الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 


الرحلة البيلوروسية في عهدين

الحلقة الثالثة : أهالي بيلوروسيا يعتنقون الأرثوذكسية بقرار من القيصر الروسي

وقرار ستالين يجبر الفلاحين على ذبح 24 مليون بقرة

في الحلقة الماضية بدأنا الحديث عن بيلاروسيا ، وفي هذه الحلقة نستكمل مابدأناه عن ذلك البلد الذي يتميز أهله بالطيبة أما العملة فهي الروبل البيلورسي وكل دولار يساوي حوالي 2100 روبل.
وتشتهر بيلوروسيا بزراعة: الحبوب، البطاطا، الخضار، الشمندر وغيرها كما تشتهر بثروتها الحيوانية الكبيرة وإنتاج الحليب.
ومن صناعاتها المشهورة: السيارات وبخاصة سيارات النقل الكبيرة، التراكتورات، الأجهزة التليفزيونية الثلاجات، الصناعات الكيميائية، الأقمشة، الأجهزة الطبية ومن مصادرها الطبيعية: الغابات، وكميات قليلة من البترول والغاز الطبيعي، الفحم، الغرانيت، الرخام، الأسمدة، الرمال، الصمغ، الحصى.
من تاريخ بيلوروسيا في القرن الخامس الميلادي، كانت بيلوروس محكومة من قبل القبائل السلوفانية، وحكمتها كييف في الفترة ما بين القرنين التاسع والثاني عشر الميلادي.
تذهب أول وثيقة مكتوبة عن الدولة البيلوروسية إلى عام 1098، عندما بدأ الأمير روغفولد حكمه على أراضي بولوتسك، التي تعتبر المركز التاريخي والديني للدولة والحضارة البيلوروسية.
هذه الإمارة الفتية كانت مشهورة بأوضاعها السياسية المستقرة وعلاقاتها التجارية مع المناطق المجاورة، فقد امتدت تجارتها إلى المدن الألمانية والاسكندنافية.
ومن حيث العمارة، فقد تأثرت هذه الإمارة بالعمارة البيزنطية، إضافة إلى طابعها المحلي في العمارة، ولذلك فقد أثّرت بشكل كبير على فن العمارة في المناطق الروسية: وتحديداً في إمارتي: سمولينسك، وفلاديمير سوزدال، ولاحقاً على ولاية موسكو بين القرنين الميلاديين الثالث عشر والسادس عشر، جرى استعمار بيلوروس من قبل لاتفيا. . . وجرى تشكيل دوقية لاتفيا الكبيرة، وهذه كانت من أكبر وأقوى وأكثر الولايات ازدهاراً في أوروبا الشرقية في القرون الوسطى، وشملت أراضي لاتفيا، بيلوروسيا، أوكرانيا وأجزاء من روسيا، وكدليل على تقدم بيلوروسيا في هذه المرحلة، فقد سادت اللغة البيلوروسية أراضي هذه الدوقية.
يعتبر هذا العصر عصراً ذهبياً في التاريخ البيلوروسي، فقد جرى بناء العديد من المدن والقرى في بيلوروسيا، وتقدم الاقتصاد والحضارة بوتائر عالية، وهناك العديد من الحقائق التاريخية، التي تثبت ذلك، ففي عام 1517 قام الباحث البيلوروسي: فرانسيسك سكارينا بنشر الإنجيل باللغة البيلوروسية، وبذلك أصبح البيلوروسيون ثالث شعب بعد الألمان والتشيك يطبعون الانجيل بلغتهم وفي عام 1588 جرى صياغة عدد من القوانين الشاملة التي أُطلق عليها (القانون العام) وهذه تعتبر أول محاولة لصياغة قوانين حياتية في أوروبا منذ القوانين الرومانية حتى القانون النابليوني في عام 1804 فيما بعد وهذا يعني أن دوقية لاتفيا الكبيرة كانت المركز السياسي والثقافي الرئيسي في أوروبا الشرقية في ذلك الوقت.
في عام 1569، جرى اتحاد بين دوقية لاتفيا الكبيرة والمملكة البولندية.
وفي القرن الثامن عشر وفي عام 1772 جرى استعمار أراضي دولة هذا الاتحاد من قبل الامبراطورية الروسية وفي عام 1794 اندلعت ثورة تحرير قومية على أراضي بيلوروسيا، بولندا ولاتفيا بقيادة تاديوس كوشيوزكو، الذي جرح في أحد المعارك مع القوات الروسية وتم أسره من قبل جنود القيصر الروسي، وسجن في حصن بيتروبافلوفسك في العاصمة الروسية اَنذاك: سانت بطرسبورغ .
بدأت الثورة في الربيع وبقيت حتى منتصف خريف العام المشار إليه، ومن أجل قمع هذه الثورة، دخلت النمسا إلى جانب القوات الروسية لقمع من أسمتهم بالمتمردين تعتز بيلوروسيا ببطلها القومي تاديوس كوشيوزكو، الذي تلقى تعليمه العسكري في فرنسا بين الأعوام (1770-1774)، وأيضاً بمشاركة هذا الضابط في حرب الاستقلال الأميركية، ولذلك فإن الولايات المتحدة تعتبره بطلها القومي، ونحتت له تمثالاً على أراضيها.
في عام 1812 وأثناء الحرب الفرنسية -الروسية، كانت بيلوروسيا ميداناً لهذه الحرب سواء أثناء ذهاب الجيش بقيادة نابليون إلى موسكو أو أثناء عودته منها.
في المعارك التي جرت على أراضي بيلوروسيا، انقسم أهلوها حيث حارب جزء منهم إلى جانب القوات الروسية، أما الجزء الاَخر فقد انضم إلى جيش نابليون أملاً في تحرير بلده من الاستعمار الروسي، لكن وبعد هزيمة نابليون في روسيا تم تشديد الحكم الروسي على أراضي بيلوروسيا.
في عام 1839 وبقرار من الحكومة الروسية، تم الإبقاء فقط على ديانة الطائفة الأرثوذكسية، وبذلك جرى اعتناقها من أهالي بيلوروسيا، وبقرار أيضاً من القيصر الروسي اَنذاك جرى حظر استخدام القانون العام لدوقية لاتفيا الكبيرة على أراضي بيلوروسيا، وتم حظر استخدام كلمة بيلوروسيا.
بدءًا من هذه اللحظة، وبالمعنى الفعلي أخذت بيلوروسيا في فقدان استقلالها، فجرى حظر استخدام اللغة البيلوروسية في الدوائر الرسمية، وحلّت اللغة الروسية مكانها، وجرى استملاك معظم الأراضي البيلوروسية مع من يعمل فيها من الفلاحين من قبل الإقطاعيين الروس ، وجرت تصفية المراكز الثقافية والروحية للشعب، واستلم الموظفون الروس المراكز المتقدمة في الإدارات المحلية، أما الكنيسة الأرثوذكسية الروسية فقد قامت باضطهاد التابعين لكل الطوائف الأخرى. . . بالمعنى الفعلي كان يجري (ترويس ) بيلوروسيا وبذلك أصبحت مستعمرة روسية في أوروبا، وفي نهاية القرن التاسع عشر، كانت تعرف بالمنطقة الشمالية الغربية للإمبراطورية الروسية.
شهدت تلك المرحلة قيام حركات ثورية في أراضي بيلوروسيا وإحدى أهم هذه الحركات كانت بقيادة كاستس كالناوسكي، مما أسفر في عام 1905 عن قيام روسيا بإعطاء الشعب البيلوروسي بعض الحقوق مثل : حق نشر الكتب والجرائد باللغة البيلوروسية، ورغم محدودية هذه الحقوق التي أعطاها القيصر الروسي للسكان، إلاّ أنها لعبت دوراً في تأجيج الشعور الوطني والقومي لهم .
وبعد هزيمة روسيا في نهاية الحرب العالمية الأولى، وفي ديسمبر من عام 1917، جرى افتتاح الكونغرس البيلوروسي في مدينة مينسك، والذي شارك فيه 1872 نائباً، كانوا يمثلون مختلف نواحي ومناطق بيلوروسيا .
وبعد ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى، وفي الثالث من مايو عام 1918 جرى عقد معاهدة بريست بين روسيا السوفياتية وبين كل من ألمانيا والنمسا، وبموجب هذه المعاهدة، جرى اقتطاع مساحات كبيرة من بيلوروسيا وضمها إلى ألمانيا.
رد فعل الكونغرس البيلوروسي على هذه المعاهدة كان إعلان استقلال بيلوروسيا في 25 مارس 1918، تحت اسم: جمهورية بيلوروسيا الشعبية، وتم إصدار دستور مؤقت جرى تبنيه، وضnمنn هذا الدستور: حق التصويت والانتخاب للمواطنين، وحرية التعبير للصحافة، والحق في التظاهر والاضراب، وبموجبه جرى تحديد ساعات العمل بثماني ساعات.
وفي الحرب البولندية -السوفياتية بين الأعوام 1918- 1921، وتحديداً في 18 مارس 1921 وطبقاً لمعاهدة السلام التي عقدت في مدينة ريغا بين ممثلي روسيا البلشفية وبولندا، جرى تقسيم بيلوروسيا إلى جزئين: الجزء الجنوبي الغربي والذي يضم مناطق بريست وجرودنه وبياليستوك، تم ضمه إلى بولندا.
أما الجزء الشرقي فقد أعلنت فيه: الجمهورية السوفياتية الاشتراكية البيلوروسية، والتي انضمت إلى الاتحاد السوفياتي بعد تشكيله في 30 من ديسمبر عام1922 وقد تألف هذا الاتحاد في ذلك الحين من روسيا، روسيا البيضاء، أوكرانيا إضافة إلى منطقة القوقاز.
وفي عام 1939، ونتيجة لبروتوكول جرى توقيعه بين حكومتي ألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي، جرى استعادة الأراضي البيلوروسية التي كانت قد انضمت إلى بولندا سابقاً، وأعيدت إلى بيلوروسيا.
وفي الحرب العالمية الثانية، جرى احتلال بيلوروسيا بالكامل من قبل المحتلين النازيين وذلك بين الأعوام 1941-1945. ظلت بيلوروسيا جمهورية أساسية من جمهوريات الاتحاد السوفياتي بين الأعوام من 1922-1990، وكان ينطبق عليها ما ينطبق بالمعنى الفعلي على الجمهوريات التي شكلت هذا الاتحاد.
وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991، اعتمد مجلس السوفييت البيلوروسي إعلان استقلال بيلوروسيا في 25 أغسطس من عام 1991 تحت اسم: جمهورية بيلوروسيا أو بيلوروس ، وعاصمتها مدينة مينسك.
وفي 5 ديسمبر من عام 1991، صادق مجلس السوفييت البيلوروسي على انضمام بيلوروس إلى مجموعة الكومونولث التي تشكلت من روسيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا في ذلك الحين إلا أن ذلك لم يؤثر على وجود دولة بيلوروس كجمهورية مستقلة استقلالاً تاماً، فالكومونولث عملياً ليس أكثر من صيغة للتنسيق السياسي والاقتصادي بين دوله وبعد مرور سنوات على إنشائه، بات هيكلاً سياسياً خارجياً، من دون مضمون فعلي.
ابتدأ كورس العلاج الطبيعي الذي كان سيمتد فترة خمسة شهور كنا حوالي خمسة أطباء وخمس وثلاثون طبيبة، جاءوا من مختلف أنحاء الاتحاد السوفياتي، من كل جمهورياته، من فلاديفاستوك وريغا وفيلنوس إلى موسكو وكالينين، كنت ترى الملامح الأوزبكية والملامح الأوروبية والأخرى القفقاسية، كان الكورس مثالاً للتنوع العرقي، الكل سيدرسون تخصص العلاج الطبيعي.
انتظمنا في الدراسة، الدوام كان يبدأ من التاسعة صباحاً وحتى الساعة الثالثة بعد الظهر. كانت الأربع ساعات الأولى نقضيها في المحاضرات، والساعتان الأخيرتان في التعرف على أنواع العلاج الطبيعي، أقسامه وأجهزته، وكذلك، في كيفية علاج المرضى.
ونظراً لبعد المسافة ما بين السكن ومكان الدراسة في المستشفى الرئيسي لمدينة مينسك، والذي يقع خارج حدود المدينة، كان المعهد يسيّر حافلات نقل في الصباح وعند انتهاء الدوام.
ونظراً لهذا التنوع العرقي في الكورس ، كان من السهل عقد صداقات مع كلا الجنسين في غالبية أيام السبت كانت كل مجموعة من الأصدقاء تتجمع في غرفة واحدة منهم، أو تنظّم سهرة في أحد مطاعم المدينة.
في تلك الفترة، وهي بداية الدراسة، جاءتني برقية من دمشق تزف إليّ ميلاد ابننا بشار في 25/12/1985 والذي يصادف عيد الميلاد الجديد، امتلأت بالفرح. . . فالاَن سيكون لبدر أخ، وهما سيلعبان معاً، فأجمل ما في الأطفال أن يكونا اثنين على الأقل، فهما والحالة هذه يتسليان معاً . جاءت نهاية العام، وكان لابد من الاحتفال برأس السنة الجديدة، الذي يعني موعده كثيراً للبيلوروس كما للناس في الغرب، ومؤخراً في كل أنحاء العالم، ومن عادة البيلوروس التشاؤم إذا حل موعد رأس السنة ولم يسقط الثلج، في ذلك العام 1985 تأخر سقوط الثلج، لكن في 30/12 وفي الأيام التالية استمر سقوط الثلج وبكثافة نادرة، مما جعلهم يغرقون في التفاؤل بمناسبة العام الجديد .
عادة قديمة أحبها. . وهي المشي مساءً أثناء سقوط الثلج، أشعر بالراحة، وكأن الثلج علاج لإراحة أعصابي، يسكنني الهدوء، كنت غالباً أمشي تحت الثلج في فترة دراستي الأولى في موسكو.
ما أجمل أن ترى الأرض وهي تكتسي بالحلة البيضاء، وما أجمل الأشجار وهي تتلقى البلورات الناصعة البياض . . . وما أزهى منظر الثلج وهو يتواصل في زخات متتالية، متساقطاً على البالطوات والطواقي السوداء التي يلبسها الناس ، لكن من يلبس نظارات، يعاني من مشكلة حقيقية إذا ما اضطر للمشي تحت الثلج.
نسيت القول : إن جمال المشي تحت الثلج يرتبط بعدم وجود الرياح، وهذه إذا ما هبّت أثناء سقوطه، يتحول البرد إلى بردٍ قارص جداً، حيث يلفح الهواء وجهك وأذنيك وكل أجزاء وجهك، ويصعب والحالة هذه حتى الكلام.
في بلادنا إذا ما تساقط الثلج بشكل نادر، تتعطل الحياة وينحشر الناس في بيوتهم، وتتعطّل المدارس والجامعات وكل الأعمال الأخرى. . . فبلادنا ليست مهيأة للتعامل مع الثلوج، أما الدول التي يبقى فيها الثلج لمدة خمسة إلى ستة شهور من كل عام، تظل الحياة فيها كما هي، فسيارات تنظيف الشوارع من الثلج، تسير فيها أثناء سقوطه، كذلك هي السيارات المختصة برش الملح والتراب على الأرصفة تجنباً لتزحلق الناس .
كنت أراقب من شباك غرفتي الواسع تساقط الثلج على الأشجار الباسقة، المزروعة في حديقةٍ لمستشفى قريب من السكن .
شبابيك الأبنية في بيلوروسيا، وكما هي في روسيا، تتألف من طبقتين من الزجاج، وقبيل الشتاء يبدأ الناس في حشو الحواف بين هذه الشبابيك بالقطن، ثم تغطى بأوراق عليها مادة صمغية (أو حتى لبن) وكل ذلك في محاولة اتقاء تسرب البرد القارص إلى الغرف،. . . ويبقى للتهوية جزء صغير من الشباك يسمى (فورتوشكا) يجري فتحه في كل يوم لساعات محدودة، ولهذا يكره البيلوروس التدخين في الغرف، وحتى لضيوفهم لا يسمحون بذلك فمن يريد التدخين، فليذهب إلى المطبخ، والذي غالباً ما يفتح على بلكون خارجي ويجري إقفال باب المطبخ المؤدي إلى الشقة رغم كرهي لهذه العادة. . . أي أنني وكما - غالبيتنا - لم اعتدها، لكنني أحترمها، فإلى جانب مضار التدخين السلبي على الناس وبخاصة الأطفال، فإن بعض الناس لا يطيقون رائحة التدخين التي تظل معبقة في الغرفة وبخاصة في الشتاء إذا ما جرى التدخين فيها .
في موسكو، وفي أثناء فترة دراستي الأولى، سمعت مثلاً من الروس وفحواه: إذا ما رأيت في سكن الطلبة بعد الساعة الثانية ليلاً غرفاً مضاءة. . . فهذه حتماً ستكون لأفارقة يرقصون أو لعرب يتحدثون في السياسة أو لهنود يطبخون عادة التدخين في غرف النوم، هي عادة سيئة، لكننا نمارسها، ومن الصعب أن يبقى أكسجين للتنفس ، إذا ما اجتمع بعض الطلبة العرب في غرفة واحدة، وبخاصة حينما يبدأ النقاش السياسي ثم اننا نراها من العيب، أن تطلب من ضيفك عدم التدخين في غرفتك أو في شقتك. اقترح صديقان: فلسطيني واَخر لبناني للاحتفال برأس السنة، أن نذهب إلى بيت أحد معارفهما من الروس ، فهو متزوج وافقت على الاقتراح، لأن ذلك أقرب ما سيكون إلى الأجواء العائلية التي افتقدتها وكان غورباتشوف يتكلم في التليفزيون السوفياتي فمن عادة الأمناء العامين للحزب الشيوعي السوفياتي، أن يتحدثوا إلى المواطنين كلمة، يهنئونهم فيها بالعام الجديد ويتمنون لهم المزيد من النجاحات، وتمتد هذه الكلمة فترة خمس دقائق، من الحادية عشرة وخمس وخمسين دقيقة وحتى الثانية عشرة .
بعدها نام صديقاي، ونامتا صديقتاهما، بقيت مع الشاب الروسي وزوجته حتى الثانية صباحاً، كنا نسمع الناس وهم يتجمهرون في ساحة قريبة من البيت، يغنون ويرقصون ابتهاجاً بالعام الجديد، وهي عادة قديمة، إذ يخرج الروس بعد منتصف الليل إلى الساحات القريبة من بيوتهم، ينظمون حلقات رقص ، ومعرفة الاَخر ليست ضرورية من أجل الرقص معه، ويبقون على هذه الحالة حتى الفجر .
خرجت من البيت، وقررت الذهاب إلى السكن ماشياً، فكان الجو رائعاً والمسافة تستغرق حوالي ساعة، وهذه المسافة أنا قادر على مشيها. . . وكانت المسألة الأهم بالنسبة لي: أن أرقب الفرح في عيون الناس ، فبغض النظر عن كل مشاكلهم ومعاناتهم، لكنهم قادرون على الانطلاق ، والفرح من صميم قلوبهم ، تراهم يفرحون فرحاً حقيقياً. . . أما نحن ففي أوج الفرح. . . فإن خيوطاً من الحزن تشدنا إليها . . . لعلها الطبيعة. . . لعلها الظروف. . أو لعلها المعاناة التي مرّت بشعبنا الفلسطيني وابتدأت منذ قرن زمني تقريباً كانت هذه الهواجس وغيرها تطارد عقلي وذاكرتي أثناء مشيي، تقطعها أصوات الروس الفرحة، وكان أغلبهم يدعونني لمشاركتهم هذا الفرح . . . لكنني كنت أعتذر. . . فقد وصلت حدودي في الشرب. . . ووصلت السكن. . . . كانت المناوبة المسؤولة عن التدقيق في هويات الداخلين، وهي امرأة في خريف العمر. . . ما تزال مستيقظة. . . سألتها مازحاً: هل الأمن مستتب؟ أجابتني بنعم، ففي الغالب وفي مثل هذه المناسبات غالباً ما تحدث مشاكل بسبب شرب الكحول.
في الأيام التالية. . . سكنني هاجس القيام بزيارة إلى دمشق لأرى ابننا الجديد، كما أنني اشتقت كثيراً إلى بدر وليلى، كان قراري سريعاً، وتنفيذه أسرع، كان الأمر يحتاج إلى موافقة البروفيسور أو (الشّيف) المسؤول عن دراستي، شرحت له الأمر، وافق، بعد ذلك أخذت موافقة المعهد، وهو بدوره يستخرج فيزا الذهاب والعودة وهي بحاجة إلى يومين، وهناك رحلات مباشرة من موسكو إلى دمشق.
لم أخبر ليلى بقدومي، من أجل استخراج إذن خاص كان يمنع الدخول من دونه لكنني قررت السفر نزلت من الطائرة في مطار دمشق، وحانت ساعة المواجهة، كنت أحمل جواز سفر يمني جنوبي، شرطي الأمن المكلف بختم الجوازات ختم جوازي من دون تردد، بقيت مشكلة المدقق في ختم الجواز، وهو الذي يسمح بالدخول أو عدمه، وهو غالباً ما يكون تابعاً لأحد الأجهزة الأمنية المسؤولة ناولته جوازي، وتطلع فيّ سائلاً عن الإذن ورقمه ؟ تساءلت وبنبرة عالية: عن ماذا تسأل. . . أي إذن؟
فوجئ بجوابي وحدّة صوتي، وقال: ماذا تعمل ؟ قلت: أنا طبيب وكما هو مسجل في الجواز، وجئت لشراء بعض الأجهزة الطبية لعيادتي في عدن .
تساءnل: هل فعلاً أنت يمني؟ قلت: نعم ولماذا تشك في ذلك ؟ رأيت علامات الحيرة وهي ترتسم على وجهه، ناولني الجواز وتركته في حالة كمن يصدق أو لا يصدق .
ذهبت إلى البيت، فوجئت ليلى وأنا أطرق الباب، منذ اللحظة الأولى وأنا أرى ابني المولود بشار، أدركت أن الأب يحب كل أبنائه وبدرجة واحدة. . . فقد كنت أتصور سابقاً: أن من الصعب عليّ أن أحب ابناً اَخر أو بنتاً أخرى مثل بدر، ابني الأول.
أخبرت ليلى عما حصل معي في المطار. . . ضحكت كثيراً . . . بقيت أسبوعاً في سوريا ومن ثم عدت إلى مينسك، واتفقت مع ليلى أن تأتي هي والولدان في صيف عام 1986 إلى بيلوروسيا القطاع العام في بيلوروسيا شأن كل جمهوريات الاتحاد السوفياتي الأخرى هو الأساس ، فكل شيء ملك للدولة، والكل موظفون لديها بدءًا من الأمين العام للحزب الشيوعي البيلوروسي ومروراً برئيس الوزراء والوزراء وانتهاءً بالإسكافي، الذي يعمل على تصليح الأحذية (وأحياناً) في كشك صغير وليس في محلات خاصة فقط الملكية الخاصة منعدمة تماماً في المدن والقرى والريف، حيث الكولخوزات (المزارع الجماعية) للإنتاج الزراعي وتربية المواشي (الأبقار والأغنام والخنازير) لإنتاج الحليب، وكافة المنتجات الحليبية الأخرى، فهذه مُلكُ للدولة هي الأخرى والعاملون فيها موظفون.
ولعل هذه المسألة تعتبر إحدى أهم مشكلات الاشتراكية على المدى التاريخي، فالنظام الشيوعي لم يراع الحاجات والضرورات الإنسانية مثل: أهمية امتلاك محل صغير أو قطعة أرض على سبيل المثال من قبل الفرد، فلا شيء خاص ، وكل شيء ملك للدولة .
في بداية انتصار الثورة الشيوعية في عام 1917، لم تكن الكولخوزات موجودة، بل كان الفلاحون يبيعون الدولة اللحوم والحليب والمنتجات الزراعية الأخرى، وكانت تلك المرحلة تتميز بفائض إنتاج كبير على صعيد كل هذه المنتجات، ولكن بعد العام 1924عندما استلم ستالين السلطة بعد وفاة لينين، تقرر إنشاء الكولخوزات. . . أي أن يسلّم الفلاحون ما لديهم من مواش وأراض للكولخوز مقابل رواتب شهرية. . . رد الفعل، أن الفلاحين بدأوا بذبح مواشيهم (ويقال: إنه في عام 1925 تم ذبح 24 مليون رأس بقر) وإتلاف منتوج أراضيهم، وغالبيتهم لم تسلم شيئاً للدولة. . . مما كان سبباً في انتشار المجاعة في تلك السنوات، رغم أن الاتحاد السوفياتي كان يملك مساحات جغرافية زراعية هائلة، وفي مختلف التضاريس (الأجواء) اللازمة لإنتاج كل شيء تقريباً .
للأسف لم يشكل ذلك درساً لقيادة الدولة والحزب، والتي أصرّت على إنشاء الكولخوزات (المزارع الجماعية) بالرغم من كل تفاصيل الصورة السابقة.
فصل الشتاء في بيلوروسيا يمتد ستة أشهر تقريباً (من بداية نوفمبر حتى نهاية أبريل)، وتصل درجة الحرارة أحياناً إلى 20 وإلى 25 تحت الصفر تبدأ الثلوج في الذوبان في أوائل أبريل، ولذلك فإن البطاطا واللحوم أو تحديداً لحم الخنزير بشكل رئيسي، ولحم الأبقار وبشكل أقل لحم الأغنام هي المواد الرئيسية للأكل شتاءً، إضافة إلى الملفوف، الذي يستعمل من أجل الشوربات والأسماك، والثروة السمكية في بيلوروسيا كبيرة، فعدا عن أسماك الأنهار تجري تربيتها في أحواض مائية خاصة.
ابتداءً من شهر مايو تبدأ درجة الحرارة في الارتفاع، ويتنفس الناس الصعداء، فهم يبدأون برؤية الشمس في هذه الأثناء، ولكن يحجبها في كثير من أوقات اليوم الغيوم وتساقط المطر، وفي الصيف وبرغم المطر المستمر فإن الجو يكون دافئاً بشكل نسبي، تتراوح درجة الحرارة في هذا الفصل بين 12-15-20 درجة مئوية، وهذا يعني ضرورة ارتداء (الجاكيت) أو (السترة الخفيفة) أو (المعطف) الخفيف الواقي من المطر، إضافة إلى أهمية حمل (المظلّة).
الاستثناء الوحيد من القطاع العام في الاتحاد السوفياتي هو الرينوك (السوق الشعبي)، وهو موجود في كل المدن السوفياتية ويزدهر في الصيف، وهو عبارة عن بناء كبير يحتل مساحة شاسعة له إدارة مركزية تقوم بتأجير مساحاته، ويمكن استئجار بضعة أمتار مربعة فيه لعرض البضائع .
يقوم البائعون باستئجار مساحات فيه، وقد يأتي هؤلاء من جمهوريات سوفياتية أخرى وبخاصة من أوزبكستان وكازاخستان وجورجيا والقفقاس وغيرها، يجلبون بضائع متنوعة (من البالطوات إلى جميع أنواع الخضار) ويبيعونها في السوق.
كنا نشتري لحم الخروف والعجل والخضار: بقدونس ، نعنع، كزبرة، فجل، بصل أخضر، وكوسا، باذنجان، زهرة، ورق عنب وكل ما يخطر على البال من الخضار والفواكه الشرقية، إضافة إلى ذلك فمن الممكن شراء الكافيار الأسود والأحمر وسمك السلمون الأحمر والأبيض وكافة أنواع المرتديلا، والمقبلات الكثيرة بما فيها الثوم المخلل من هذا السوق .
الرينوك في العادة، هو متنفس الطلبة الأجانب وبخاصة العرب الذين يدرسون في مينسك، فمن خلاله يمكن التواصل مع الأكلات المحلية العربية في العادة فإن أسعار البضائع في الرينوك غالية خمس - ست أضعاف مثيلاتها في المحلات التابعة للدولة إن وجدت، ولكن بضائع هذا السوق طازجة، ومعظمها لا يتوفر في المحلات والأسواق العادية.
الخبز بأنواعه الأبيض والأسود (يوجد حوالي 40 نوعاً من الخبز) يتوفر باستمرار وبشكل طازج يومياً، وهو رخيص الثمن، حتى أن كثيرين من البيلوروس يبللونه في الماء ويطعمونه للخنازير من أجل تسمينها . الجبنة كذلك تتوفر بأسعار رخيصة وبأنواع كثيرة (وهناك ما يقرب من 60 نوعاً من الجبنة البيضاء والصفراء) متوفرة في الأسواق، وكذلك الحليب وكافة المنتجات اللبنية، والأرز والبيض ، والمرتديلا والزيوت (باستثناء زيت الزيتون) فكل المواد الغذائية الرئيسية رخيصة الأسعار تماماً .
ونظراً لدوامي الطويل في الدراسة وكذلك الحاجة إلى ساعة من المواصلات للعودة إلى السكن، كان من الصعب عليّ تحضير الغذاء (مع أنه الأفضل)، كنت أتناول طعام الغداء في مطعم للعاملين (ستالوفيا) بالقرب من سكني وهي مخصصة للعمّال بشكل رئيسي، أو في أخرى، مشابهة تقع في مبنى المعهد للطلبة والعاملين فيه، فهي تعمل على مبدأ (اخدم نفسك بنفسك) ورخيصة الأسعار (تكلف حوالي دولار بالسعر الرسمي) وتتألف من صحن الشوربة وغالباً ما تكون شوربة ملفوف أو سمك (وبالمناسبة هذه من أطيب الشوربات) وأحياناً قليلة شوربة عدس مع الصحن الثاني وهي عبارة عن قطعة لحم مع البطاطا، يقدم بأشكال مختلفة إضافة إلى المشروب وغالباً ما يكون مياها معدنية، أو مياه فواكه.
الكثير من المقاهي تقدم أيضاً وجبات الغذاء، لكن يلزم للغداء فيها كثير من الوقت.
الطلبة نادراً ما يتناولون وجبة الإفطار (على عكس البيلوروس ) أما بالنسبة إلى وجبة العشاء فغالباً ما يعملون على تحضيرها في السكن .
المحلات التي تبيع مختلف أنواع السلع في مينسك متوفرة وكثيرة، وفي كثير من الأحيان يتم استيراد بعض البضائع الأجنبية ومنها العربية وبخاصة من سوريا ومصر، فكثير من ديون الاتحاد السوفياتي على هذين البلدين يتم تسديدها على شكل بضائع تباع في الأسواق السوفياتية ومنها بيلوروسيا.
عند وجود بضائع أجنبية في بعض محلات مدينة مينسك يتردد عليها ناس كثيرون ينتظمون في صفٍ طويل، قد يستغرق بضع ساعات من أجل الشراء، وهناك نكتة تتردد بين أوساط الناس وهي: عندما يرى المواطن البيلوروسي (شأنه شأن كل الجمهوريات الأخرى) صفاً طويلاً من الناس ، ينتظم في الدور دون معرفة من أجل ماذا ينتظمون في الطابور!
الطابور الطويل في الأغلب يكون على الملابس النسائية المستوردة أو الماكياج أو الأحذية الايطالية والعطور وبخاصة الفرنسية، وعلى السجائر الأجنبية وغيرها.
إحدى أهم المسائل التي تتميز بها بيلوروسيا وهي صناعة الأقمشة، وفن تفصيلها وتتضمن الألبسة النسائية والرجالية وملابس الأطفال ولذلك يحرص من يأتي إلى مينسك من روسيا ومن الجمهوريات الأخرى على شراء ملابس بيلوروسية وأحذية، فدباغة الجلود أيضاً مشهورة في بيلوروسيا . دوام غالبية أماكن البيع إبان الحقبة السوفياتية، يبدأ من الساعة التاسعة صباحاً وحتى السابعة مساءً مع استراحة بين الواحدة والثانية ظهراً . ولأن العاملين في هذه المحلات هم أولاً وأساساً موظفون لدى الدولة، وهم يقبضون رواتبهم في اَخر الشهر سواء أباع المحل أم لم يبع. . . لذلك فإن هذه المسألة تؤثر على كيفية خدمة الزبائن وطريقتها، ففي كثير من الأحيان يخاطب العاملون في هذه المحلات زبائنهم بطريقة فجّة مما يعمل على تنفيرهم، لكنهم مضطرون للشراء .
بعض الزبائن يوصون مسبقاً بعض العاملين في هذه المحلات من أجل إبقاء أنواع محددة من البضائع الأجنبية لهم، والتي قد يتم عرضها مستقبلاً في المحل- فالدعاية للسلعة تسبق عرضها- وذلك مقابل سعر أعلى ، فالزيادة عن السعر المعروض تذهب لجيب العامل أو العاملة، الذي أو التي يبيع السلعة للزبون من وراء الستار.
قد يتساءل البعض عن دور الرقابة على هذا الموضوع، ولكن على الأغلب تتم صفقة بين المدير أو المسؤول وبين العاملين، يتم فيها اقتسام المبالغ المحصلة

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept