو بارداً وغائماً قبيل هبوط الليل. ساعتان مضتا على وقوفنا في الدور من أجل ختم الجواز، كان الدور طويلاً، فمطار العاصمة الدولي تأتي إليه طائرات كثيرة في كل دقيقة، والشرطي القابع في كابينته، وفيها مرايا تعكس الواقف أمامه من أخمص قدميه حتى رأسه، كان يتفحص جواز السفر والفيزا لكل شخص حوالي ربع ساعة إن لم يكن أكثر ! أنهينا إجراءات المطار واستلام الحقائب، وكان صديق لنا يعمل في السفارة الفلسطينية في موسكو في انتظارنا ركبنا السيارة، حيث ذهب زميلي في السفر إلى فندق روسي ، أما أنا فقد أصر صديقي على استضافتي في شقته الفندقية في أحد ضواحي موسكو . في ليلتي الأولى ومن شدة تعلقي بابني، حلمت أنه يحترق، أفقت مذعوراً، وكان جفافاً رهيباً في حلقي، حاولت الاتصال بالجيران في البناية التي نسكنها في دمشق، فلم أفلح، فالاتصال من موسكو كان صعباً بعض الشيء ظللت ساهراً يومها حتى الصباح، حيث تمكنت من الاتصال بليلى، واطمأننت عليها وعلى بدر.
مرّ يومان على وجودي في موسكو، أدركت حينها كم تغيّر صديقي، وبالطبع أنا كنت أيضاً قد تغيّرت، ففي فترة دراستي الأولى، كنا نرى بعضنا بشكل يومي، كنا متوافقي ن في معظم الأشياء وفي النظرة إليها أيضاً. شعرت أن العلاقة مع صديقي لم تعد حميمة كما كانت في السابق، وكنت أحاول أن أجد له الأعذار، مما جعلني أقضي معظم الوقت مع زميلي الذي جاء للعلاج كان صعباً عليّ ترك شقة صديقي والذهاب إلى الفندق، حرصاً على علاقة قادمة، واعتقاداً مني بأنها فقط أيام قليلة تمرّ ومن ثم سأسوي وضعي . ذهبت إلى معهد الطب الثاني في موسكو لإحضار ورقة تقضي بأن المعهد على استعداد لقبولي فيه في تخصص طب الأطفال، وأن لي مقعداً عندهم، ومن ثم ذهبت إلى الوزارة لإقناع المسؤول المعني فيها بتحويل دراستي من مينسك إلى موسكو، لم أجد الشخص المطلوب يومها، وكان علي الانتظار مدة ثلاثة أيام، فقد حلّت ذكرى ثورة أكتوبر الاشتراكية، والدوائر الرسمية كانت تعطّل عدة أيام في هذه المناسبة كنت قد مررت أثناء ذهابي إلى معهد الطب بسكن الطلبة الذي أعرفه تمام المعرفة، مررت بأحد المعارف القدامى، وأذهلني مقدار اتساخ غرفته، فالصراصير كانت تمشي في الغرفة بشكل عادي، وأغطية السرير كانت سوداء، ورائحة نتنة كانت تعبق في الغرفة، مما جعلني أعتذر حتى عن شرب فنجان قهوة أعدّه لي!
من زاوية ثانية، فقد عدت إلى حياة موسكو القاسية، ذات المسافات البعيدة، فمن أجل قضاء مشوار واحد، يلزم ساعة أو ما يزيد من ركوب المترو والحافلات، وبعض المشاوير البعيدة قد تحتاج إلى ساعتين أو ما يزيد، فمساحة موسكو حينها كانت ما يقارب (10000) كم2، ويسكنها ما يزيد عن 15 مليوناً من البشر، يزيدون نهاراً بضعة ملايين أخرى، هذا عدا الوجوه المتجهمة للموسكوفيين، التي كنت تراها، فمعروف عنهم في كل الجمهوريات السوفياتية الأخرى (بما في ذلك أهالي روسيا) بأنهم لا يبتسمون، وإذا اصطدموا بك أثناء السير، فليس منتظراً أن تسمع تأسف الكثيرين منهم كانت حياة العاصمة السوفياتية قاسية من هذه النواحي، والكثير من النواحي الحياتية الأخرى. . . مما جعلني أدرك بأنني سوف لن أكون قادراً على تحمّل سنتين فيها .
كنت قد ذهبت مع زميلي المريض إلى مستشفى العيون عدة مرات، ورأيت بالطبع طريقة الوخز بالإبر الصينية في العلاج، في كل يوم، كنا نطرح على بعضنا ما واجهناه ذلك اليوم، كنت أطرح عليه تخوفي من فترة بقائي في موسكو، مما جعله يعمل على إقناعي بالذهاب إلى مينسك، فالحياة في المدن الصغيرة (مقارنة مع موسكو بالطبع) أسهل، وفيها يجد الطالب بعض الهدوء اللازم للدراسة، هذا إضافة إلى كل الأسباب الأخرى، مكنني من أخذ قراري، الذي لا رجعة عنه، وهو الذهاب للدراسة في مينسك، في جمهورية بيلوروسيا. . . وكان ذلك في يوم 17 أكتوبر ركبت الطائرة في العاشرة من مساء ذلك اليوم، وبعد ساعة وصلت إلى العاصمة البيلوروسية، التي كانت تبعد عن المطار أربعين كيلومتراً، ولم أجد الشاب المعني في استقبالي لتضارب في المواعيد، استأجرت سيارة، ووصلت إلى سكن معهد رفع كفاءة الأطباء البيلوروسي، وكان الساعة الثانية صباحاً . استفسرت من مشرفة المناوبة على السكن عن نظام المعيشة فيه، أخبرتني بأنه نظام الشقق، المكون من غرفتين، بعضها صغير، فالغرفة فيها تتسع لشخصين، وبعضها كبير، الغرفة فيها تتسع لثلاثة أشخاص ، وبالنسبة للمتخصصين لسنتين (إذ يأتي إلى المعهد أيضاً أطباء من مختلف الجمهوريات السوفياتية في دورات قصيرة، أسبوعين، شهر أو شهرين أو ستة شهور من أجل رفع كفاءاتهم أو للتخصص الطبي) فإنهم يسكنون الشقق الصغيرة، وفي كل غرفة اثنان. رجوتها أن تسكنني مؤقتاً في شقة فارغة تماماً، اقتنعت . صعدنا إلى الطابق السابع، دخلنا شقة مكونة من غرفتين فتحنا إحداها، فيها سريران عاريان، ضوء خافت، جدران قديمة، مكتب، كرسيان، وجو موحش ، يحوي المطبخ المشترك المخصص لأربعة طلاب على ثلاجة صغيرة ورفوف للأدوات المنزلية، أما الحمّام فكان صغير المساحة، بالكاد يتسع لمن يستحم، كذلك دورة المياه إنه بيت تقليدي للطلبة بنظام الشقق في الدول الاشتراكية ما كان يهمني أن أبقى وحيداً ولو لفترة قصيرة، كي أستطيع الاعتياد على جو الطلبة من جديد فرشت سريري ونمت، حيث كان عليّ في اليوم التالي أن أقابل نائب مدير المعهد للشأن الدراسي من أجل ترتيب الدوام في القسم المعني في المستشفى المحدد، من أجل التخصص في طب الأطفال كان اسم عائلته ديدينكو، رجل أنيق الملبس في أوائل الستين من العمر، أصلع بوجه مستدير وبعينين ذكيتين زرقاويين. رحّب بي، وكان حميماً، أشاد بلغتي الروسية التي لم أنسها بالرغم من أنني كنت أجد صعوبة في البداية في استذكار الكلمات باللغة الروسية، التي لم أستعملها مطلقاً بعد تخرجي من موسكو، لكنني كنت أفهم كل ما يُقال لي . أبلغني بأنني الرابع من الأجانب الذين يتخصصون في المعهد، فالأول سوداني يسكن مع طبيب يمني في نفس الغرفة، والثالث لبناني كان يتخصص في جراحة الكلى والمسالك البولية شعرت أن قلة عدد الطلاب الأجانب الذين كانوا كلهم عرباً والموجودون في المعهد هو مايزال في صالحهم، وبعد أن أرشدني لما يجب أن أفعل، طلبت منه وبصراحة البقاء وحدي في الغرفة ولو فترة شهر، وافقني اَملاً بألا أطالب بكل الشقة فيما بعد . مساء اليوم الأول، حضر الطلبة العرب الموجودون في المعهد للسلام عليّ، كما حضر معتز، وهو الذي كان عليه أن يستقبلني في المطار، مما أشعرني بأجواء دافئة نسبياً، وجميعهم أشادوا بالمعهد، وبطيبة أهالي مينسك وبيلوروسيا عموماً، مقارنة مع غيرهم في الجمهوريات السوفياتية الأخرى . اشتريت ما يلزمني من أغراض ، ولاحظت أن السكن المؤلف من أربعة عشر طابقاً، يتألف في معظمه من النساء، فعدد الرجال كان قليلاً، ولما سألت عن ذلك، أخبروني، بأن هذا السكن مخصص للطبيبات، وللأطباء المتخصصين لمدة سنتين، أما الأطباء الاَخرون ممن يأتون لفترات قصيرة، فيسكنون سكناً مجاوراً مؤلفاً من طابقين ممتدين طولياً على مساحة كبيرة. في الأمسيات التالية، كانت غالباً ما تمتلئ غرفتي بالزوّار من الطلبة الفلسطينيين والعرب، ففي المدينة الصغيرة مينسك (مقارنة مع موسكو)، كان خبر قدوم طالب جديد ينتشر بسرعة. وعرفت أن الطلبة الفلسطينيين الموجودين في مينسك يقاربون المائة، من بين حوالي ألف طالب عربي يدرسون في معاهدها وقد طلب مني رئيس الهيئة الإدارية لفرع اتحاد طلبة فلسطين في العاصمة البيلوروسية، إعداد كلمة بالروسية، ألقيها باعتباري أكبر الطلبة الفلسطينيين سناً في احتفال سيقام بعد بضعة أيام في ذكرى إحدى المناسبات الفلسطينية، وكان هذا اختباراً حقيقياً لاستعادة واستذكار لغتي الروسية، وعبّرت الكلمة، كما قيل لي فيما بعد بشكل جيد عن مضمون المناسبة . في هذه الأثناء بدأت في التعرف على المدينة، وكيفية الذهاب إلى المستشفى الذي سأقضي فيه سنتين، ففي مينسك خطان للمترو مع عدة محطات، وهما لا يقارنان باتساع خطوط المترو في موسكو، وفيها أيضاً، الحافلات، والترولي حافلات، وهي كالحافلات العادية، باستثناء عامود معدني يوصل الحافلة بشبكة كهربائية معدة خصيصاً لها، وكذلك التروموايات، التي تسير على خطوط معدنية مثل القطارات، وباستعمال الطاقة الكهربائية أيضاً وفي مينسك، نهر صغير (أشبه بمجرى مائي) يسير في وسطها ومن أهم معالم هذا النهر، وجود بيت خشبي على شاطئه، في وسط المدينة وبالقرب من ساحة النصر، حيث عقد المؤتمر الأول للحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي، فيه، وبحضور قائد الثورة البلشفية: فلاديمير ايليتش لينين. في يوم خريفي، ذهبت أول مرّة إلى مستشفى الأطفال، لمقابلة رئيسة القسم، المسؤولة عن تخصص الأطباء، امرأة في عمر السبعين، ممتلئة الجسم، مستديرة الوجه، بيضاء اللون، هادئة ورزينة عرّفت نفسي، أجابتني، بأنها تنتظرني منذ يومين، شرحت لي عن طبيعة الأقسام العشرين في مختلف تخصصات طب الأطفال، التي سأدرس فيها، بمعدل شهر واحد في كل قسم واقع الأمر، أن التخصص في طب الأطفال، هو تخصص واسع وأصبح الأطباء يتخصصون في فروعه المختلفة، فعلى سبيل المثال، توجد تخصصات في أمراض القلب، وفي أمراض الجهاز الهضمي، وفي أمراض الأعصاب لدى الأطفال وغيرها وكذلك أخبرnتني أيضاً، بأن عليّ الالتحاق بالدورة النظرية في طب الأطفال، والتي كانت قد ابتدأت منذ أسبوعين وستمتد فترة ثلاثة أشهر.
التحقت في الدورة المؤلفة من 50 طبيباً وطبيبة، جاءوا من مختلف جمهوريات الاتحاد السوفياتي، لرفع كفاءاتهم في هذا التخصص ، وبدأت حضور المحاضرات التي تبدأ في التاسعة صباحاً وتنتهي في الواحدة، بعد ذلك كان علي أن أداوم لساعتين يومياً في أول قسم، وهو أمراض القلب لدى الأطفال، تحت إشراف رئيسة أطبائه. عانيت كثيراً من رؤية الأطفال المرضى، كان السؤال الذي ينتابني، ماذا لو مرض ابني بهذا المرض أو ذاك ؟ قلت في نفسي أيامها; إنها البداية، ولا يلبث هذا الشعور أن ينتهي غير أن معاناتي كانت تزداد يوماً بعد يوم، وبعد مضي شهر، كان علي الانتقال إلى قسم اَخر أدركت أن مدة الشهر في القسم الأول كانت غير كافية لاستيعاب كل الحالات، وفي السنتين كان علي أن أداوم في كل الأقسام، والشهر في القسم الواحد، مدة لا تكفيني، فالمعروف أن تخصص الأطفال في بلادنا هو تخصص في كل أمراض الأطفال، بينما في بيلوروسيا أصبح دقيقاً، فمثلاً يوجد اختصاصي أطفال في كل مجالٍ من مجالات الأمراض .
بدأت التفكير في تغيير هذا التخصص إلى العلاج الطبيعي، وهو الحلم الذي كان يراود خيالي بعد تخرجي كطبيب عام .
ذهبت إلى كافيدرا (كلية) العلاج الطبيعي في المعهد، والكائنة في مستشفى يقع في ضواحي مدينة مينسك، قابلت نائبة المسؤول البروفيسور جالينا باجل، أفادتني بإمكانية قبولي لديهم، ولكن ما فاجأني، أنني وعندما سألتها عن حقيقة هذا العلاج، قالت: كثيرون من الأطباء لا يعتقدون فيه، فمن وجهة نظرهم أنه علاج لا يضر ولا ينفع! وسألتها: لماذا إذن تخصصت فيه ونلت أعلى درجة علمية ؟ أجابت: لأنني أعتقد فيه . قابلت اَخرين وأخريات ممن يعملون في القسم، أكدوا لي على أهمية هذا العلاج، مما جعلني أتجاوز بذور الشك عندي بسبب جواب نائبة المسؤول.
كان علي الذهاب إلى إدارة المعهد، لأخذ الموافقة على الانتقال، وهذا ما تم فقد بدأت الدوام في كافيدرا العلاج الطبيعي، وكان علي انتظار دورة كانت ستبدأ بعد شهر، ومدتها خمسة شهور، كنت الطالب الأجنبي الأول الذي يمر بهذا التخصص في المعهد.
اأہههممييةة ممععررففةة ببييللووررووسسيياا إن من عاداتي التي أعتز بها، هي ضرورة معرفة البلد الذي أزوره أو أقيم فيه لفترة، فكيف إذا كانت هذه الفترة ستمتد إلى سنتين ؟ المعرفة تعني: قراءة المعلومات عن هذا البلد في مختلف المجالات، والتي تكون كإطلالة عامة عليه، ومحاولة زيارة أكثر الأماكن أهمية فيه، والاحتكاك أوسع ما يمكن مع مواطنيه، لأنك إذا أردت أن تعرف حقيقة ما يدور في بلد، فاعرف ناسه وناقش معهم ما يدور فيه من أحداث .
البيلوروس بطبعهم طيبون، وقريبون من القلب، يحترمون الغريب ويحاولون مساعدته ما أمكنهم ذلك، وهم لطيفو المعشر، ينتقون الكلمات الطيبة عند محادثتهم، متحضرون، يحبون وطنهم بيلوروسيا إلى درجة العشق . حاولت أن أعرف لماذا جرى إلحاق كلمة البيضاء بوطنهم روسيا، بحثت في المصادر التاريخية، لكنني لم أعثر على جواب، كثيرون من البيلوروسيين المضطلعين أفادوني، بأنه جرى تسمية بلدهم بروسيا البيضاء، لكثرة ما يسقط فيها من ثلوج شتاءً وبعضهم عزى السبب، إلى أنه في فترة الصيف وفي منتصف يوليو تحديداً حينما يكون النهار أطول ما يمكن، والليل أقصر ما يمكن، يتأخر حلول المساء ورغم هبوط الليل، تظل الرؤية ممكنة، وبالفعل فإن هذه الليالي تسمى بالليالي البيضاء، وقد حرصت على مشاهدتها في مدينة مينسك، واضطررت إلى تأجيل سفري في إحدى الإجازات لمراقبتها. تبلغ مساحة بيلوروس 154.80 ميلاً مربعاً (600.207 كم2) تقع في قلب الجزء الشرفي من أوروبا، ويحدها من الشرق- روسيا، ومن الغرب - بولندا، ومن الشمال-ليتوانيا، لاتفيا، ومن الجنوب -أوكرانيا ويبلغ عدد سكانها حتى عام (2005)، 483.300.10 نسمة. متوسط معدل التوالد 8.10 لكل 1000 سنوياً حالات الوفاة، 4.13 لكل 1000 سنوياً. متوسط العمر 7.68 سنة ويسكن كل كم2 ما متوسطه 129 نسمة عاصمتها مدينة مينسك، ويبلغ عدد سكانها 500.769.1 نسمة ومن مدنها الأخرى الكبيرة: غومل ويسكنها حوالي نصف مليون نسمة، موغيليوف 000.375 نسمة، فيتبسك 000.355 نسمة، جردونه 000.314 نسمة، بريست 000.306 نسمة، بوبريسك 000.228 نسمة يشكل البيلوروس ما نسبته 2.81% من السكان، الروس 4.11% من السكان، النسبة الباقية وهي 4.7% تتكون من الأصول البولندية والأوكرانية والجنسيات الأخرى. من حيث الديانة 80% من السكان أرثوذوكس شرقيون، أما ال 20% الباقون، فهم من الطوائف المسيحية الأخرى، إضافة إلى المسلمين واليهود. الغابات تغطي حوالي ثلث مساحة الأرض البيلوروسية، وهذه تعتبر مصدراً هاماً للأخشاب وفيها الكثير من الثروات المعدنية في بيلوروسيا الكثير من البحيرات والأنهار التي تصب في بحر البلطيق والبحر الأسود وأكبر بحيرة فيها هي (ناراش )وتبلغ مساحتها حوالي 80كم 2

 

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept