الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 







مبتدأ

الدهشة ذاتها تسكنك عندما تشاهد أو تسمع أو تقرأ إبداعا عظيما لأحد عباقرة الفن والإبداع، ذاتها الدهشة التي تتسلل إلى قلبك عندما تنصت إلى أحاديثهم وهم يعرضون رؤاهم في الإبداع في الحياة والعالم. إن أحاديث المبدعين وحواراتهم ليس أقل بهاء وعمقا من نتاجهم الجمالي، فكلها صادرة عن ذات المشكاة المضيئة بالحب والخير والنقاء.
يتضمن عدد (أشرعة) لهذا الأسبوع حوارين لمبدعين مختلفين. الحوار الأول للنحات سالم المرهون، الذي يشاطرنا الشعور بأن ثمة شيئا مفقودا في المنحوتة يحول بينها وبين الوصول إلى الجمهور، كما يرى المرهون أن الفنان الذي يعتمد على الجمعية العمانية للفنون التشكيلية بشكل رئيسي هو كالطفل الذي لا يريد الفطام، داعيا النحات إلى المغامرة والاعتماد على الذات، فيما يستغرب المرهون من حال بعض الفنانين والأدباء الذين يتذمرون من المجتمع دائما، خلافا للآخرين، كما يؤكد المرهون أن النحت شيء جليل فيه نوع من البدائية الإنسانية يضيع إذا أدخلنا عليه الأوهام التي نسميها حضارة.
أما حوارنا الآخر فهو مع التشكيلية الروسية أنا دودشينكو التي تعتبر الفن وسيلتها لرؤية العالم والتعرف على الجمال، في حين تحارب التكرار والتقليد وتعتبر النمطية أداة فارغة للتعبير عن النفس، كما تضع دودشينكو إصبعها على جانب من احتياجات التشكيل في السلطنة، حيث ترى أن المشهد الفني العماني بحاجة إلى المعارض ومراكز الفنون لينافس دوليا.
الأديب عبدالله حبيب يكتب هذا العدد "في المِحْـ(خ)راب"، إذ أنه من محراب الروح ينطلق ليلامس كل خراب العالم، عبر تجلياته الصوفية، حيث نقرأ منذ أولى عتبات الموضوع هذا الهذيان المتبتل الشاطح:
(لا تبدأ بالمبتدأ، ولا تنتهِ بالخبر.
ابدأ بذاك الذي ما ابتدأ، ولا تنتهِ لأن ذاك لا ينتهي.
لأنك المُنْتًهى، ولأنك المَنْهِيُّ عنه).
صالح العامري من جهته يعيد كشف تلصصاته على دفتر ذلك النائم على كرسي في الحديقة. أما آمنة الربيع فتخرج من جبة الثائرة هذه المرة لتتحدث عن "سيما وأختها مقزح" على نحو لا يخلو من الطرافة والمشاكسة.
إلى جانب ذلك هناك الكثير من الدهشة والجمال والإبداع عبر صفحات أشرعة...


المحرر

أعلى







علاج لكل شيء..!

يدلف للداخل ..
فتيات جميلات يستقبلن بعض القادمين بابتسامة وبعضهم لا يمنحهم المزاج اهتماما.
على حائط صالة الانتظار شهادات ورسائل من مختلف الدول يدقق فيها مليا ويقارن بين بعضها، يتبين بالتمحيص بأنها كتبت بيد واحدة وأسلوب واحد في سرد الإشادة.
يرمق من خلال فتحة الباب نصف الموارى بأن كل الأدوية المصروفة ذات نوع واحد لمختلف الأمراض وأن الشيء الذي جُعل مختلفا هو أسعار بيعها.
فالسعر المحدد حسب نوع المرض أو رهنٌ لمزاج مدير أعمال المعالج الذي بدا بأنفاسه الشامية وكأنه استيقظ من نومه قبل قليل وحضر بعد أن أخذ دشا باردا ليشعره بمزيد من الصحو.
كل واحدة من فتيات الاستقبال الفاتنات تكرر منح نفسها لقب الدكتورة للمتصلين عبر الهاتف (معك الدكتورة زغلولة، معك الدكتورة غزالة).
يسعى الكثيرون لمقابلة رئيسهم الذي هزم كل أولئك العاكفين في مختبراتهم لسنوات طويلة متفانين في ابتكار أمل الشفاء من الأمراض المستعصية، لكنه استطاع أن يكتشف علاجات لكل ألم ومرض في ليلة كان يتأمل فيها قمر الثراء ويحسب بمسبحته قدر الجزاء الذي سينهال.
تحاول مقابلته فيأتي الرد بأنه في سفر دائم لا ينتهي للبحث عن أعشاب العلاج التي يمنح بها ملايين البشر سر الشفاء المبارك والمضمون،
لا يرتجي من ذلك أجرا ماديا!.
فالذي يدفع للتكلفة فقط، ولا يزيد شيئا قط !!. متناسين أو مستهبلين بواقع الثراء المستعرض على هيئة مظاهر مجبية من جيوب الفقراء
(وعلى عينك يا من أتيت أو لم تأتِ).

يلتقط كتيبا ترويجيا من فوق إحدى المناضد، به صورة لرئيسهم التقي الورع يصلي بالناس صلاة العيد وصورة أخرى له أحدث من الأولى يحتضن فيها الفنان الشعبي أحمد عدوية.
يمنحونك توصيات على ورقة مطبوعة توزع على الجميع تقرأها ويقرأها آخرون ليتجلى لديك ولدى غيرك واقع استحالة التنفيذ أو يكاد.
تعذر من يأتي للمرة الأولى، بيد أن من يعاود التردد للمرة الثانية يبعث عندك شعورا بسيطرة النواقص من عوامل الإدراك لديه.
الثراء المستعرض فتح شهية آخرين فتوافدوا من خارج الحدود مستعرضين إعلاناتهم عن الاكتشافات الثورية التي يبشرون فيها بأنهم سينقلون المرض إلى ذاكرة التاريخ بلا رجعة.
وبالطبع لن يأتي أحد للمرة الثالثة أو الرابعة على أكثر تقدير لأنه سيكون في عداد من واراهم الثرى أو أن التسمم الكبدي أو الفشل الكلوي بفعل عدم قياس نسبة السمية في المواد التي أكلها على أنها أدوية عشبية. ليكتشف متأخرا الكارثة الأكبر التي تحققت ببركة الدجالين وزبانيتهم وبعد فوات الأوان.


خليفة بن سلطان العبري


أعلى





هناك شيء ما مفقود في المنحوتة يمنعها من الوصول إلى الجمهور
النحات سالم المرهون: الفنان الذي يعتمد على الجمعية العمانية للفنون التشكيلية بشكل رئيسي هو كالطفل الذي لا يريد الفطام

لماذا الفنانون والأدباء هم المتذمرون من المجتمع دائما, وأصحاب المهن الأخرى في وضع مختلف؟!!
النحت شيء جليل فيه نوع من البدائية الإنسانية يضيع إذا أدخلنا عليه الأوهام التي نسميها حضارة

حاوره ـ سالم الرحبي:
سالم المرهون.. نحات من طراز مختلف، له رؤاه الخاصة التي يستطيع ان يستحوذ من خلالها على إعجاب لجان التحكيم في أي مسابقة يدخل اليها، ليقتنص الجوائز بكل اقتدار.. فضاءاته النحتية مميزة ومختلفة، وهو رغم عمله في مجالا الاتصالات، وما يعتريها الآن من تطور متسارع، يتشبث بالنحت وأدواته البدائية، مستعيناً بالخبرة التي أخذها عن والده وطوّرها، ليصب فيها أفكاره.
فضّل الحجر على مختلف الخامات ناشداً "الخلود" على حد قوله، باحثاً فيه عن شيء يخلد به عصارة ذهنه للأجيال.. في الوقفة القادمة نحاور سالم المرهون ونقف على العديد من النقاط المختلفة، التي تمس جانبه الابداعي من جهة، وتمس الساحة التشكيلية العمانية بشكل عام من جهة اخرى:
* لماذا لا نجد للنحت ذلك الإقبال الكبير في ساحتنا المحلية، مقارنة بمجالات التشكيل الأخرى؟
** لأن هناك شيئا ما مفقود في المنحوتة يمنعها من الوصول إلى الجمهور, وذلك لضعف وخلل فيها ويجب إصلاحه من طرف الفنان وعليه صياغة منحوتته وإعادة ترجمة أفكاره بطريقة مختلفة ولن نقول بطريقة أفضل فذلك موضوع آخر.
ومن ناحية أخرى لم تجد الأعمال النحتية أرضية لدى الجمهور في بعض الدول وذلك لأن هذه الدول ليس لها إرث تاريخي في النحت ولم ينتقل النحت للحاضر فيها عبر أجيالها, فلم يتولد ذلك الاهتمام الحقيقي في هذا النوع من الفنون، فالمنحوتات لم تتزحزح من أماكنها فظلت في محط اهتمام من حواليها من البشر ولم تستطيع الوصول للغير إلا إن كان سائحا أو باحثا في التاريخ أو مهتما في الفنون بشكل عام , وحتى لو نقلت صورا لها عبر وسائل الإعلام أو عبر مناهج دراسية أو منشورات سياحية فستنتقل ثنائية الأبعاد, وركيزة الأعمال النحتية هو البعد الثالث, فالصورة ستضيّع الحجم والوزن أيضا، يعني مشاهدة المنحوتة في صورة هو كمشاهدة لوحة زيتية بالأبيض والأسود، الصورة لا تنقل المشاعر إنما تذكرنا بها.
إن جمهور الساحة المحلية هم أبناء مزارعين ومهنيين وصيادين وتجار ولم يعرفوا نحت بابل أو اهرامات الفراعنة ولم يتعاطوا معها، والذين ذهبوا للسياحة تجد عندهم صورا تذكارية لكن هل بينها صور لأعمال نحتية؟. فمن أين سينشأ ذلك الارتباط بالنحت.
* إذاً لماذا اخترت أنت النحت بالذات؟
** هو ليس خيار بقدر ما هو قدر ومشيئة.. أراد الله سبحانه وتعالى، بأن أتقابل مع أحد النحاتين السعوديين في معرض استضافته الجمعية فيه، وهو الأستاذ علي الطخيس ومعه زميل له رسام اسمه إبراهيم النغيثر, وكان للأستاذ علي الفضل بعد الله في رفع مستوى الاهتمام بالمنحوتة في نفسي، وعلى مدار أسبوع ونحن ليس لنا حديث سوى النحت, وكانت عندي خبرة لا بأس بها ورثتها عن والدي في استخدام الأدوات أدى ذلك إلى شوق لامتلاك العدة اليدوية والكهربائية والتدريب عليها, وهذا شيء أرى انه لا يمكن اكتسابه إلا عن طريق التلمذة لسنوات طويلة حتى تصقل اليد وترفع كفاءتها وخبرتها, فالمعرفة وحدها لا تكفي. ونضرب مثال على ذلك فالجميع يقرأ ويكتب ويستخدم اليد اليمنى في الكتابة, فلو أردنا أن نكتب باليد اليسرى سيستصعب الأمر ويستحيل، بالرغم من أن معرفة الكتابة حاصلة, وذلك لأن التدريب غير موجود.
وهناك سبب آخر جعلني أهتم بالحجر وهو الخلود, فبعد قراءات مختلفة وصلت لحقيقة بأن الجميع يسعى للخلود في الدنيا إن استطاع فإن لم يستطع فتخليد الذكر, فصارت محبة الدنيا في كل الأزمنة هي المحرك والدافع وصار السعي الحثيث لامتلاكها يدفع الناس إلى التنافس بزيادة كسب الوسائل التي تجعله يتفوق ليستمتع بالحياة. ويبقى الإنسان هو نفسه الإنسان أن كان فقيرا أو غنيا يطمع بالمزيد غير المال والسلطة فهو يفكر في شيء آخر وهو الأبدية, وهذا الفكر قد أخرج الكثير عن الحق عندما كانت التوجهات على غير هدى أو منهج حقيقي. وأنا أخذت الطريق الأقصر.
* بحكم وظيفتك فإنك قريب من التطور التقني في مجال الاتصال.. وتطور أدوات الاعلام والاتصال أثر الى حد كبير في حقل التشكيل وبات رافدا أساسيا في ترجمة أفكار الفنان بعد ظهور "الفيديو آرت" وغيرها من المجالات الفنية.. ألن يزحزح هذا من مكانة النحت بين باقي مجالات التشكيل الاخرى؟
** صاحب المهنة لن ينتقل ويترك مهنته إلى أخرى، فهو لا يملك ذلك لأنه مملوك لها, وهو معها في حالة توق, إن الفنان والشاعر والصحفي والطبيب والنجار وغيرهم عندما يعملون بإخلاص فإنهم يكونون في حالة أصيلة ذات محتوى غريب من الإلهام والاندماج بين الروح والجسد تصنع نية خالصة وصدق يأخذه إلى خارج الوقت والمكان إنها نشوة يمكن أن نصفها بالحرية. فالمبدع بعد انعتاق تلك المشاعر يدمنها في نفسه ولن يتحول إلى شيء آخر, وان لم تفعل الأيام في أنفسنا أي تغيير سنبقى على ذلك.
هذا بالنسبة للفنان أما على المستوى العام والمجالات الفنية فإن النحت سيختفي وسينعدم في رأيي ولن يبقى من النحاتين غير أعمالهم إن وجدت, إن الإنسان يركن بطبعه إلى الأسهل وتحول الناس إلى الحياة المدنية أدخلهم في أقفاص إسمنتية مكبلين بالتكنولوجيا الضارة يستلهمون الأفكار من صناديق تبث الضوء الذي يخطف الأرواح, ويعدم الإبداع.
إن النحت يحتاج إلى مساحات مفتوحة وليس لشقق وبيوت مقفلة, يحتاج إلى الحياة في الطبيعة ليمكن اكتسابه يحتاج إلى حب مواد الأرض ليمكن استلهامه. النحت شيء جليل فيه نوع من البدائية الإنسانية يضيع إذا أدخلنا عليه الأوهام التي نسميها حضارة.
قال مايكل ليريس وهو سريالي معروف: "لقد سيطر عليّ شعور غامض بالأمل في أن المعجزة الشعرية ستغير كل شيء, وإنني سأحيا في عالم الخلود, وهكذا أكون قد غزوت مصيري كإنسان بواسطة الكلمات".
* الأعمال التي حصدت من خلالها الجوائز في مختلف المعارض هي أعمال صغيرة الحجم نسبياً.. ما هو مصير الأعمال النحتية الكبيرة، هل مصيرها هو التكديس في المخازن فقط؟
** لا توجد أصلا أعمال فنية كبيرة, فكل الأعمال التي تشارك في المعارض هي أعمال صغيرة, الأعمال الكبيرة لا تكدس في مخازن ولا تشحن في كرتون, لقد صنعت لتبقى حيث صنعت في العراء إلى يوم يبعثون.
وأنا لم أصنع حتى الآن المنحوتة الكبيرة وأملي في الله كبير في أن يوفقني للوصول إلى ذلك المستوى, فالموضوع ليس سهلا.
* من حق الفنان أن يجد أعماله مقتناة ليس في محيطه المحلي فقط، وإنما يمتد تسويقها خارجياً.. ما الذي ينقصنا لنسوّق أعمال فنانينا بشكل جيد، كي نتمكن من مشاهدة نتاجاتهم في أماكن متفرقة من العالم مستقبلاً؟
** "ما الذي ينقصنا لنسوق أعمال فنانينا بشكل جيد".. هذه العبارة أجمل عبارة عند الفنان المتواكل وعند المغرورين بالثقافة, فالكثير قد ظنوا بأنهم عملوا وعلى غيرهم أن يهتم بهم, فإن لم يجدوا اهتماما من غيرهم كالوا عليهم الذم, فالشاعر يعجب بنفسه لدرجة يظن فيها إن الزمن ليس زمانه وأن أعماله معلقات، والحكومة غير مهتمة. لماذا؟.. لأنها لم تطبع له ديوانا. والفنان التشكيلي يظن بأن الجمهور غير واع وغير مثقف ليفهم أعمالة , يعنى "البلد كلها غير مثقفة وهو بس المثقف الوحيد", والمغني يغني لنفسه وهو في واد واللحن في واد وإلى الآن لم يلتقيان, وهو متأكد بأنه أفضل مطربي عصره ولكن لم يعطه أحد فرصة. كيف لم يعطه أحد فرصه وهو قد غنى في الإذاعة, وقد قام بتشغيل طبلتنا ومطرقتنا وسنداننا غصبا عنا. وغير ذلك..
لماذا لم نسمع بشاعر أقام أمسية شعرية للجمهور بدافع ذاتي من غير دعوة من أحد؟. لماذا لم نسمع بفنان أو مجموعة من الفنانين سوقوا أعمالهم بطريقة فردية خارج السلطنة؟. لماذا لم نسمع بمغني تعاون مع ملحن أو شاعر أو مع قناة فضائية غنائية؟ لماذا الفنانون والأدباء هم المتذمرون من المجتمع دائما, وأصحاب المهن الأخرى في وضع مختلف؟!!.
يا أخي من لا يعمل ويتعلل بتقصير الجهات أو ضيق الوقت أو عدم الاهتمام يكون في مشكلة يظن نفسه حرا وهو لا يعلم بأنه حبيس أوهامه وأفكاره السيئة. قال علي بن أبي طالب "على المرء أن يعمل وليس عليه إدراك النجاح".
* لو تحدثنا عن فرع الجمعية العمانية للفنون التشكيلية بصلالة، هل ترى انه يوفي للفنان حقه؟.. وفي المقابل هل تجد ان الفنان التشكيلي البعيد عن مقر الجمعية الرئيسي بمسقط، هو بعيد عن الأضواء وغير قادر على الاستفادة من خدماتها؟.. وهذا بدوره يقودنا الى سؤال آخر: ما هي الطريقة المثلى لتعم مظلة خدمات الجمعية جميع الفنانين في شتى مناطق السلطنة؟
** لا يزال عدد الفنانين في محافظة ظفار قليلا، وليس بالثقل الذي يلفت الأنظار والإهتمام. والفنان لا يتكئ على أحد في مقابل حصوله على خدمات.. الفنان الذي يعتمد على الجمعية بشكل رئيسي هو كالطفل الذي لا يريد الفطام. الجمعية تحقق جزءا في تكوينه الفني ونشأته الثقافية وعلية أن يكمل باقي حياته بدعم وحافز ذاتي, قد يبدأ وهو بحاجة للمؤسسات ولكن عندما ينضج يستطيع أن يجعل المؤسسات الحكومية والخاصة وحتى من خارج السلطنة تسعى للمطالبة به. الفنانين العالميين في الدول ذات الكثافة السكانية العالية لم يصلوا إلينا بسهولة ومثلهم كمثل غريق صارع الموج والبرد والريح زمنا فنجى, فوجدناه وعشنا معه ولكننا لم نعان ما عاناه.
* يمثل مهرجان صلالة السياحي فرصة لإقامة العديد من الفعاليات والأنشطة الترفيهية والثقافية.. كونك من ابناء المحافظة.. هل ترى أن المهرجان أدى ما عليه من أدوار تجاه احتضان الفنان التشكيلي ومعارضه، أم انه مقصر في هذا الجانب؟
** المهرجان ليس المكان الوحيد المعني بنشر الثقافة والفنون, ألا توجد جهات أخرى حكومية وغير حكومية معنية بالثقافة في البلد عليها دور تثقيف المجتمع أم هي سياسة "زيد عليه", إننا نسمع ونرى وبعض المؤسسات لا تؤدي إلا فرضها في العمل, وإذا أقامت معرضا لمدة ثلاثة أيام في السنة في المهرجان تكرره سنويا من غير تطوير "وعلى عينك ياشايف", وهذا النوع من المعارض عقيمة ثقافيا، وما أظنها إلا بابا للسياحة المجانية, والأغرب ان الجهات الحكومية تطلب دعما من المهرجان وإلا "سوف نعتذر السنة عن المشاركة".
أين دور الجامعات والكليات لماذا هي مغلقة في الخريف وأساتذتها لا يعرفهم أحد من المجتمع غير طلابهم, أين العلماء والمفكرين ولماذا ندواتهم في المسارح فقط، لماذا لا تكون في المساجد فهي مكتظة بالناس المثقفين, أين الإعلانات الضخمة للأدباء، فرسائل الهاتف لا تذكر أسم العالم وعنوان الندوة، تذكر فقط " ندوة بالقاعة الفلانيه بتاريخ كذا" يعني تحضر أو لا تحضر بكيفك, أين التشويق والتحبب للجمهور؟ لا يوجد تشويق لأن العملية غير مربحة ماديا.
المهرجان يحمل جزءاً من عملية تثقيف المجمع ونأمل أن يزيد من حصة الفعاليات الثقافية غير المرتزقة كل سنة وأن تكون هناك خطة طويلة للأمام يعمل عليها الجميع لتحقيقها.
* وما هو المطلوب كي يؤدي المهرجان أدواره الحقيقية تجاه الفن التشكيلي في السلطنة؟
** وضع برامج ثابتة تزيد سنويا هدفها التركيز على أن يكون المهرجان قبلة ثقافية, زيادة عدد الموظفين, وأن يستعين الموظفين بلجان استشارية في المجالات الثقافية والفنية والأدبية وأن يعتمدوا ما تقرره هذه اللجان من غير واسطة أو تدخل من أحد. زيادة الدعم للفعاليات التوعوية والحث عليها, زيادة عدد قاعات العرض وتطويرها على مواصفات عالمية, حتى يرتقي أسلوب عرض المشاركين ويزيد وقت المعرض، حل المشكلات واتخاذ الإجراءات السريعة على أن تكون غير موجودة في السنة القادمة. عمل استمارة استبيان توزع على الجهات المشاركة في كل فعالية, وتوزع أيضا على الجمهور. وغيرها....


أعلى






في المِحْـ(خ)راب

ـ1ـ
لا تبدأ بالمبتدأ، ولا تنتهِ بالخبر.
ابدأ بذاك الذي ما ابتدأ، ولا تنتهِ لأن ذاك لا ينتهي.
لأنك المُنْتًهى، ولأنك المَنْهِيُّ عنه.

--2--
(أ)
أنتِ يا أغلى الحروف منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة: دثِّريني دثِّريني. دثِّريني أكثر؛ فقد اندثرت.

(ب)
يا شيخي محيي الدين ابن عربي: أحقاً ان الألف أشرف الحروف وأكرمها؟.
أصدقك - مولاي - لأن الألف في اسمها.

(ج)

"أعرف يا خاتون
تبقين لي وحدك مثل الوشم في العيون
سوف يقولون انك الصدى
للعاشق المجنون
أعرف يا خاتون" (قاسم حدَّاد، "رسالة").

(د)
خاتون. خاتون. خاتون.
ما الذي عادت تفعل بك الحروف والشهداء في دلمون وفي مزون؟.

--3--
اغرز خنجر الرؤيا بلا هوادةٍ في قلبك لتتدفق الكلمات. لا تأتي الكلمات الجديدة إلا من دَمِ الخافق المهيض. لا يوقظ ملاك الموت إلا شاعر.
لكنك، حين تموت أيها الشاعر....
أيها الشاعر: لا تَمُت.
أيها الموت: عليك بالشاعر أولاً.
استطراداً: في المشهد الأخير من الفيلم الخالد لسيرجي بارادجانوف "لون الرُّمان" يتلقى عبقري الشِّعر الأرمني الغَنّاء ("الشِّعر التروبادوري" الذي يذهب البعض إلى انه أندلسي النشأة) سايات نوفا الذي يتخيل الفيلم الأكثر شاعريَّة في مسيرة مُخْرِجِه قصة حياته ويهدي نفسه إليه في مائيوته الأولى (كيف يمكن، مثلاً، نسيان مشهد الكتب المبللة بالماء في بداية الفيلم؟!).. يتلقى سايات نوفا، إذاً، عدة مرات شبه متلاحقة أمران متناقضان آتيان من صوت خارج الشاشة (في الحقيقة هو صوت بارادجانوف نفسه الذي كان قُبيل موته بدوره يقوم بأرفع بادرة تقدير إبداعيَّة لزميله ومُواطِنِه). ذينك الأمران هما: "غَنِّ!" و"مُتْ!".
يموت سايات نوفا في كرنفال سينمائي مهيب من حَمَامٍ وشموع، ويبدأ الفيلم في أن لا ينتهي.
ويموت بارادجانوف (خارج الشاشة أيضاً) لاحقاً.
استطراد ثانٍ: "أَلِغِنَائه الأغنية نفسها دوماً يُعْجِبُنا العندليب كثيراً؟" (روبير بريسون، "ملاحظات في السينماتوغرافيا").
استطراد ثالث: ....

--4--
يا أمي: ولدك لم يذهب في هذا الصباح الباكر لملاقاة خبز الرّقاق بالبيض، والشاي بالحليب والزنجبيل.
يا أمي: ما طلع صباح آخر على ولدك.

--5--
في اللحظة التي تبدأ فيها الكتابة يولَد الموت، ولا تموت الكتابة.

--6--
أيتَّها النّونُ. أيتها الميم: لم يكن ينام.
كان يكتب،لم يكن ينام.
كان يغمى عليه، فحسب.

--7--
لا تَبُحْ بِسِرِّك إلا لسِرب حروف يقتنص الملأ حرفاً حرفاً، رصاصةً حمامة.
الكتابة مسألة قَتْلِيَّة في نهاية المطاف.
دَعْهُم في حرير الحروف، ولا عليك إلا بالسكِّين: دَع إخوة يوسف يفعلون بالقميص ما يشاءون، ودَعْ للنهر أن يمضي؛ فـ "نحن لا نستحم في النَّهر ذاته مرتين" (هيراقلطيس). (ويا أنت أرجووووك كفي عن معاتبتي لأني أسرف في استخدام هذا الاقتباس الذي تدحضه حياتي الشخصية بالكامل).
لا ترأف بقلبك، لأن المجزرة لن تستهدف غيرك على الرغم من كثرة القتلى.
لن تفضح السِّكين أحداً غيرك؛ غير دمك الأغبر.

--7--
الحرف غادِرٌ فاعذله، واعذره، واغدر به ، ليرغَد.

--8--
حين الكتابة موتٌ الموتُ هو الحياة. فوالهفي منك أنت التي تعذبِّيني، كم تقدري على الحياة وكم تقدري على الموت؟.

--9--
(أ)
"أنا رجل مريض. أظن أن كبدي مريضة" (دوستويفسكي، مُفْتَتَحُ "ملاحظات من تحت الأرض" التي يذهب بعض المؤرخون الأدبيون إلى إنها بمثابة سيرة ذاتيَّة مُقَنَّعَة).
(ب)
فلتكن كبدك دوماً على الطاولة. فلتكن كبدك دوماً تحت الشمس. فلتكن كبدك دوماً تحت الأرض.
لا تكتب إلا بكبِدك.
(ج)
آآآآآآه من العربية: "كَبِدٌ" و"كَبَد" (لا بأس أحياناً من التوكيد على ما هو واضح).

--10--
لن أمنحك المعنى. أرأيت وفهمت كم أنت تعنيني؟.

--11--
أن أموت. أن تصرخ أوراقي التي أخذها الماء.

--12--
الحِبْرُ حَرْبٌ حربَتُها الليلة البيضاء والورقة البيضاء.

--13--
حرفٌ يتعاطى أقراصاً مضادَّة للاكتئاب، وأقراصاً مهدِّئة، وأقراصاً منوِّمة.
أقول للأقراص: كم أنت بهيجة لأنك تتعاطيه.

--14--
يا صلف الانفصال: الفاصلة واصلةُ الليل بالصلاة.
لك أصلِّي.
لك وحدك.

--15--
أيتها الغَيْنُ الضَّاغنة: لا تَضُنِّي عليَّ بالغَنَج.


--16--
تَعَرَّ في حضور الصورة، وصَوِّر نُضْحَ الصيرورة.

--17--
حْسْبُكَ من مناورة الكلمات رُمَّانة السُّحب ومساورة الفراشات.

--18--
يا آسرة روحي: الحرف فَقْدٌ حِرْفَتُهُ الحُريَّة.

--19--
أن تكون رهن الكتابة. أن تكون راهن الحروف. أن تكسب الرِّهان.

--20--
لستُ كاتباً. أنا مكتوبٌ يَكتب ويُكتب.

--21--
انثر ملح الحروف على جروحك لِتَبرأ روحك.

--22--
فَضَّ الفَاءُ، فَغَارَت الضَّادُ، وكاد يفيض لولا أن فَتَحَ الشَّدَّة.

--23--
ويلي!. دَمُ الَّلام سالَ وقالَ: ....

--24--
الكتابةُ ما فعلتُها منذ زمن، لكنها تفعل بي منذ أزمنة.

--25--
مِيْمٌ وَوَاءٌ وتَاءٌ. يا لحياتي وتَيْمي.

--26--
أنتِ نَصٌّ لم يُكتب. لن يُكتب.
أنتِ نصٌّ لا يمكن أن يكون.

--27--
"إنَّا هديناك النَّجْدَين". فإَّما أن لا تَكتبَ شيئاً، وإما أن تَكتُبَ اللاشيئ؛ فاختر دربك.

--28--
الكتابة الحَقَّة امرأة حاضرة غياباً. النساء اليوميَّات هُنَّ الكلام.
الكلام يذهب، والكتابة ذَهَب.

--29--
ذَوْبُ العين على فِراش العذاب ووسادة العذوبة.

--30--
الصَّداقة الحقَّة اتصال بالموت وحنينٌ صاخب إلى الغياب، وكذلك الكتابة الحقَّة.
تضيؤني الليلة أشباح أصدقاء وكتابات لم تولد بعد - "تضيؤني الشَّسَاعة" (أونغاريتي).

--31--
(أ)
عندي لك رسالة علنيَّة من موريس بلانشو في كتابه "فضاء الأدب": "لقد احتجنا إلى فرانز كافكا كي يكتب من وراء القبر من أجل أن لا يكون القارئ وحيداً" (اقتبِس وتُرجم من الذاكرة).

(ب)
عندي لك رسالة سريَّة جاءتني من حرف عبر حَمامةٍ زاجلة.
يقول لك الحرف: لن تتمكن من النوم أبداً. أبداً.
تقول لك الحمامة: لن تتمكن من الموت. أبداً. أبداً.


عبدالله حبيب
* أديب عماني

 


أعلى





القايمة (1 ـ 2)

في ذلك العام تحديدا ، قالت لهم " طماشة " جميعا ـ وأحس أنها وجهت الكلام إليه:
ـ البيت اللي يموت راعيه يبكيه، ويموت من بعده، خليك أنت من أن البيوت مصنوعة من الطابوق أو من غيره، ترا حتى الطابوق يحن ويشتاق، لليد اللي رصدته فوق بعضه البعض، ويشتاق بعد للنفس اللي دخل وطلع فيه .
تذكر " ساعد ولد غلام " في ذهنه ذلك عندما سار في سكك سوق الظلام ، كانت المحلات الجديدة من حوله تلتمع بالمعروضات الجديدة وواجهات الزجاج الملونة، تدعو المتسوقين بصمت ناطق إلى الدخول لتجربة الأحذية والملابس وكل ما يحتاجونه، كانت أقدام النساء بوجه خاصة تدق على أرض السوق بشدة حتى تأكد لدى " ساعد " أن لا محل يخلو من وجود امرأة فيه ، في ذلك الوقت تحديدا بدا له أن السوق الذي عاشره طويلا قد أصبح غريبا عليه، لا يعرفه ولا يمت حتى لخطواته الكثيرة التي زرعها فيه بصلة ، تمعن في جموع السائرين من حوله وهَم لأكثر من مرة بمناداة شخص باسمه إلا إنه عاد وتراجع بعد أن داخله الشك أنه ليس الشخص الذي يحتفظ بصورته في عقله، كان إحساسه يتعاظم أن الأماكن التي استوطنها تكاد أن تناساه وهو لا يزال يستند بثقل جسده على عصا غليظة، ولكن " طماشة " لا تكذب، ولا تقدم في الأشياء أو تأخر، إنها تتحدث بالواقع وخبرة من جرب ووصل بتجربته حدود اليقين الذي لا يقبل الشك والحقيقة التي لا تقبل الجدال ، فإذا كانت "طماشة " قد قالت إن المكان الذي يُقلب الإنسان فيه أيامه وسنينه لا ينكر صاحبه بل يحتفظ به كذكرى حتى بعد أن يفارقه ،فإنها صادقة ولا يحتمل كلامها أي ادعاء، ولكن " ساعد " في أيامه تلك كان يشعر بشيء جديد لم يألفه من قبل، ولم يستطع أن يفسره تفسيرا يرتاح إليه ، كما لم يجد في كلمات " طماشة " ملاذا تركن إليها شتات روحه، بينه وبين نفسه اعترف إنه يشعر بالخوف، بالقلق الذي بدأ يأكل داخله ، منذ مات " مصبح " لم تعد نفسه منبسطة ليستقبل الناس بالمناشدات المطولة حول أحوالهم وشؤونهم كما كان سابقا. بقيت نفسه حائرة ، بعد ذلك اليوم ، كتم الأشياء في دخيلته ، لم يصرح عنها ل"حميد " رغم أحاديثهم المطولة معا ، أصبح يسمع حديثه حول تغير "دلال " عليه بأذن غير واعية تماما للجرح الذي يشعر به ، ، ولم يخبر" خميس " الذي كان وجه يلاصق وجهه أغلب ساعات يومه ،فكر بعمق ربما أخبر "طماشة " ذات يوم ليستريح ويعود إليه شيء من أمنه الداخلي .عاد للسؤال الذي كرره في داخله مرارا ، لقد شهد من الموت الكثير ورأى بنفسه كيف أمكنه أن يوسد أمه ومن ثم زوجته التراب ، وكيف أن بكاء "طماشة " نفسه أقلقه عليها بعد أن دفنت ابنها الثالث ودفعه أن يطرق باب بيتها صباحا ليجلس في موجهتها وهي وخميس ويسري عنهما ،بل واستطاع أن يقول لهما ما معناه
ـ هذا نصيبه من الدنيا ، وهذي حكمة الله .
ومع مرور الأيام ردا له الموقف حين ماتت زوجته، حين قامت "طماشة " بمهنتها التي تتقنها جيدا ، واهتمت بالنساء المعزيات ، فيما قام " خميس " على الرجال، وسهرا معه في أيامها حتى وقت متأخر ، وحاولت طماشة إضحاكه قائلة :
ـ ويش تقول يا ساعد، أدورك حرمة؟، ترا الرجل ما زين يبات بلا حرمة في بيته .
حاول الابتسام :
ـ انقضى العمر، باقي ندور لنا أيام نعيشها ، يا الله بحسن الخاتمة .
في تلك الأيام كان يمتلك روحا متينة ، تقاوم الموت والفقد الذي جربه حين ابتعد أولاده عنه وسكنوا أماكن متفرقة عنه ولم يعد يراهم إلا في المناسبات الشحيحة ، اشتهاؤه للحياة في وقتها كان ما زال ينمو مع كل صباح ، ويضمه معه عندما ينام، كان يملك زمام تحريك الأشياء من حوله لبعث الأمل من وجوه الناس ورائحة الأماكن التي اعتاد على ارتيادها، استطاع أن يكسر وحدته التي فرضها الزمان عليه بارتياد دكانه العتيق، والجلوس مساء في بيت "خميس يوما ، وعند " حميد " في أيام أخرى . الآن وبعد أن مات "مصبح" لم يعد يملك إلا يدا خالية من الدنيا، وكأنه نفض غبار الدنيا العالق في أطراف أصابعه كليا، شعر بخوف لم يجربه سابقا، وعندما وسد " مصبح " التراب ، شعر دون إدراك منه أن جزء منه قد دفن في القبر، هل أخذ " مصبح شيئا من كل ترب من أترابه؟ هل يفقد الإنسان شيئا من روحه مع كل شخص يموت في مثل عمره؟ ، حتى عندما قرب إليه " حميد بو تيلة " صحن الأرز وقال له :-
ـ كل يا ساعد من وحشة " مصبح " ، كل وادعي له الله يخفف عنه في قبره .
لم تطاوعه يده على الأكل وبقي الدعاء غصة في صدره وتضاعف لديه شعور أن شيئا مات منه .
وعندما قدم إليه الماء والسدر بعد مرور ثلاثة أيام من العزاء وطلب منه ومن جميع أتراب " مصبح" - بحكم العادة - أن تغتسلوا قبل غيرهم من القائمين على العزاء شعر " ساعد " أن تلك العادة مقيتة وليس لها إلا هدف واحد، هو إشعار الإنسان أن الموت يتغلغل في داخله، ورفض بإصرار أن يقرأ نية الاغتسال بعلانية كما فعل البقية إنما ضم شفتيه بإحكام فيما سمع الآخرون يقولون:
ـ نويت الطهارة عن روح مصبح بن حمامة .
يومئذ فكر مصبح أن يعود إلى بيته ودكانه ويتلمس الجدران ويحدثها ويسألها - ليعرف مدى صدق " طماشة " من مبالغتها -
ـ كيف يا الجدار بتذكرني من أغيب الغيبة الطويلة؟ !
....................................................
سال العرق منحدرا من ساعدي "طماشة بنت عبيد " الأسمرين العاريين إلى أن وصل إلى مشط يدها، ومن على جبينها جففت العرق بإصبع السبابة الذي سحبته به، اقتربت من النار وبعود الحطب في يدها حركت الحطب الموضوع تحت القدر وخفت من اشتعاله تحتها، أمام ناظريها كان الخشب الأسمر ذو الرائحة العطنة يتلظى بالنار ـ، فكرت " طماشة " أن الحطب يعشق ذلك التلظي، الذي يحوله إلى مادة أخرى حمراء ومحرقة ومن ثم يحوله إلى رماد يتناثر في كل اتجاه ،دون أن يستطيع أحد جمعه ليعيده إلى حطب من جديد، حدثت " طماشة " نفسها وهي تقلب الرماد:
- صدق من قال ، النار ما تولد إلا الرماد ، بس الرماد .
بالنسبية لـ "طماشة" كانت هذه الأيام مثل بذر الحمير لا أكثر، عقيمة، لا تنبت إلى السراب في أي تربة تزرع فيها ، و لا ينمو فيها ولا يكبر إلا المشاحنات بينها وبين زوجها "خميس "، ولا يكثر فيها إلا التذمر من الحياة وكل ما جادت به طوال تلك السنوات، وكأنها و" خميس " وكل من تعرفهم من حولها وجدوا أنفسهم دون زاد يقويهم على متابعة ما بقي لهم من صمت الليالي القادمة، نظرت " طماشة " إلى العروق في يدها النافرة ، لاحظت أنها أصبحت أكثر بروزا من ذي قبل ، كانت مؤمنة أن تلك العروق التي كانت تغذي جسدها بالحياة فيما مضى، أصبحت تطل برأسها من جميع أعضائها لتأخذ الحياة معها دون أن تعود . فكرت طماشة للحظة وحدثت نفسها:
- هذي العروق مثل ذاك الحطب ، في الأخير كل شي يصير رماد .
كسرت "طماشة " كل أفكارها السابقة وعادت إلى قطعة الجريد في يدها ، حركت "الدبس " الذي بدأ يغلي ومن ثم أضافت إليه حبات الفلفل الأسود و الهال ، من ثم تركته وانتحت بعيدا ، اطرق رأسها وعندما رفعته كانت عينا " صفية بنت حمود " تراقبها اقتربت منها وقالت بابتسامة ودود:
- تعبت يا طماشة ؟ هذه "لقمة العذاب " تريد صاحبها حالها وبس .
رفعت طماشة رأسها إليها وهي تجرع من كأس ماء في يدها:
- تعرفي يا أم حمد، لقمة العذاب مثل الحرمة، تحب اللي يدلعها، ويقرب منها حتى ولو احترق بنارها .
بابتسامة كبيرة ردت عليها " صفية بنت حمود "
- في الحكي ما أحد يقدر عليك يا " طماشة "، بس أنا أقولك لك يا طماشة إذا الحر يضايقك بخلي الشغالة تساعدك .
وقفت " طماشة " بكامل جسدها القصير الممتلئ وقالت
ـ تراني بزعل منك يا أم حمد ، اسألي لقمة العذاب في قدرها، بتقولك تراها ما تستحلي غير يد أهلها إلا تعرفهم ويعرفونها زين .
ـ برأيك يا طماشة ما حد رايح يقولك لا .
غادرت " صفية بنت حمود " مطبخ دارها العتيق بتمهل، بينما تكدر وجه " طماشة بنت عبيد " بعدما أحست رجفة في يدها اليمنى، قربت يدها من وجهها، وشدت عليها باليد الأخرى . منذ عرفت " طماشة " صفية بيت بنت حمود " هما ما تزال صغيرتان كان شعورها اتجاه تلك الفتاة ذات الجدائل الناعمة محايدا لم تحبها ولم تكرهها ولكنها حسدتها في أكثر من موضع، كانت "صفية " في نظر" طماشة" تملك أشياء أكثر مما ينبغي لها، وأنها من نوعية النساء التي لا يزورها الحزن كما يحدث للناس، في أيام شبابها الأول كانت " طماشة " تسأل أمها كلما خرجتا من بيت " حمود بن طالب "
- حظ " صفية" أنها ما عندها شيء يزعلها ، كل شيء عندها ، حلوة وعندها ، الفلوس والأهل والملابس ،خاطري في يوم من الأيام أشوفها تبكي . تأملتها أمها طويلا ردت عليها :
ـ ما شي إنسان ما يزعل في هذي الدنيا، بعدك ما عرفتيها ، هذي الدنيا تبكي الصغير والكبير، والرجل والحرمة، والناس مستورة بثيابها .
لم يزل ذلك الشعور إلا عندما عجنتهما الأحداث معا وتبين أن ما تملكه " صفية" لم تختزنه لنفسها وإنما كانت دائما تمد يدها إلى الناس وشاركت " طماشة " بشكل خاصة في بذلك وأوكلتها بتوزيع عيدية العيد لكل محتاج تعرفه ، وعاتب نفسها على أمنيتها السابقة عندما رأت " صفية" تبكي وهي تسمع الرجال الذين خرجوا للبحث عن أختها "ثريا " يقولون لوالدها:
- دورنا في كل بقعة من البر وحدود البحر وما لقيناها .

....................................................

تحدى " خميس الأصم " نفسه و"طماشة بنت عبيد " ووقف على الرصيف الطريق، نظر في جميع الاتجاهات الأخرى ، قطع الشارع المغطى بالإسفلت ، سارت خطوتين ومن ثم جلس مستريحا تحت شجرة السدر الوحيدة هناك .قراره الذي احتفظ به دون نسيان كبير،أنه سيكسب المال لبيته ، سيعود الأمر كما كان سابقا ، هو من يتكلم وهي من تسمع ،الآن هو من سيفعل وهي من سيطيع، سيضع النقود في يدها ويعدها قطعة ، قطعة ويقول لها بصوت صارم :-
- أنا بعدني ما مت ، خذي هذي الفلوس ، ولا طلعي من بيتك ، تشوفيني ؟! بعدني حي أقدر أكفيك عن كل إنسان .
في هذا العام لاحظ وتغاضى أن يد "طماشة " لم تعقد تساعدها على العمل الكثير . كانت تخفيها تحت ثوبها كلما ارتجفت . في الصباح كان قد تشاجر مع زوجته ، في وقتها كانت قد أنهت أعمالها في المطبخ وقربت إليه إفطاره ، خرج إليها وقد لبس " دشداشته " وحمل الخيزران والمصر في يده ، قطبت جبينها وسألته:
ـ هاه خميس ، على وين ؟
لم يلتفت إليها ، جلس إلى صينية الفطور أمامه ، أخذ بين يديه قطعة خبز وقربها من فمه ، اقتربت منه أكثر ورفعت نبرة صوتها:
- خميس ، لابس دشداشتك ، وما خذ الخيزران ، وين ساير من صباح الله خير ؟
صمت ، أرجع قطعة الخبز إلى مكانها وأدار وجهه ،قائلا :
- رايح أشوف رزقي وحالي ومالي .
من بين يديه سحبت المصر والخيزران ، ورفضت أن تعطيه إياهما ، رأى " خميس وجهها قد تقلب:
- أنت وحدك حالتك حالة ، وتريد تطلع ، أكيد تريد تذبحني وتذبح نفسك .
في سيارة الأجرة تأكد " خميس " أن صاحب السيارة سأله للمرة الثانية على التوالي :-
ـ على وين دربك يا الوالد ؟
سكت خميس وهو ينظر إلى الطريق
- السوق يا ولدي رايحين نقلط رزقنا .
قرب " خميس " رأسه من مقعد السائق أكثر ليسمع أي كلمة تصدر منه ، قدر أنه سيسأله بأي مكان سينزل عندما يصل السوق ، عندها كان " خميس " يحضر للإجابة:
- نزلني بأي مكان في السوق وأنا راح أعرف طريقي، أنا ولد السوق وأعرف سككه ودروبه وأهله وناسه .
لا يعرف " خميس الأصم " كيف خذلته وده الدائم لزوجته ورفع عصاه عليها بينما ظلت عينها الصحيحة وحدها تدور غير مصدقة في محجرها ، أنزل يده المرفوعة وقال :-
- اللهم اخزيك يا شيطان .
عندما عاد إلي "طماشة " إدراك حواسها المشلولة من المفاجأة ، ردت عليه كان صوتها عاليا لدرجة شعر أن أذنه عادت صحيحة:
- ما فيك مذهب ولا تعرف الأصول وأنا أشتغل عليك مع اللي يسوى وما يسوى ، وأنت .. لم يسعفها الكلام في لحظتها فصمتت ودارت وجهها عنه، ودخلت غرفتهما، انتبه" خميس " هو في السيارة إلى أن أعضائه بدأت تخونه دون أن يشعر، في البداية خانته الذاكرة فأصبح ينسى أشياء كثيرة، ومن ثم خانه السمع فما عادت الأصوات واضحة كما كانت سابقا . ولم يكن يصدق ذلك حتى أتاها اليوم الذي نسي فيه موقع داره وظل يبحث عنه لفترة حتى رأى طماشة تفتح الدار وتدلف إليها، عندها تعلم أن يختبر نفسه بإعادة تذكر أشياؤه وأسماء الناس الذين يعرفهم . قدر خوفها غليه ، ولكنه أحس أن ذاته يصيبها التآكل وهو ما يزال على حيا، صفحة رأسه بيضاء وكأن الستين عاما التي عاشها مرت عليها رياح عاتية واقتلعت كل ما عايشه وتركت ذاكرته أرضا جرداء، كانت الأشياء الأكثر ضمورا في ذاكرته أسماء الناس، هاله أن يجد نفسه ينسى لساعات اسم المرأة التي نامت بجانبه ما يزيد عن الأربعين عاما، أخذ ينظر إليها ببلاهة . نتف الذاكرة التي بقيت له تسعفه أحيانا في تذكر أمور جذرية تخصه ثم تعود العتمة إليها . فتخرج دون ترابط بينها . في بداية حياتهما أخذها صغيرة من بيت أبيها ، كان إحساسه في تلك الفترة أنهما ينموان كشجرتين من ماء الأيام التي انسابت بينهما بيسر، كان وجهها دائما وجه السعد بالنسبة إليه ، أصبح الخضار الفاكهة والخضار القليلة التي يبيعها بجانب دكان " ساعد ولد غلوم " مصدر رزق مبارك سترهما من ذل الحاجة التي كثيرا ما كان " خميس " يخاف منها ،مما دفعه للوقوف في وجه أمها قائلا:
- عمتي صبيحة ، طماشة ماراح تشتغل قايمة ولا غيرها قي بيت أي إنسان ، أنا زوجها واللي راح أكله راح تاكله ، واللي راح أشربه راح تشربه حتى لو ناكل التراب ونشرب من البحر .
عرف مع الأيام أن معدن " طماشة" أصيل ولا تطغى عليه الظروف ، حتى بعد أن أخبرت المعلمة التي كشفت عليها في شبابها وقالت لها:
- دم زوجك فاسد ، ما شي حل ، غير إنه كل واحد فيكم يروح لحال سبيله حتى يكون لك أولاد .
ردت عليها طماشة بدموع كثيرة:
- أنا " خميس" عندي عن ألف ولد وبنت ، كافني عن الغريب والقريب ، وقدمني حتى عن نفسه ، الله الرازق وأنا موكلة أمري من سنين حاله .
في منتصف الطريق الذي سلكه " تذكر " خميس أن يديه خاليتين إلا من العصا في يده ، تذكر أن عليه العودة إلى السوق الخارجي ليشتري الخضار بالجملة ليبيعها بسوق الظلام مفرقة ، عاد دون هدى في الطرق ، كان مطرق الرأس ، وحك رأسه في محاولة لتذكر أي اتجاه يسير ، سمع أصوات كثيرة ومتداخلة تصرخ في وجه قبل أن يعبر الطريق .
....................................................
في بداية العام ، تشتت كل الهواجس التي كانت في نفس " حميد بو تيلة "، استطاع أن أخيرا يحلم "بدلال" كيف ما شاء ، سيدخل بيتها في كل وقت وسيجرب أن يكون سيدا للبيت بعد كل ذلك العمر الذي قضاه مستبعدا فكرة الزواج إلا من البحر، سيغلق السؤال الذي ظل يتكرر من كل الألسنة:
- متى ، حميد ، متى تنوي .ترا السالفة طولت ؟
ويرد عليهم متلعثما:
- قريب، إن شا الله قريب .
كان قد بت في الأمر حتى قبل أن يدخل بيت " خميس " ويسأل عن " طماشة " التي وجدها الأقرب بين نساء القرية التي يمكنها أن تخطب له دلال ، نظرت إليه " طماشة" بارتياب كبير وقالت له:
- أنا ما أقدر أرد لك طلب يا "حميد" ، بس ما كأن تأخرت وايد . لا تكون السالفة، وحدة من سوالفك الكثيرة، قول بلا فعل .
ابتسم "حميد " بارتباك وقال :-
- أنا أعرف مقامي ومنزلتي عند دلال ، لو بطلب عيونها ما راح تقصر . بسنا عاد يا طماشة، وأنا أشهد "خميس " أن ها الموضوع ما فيه مزاح .
- بعض الناس قلوبهم سبب تعبهم بها الدنيا ، تلقى قلوبهم مثل ترفرف مثل قلوب الطير ، لو تغيب حصى في بيتها تزعل وتضايق ، ودلال من ها الناس ، حتى تكسبها قرب من قلبها . أخذ ها الحرمة بالكلمة الطيبة وراح تكون طوع أمرك .
كانت الفكرة قد تبلوت بجمتلها في صباح اليوم الذي زار فيه " حميد " السوق وجلس إلى دكان " ساعد " وسلم على " خميس الذي " صف خضاره القليلة عند الدكان بادره ساعد قائلا:
- كيف حال أهل البحر ، والبحر أشوفهم زايرينا ها اليوم ؟
- البحر ها الأيام صار مثل ثور مناطح ، إذا قربت منه تخاف ياكلك .
- والسمك ؟.
- الله يعطيك إحنا أهل البحر ما نشوفه غير في الثلاجات .
سكت حميد بو تيلة " عندما اقتربت امرأة من الدكان، وطلب من "ساعد " الخيلة والسركى صالح " نظر إلى الدكان العتيق الذي أصر " ساعد أن يحفظ به، كما أصر هو أن يحتفظ بالبحر ،حتى كادت طبقة الملح أن تطفو داخله ، انتبه إلى أن المرأة حملت كل ما طلبت ورحلت ،غاب " حميد عنه العالم للحظة ، كان وجه دلال حاضرا ، لم يكبر كما قيل له ، كانت دلال التي تعلق بها قبل أن تتزوج ، وعندما ارتبطت بغيره عاش بأمل أن تعود إليه ، وعندما عادت إليه أرملة ، وقف دون يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من علاقتهما ، يعترف أنه أرادها لنفسه ،ولكن لم يؤمن أن هذا الاقتراب يعنى في أحد معانيه الزواج ، ربما لأن الناس اعتقدوا أن بيت "دلال " كانت بيتا للسهر وسماع الغناء ولا يمكن أن تتم فيه الأمور الكبيرة في عرفهم مثل الزواج ؟ ربما لأن دلال فتحت له بابها واسعا دون شرط مسبق لو كانت صدته ربما لأصبحت مثل البحر لقاومها ثم رضخ لكل ما تريد؟ ربما لأنه رآها امرأة قوية تسكب رزقها دون مساعدته، كانت تقرر ثم تخبره لم تشاوره في أمر ما ، حتى عندما فاتحته بأمر الزواج منذ عام توقع أن هذا أمرا ، فرفض في عقله تماما ،في أيامها فكر بعمق وهو يطالع البحر ، كان لـ"دلال" حياة بعيدة عنه وهو له حياة بعيدة عنها ولكنهما يلتقيا عند حدود نقطة يصيبه الفزع من فقدان ذلك الالتقاء ، عندما زار السوق في ذلك اليوم كان الحمل على صدره قد كبر ، ولم يجد غير " ساعد " ليبث له همه ، نبه صوت " ساعد "
- علامك يا حميد ، ما شفتك تسكت غير اليوم ؟
كاد أن يبكي لحظتها ، اكتشف أنه هش جدا وأن كلام ساعد كانت النقطة الفاصل لانهيار مقاومته:
- دلال يا ساعد، دلال .
- علامها دلال؟
- الحرمة متغيرة علي؟
- متغيرة كيف؟
- مثل ما قلت لك من قبل ، ولد بنت حمود بعده يسير معها ، الصبي يسير صوب بيتها في وقت القايلة وما يخاف أحد .
- الصبي بعده الشعر ما نبت في لحيته زين ، ويش بنشوف فيه دلال لأزيد منك .
- أخاف يعطيها الصبي شيء ما أقدر أعطيها إياه مع الشعر الأبيض وها الجسد .
سكت لحظة ثم عاد يسأله
- برايك يا ساعد أن حرمة مثل دلال صرفت عليها اللي ما صرفه رجل على حرمة تقدري تودرني وتشوف ولد من دور ولأولاها ، وها الصبي ويش راح يلقى فيها ، جلد على عظم ومثل هذا .
ورفع إزاره إلى منتصف ساقه .
- والله يا ساعد جلدها ناشف مثل جلدي .
- تزوجها واشتري عمرك " يا " حميد " ، بتصير مجنون إذا كنت راح تفكر فيها دايما وفي كل لحظة .
سكت " حميد " ، ردد الكلمة بهدوء
- أتزوجها ؟
- تزوجها، بسك عايش مثل غراب القيظ من نخلة لنخلة ، يوم تصير حرمتك تقدر تحكمها وتتحكم في الداخل والطالع عليها، ويش رايك تشوف طماشة، بخليها تكلمها ، الحرمة تعرف ماي نفس الحرمة مثلها وتقرأ أسرارها من غير ما تتكلم .
....................................................
تشاغلت "دلال" قليلا عن الرد عن سؤال " طماشة" رفعت السيجارة في يدها وقالت وهي تنظر إلى إحدى البنات اللاتي تعمل معها
- البنت في ذمتنا وصار لازم نلقالها رجل ولد حلال يا "طماشة" . صدقيني الزواج ستر للحرمة ولو كان الرجل شينه شين زمانه وما يسوى التراب اللي يسير عليه . ثم عادت إلى سؤال " طماشة " عن صحتها وقالت:
- أن بخير من الله .
كانت طماشة في ذلك اليوم قد تركت بيت " صفية بنت حمود " لتزور دلال وعندما بدأت تنظر إلى السيجارة في يد دلال ـ،
- ما تشوفيني بنص عين يا طماشة .
ثم هزت السيجارة في يها وقالت:
- هذي أحسن من منية الناس ، تعبت كل ساعة أقول فلان بكر القدو ، وفلانة شبي النار ، هذي أحسن يا "طماشة" حبة كبريت وحدة وانتهت السالفة .
صمتت دلال قليلا واستأذنت" طماشة " في قضاء حاجة لها ، وبقيت " طماشة " لوحدها ، كانت تلك المرأة طول سنين لا تعرفها ،مصدر تحذير دائم من أمها وتذكر " طماشة " أن أمهما عندما مرت بها في السوق أسرت إلى طماشة:
- هذي الحرمة فتنة وشر ، الحرمة إذا فسخت الحيا من وجهها ما بقى لها شيء تخاف عليه .
ولكن طماشة عادت واكتشفت في "دلال " - في الأيام التي غنت فيها هي وفرقتها إحياء لعرس حسنة بنت صفية- أن تلك المرأة تشبهها أكثر من أي امرأة أخرى تعرفها ، فعندما ولت لهما الأيام ظهرها وعادت الحاجة إلى العمل كحكة شديدة في راحة اليد ، حملت "دلال " طبلها ودارت من مناسبة إلى أخرى مع بعض الفتيات والرجال فيما عجز جسد " طماشة " أن يمنحها الامتياز الذي وجدته دلال في طول قامتها وبياض وجهها ووجدت نفسها تعمل على "قايمة " على من تضع حديثا من النساء أو من بها مرض مزمن ، أو من ألحقا المنون به مصيبة في أهله.
عندما عادت "دلال" واقتربت من طماشة:
- أبشرك يا طماشة خلاص .
ثم أشارت إلى نفسها:
- أختك بتعرس من جديد .
وعندما هزت طماشة رأسها باستغراب:
- صدقي يا طماشة ، صدقي ، كيف هذي الدنيا غريبة ، بعد كل ها السنين صار براسي عقل بعرس .
بابتسامة متواضعة زادت
- شفت يا طماشة ، يوم تغيب شمس إنسان صار عندي ولد كامل ومكمل ، بيني وبينك أنا بكون له مثل أم وأكثر .
سألتها طماشة بفزع
- لا يكون حمد ؟
- من حمد ؟ أنا ما أوصل ل " لصفية بنت حمود " وما أخلي راسي براسها .
- وحميد ؟
- حميد شبعت من سوالفه ،تعبت من السوالف والحكي والضحك ،خاطري صدق برجل من لحم ودم ، أخلي راسي على صدره وأنام براحة، من مات زوجي وأنا أدور رجل يقول بسك من ها الشغلة وبسك من ها التعب، قعدي في البيت وأنا بكفيك عن الدهر والناس، حميد يدور عن راحته، حرمة يقضي معها الليل ويشكيلها اللي بقبله، انتظرته سنة سنتين ألحين كملنا الخمس، دست على نفسي ونزلت مقامي وطلبت منه الزواج، وقال لي أجلي الموضوع كم شهر، وأنا ما صغيرة يا طماشة، ما صغيرة عمري انقضى شبابه، صار الشعر الأبيض ياكل راسي كل يوم من جانب،، باكر بطيح بمرض وأريد ألقي أحد عن راسي، حتى ولو كان رجل قد ولدي، المهم واحد محسوب علي .الناس ها الأيام " يا بنت عبيد " صاروا عيون تتشاوف وقلوب تتلاعن.
- أبشرك يا دلال ، خميس طرشني أخطبك حاله .
نهضت " دلال" بعصبية واضحة وأعطت طماشة ظهرها:
- ردي عليه ، دلال اللي تعرفها ما صارت تعطي لحمها للكلاب تنهش فيه حتى العظام ، دلال بتزوج وراح توصلك عزيمة العرس قريب .


رحمة المغيزوي
* قاصة عمانية


أعلى







(سنوات العشق والدم)
جرعـة مـاء ...

كنا خمسـة من الشـاردين في الفيـافي والقفـار ، وطائرات المـيراج الصغـيرة تطاردنا أثنـاء انحدارنا وانكسارنا . دخلنا بحـر الرمـال ، مشيا على الأقـدام .
في الطـريق ، اليـوم الثاني ، وقف الرقيب أول .. بلا حـراك . تهـدج صوته وتوقف عن الـكلام وظـل صامتاً . تبادلنا النظرات ، أشـار لنا براحة يده الهزيلة أن نسـير ، توقفنا في حـيرة . بدأ يجثو على الرمال .. اندفعنا نحـوه بقلق :
ـ مابك ؟!
هز رأسه في يأس ولم يجب !! ببطء حاولنا أن نوقفـه ليواصل معنا ، فلم يستطع الثبات على قدميـه ، وسـقط .. وحرك أصابع يده اليمنى نحـو الأمام فعرفنا إنه يطلب منا أن نتحـرك ونتركه . حملناه .. بجـوار صـخرة صـغيرة وتركناه . احتبى بساقية إلى صـدره وعقـد ذراعيـه حولهما ومال برأسـه ليخفي وجهـه عنا ليمـوت في هـدوء . لم ينبس بكلمة . فقـد النطق ولم يستطع الـكلام .. طالما عملنا لـه ألف حساب . كنا معاً بسلاح الإشـارة بمنطقة الرأس السوداء .. وكان هو ضاوي البـدن ، له زوجة وأولاد ، حدثني عنهم كثيراً ، وعن أمله وحلمـه . كنا نطلق عليه العم كامل . لدرجـة تمنيت أن أحمله . راودتني الفكرة للحظات قليلة ، لكنها ظلت فـكرة في خاطري تموت وهي على طرف اللسان قبل أن انطق بها وأعلنها للرفاق. كيف أحمله على عاتقي وأمشي به إلى شـط القناة حيث الأمان والراحة والسلامة ، وأنا أخطو بصعوبة بالغة ؟! لم يكن أحدنا بقادر على المشي في هذه الرمال ، ولم تكـن السـيقان المتخاذلة بقـادرة على حمـل أبداننا وحمـل رؤوسنا . كل فرد منا يحـرك قدميه بصـعوبة خطـوة إلى الأمام ليصـل إلى القناة .. كانت هي الأمل والمراد والنجـاة ..
كل شـيء قد نفـد ، المـاء والطـعام المعلب والجـهد والعـرق ، ولا أمـل لنا إلا بالوصـول إلى شـط القنـاة ..
وصرخ الشـرنوبي بغيظ :
ـ أين هى المدعوقة ؟!
صوت الفلاح المعروف لدينا جميعاً ارتفع . جاء من شبراخيت ليقضى الخدمة الإلزامية معنا بالوحدة لمـدة ثلاث سنوات . لم يتخلص من لهجته الريفية القحـة . بدأ يتذمر هو الآخـر ، جاء الدور عليه .. هـل يرفض السـير معنا وينتهي العمـر هنـا ؟! والبقـرة والجاموسـة وقطعـة الأرض الزراعية التي ورثها بعد وفاة الأب.. من يتولى شؤون الدار والأرض ..
سأله الجارحي الصعيدي بغبـاء :
ـ من هي ؟!
أجاب بضيق :
ـ القنـاة ...
ولكنه نطقها بطريقة أخرى : القنـاية !!
ولم يرد عليه أحدنا ....
لم نتخلص بعـد من فقـدان الرقيب أول كامل شحاته الصياد .. وهو يجلس يائسا مستسلماً للمـوت ، مازال في الأذهان ولم يمح من الذاكـرة .. هو من حي الأنفوشي بحـري .. من صغره يعمل بصيد الأسمـاك قبل التطوع بالبحرية . كل حلمـه بعد قضـاء سنـوات التطـوع أن يحصـل على مكافأة كـبيرة تمكنه من شـراء قارب له ماكينة دفع قوة مائة حصـان . كان يحـلم أن يطـير به فـوق الأمـوج ، ليصـل إلى عرض البحـر ..
لقد انفصل عنا واحد فقـد حلمـه في بحر الرمال ..
هل سيلحق به الثاني .. الفـلاح من قرية محـلة نصـر . كان دوماً يفاخـر علينا بأنه من بلـدة الشيخ محمد عبده . الآن أمـام مصيبة المـوت تساوينا في كل شـيء ..في الماضي والحاضر ولا ندري ماسنكون عليه في الأيام القادمة من وراء الغيب ؟!
في الطـريق ، حيث الدبابات المحترقة والمحطمة ، وجثث القتلى والجرحى منتثرة في كل مكان . أثر معـركة على مقـربة من المـكان . رن في أذني صـوت :
ـ مـاء . مـاء . أريد أن أشـرب . إعطني جرعـة مـاء ..
توقفـت مبـهوتاً ، سـألني رفيقي محمود الشـاعر :
ـ لمـاذا توقفت ؟!
قلت متسائلا :
ـ ألا تسـمع ؟!

قال متسائلا كأنما فقد السمع من أثر الصدمة التي ألمَّت بنا:
ـ اسـمع ماذا ؟!
أجبت بضيق وحـزن :
ـ هناك من يطلب المـاء ..
توقف الجميع في إنصـات ، قال الشاعر :
ـ أوهـام !! إنك تتخيل ذلك من شـدة عطشـك ..
اعترضت والجفـاف يسري في فمي :
ـ انصت .. اسمع الصـوت .
قال الجـارحي :
ـ إنه صـوت الرمال يا خال ..
تراجعت للوراء ، إلى الحطـام وبقايا المعـركة ، بدا الصوت واضحاً يصدر من جندي فقد إحدى ساقيه ، ومازال على قيـد الحيـاة . ملت عليـه تفحصـته ، وجـدته ينظر إليّ برجاء وأشار بيده إلى فمـه الجاف . فهمت إنه يريد المـاء .. عدت وقلت للرفاق :
ـ ماالعمـل ؟
أجابوا..
ـ نحن عطشى ولايوجد لدينا ماء . هيا بنا . لابد من أن نصل إلى شـط القناة قبل حـلول الظـلام ..
توقفت . كنت في حـيرة . ما باليـد حيلة . هززت رأسي واصلت سيري معهم صامتاً . قال رفيقنا الشاعر ليخفف عني :
ـ لاتحزن . سنرى أكثر من هذا في الطريق . سنرى ما هو أفظع من ذلك!!
قلت غاضباً :
ـ كيف وصلنا إلى هذا الحـد ؟!
قال متفلسفاً :
ـ لا وقت للسـؤال . علينا الوصـول إلى القنـاة والحـفاظ على أرواحنا لنحكي ماجرى وماحصـل لنا ..
قلت متسـائلا :
ـ كيف حصـلت الهزيمـة ؟! كيف جاءت الضـربة ؟! كيف انتهى كل شـيء خـلال سـاعات ؟!
لم يجب .. قال الفـلاح :
ـ المهم أننا أحيـاء .. سلامتك يا رأسي ..
عقب الصـعيدي :
ـ ما في روح أغلى منك ياروحي ..
حثني رفيقي على الحـركة ومعـاودة السـير ..
في الطريق كانت المدرعات محـترقة والأجسـاد ملقاة على الرمال بجوارها . عثرنا على زمزمية بها مـاء تحولنا إلى خصـوم نتنازع عليها ، وأخيراً اتفقنا على توزيع المياه بالتساوي وبالعدل . وارتوينا . تذكرت الجنـدي الجـريح الذي فقد ساقه . قلت لنفسـي بصوت مسموع :
ـ كان يـود جرعـة مـاء ..
قال الشرنوبي الفلاح :
ـ المـاء نحتاجه في الطريق ..
قلت :
ـ جرعـة واحدة تكفيـه ..
قال الصعيدي :
ـ لن يفيده الماء ، لو شرب بئراً كاملا ..
قلت :
ـ سـأعود حامـلا له المـاء ..
اعترض الجارحي :
ـ واااه يابوي !! الحي أبقى من الميت . ستجده جثة ..
عقب محمود الشاعر :
ـ فعلا ستجده فارق الحيـاه .. لا داعي للتعب . وفر عليك وقتك وجهدك ، سنحتاج إلى صوتك في الأيام القادمة ، عندما نصل إلى البر الغربي..
وعقب الفـلاح :
ـ المـاء سيحسب من نصيبك أنت يااسكندراني..
لم أهتم ، وقلت كأنما أحدث نفسي :
ـ لكنني سأحاول ، مازال حياً . لن أسامح نفسي ..سأعود إليه..
قال الصعيدي مثبطاً همتي :
ـ لقـد ابتعدنا ..
وقال الشاعر :
ـ وأنا سأواصل إلى القنـاة ..
حملت الزمزمية وعـدت أدراجي ، أركض بصـعوبة قبل أن يبتعد الرفاق . ألهث . أبحث عن المـكان ، بعد جهد وصلت ، بحثت عن الجندي الجريح ، أعرفه من ساقه المبتورة .عثرت عليه ، مازال فيه رمق ، حاولت رفعه من الخلف وأرحته على فخذي وقدمت له المـاء .. تلقى جرعة واحدة وتوقف.. نظر إليّ .. وجدت بريقاً جميلا في عينيه ، استرحت ..أغمض عينيه ومال الرأس.. وسـدته الرمال وقمت واقفـاً حزيناً ، تطلعت حـولي . كيف حدث هذا ؟! كيف ؟! لكنني أحسست براحة لأنني رويت عطشـه قبل رحيله. وحملت الزمزمية وما بها من المـاء القليل وعدت أركض للحـاق بالرفاق .
بعد أن وصلت إلى موقع معـركة الدبابات المحـترقة .. لم أجد الرفاق.
واصلت السير ..على قمـة التلة المرتفعة كانت المـيراج الصغيرة تحصـد كل الشاردين المتجهين صوب الغرب للوصول إلى شـط القنـاة .. بطلقات الفيكرز القوية وقنابل النابالم . عثرت على رفيقي محمود الشاعر مصاباً بين الجثث . سـألته:
ـ أين الجارحي والشرنوبي ؟!
أشار نحو المدق الصحراوي المؤدي إلى القنـاة:
ـ لقـد ذهبـا ..
قلت بغضب :
ـ وتركاك وحيـداً ..
لم يجب . سألته كعادتي عندما كنا نتناقش معا في المسـاء :
ـ كيف تحولنا من النقيض إلى النقيض ؟!
نظـر نحـوي وهمس :
ـ الحـرب ...
قربت الزمزمية من فمـه ليشرب ..لكنـه فارق الحيـاة وتوقفت جرعة المـاء في فمـه .. كيف يمـوت الصوت الصادح والخرس يبقوون ؟! لقـد هربا معاً وتركاه .. ولايبقى على المـذاود إلا شـر البقـر !!
وسـدته الرمال وسـط الحطـام وبقايا المركبـات ورائحة الدخان . كان يعمـل معلماً للأطفـال الصـغار في بلدته الريفيـة النائيـة ، يهوى قرض الشـعر ويلقيه في طابور الصباح ..ويبث الروح في تلاميذه الصـغار ، ويحـلم بلحظات المخـاض .. لكن ماحـدث كان صعبا تخيله ، ظـل صـامتاً وتائهاً . لقـد استـراح الآن .. كيف كان سيواجه أولاده وتلاميذه ؟! كيف يخـبرهم بالهزيمة التي حلت بنا ؟! المواجهة سـتكون صعبة وقاسية ومريرة ، وإلقاء القصيدة مر المـذاق . كيف يشاهدهم ويشاهدونه ، كيف ينشـد لهم عن الحب والأرض والتضحية والدماء ... لقد اندثر كل شيء علمهم إياه ..
الآن ، عليّ أن أواصل السـير ، يكفي إنني أحمـل في صـدري حقيقـة ماجـرى . أحمـل السـؤال المؤلم : ماحدث !! هـل كان في الإمكان ألا يحـدث ؟!
وقمت . نظـرت حولي ، إلى الأفـق الكابي البعيـد ، لاشـيء سـوى الرمال والأشـواك الـبرية والدخـان من المركبات المحـترقة ، و .. والمجهول . وصـوت رفيقي الشاعر يـتردد تحت الضلوع . أين العـزة ؟! . عليّ أن أظل محتفظاً به لتوصيله . عليّ أن أحـزم أمري قبـل الغـروب.. وألقيت الخـوذة الثقيـلة من فوق رأسي .
حافظت على ماتبقى في الزمزمية من ماء قليـل . وأطبقت على الحـزام الذي يربطها بقبضة يدي ومشيت وهي متدلية كالأمـل الوحيد الذي يربطني بالحيـاة ، أحس برغبـة في الحيـاة كلما اصطدمت الزمزمية بسـاقي أثناء المشي المتعب الثقيـل .
على من سيقع الدور الآن ؟! من سيحمل الصـوت الذي في صدري ، عندما أسـقط مغشيا عليّ في منتصف الطريق ؟! فقدنا العـم كامل الصـياد ، وتوقف صـوت الشـاعر الصـادح صاحب قصيدة أين العـزة ؟!
وفي طريقي سـأعرف ماحصل للجارحي والشرنوبي هـل وصلا القناة ورجعا للـبر الغربي ، أو جاء الدور عليهما مبكراً قبلا مني ؟! . أجرجر قدمي بصعوبة . خلعت حذاء البيادة الأسـود الثقيل ، وانتزعت الرمال جوربي المثقوب المتهالك . لم يبق عليَّ سوى أفرول القتال . عندما سأصل حافة القناة سوف أخلعه وأقذفة في الماء المالح . وألقي بنفسي خلفه للتطهر.. هل سأصل إلى هنااااك ؟! إرادة البقـاء تدفعني بلا توقف ..
من عليه حمـل السـؤال المؤلم الصعب ؟!
لابد من الوصول إلى برالقنـاة ..

عبدالسـتار خليف *
* كاتب وروائي مصـري


أعلى






ممر الموسيقى

تخيل أنك تمشي والموسيقى تمشي معك، بالمعني الحرفي لكلمة مشي، وكأنها رفيقة درب ولو لعشرات الأمتار .... موسيقى طالعة من الأرض وفي الليل فحسب؟!
خرجت إلى باحة المنتجع فوجدت موسيقى تمشي على الأرض، تدغدغ الأقدام، وتصعد رويدا رويدا إلى أن تصل إلى الدماغ، أشبه بحية بوذا، تزحف وتتململ مع انحناءات الممر، فتمايلت خطواتي معها، ومشينا الهوينا الهوينا، إلى أن أوصلتني إلى الجسر المائي الذي ينتهي إلى شاطئ البحر، ثم ودعتني....
في الليل التالي، ذهبت إلى الممشى نفسه، ناسيا أن هناك موسيقى، يبدو أن أقدامي هي التي أخذتني هناك لا شعوريا، كالسائر في نومه، فهي أول من هزه تيارها الهادئ اللطيف، كان ثمة ضوء أيضا يتبع الصوت، أم أن الصوت من كان يتبع الضوء، أم أن الموسيقى تابعة ومتبوعة ؟!
وفي تلصصي لمعرفة مصدر الصوت الذي يتوزع حول المكان، مثل رائحة "البِل" في الصباح، رأيت الموسيقى تسري في سلك مُضاء يشبه أنابيب ري الأشجار، بحيث يباغت الماشي دون أن يراه، بيد أني فضلت الفكرة الأولى، أي فكرة موسيقى طالعة من الأرض لوحدها، موسيقى دون أصوات بشرية ـ يبدو أنها موسيقى كلاسيكية ـ أعجبتني فكرة الأرض وهي تغني، وتذكرت هذا المقطع لشاعر أفريقي مجهول من قصيدة طويلة:
كنتُ نائما في بطن أمي
فجأة سمعت صوتا يناديني
أنت تنام؟!
تعال كي ترى الأرض وهي تغني.

لا يمكن وصف لحظات مثل تلك.... فنحن نسمع الموسيقى ـ وقليلا ما نصغي إليها ـ عبر أشكال عدة وتقنيات متنوعة، لكن أن تتشقق عنها الأرض ليلا، لا جنية ولا إنسية، بإضاءتها الناعسة الخافتة، ومن بين عروق الأشجار والحشائش، فهذه مفاجئة مدهشة من النوع الموسيقى النادر حقا!؟
موسيقى الأرض بطنها، وعروق الأشجار تيارها، لا الجذور أو الغصون أو أية دوالي أخرى، موسيقى غير مرئية تتمشى معك يدا بيد ـ وان بدا أنها تتمشى في أسلاك ذات نقاط مضيئة متقاربة، تظهر قليلا وتختفي كثيرا على طول الممر وفي الأحراش ـ موسيقى هامسة ومهموسة، زاحفة ومزحوفة، شاكية ومُشتكاة، نافحة ومنفوحة، وقع خفيف على وتر الأرض، وقع هامس لموسيقى تساير بتؤدة خطواتك، فتشعر بهدوء النفس كما في رياضة اليوجا، موسيقى تمشي على مزاجك، راحتها في راحتك، وقمة سعادتها في أن تدغدغك في راحة قدمك وفي إبطيك، أن تأرجح رأسك المملوء بأفكار لا معنى لها، وكأنها تقول لك ما قيل في الكتاب المقدس: "انك تشغلين نفسك بأشياء لا معنى لها يا مرْتا"، إنها تغسل رأسك من طنين يومك، ومن عبث اللامعنى، فهي المعنى متنفسا في الأرض.
ها الموسيقى حبلى:
أصغ إليّ، فهذه هي المرة الأولى في حياتك التي تسمعني وتراني بخطواتك لا برأسك، إنها المرة الأولى التي تتأملني فيها وأنت مُنحن، أن تتواضع وتنظر إلى الأرض، أن تصغّر خدك، وتحني رأسك، أن تكون كما الأطفال في مرحلة الحبو، فلطالما حملتك أقدامك سنوات وسنوات، فلماذا لا تحملها أنت هذه المرة لعد ثوان، وتتخيل نفسك ماش على راسك، من فرط الاستحواذ والغبطة والمسرة....
أنا صوت الأرض الآتي من أعماقك الدفينة التي قلما أصغيت إليها في يومك وليلك المهذار.
ها هو ممر الموسيقى يكتب مقطعا قد يكتمل يوما ما قصيدة، أشبه بـ"الخاطر والوارد" ، بصوته السلس السيّال في بطن الموسيقى الأرضية:
في ممر الموسيقى
سمعت روحي تبكي
فعتبت على حبيبتي
التي لا تدهشها الموسيقى

وهل الحب إلا موسيقى
والأرض ممر لها؟!


عبديغوث

أعلى








"دافنشي العبقري" .. معرض لمحاولة فك أغوار شفرة ليوناردو دافنشي

بالتيمور ـ من كريس كالتنباخ*
رسام، وعالم، ومخترع، ومصمم، ومهندس، وحالم، وعبقري. هل هناك رجل ارتبطت كل هذه الألقاب والصفات باسمه غير ليوناردو دافنشي؟
ربما لا. ففي عالم يصارع فيه الإنسان كي يبرع في مهنة واحدة نجد دافنشي برع فيها جميعا. لقد رسم الموناليزا قبل أكثر من 500 عام مضت، ولا تزال هي أشهر لوحة على وجه الأرض.
كان مطورا رئيسيا لآلة أشبه بالكاميرا الثابتة. ودرس تشريح الإنسان، واخترع الرولمان بلي، وصمم طرازات بدائية للخزانات والمروحيات بل وآلات جز العشب قبل قرون من اختراعها.
واحتفالا بهذه الشخصية الفذة وبداية من الشهر الحالي وحتى 31 يناير يستضيف مركز ميريلاند للعلوم معرضا جوالا بعنوان (دافنشي العبقري) يوفر فرصة لأولئك الذين لم يتعرفوا على تلك الشخصية أو يشككون في عبقريته وحتى أولئك الذين تأثروا كثيرا بشخصيته. وفي ذلك قالت بيرندا لويس القائم بأعمال مدير المعارض بمركز العلوم: ثمة الكثير لاستيعابه حيث نتعرف على جميع تلك المجالات التي استطاع أن يبرع فيها، فمن المدهش أن كل تلك الأشياء التي نستخدمها اليوم كانت أفكارا تعود للقرن الـ 15 قمنا بتطويرها أو بتمديدها، وما نعتقد أننا ننظر إليه اليوم كان قد تم التفكير فيه قبل 500 عام.
ورغم أن المعرض لا يقدم أيا من لوحات دافنشي أوأعماله الأخرى التي لا تتحمل كثرة التجول إلا أنه لم يكن ثمة شيء يمثل خير تمثيل ذلك الذكاء الضخم وحب الاستطلاع الكبير لدى ذلك الرجل سوى التصميم. فالعشرات من تصاميمه التي تشمل فرقة الرجل الواحد وبدلة الغوص النمطية تعرض بأبعاد ثلاثة بأشكال لم يشهدها أبدا طوال حياته. وثمة إعادة إنتاج لكراساته ورسوماته التشريحية ولوحاته.
إن لوحة الموناليزا التي تقبع حاليا خلف زجاج مقاوم للرصاص بمتحف اللوفر في باريس تدب فيها الحياة في هذا المعرض المقام في بالتيمور مع غرفة كاملة مخصصة للصور المتعددة للوحة الشهيرة. كما يشتمل المعرض على سلسلة من الصور فوق الحمراء كبيرة الحجم التي تكشف تفاصيل كانت مخفية طويلا تحت اغطية الورنيش وسنوات من البلى، بنفس جودة الألوان الأصلية التي لم تر من قرون.
ويفتتح المعرض بعرض خط زمني لحياة دافنشي شاملا 24 صورة فوتوغرافية مسلسلة زمنيا لأحداث حياته والعالم ايضا.
ولد ليوناردو دافنشي عام 1524 ابنا غير شرعي لكاتب عدل، وعاش ردحا من الزمن يرفل في نعيم تقدم ثقافي وعلمي بين الكثير من الرسامين المعاصرين في حركة النهضة الإيطالية من بينهم مايكل انجلو ورافاييل.
وخلال حياته طبعت الكتب لأول مرة باللغة الانجليزية، وتقلدت سلالة تيودور السلطة في بريطانيا، وأبحر كريستوفر كولومبوس متجها إلى ما يعرف اليوم بالهند. وقال عنه روب كيرك من شركة المعارض الكبرى الاسترالية التي تشرف على المعرض: إنه أحد أبرز نوابغ التاريخ حقا، واتساع معرفته وعبقريته تذهل الألباب. وتابع يقول: الناس تريد أن تعرف لماذا حظيت الموناليزا بكل هذه الشهرة، أما نحن فلا نجيب على السؤال بطريقة مباشرة ولكننا نعطي الناس الكثير من المعلومات لنكشف عن الأسرار التي تقف وراء تلك اللوحة بحيث يخرجون من ذلك باستنتاجاتهم الخاصة.
ويضم المعرض أكثر من 65 تصميما يضاهي التصاميم التي وضعها أشرف على بنائها فنانون إيطاليون مهرة باستخدام مواد ووسائل كانت متاحة في عصره.

*خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست ـ خاص بالوطن


أعلى



 




للصورة بعدان
"سيما أخت مقزح"

مع الاعتذار لكل المحافظات العمانية ومدنها وقراها الجميلة... ليست "سيما أخت مقزح"!
"بسلامتي وسلامة الخلق يا ربي"..
ما أن أعلنتُ الحرب على الخنازير في عمود الأسبوع الماضي المسببة لأنفلونزا الفيروسH1N1 حتى غزاني العطس وأصابني الصداع، وسكنتني الحمى الشجية وتعرفون بقية الأعراض. كثيرا ما نصحني الأطباء والأحبة الاهتمام بصحتي الغالية وعافيتي؛ لكنني كما يقول المتخبر، أحيانا لا كثيرا، لا أكترث و"عاملة حالي مش مريضة"، وأقدر أقاوم. ولكن هذه المرة كانت مقاومتي ضعيفة، فقد خذلني جسدي تماما، ووجدت في الرقود على السرير، حافزا لقراءة موضوعات قديمة، وسماع أغاني لفيروز وشادية وكارم محمود، ومشاهدة أحب أفلام الكارتون عندي: سنان وماروكو الصغيرة وأفلام شارلي شابلن، بالإضافة إلى سماع الموسيقى. وآلمني بشدة انقطاعي عن سماع موسيقى فرقة (أنيجما) منذ عام 2005م. سأكتب عن تلك الموسيقى في وقت آخر. أقول الصراحة كانت رقدتي على السرير وانتشار الأدوية والكمادات من حولي دافعا للقراءة، لكن أكثر ما لفت انتباهي هي الرسائل القصيرة التي تم تبادلها بنصف قلب وعقل مع الأصدقاء والأهل والأحبة والتي بواسطتها كتبت "سيما أخت مقزح". ولا بأس أن تشاركوني بهجتي في حضرة الوجع.

ههههة..
أيقظني اتصال غبي من أحد الرجال الأغبياء. ونومة الظهر هذه المعروفة بفترة القيلولة والتي تبدأ معي بعد صلاة العصر حتى السادسة مساءً، نومة لا أفرّط فيها إلاّ إذا ألزمني رئيس جمعية الكتّاب والأدباء بحضور اجتماع هام خارج عن التغطية. فما بالكم إذا كنت مريضة، هل يسهل معها التفريط في نومة الظهر المبهجة، هيهات ثم هيهات، ولكن فرطنا فيها وانتهى الأمر! ومن خلال التجربة لاحظت أن كثيرا من الناس الذين أعرفهم طبعا، يحلو لهم مشاكستي في ذلك الوقت العصيب، حيث جدار قحف الرأس يتواطأ مع جدار المعدة وأشعر أني في خبر كان الظريفة. وحينما أيقظني الاتصال وأنا مريضة:
- فلانة كيفك؟
- أنا آمنة..
- فلانة كيف بنتنا؟
- يا فلان أنا نائمة.
- آه! آمنة الربيع! أنت نائمة!!
- سحقا.

"والله أنا مش غبي"..
قال: أنا لستُ من قائمة الرجال الأغبياء. كلما كتبتُ لك رسالة، أبعثها بالخطأ إلى زوجتي!.
قلت: لأن الأطفال الصغار عندما يكبرون ويتزوجون لا ينسون تكرار خطواتهم المتكررة نحو المشاكسة.
"تيتي تيتي كما سرتي جيتي..."
تختلف زاوية النظر بين الموظفين الصغار والمسؤولين الكبار فيشكل هذا بلا شك عاقبة وخيمة على الوطن وعلى الناس. مش مشكلة إذا لم يكن عندنا خشبة مسرح مجهزة فنيا لمهرجان مسرحنا العماني، وصالة كبيرة للعرض تستقبل القادمين إليها بأعداد كبيرة وغفيرة لمهرجان طال انتظارنا له، هذا كله لا يعد مشكلة، طالما عندنا دار فاخرة للأوبرا!
وقال: نحاول أن ندعو الجعايبي للمهرجان، طلعوا الجماعة لا يعرفون من هو الجعايبي يا آمنة. لا وتخيلي بعضهم يقولون للمقالح بالمقلاح! ما رأيك يا أستاذة أن نستقطع من وقتك ربع ساعة وتعطينا رأيك في مظاهر الاستعداد لمهرجان المسرح العماني.
وقلت: صدقا ليس عندي اهتمام بالموضوع، هناك ما يُشغلني. لو لم تكن هناك فرقة مسرحية ستشارك بنص من تأليفي لما اقتربت من المهرجان. أن تكون متفرجا على المباراة أفضل من ركلة كرة تفصل جسدك عن روحك. لكن التفكير في دعوة فاضل الجعايبي مسألة أبهجت فؤادي.
"إبعد بقرتك عن ثوري"
نكشتُ أوراقي المخصبة باليورانيوم ومزقتها لقطع صغيرة حتى صارت فتافيت تأكلها الطير وتتخرا عليها وهي تغني.. وتغني.. وتغني..
قالت: لا أدري إن كانت تلك الأوراق المخصبة كانت تستحق أن يكون مصيرها كذلك. إلا أن ما يخفف ذلك المصير معرفتها بأن غناء تلك الطيور سيكون (مشعا) حتى لتضئ بمناقيرها الصغيرة مدينة بأكملها.
قلت: سنة كاملة يا الغجرية وأنا أُخصب باليورانيوم حتى صرت امرأة قابلة للانفجار في أي لحظة.
قالت: طيب انتظري محمد البرادعي يزورك.
قلت: قسما لألحونه لحو العصا، وأقرعنه قرع المرة، ولأعصبنه عصب السلمة، ولأضربنه ضرب غرائب الإبل، ولأخوزقنه على مسلة، هو ومن يتشدد له أو يدله عليِّ!
قالت: ما بك؟ كأنك ابن نجاد تقرعين وتزبدين؟
قلت: لا فرق، إن كنتُ الحجاج أو زيد ابن أبيه! فليبعد بقرته عن ثوري أحسن له.

"ليه خلتني أحبك؟"
"لما على الباب يا حبيبي نتودع
يكون الضو بعده شوي عم يطلع
بقف أطلع فيك ما بقدر خليك
بخاف تودعني وتروح ما ترجع"
وأسأل للمرة التي بلا عدد: ليه خلتني أحبك؟!

"ليس في ذم الرجل"
قلت: "ما يجعل الرجل استثنائيا أنه بدونه لا يمكن للمرأة إنجاب أطفال. الرجل ليس هدفا في حد ذاته ولكن الإنجاب هو الهدف، والرجل هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك الهدف. إنّ الأمومة ـ إنجاب أطفال ـ غريزة عند المرأة لا تقابلها غريزة شبيهة لدى الرجل، فالأبوة سلوك وعُرف مكتسب وليس غريزة. ولذا فإن ما يبحث عنه لاوعي المرأة في العلاقة هو الثمرة ـ أي إنجاب الأطفال ـ وليس الرجل في حد ذاته"
قالت: اعترفت لي إحداهن بأنها تحتفظ بزوجها للآن من أجل التلقيح. ربما يكون صحيحا وواقعيا جدا، إلا أنه سيكون مخيفا جدا أن تخلق مخلوقا بأحشاء امرأة أمر صعب بحد ذاته وسيكون مرعبا إذا كانت وحيدة وإن كانت متزوجة.. في حالات استثنائية ربما الأمر سيكون ممتعا لمن تحصل على هدفها كالأرملة السوداء"

آمنة الربيع

أعلى


 




السر الأعظم

كما تتكسر المرايا على المرايا
وكما يأكل الشغَف الشغِف
وكما ينكسر ضوء مقلة في ارتكاسات الكأس الصاعد في حمرته
وكما يلتمع الخاتم الفضي في فراغ الرؤوس
وكما تنشق الصورة في وجه الماء
بين ظلين وضلعين
أو بين جهتين وذاكرة
ينكشف السر عند العرفانيين والعرافين
فتصبح المعاني أقل انبلاجا من المجهول للمعلوم
تصبح الأشياء بلا صوت
تتبرج في الحد الفاصل بين الموت والبعث
يصبح الكلام غريبا عن قائله
ويصبح المعنى أكثر بريقا من عين عشي لحظة العتمة
أو قلب يتيم ليلة العيد
وأكثر سطوعا من مرآتين متعانقتين عند ممرات المواربة
ترتج الحقيقة كأنفاس محبوسة في صدر بلا زفير
وتتقدم الفكرة في مداراتها الحرجة مستديرة على ذاتها
تحاول قضم عتبات العبور نحو السر
فيخذلها الهواء
وتنتفض في بحبوحة انفراجة عصية
وبين ضرسين يحتجزان الكلام
وتحت أنياب الكتمان
وشرفات الكشف
يرتفع الماء
ويسرف في سفك أحلامه
وتقسيم حصص الحنو على المحو والصحو
فيغضب الملح
ويرغي ويزبد
وتسمع للفراغ الفاصل بين القلب واللهفة
رعشة مزمار صدئٍ من فورة التداعي
وإغماءة أم فارقها الطيف الذي يدفئ أحلامها في الغياب
ونحيب ناقة أخذوا صغارها للذبح
وحنين صلاة بلا أناشيد ترشق الحس بالعتب
فالويل والثبور لذاكرة الندم
ولصولجان الملك الأخير
ولحسن للتمرئي في القلى
ولعين شفّعها القذى في فراق الحبيب
ولعتب الروح إذ ترتعد في ارتقاءاتها الذاهبة
وترتج أوتارها في السبات
ولسيل يمنح الجدب أشلاءه
ولموت يمنح المصلوب صلاة السلام
ولكل البكاءات التي قد توصل الليل بالليل
ثم ستذبل كزهرة عباد الشمس تئن بصمت مطأطأة رأسها
حين يستفحل الغيم
حين تحين لحظة الاغتسال في ضوء المرايا
والسر عظيم
وويل لليل إذ يشفق على الصبح من لذة الكرب
فيخلع عليه رداءه كي يبارك غياباته الغافلة
وكي يعلل للحلم ما تيسر من قياماته الموجزة
ويشفّع موتاه في عبور بلا مأذنة
فتدغده فوضى البشارة
وقد زم الماء يده إلى لهفته، وأضفى على رحلته صفة الماء
فكيف تكون الصلاة؟!
قالها..ومضي مستبشرا
ولم يدرك
مدارك الريب
إذ يتعالى في غيه
وإذ يروم صنع الحجاب
لم يدرك فورة الحزن التي خبأتها الرمال في جيوب القلب
وفي آخر جهات الصلاة
ولم يدرك أن المرايا يكشف عنها الحجب
وتقرأ السر في قراراته
وإن كان مشدودا لحجاباته السافرة
تقرأ السر في كلمات الحرز المطوّق للقلب
في الأظافر يزرّقها الحنين
وفي العظام إذ يتعالي فيها الوجيب
تقرأ السر في الصمت الراعف في سره
في رذاذ الرعاف
فيما تناثر من حكي الصوفي إلى ربه
في حلقات الذكر
في المسابيح تعانق عنق الدرويش في التجلي وتبكي
في الأدمع تطهّر أدران العشق وتغتسل في إثمها
في الشهقات ترتفع عند اللهاث
في عين الدرب مزروعة بالتوجس
في عصيان الشوق
وفي ذاكرة الغياب
تقرأ السر العظيم

د.فاطمة الشيدي*
* شاعرة عمانية

أعلى


 



الإصلاح المجتمعي .. إضاءات ثقافية واقتضاءات تربوية

الاستسلام طويلا إلى ثقافة القهر والظلم والفقر في بعض البلدان النامية تسبب في خسائر جسيمة
الثقافة والسياسة مرتبطان بشكل وثيق بأنماط من الصور الحضارية والمعتقدات الفكرية، والفصل بينهما يعني تغييب الشعوب عن واقعها ومستقبلها

القاهرة ـ حسام محمود:
يستهل الدكتور حامد عمار كتابه (الإصلاح المجتمعي .. إضاءات ثقافية واقتضاءات تربوية) بسرد العديد من النقاط التي غيرت مجرى التاريخ، وانعكست على ثقافات شعوب المعمورة، فلا يمكن إنكار ما أعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة بضرب برجي مركز التجارة العالمي، ومصرع الآلاف هناك، وطعن الحضارة الأميركية الحديثة بنفاذ التنظيمات المسلحة وأيدلوجياتها الفكرية المتباينة المراحل والأهداف إلى داخل أراضى الولايات المتحدة، وما تلاها من أحداث جسام غيرت مجريات التاريخ، وفتحت صفحات جديدة من الصدامات غير المسئولة بين أصحاب الحضارات ثم الحوار العنيف والجدال السياسي والصراع الثقافي بين الشعوب المختلفة، والتي أدت إلى بزوغ اتهامات بجرائم دموية، وإرهاب مسلح، وعنف غريب ومروع من قبل بعض الدوائر الغربية حيال جهات وبلدان في الشرق، مما سمح لبعض الأفراد والهيئات والمنظمات بتدويل القضايا المعاصرة بغية الحصول على مكاسب إقليمية ودولية، خاصة ببعض البلدان لتغيير خرائط العالم .
وتحتاج معظم المجتمعات حاليا إلى إصلاح مستمر، لما قد يستجد من قضايا وأزمات جديدة، وما نتج عن ملفات الأزمات القديمة، بشرط أن يكون هذا الإصلاح نابعا من داخل البلاد بدون تدخلات خارجية من القوى والهيئات الكبرى، وإلقاء الأفكار على شواطىء الإصلاح في الحياة الساكنة، والتي تشهد تباينات واضطرابات بين الحين والآخر، والواقع أن الاستسلام لزمن طويل إلى ثقافة القهر والظلم والفقر في بعض البلدان النامية تسبب في خسائر جسيمة، وتراجع فنون الخطابة والإبداع الثقافي، والسعي البراجماتى تجاه عقد المؤتمرات لمناقشة القضايا، وإيجاد الحلول لها، وتتوالى محاولات السعي إلى التجديد في بعض الأقطار على أيدي القادة والزعماء بسبب الأطروحات الزما نية والمكانية التي تشهدها، ولا يمكن أن تتناسى الشعوب ما وقع لها من مآسي مروعة، خاصة إذا ما استطاعت تجاوزها بصعوبات كبيرة لا تزال ماثلة أمام عيون مواطنيها .
ويضيف الكاتب أنه فى سياق هذه التحولات الكبرى في إدارة الحكم ببعض المجتمعات النامية تزداد وتتنوع المشكلات والأزمات، وتتشابك أدوار الدولة مع خصائص المجتمعات من خلال ما يحاك من مواقف، وحتى إذا ما وقعت تصادمات، فدور الدولة يبرز في تهدئة الرأي العام، وتغليب المصالح العامة على الخاصة، والسعي نحو الإصلاح الحقيقي النابع من رؤية حقيقية لبواطن الأمور، حتى لا تضيع الإنجازات في غياهب العولمة التي لا تترك صغيرة ولا كبيرة من مستجدات القضايا إلا وتؤثر فيها، وتضطر بعض المؤسسات المالية والإنتاجية إلى تغيير سياستها، واستبدالها بألوان أخرى مناسبة للمراحل العلمية والعملية في ضوء مسئولية الحكومات عن المجتمعات، والتي تضطرها إلى التدخل في أوقات معينة لا يمكن الفرار فيها من المسئولية الحقيقة الملقاة على كاهلها .
وتحتاج الثقافات والنظم التعليمية وفقا لرؤية المؤلف إلى إلى تناغم مجتمعي لطرد الأفكار المغلوطة، وإشاعة ثقافات صحيحة للحوار الديمقراطي والتوجه المجتمعي للتغيير الصحيح الذي يحمل عبق الإبداع، وليس الشرق الأوسط ببعيد عن الآفاق المتباينة للتدخلات والمؤامرات الخارجية التي أصابت العولمة بعلل لا حصر لها على أيدي ساسة الولايات المتحدة أثناء حقبة الرئيس الأميركي جورج بوش، وتجرعت أميركا من كؤوس الهزائم السياسية رغم قوتها العسكرية الرهيبة آنذاك بسبب التعنت الذي أصاب الإدارة بالبيت الأبيض، وجعلها تصيغ اطروحات للتوسعات، وتكوين محاور وتكتلات للحروب، والانتقام من الشرق، لأنه على حد ما كان يروج من مزاعم واهية، المسئول عن ما أصاب الغرب من ضربات وجرائم وإرهاب .
ويلقى المؤلف الضوء على معاناة الكثير من البلدان النامية والفقيرة من غطرسة بعض المنظمات الدولية، والتي تريد عن طريق سلاح المعونات والضغط بالعقوبات والتلويح بها فرض آرائها وأفكارها عليها، واستغلال وضعها السياسي القوى في عولمتها ثقافيا بغية تحقيق مآرب شتى تتمثل في التغيير الجذري لهياكلها وأيدلوجياتها، وتحييد بعض الشعوب عن القضايا المصيرية التي يجب أن تقف بقوة في مواجهتها للنهاية، حتى لا تتحول إلى طامة كبرى عليها، وعلى مصالحها، لهذا تجاهد الأقطار النامية من أجل تصفية الأوضاع المعقدة والمتعلقة بهذه المؤسسات، وجعلها تتواكب مع متغيرات العصر، ونبذ تبعيتها للقوى الكبرى، حتى لو تكلف الأمر إنشاء مؤسسات مستقلة ومنظمات جديدة وهدم نظيراتها القديمة والإطاحة بثوابتها المشوهة فكريا .
وللأسف دخلت الدول العربية والإسلامية في دوائر الاتهامات الغربية بارتكاب جرائم الإرهاب الدولي، وزعمت بعض الأوساط الأجنبية أن ثقافات هذه البلدان الشرقية تساعد على العنف والإرهاب، رغم ما يدعو إليه الدين الإسلامي الحنيف من سماحة وتآخ ومودة، ومراعاة لأصحاب الديانات الأخرى، وعدم الإساءة إليهم، لهذا بزغت صورا من التصادمات والحروب والصراعات الثقافية .
وجرى ما هو معروف من الهجوم على أفغانستان واحتلال العراق والتهديد الأميركي والغربي المستمر لإيران وسوريا ولبنان، بل وعلى مصر سواء بالطرق الدبلوماسية أو التهديد بفرض العقوبات بالقوة، لكن هذه الخطوات ذهبت أدراج الرياح، وانكشفت أكاذيب هذه المزاعم، وأصبحت الأوساط الدولية تتحدث عن كيفية تغيير التوجهات الأميركية والغربية حيال الشرق.
ورغم ما ناءت به بلدان المعمورة من سلبيات نتيجة السياسات المتضاربة التي انتهجتها الإدارات الأميركية المتعاقبة، فقد استطاعت شعوبها التمسك بثقافاتها العميقة وحضاراتها الأصيلة، فالمظاهر الخارجية للأفراد مثلا لا تعنى تركهم لمفاهيم المواطنة الصحيحة، وعدم الانخداع بالديمقراطية الزائفة التي يريد بعض الغربيين والمستشرقين منهم غرسها في قلوب وعقول الأجيال بالمجتمعات النامية، والفقيرة، فالديمقراطية شيء مطلوب وايجابي لا محالة، لكن غير المفهوم، هو خلط معايير تطويرها، وتغيير أنماط تطبيقاتها الفعلية لخداع الرأي العام الدولي .
ويؤكد الكاتب أنه ليس كل ما يلمع ذهبا، وليس كل منهجا قابلا للتنفيذ على أرض الواقع، وليس هناك إصلاحات بدون تغيير الذات نحو الأفضل، ونبذ المعتقدات الزائفة التي لن تجلب سوى الخراب للعقول والأبدان والنفوس، ويحتاج بناء المؤسسات الديمقراطية إلى فهم سليم لمقتضيات الأحداث، ودراسة متأنية وكاملة لتطوراتها، والسيطرة على ردود الأفعال السريعة حيال الضغوط الخارجية التي كانت ولا تزال تحرك مسيرة الثقافات، وقد تصطدم بأفكار ومعتقدات الشعوب .
فالثقافة والسياسة مرتبطان بشكل وثيق بأنماط من الصور الحضارية والمعتقدات الفكرية، والفصل بينهما يعنى تغييب الشعوب عن واقعها ومستقبلها بحثا عن المجهول، فالأحلام الوردية تحتاج إلى جهود للوصول إليها، وترك المطالب الحياتية هو هراء غير مفهوم، أما مواجهة الصعوبات مهما كانت ضخامتها بالعزيمة والإرادة، فهي الحل الأمثل للانتصار في معارك الحياة المحتدمة .
ويعد مفهوم الثقافة مفهوما مركبا ينطوي على عدة خصائص تشمل : نوعية المتطلبات، والأوضاع المادية والاقتصادية والتكنولوجية والجغرافية والعمرية للأجيال، ويجرى ذلك من خلال عمليات ديناميكية جدلية يكون الإنسان فيها هو المحرك الرئيسي لمقتضيات الأحداث، وهكذا تتجسد القيم والمعاني الثقافية في فترات زمنية معينة كمركبات من معطيات الماضي والحاضر، بل وتتضمن رؤية المستقبل أيضا، والكفاءة في استخدام أدوات العمل، والإنتاج المادي والأدبي .
وتتجلى أنشطة القيم الثقافية في جملة من المواقع التأهيلية للأفراد والمؤسسات التي لها أبعاد متباينة، وفقا لخطط ومنظومات تستلزم تحديد مدخلات ومخرجات العملية الثقافية، ومهارات الإبداع لدى القنوات الفكرية والأدبية وقطاعات التنمية .
وفى مجال عمليات التنمية وإجراءاتها وسياساتها يشدد الكاتب على اعتبار الثقافة محورا رئيسيا في أهدافها وغاياتها بصفة عامة، قبل أن تكون وسيلة، والواقع أنه في مختلف العمليات التوسعية للحضارات يجب عدم إغفال أسس صناعة القرارات الرشيدة، ومتابعة تقييم الأداء للمجتمع ككل، وعدم الانسياق وراء الأهواء الخارجية، وضبط دوامات العولمة بعدما ثبتت زيف الكثير منها .
وتشمل الروافد الثقافية المعاصرة التي تؤثر وتتأثر بما يجرى على الساحتين الاجتماعية والسياسية، المخطوطات، والوثائق، والمتاحف الأثرية، والمكتبات العامة والمتخصصة، والتراث الشعبي، وطرز العمارة، والتصوير والموسيقى، وحوافز الإبداع، والتجديد في الخطاب الثقافي، والأطر المجتمعية المرتبطة بها .
يشار إلى ان الكتاب صادر عن مكتبة الأسرة بالقاهرة، بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة للكتاب.

الدكتور حامد عمار


أعلى


 


الفن وسيلتها لرؤية العالم والتعرف على الجمال
الفنانة التشكيلية الروسية أنا دودشينكو لـ(أشرعة):النمطية أداة فارغة للتعبير عن النفس
المشهد الفني العماني بحاجة إلى المعارض ومراكز الفنون لينافس دوليا

حاورها ـ إيهاب مباشر:
'' عندما كانت الروسية آنا دودشينكو طفلة، كانت تحمل القلم الرصاص والفرشاة في يدها، فكانت دائمة الخربشة على قطع الورق، اللوحات، الأثاث، والجدران، ولذا كانت تسمي ما ترسمه بـ(الخربشات)، والآن عندما كبرت، أسمتها بـ(الرسم)، فالفن وسيلتها لرؤية العالم والتعرف على الجمال، وقد تأثرت كثيرا بفان جوخ، مونيه، جوستاف كليمت، مايكل فروبل، جاكسون بولوك، هوندرتفاسر، ليتون، تمارا لمبيكا، موديلياني، لكنها لا تدعي أن جميع هؤلاء الفنانين، هم مصدر إلهام لها، قضت أنا دودشينكو طفولتها في مدينة كراسنودار، فتأثرت بهذه المدينة الجميلة، التي تشتاق لها دائما، تتعامل مع جميع الوسائط والأدوات الفنية مثل الألوان الزيتية، والمائية، والباستيل وأقلام الرصاص والحبر، وورق الذهب والكريستال، بالإضافة إلى أنواع مختلفة من الورنيش، لكن الألوان الزيتية لا تزال مادتها المفضلة؛ لما تتميز به من عمق ومرونة، وما بها من طاقة متجددة وإمكانات هائلة، هي رسامة متنوعة، بدأت تجربتها الأولى، فكان البحث والاكتشاف، والخطأ، ولكنها في طريقها لمواصلة التحرك، ترى دودشينكو النمطية أداة فارغة للتعبير عن النفس، والفنان الحقيقي لا يوجد لديه أسلوب محدد، لكن سيتم الكشف عن اسمه في وقت ما، أقامت أنا دودشينكو مؤخرا معرضها الثامن "ابتسم .. أنت في مسقط" في بيت البرندة بمطرح، وكان لـ(أشرعة) معها الحوار التالي ،،


* هل القلم والفرشاة والخربشة على الجدران والأوراق والأطباق، نبوءات عن ميلاد الفنانة التشكيلية آنا دودشينكو ؟
** عندما كنت طفلة، كنت دائما أحمل القلم الرصاص أو الفرشاة في يدي، وكنت دائمت الخربشة على قطع الورق، اللوحات، الأثاث، والجدران، ولذا كنت أسمي ما أرسمه (الخربشات)، الآن عندما كبر سني أسميها بـ(الرسم). في رأيي، وكوني فنانة، لا يعني أنه يجب أن يكون هناك طلاء، فقط يجب علي أن أرسم بطبيعة الحال، والفن ليس فقط وسيلة للمعيشة، بل هو وسيلة لرؤية العالم والتعرف على الجمال من حولك إضافة إلى جماله الغريب، وأظن أن الرسام هو من سلالة مختلفة عن غيره من الناس، وهو دائما خارج التسلسل الهرمي.
* قضيت طفولتك في مدينة كراسنودار، فهل تأثرت طفولتك بهذه المدينة الجميلة؟
** بعد دراسة الفن في مدرسة الفنون المحلية لمدة 6 سنوات، ودخلت جامعة ولاية كراسنودار في روسيا، حصلت في عام 1996 على درجة الماجستير في الفنون الجميلة وتاريخ الفن. وكراسنودار، تلك المدينة الجميلة في الجزء الجنوبي من روسيا، قضيت فيها طفولتي، هي كل المواسم الأربعة، الشتاء والخريف والربيع والصيف، والتي اشتقت كثيرا إليها وأنا هنا في السلطنة.
* هل دراستك الأكاديمية في مجال الفنون في جامعة ولاية كراسنودار، خدمت مشوارك الفني، وعززت تجربتك في الفنون التشكيلية ؟
** في بداياتي الأولى تأثرت كثيرا بفان جوخ، مونيه، جوستاف كليمت، مايكل فروبل، وفي وقت لاحق اكتشفت تأثري بجاكسون بولوك، هوندرتفاسر، ليتون، تمارا لمبيكا، موديلياني، والآن وفي هذه اللحظة أنا مهتمة بأعمال بعض الفنانين على الجدران. إنها الحياة العملية. ولكن سيكون من الخطأ أن أقول إن جميع هؤلاء الفنانين، هم مصدر إلهام لي، فهذا ليس صحيحا. وقد أثروا أفكاري ومشاعري، عواطفي بطريقة أو بأخرى ، بقدر ما يحدث من تأثير لبعض الكتاب والشعراء والمصورين والفنانين والمهندسين المعماريين، ولكن الإلهام يأتي من الداخل، أنا لا أعرف من أين يأتون من الصور، وهذا أمر أؤكده، ومن الصعب أن أشرح كيف يتم ذلك، لكن بالتأكيد ليس عن طريق القوة، وليس عن طريق الاختيار، وليس من قبل المخابرات، ولا حتى عن طريق الحدس بالضبط، ولكن هو أقرب إلى الحلم.
* .. وما المدارس الفنية التي صاحبتك خلال حياتك المهنية ؟ وأين أنت الآن؟
** أنا رسامة متنوعة، بدأت التجربة الأولى، فكان البحث والاكتشاف، والخطأ، ولكن أنا في طريقي لمواصلة التحرك، وأصاب بالملل عندما أتحرك في نمط وإطار محدد، وهو شعور كل من ينهج نفس النهج، يقول فريدريش هوندرتفاسر وهو أحد الفنانين المفضلين لدي: النمطية لا تعني أي شيء، وهناك أسلوب ليس سوى أداة فارغة للتعبير عن نفسك، لكن الفنان الحقيقي لا يوجد لديه أسلوب محدد، وإذا لم تنتم إلى أي من الأنماط القائمة، فسيتم الكشف عن اسمك في وقت لاحق".
* لديك خبرة كبيرة في التعامل مع مختلف الخامات الفنية، لكن ألوان الزيت لا تزال المادة المفضلة لديك في الرسم. لماذا ؟
** أنا أتعامل مع الألوان الزيتية، والألوان المائية، والباستيل وأقلام الرصاص والحبر، وورق الذهب والكريستال، بالإضافة إلى أنواع مختلفة من الورنيش، لكن الألوان الزيتية لا تزال مادتي المفضلة ؛ لما تتميز به من عمق ومرونة، وما بها من طاقة متجددة وإمكانات هائلة.
* .. ولماذا "ابتسم أنت في مسقط"؟
** جئت لأول مرة إلى السلطنة منذ عشر سنوات، ووجدت مسقط مبتسمة فابتسمت، ولا زالت مسقط تبتسم منذ ذلك الحين. "ابتسم .. أنت في مسقط " هو تحية لمسقط التي كانت بيتي على مدى العشر سنوات الماضية، وآمل أن تظل بيتي لسنوات عديدة قادمة.
* .. أقمت مؤخرا معرض "ابتسم .. أنت في مسقط" في بيت البرندة، فهل يمكنك أن تعطينا لمحة عن اللوحات المشاركة (موضوعاتها، الخامات المستخدمة، وخيارات اللون ، إلخ) ؟
** عدد الوحات التي عرضت في بيت البرندة (45 لوحة)، ضمت أنماطا مختلفة من السذاجة ، والواقعية ، وفن البوب ، بتقنيات وألوان مختلفة مثل الزيوت والألوان المائية ، وأقلام الرصاص والحبر ، والعلامات ، والطلاء ، إلخ.
ومن بين اللوحات المعروضة، لوحة (التمر) لفتاة عمانية ترتدي الزي العماني التقليدي، وتبدو ابتسامتها الجميلة وهي تحمل وعاء فيه رطب عماني، وفي الخلفية نخلة عمانية ويغلب على اللوحة اللون الأخضر بالإضافة إلى ألوان ثياب الفتاة التقليدية، و(الصديقان) ويظهر بهذه اللوحة صبيان عمانيان يرتديان الدشداشة العمانية، خلفهما باب قديم ويغلب على اللوحة اللون البني بتدرجاته، و(الروح الطليقة) لوحة لخيول منطلقة في الصحراء بألوان وخلفيات مغايرة، كما رأيتها ، و(يوم آخر تحت الشمس) لوحة تضم نخلتين شامختين من النخيل العماني، وفي خلفية اللوحة تسطع الشمس، و(قبلة بريئة) وتظهر فيها خيول تتعانق، ووجوهها مشبعة بظلال الألوان، و(التحولات اللانهائية) لوحة لمجموعة من الخيول، و(عازفو الطبول) وتضم رجالا عمانيين يضربون على طبولهم تظهر جانبا من الفن الشعبي العماني، وهي لوحة بالأبيض والأسود، وقد أدخلت فيها الألوان الرصاص، و(ينابيع الروح) وهي عزف على آلة موسيقية قديمة، بألوان الرصاص بالإضافة إلى استخدام الألوان الخشبية، و(أين أبي) لوحة لطفلة تحتضن دميتها في منظر مؤثر، يبدو فيه أنها تبحث عن أبيها، (المقهى وعصير الفاكهة) لوحة لبيت قديم به مقهى، يجلس أمامه بعض الرجال العمانيين، يتناولون المشروبات، وتبدو النوافذ والأبواب القديمة في اللوحة بألوانها وتصميماتها الجميلة، و(لاعبو الكرة) لوحة لحي يضم بيوتا ومساجد وملعب كرة قدم، ينتشر فيه اللاعبون، و(ابتسم .. أنت في مسقط) لوحة كبيرة، اشتق اسم المعرض منها، وهي تضم بيوتا عربية ومسجدا وبعض النخيل، ويمر أمام البيت شارع كبير تسير فيه السيارات، وتعلو البيوت الأطباق اللاقطة للقنوات الفضائية، في منظر يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويعلو البيوت فضاء بلون مغاير، ارتأيت فيه أنه يتناسب والفكرة التي أريد أن أعبر عنها وأوصلها للمتلقي، وقد انتشر بالفضاء هلال ونجوم، بألوان جمعت بين البيج والبني والأحمر والأخضر، و(خيوط الحظ) وهي لوحة تصور شارعا تجاريا يضم بعض المحلات، وتعلوها بيوت بنوافذ وشرفات جميلة، (قصة المساء) لوحة تحتوي على بعض البيوت ومسجد وسماء تتلألأ بها نجوم وقمر، بالإضافة إلى لوحات كثيرة لمساجد مسقط والنخيل وبعض التجمعات السياحية، عدا لوحات الخيول الجميلة، بألوان وأشكال مغايرة، والتي امتلأت بها أركان المعرض في بيت البرندة بمطرح.
* كيف ترى التشكيلية آنا دودشينكو المشهد الفني بالسلطنة ؟
** المشهد الفني العماني تركز هنا في العاصمة مسقط، وقد طرأ عليه تطور كبير، وأرى الكثير من الفنانين العمانيين، متواجدين على الساحة بشكل أكبر مما كانوا عليه سابقا، عندما وصلت إلى السلطنة منذ عشر سنوات، ولذا أرى الكثير من المعارض التي يجري تنظيمها، لأن عددا من صالات العرض والمتاحف الجديدة فتحت في السنوات الأخيرة، لكن لا يزال هناك نقص في المعارض الفنية ومراكز الفنون، وغيرها من المؤسسات التي لديها مرافق ملائمة لتعليم الفنون، والفن في السلطنة يعتمد على بعض الشركات الراعية، لكن السلطنة مازالت في حاجة إلى العديد من مراكز التدريب المهني، بالإضافة إلى الحاجة إلى تطوير قاعات العرض، وإذا تحققت هذا الأشياء سيكون لدينا معايير هنا في السلطنة، للتنافس على المستوى الدولي.


أعلى


 


تــراثـيات

هذا الطًّوفان وربِّ الكعبة!

سَمِع أعرابيّ أبا المَكْنون النَّحوي في حَلْقته وهو يقول في دعاء الاستسقاء: اللهم ربنا وإلهنا ومولانا فصلِّ على محمد نبيّنا، اللهم ومن أراد بنا سُوءا فأحِطْ ذلك السوء به كإِحاطة القلائد بأعناق الولائد، ثم أَرْسخه على هامَتِه، كرسُوخ السِّجِّيل على هام أصحاب الفيل، اللهم اسقنا غَيْثاً مُغيثا مَرِيئا مَرِيعا مُجلْجلا مُسْحَنفرا هَزِجا سَحَّا سفُوحا طَبَقا غَدقا مُثْعَنْجرا، نافعا لعامَّتنا، وغيرَ ضار لخاصَّتنا. فقال الأعرابيّ: يا خليفة نوح هذا الطًّوفان وربِّ الكعبة، دعني حتى آوي إلى جَبَل يَعْصمني من الماء.

ــــــــــــــــ

مالك دون نفسك

قال يونس بن حيوة: شيعنا جنيداً فلما انتهينا إلى حصن المكاتب قلنا: أوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، وأوصيكم بالقرآن فإنه نور الليل المظلم، وهدى النهار، فاعلموا به على ما كان من جهد وفاقة، فإن عرض بلاء فقدم مالك دون نفسك، وأعلم أن المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب نفسه، إنه لا غنى بعد النار، ولا فقر بعد الجنة، وإن النار لا يفك أسيرها، ولا يستغني فقيرها.

ــــــــــــــــ

ليس هذا من كتاب الله

روى الأصمعي قال‏:‏ مررت بأعرابي يصلي بالناس فصليت معه فقرأ والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها كلمة بلغت منتهاها لن يدخل النار ولن يراها رجل نهى النفس عن هواها فقلت له‏:‏ ليس هذا من كتاب الله قال‏:‏ فعلمني فعلمته الفاتحة والإخلاص ثم مررت بعد أيام فإذا هو يقرأ الفاتحة وحدها فقلت له‏:‏ ما للسورة الأخرى قال‏:‏ وهبتها لابن عم لي والكريم لا يرجع في هبته‏.‏

ــــــــــــــــ

كنت أتمنى ملاقاتك

خرج كثير يلتمس عزة ومعه شنينة فيها ماء فأخذه العطش فتناول الشنينة فإذا هي عظم، ما فيها شيء من الماء فرفعت له نار فأمها فإذا بقربها مظلة بفنائها عجوز فقالت: من أنت؟ قال أنا كثير. قالت قد كنت أتمنى ملاقاتك، فالحمد لله الذي أرانيك. قال: وما الذي تلتمسينه مني؟ قالت ألست القائل:
إذا ما أتينا خلة كي نزيلـهـا
أبينا وقلنا الحـاجـبـية أول
سنوليك عرفاً إن أردت وصالنا
ونحن لتلك الحاجبية أوصـل

قال: بلى. قالت: أفلا قلت كما قال جميل:

يا رب عارضة علينا وصلهـا
بالجد تخلطه بقول الـهـازل
فأجبتها في القول بعد تـأمـل
حبي بثينة عن وصالك شاغلي
لو كان في قلبي كقدر قـلامة
فضلاً لغيرك ما أتتك رسائلي

قلت: دعي هذا واسقيني. قالت: والله لا أسقيك شيئا.ً قلت: ويحك إن العطش قد أضر بي. قالت: ثكلت بثينة إن طعمت عندي قطرة ماء. فكان جهده أن ركض راحلته ومضى يطلب الماء، فما بلغه حتى أضحى النهار وكاد يقتله العطش.

ــــــــــــــــ

كم بيتـًا تنظم في اليوم؟


قال أبو العتاهية لمحمد بن مناذر: كم بيتـًا من الشـِّعر تنظم في اليوم؟ ‏ ‏ قال: ثلاثة أبيات أو خمسة،فقال أبو العتاهية:ولكني أقول المائة والمائتين، قال ابن مناذر: أجل،إنك تقول:
يا عتب مالي ولك
يا ليتني لم أرك
وأنا أقول:
سـتُظلم بغـداد وتجلو لنا الدُّجَى
بمكــة مـا عشـــنا ثلاثــة أقمـر
إذا نزلوا بطحـاء مكـة أشـرقت
بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
ومـا خُلِقتْ إلاَّ لجـودٍ أكــفَّهم
وأقــــدامُهم إلا لأعــــواد منــبر

ولو أردتَ أنت أن تنظم مثلَ هذا لطال عليك الدّهر!.


ــــــــــــــــ

كَلِفٌ بحُبّكِ


البحتري

شَوْقٌ إلَيكِ، تَفيضُ منهُ الأدمُعُ
وَجَوًى عَلَيكِ، تَضِيقُ منهُ الأضلعُ
وَهَوًى تُجَدّدُهُ اللّيَالي، كُلّمَا
قَدُمتْ، وتُرْجعُهُ السّنُونَ، فيرْجعُ
إنّي، وما قَصَدَ الحَجيجُ، وَدونَهم
خَرْقٌ تَخُبُّ بها الرّكابُ، وتُوضِعُ
أُصْفيكِ أقصَى الوُدّ، غَيرَ مُقَلِّلٍ
إنْ كانَ أقصَى الوُدّ عندَكِ يَنفَعُ
وأرَاكِ أحْسَنَ مَنْ أرَاهُ، وإنْ بَدا
مِنكِ الصّدُودُ، وبَانَ وَصْلُكِ أجمعُ
يَعتَادُني طَرَبي إلَيكِ، فَيَغْتَلي
وَجْدي، وَيَدعوني هَوَاكِ، فأتْبَعُ
كَلِفٌ بحُبّكِ، مُولَعٌ، وَيَسُرُّني
أنّي امْرُؤٌ كَلِفٌ بحُبّكِ، مُولَعُ

ــــــــــــــــ

عليك بهذه الأخلاق

قال ابنُ المقفَّع: كان لي أخ أعظم الناس في عيني، وكان رَأس ما عظمه في عيني صِغر الدنيا في عينه، وكان خارجاً من سلطان بَطْنِه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يُكْثِر إذا وجد، وكان خارجاً من سُلْطانِ فَرْجه، فلا تدعوه إليه مؤنة، ولا يتسخفّ له رأياً ولا بدناً، وكان لا يتأثر عند نِعْمَةٍ، ولا يستكينُ عند مصيبة. وكان خارجاً من سُلْطانِ لسانه، فلا يتكلَمُ بما لا يعلم، ولا يُماري فيما علم، وكان خارجاً من سُلْطانِ الجهالة، فلا يتقدَم أبداً إلا على ثقة بمنفعة، وكان أكثر دَهره صامتاً، فإذا قالَ بَزَ القائلين، وكان ضعيفاً مستضْعَفاً، فإذا جد الجدّ، فهو اللَيثُ عادياً. وكان لا يدخل في دَعْوَى، ولا يُشارِكُ في مِرَاء، ولا يُدْلي بحُجة حتى يَرَى قاضياً فَهما، وشهوداً عُدُولا. وكان لا يلومُ أحداً فيما يكونُ العُذْرُ في مثله حتى يعلَم ما عُذْرُه.
وكان لا يَشْكُو وجعه إلا عند مَنْ يرجو عنده البُرْء، ولا يستشيرُ صاحباً إلا أنْ يرجوَ منه النصيحة. وكان لا يتبرَم ولا يتسخط، ولا يتشكّى ولا يتشهّى، ولا ينتقم من العدو، ولا يَغْفُل عن الولي، ولا يَخُصُّ نفسه بشيء دون إخوانه من اهتمامه وحيلته وقوتِه. فعليك بهذه الأخلاق إن أطقتها، ولَنْ تطيق، ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع.


ــــــــــــــــ

عِدَّة الأيام

ابن الزقاق البلنسي

لله شهر ما انتظرت هلاله
إلا كنون أو كعطفه لام
حتى بدا منه أغن مهفهف
لضيائه ينجابُ كلُّ ظلام
فطفقت أهتف في الأنام
ضللتم وغلطتُم في عِدَّة ِ الأيام
ما جاءنا شهر لأول ليلة
مذ كانت الدنيا ببدر تمام

ــــــــــــــــ

تَلْقيح الألباب

دخل رجلٌ على الحسن بن سَهْل بعد أن تأخّر عنه أياماً، فقال: ما يَنْقَضِي يوم من عُمْرِي لا أراك فيه إلاّ علمت أنه مبتورُ القَدرِ، منحوس الحظ، مَغْبُون الأيام ..فقال الحسن: هذا لأنّك توصل إليّ بحضورك سُروراً لا أجده عند غيرك، وأتنَسَّم من أرواح عِشْرَتك ما تجدُ الحواسُّ به بُغْيَتَها، وتستوفي منه لذتها، فنفسُك تألف مني مثل ما آلفُهُ منك.
وكان يقال: محادثة الرَجال تَلْقيح الألباب.. قال ابن الرومي:
ولقد سَئِمْتُ مَآرِبـي
فكأنَّ أطيبَها خَبِـيثُ
إلاَ الحديثَ؛ فـإنـهُ
مِثْلُ اسْمِهِ أبداً حَدِيثُ

ــــــــــــــــ

أضعف الأجساد

البرعي

ضربت سعاد خيامها بِفؤادي
من قَبل سفك دَمي بسفح الوادي
وَكأَنَّني وَكأَنَّها متودد
متلطف لظويلم متمادي
لعب الفراق بها وَبي فَلَها وَلي
خبر كوى كبدي بغير زناد
وتوعرت طرق التَواصل بَينَنا
فغدوت نضو صبابة وَبعاد
ما كان حجة من أَقام بِمَكَّة
أَن لا يحدثني حَديث سعاد
بعثت إِلي من الحجاز خَيالها
شتان بين بلادها وَبلادي
يا هذه عودتني أَلم الضنا
وأَراكَ لست أَراك في العواد
وَبأى آونة أَزورك بَعدَما
حملْت هجرك أَضعف الأجساد


ــــــــــــــــ


يا جبل؛ ما أصنع بك؟


صعد ابن زهير الخزاعي جبلاً، فأعيا وسقط كالمغشي عليه. فقال: يا جبل؛ ما أصنع بك ؟ أأضربك ؟ لا يوجعك، أأشتمك ؟ لا تبالي، يكفيك يوم تكون الجبال كالعهن المنفوش.


ــــــــــــــــ

وإنّها لَنَضِيرَة ٌ


ابن خفاجة

خُذْها إلَيْكَ، وإنّها لَنَضِيرَة ٌ
طَرَأتْ علَيْكَ قَلَيلَة َ النُّظرَاءِ
حملتْ وحسبكَ بهجة ٌ من نفحة ٍ
عبقَ العروسِ وخجلة َ العذراء
من كل وارِسة ِ القَمِيصِ، كأنّما
نشأت تعلّ بريقة ِ الصفراءِ
نجمتْ تروقُ تها نجومٌ حسبها
بالأيكة ِ الخضراءِ من خضراءِ
وأتَتْكَ تُسفِرُ عَنْ وُجُوهٍ طَلْقَة ٍ
و تنوب ُمن لطفٍ عن السفراءِ
يَندَى بها وجهُ النَّديّ، وربّما
بسطتْ هناكَ أسرة َ السراءِ
فاستضحكتْ وجهَ الدجى مقطوعة ٌ
جمَلَتْ جَمَالَ الغُرّة ِ الغَرّاءِ




أعلى




الأدب الشعبي

بوح ..
ثقافة القراءة

تشكّل القراءة العامل الأكثر حيوية في تدفق الأفكار، والأكثر ما يفتّح الذهن نحو ثقافة أكثر وعيا إذا ما استغلت بالطريقة التي تهدف إليها القراءة اساسا، بعيدا عن نمطية اختيار التخصص في القراءة والتي يغالط فيها الكثيرون أنفسهم بهدف ترقية جانب معين قد يؤثر سلبا او إيجابا في عقلية المتلقي ولكنه لا يعمم الثقافة التي من أجلها وجدت القراءة، يجب أن نركز في شمولية ثقافتنا بحيث ندرك الأكثر من الكل من خلال القراءة التي ركنها الكثيرون خاصة الجيل الحالي من الشباب الذين يعتقدون بأنها حكر على الإعلامي والشاعر والقاص والأديب والمشتغل على الكتابة الفكرية فقط، وقد ينظر بعض أولئك "الشباب" إلى عظمة الفئات العاملة على القراءة، والنظر إليها بصورة قد تكون "خيالية" في الكثير من الأحيان، في الوقت الذي لا ترى تلك الفئات "القارئة" أهمية في تلك الصورة الكبيرة التي يُشاهدون بها، في إشارة إلى أن وضع الانفتاح الثقافي ما هو إلا تراكمات متواصلة من القراءة والمتابعة سواء الثقافي والفني منه والسياسي والاجتماعي وغيره لما له رواج في ساحة الحياة اليومية.
إن أغلب ما يعانيه "الكاتب" ليس اعتصار الفكر ومعاناة لحظة الكتابة، وتدوين تلك المعاناة على الورق، ولكن المعاناة الحقيقية هي إدراكه بأنه يكتب لمن لا يقرأ، وهذه هي المشكلة العظيمة التي تؤجج خشية الكاتب نحو الانجراف إلى ما يطلبه القارئ بأي مستوى كان، وقد تختلف القراءات في ظل هذا الوضع الذي من الممكن أن يؤثر على فكر الكاتب وبالتالي يوقعه في الضعف الذي يراه بعض القراء تطورا للوصول إلى ذهنهم وأفكارهم، وفي الواقع هو نزول إلى مستوى أدنى من محصلة الثقافة التي يمارسها بعض الكتاب، ومن وجهة نظري أن الفكر الواعي من خلال القراءة ونتاجه الكتابي يجب أن يساهم بصعود الفكر للقارئ ـ لا العكس ـ وهذا يدعونا لمعرفة من الذي يؤثر على الآخر القراءة أم الكتابة؟.
"الشاعر الشعبي" هو الأكثر بساطة من الكثير من المشتغلين بالأدب وهو الأكثر استفادة من الوسط الثقافي بما هو متاح له على المستويين المحلي والخليجي والعربي، ولكن هذا "الكائن" له من السلبيات ما يشيب له الرأس خاصة اولئك الذين تربطهم صلات مباشرة معه، فتصل في أحيان كثيرة إلى قناعات معينّة عن أفكار قد تقّوم بها ساحة بأكملها، وفي ذات اللحظة ومع نفس الأشخاص تجد بأن ما هو مطروح يغاير الواقع تماما، "الشاعر الشعبي" هو أكثر الفاعلين في الحراك الثقافي ولكن بشكل فردي فقط !!، وهو "أكثرهم ثرثرة" بما يجب من تطوير وبحث نحو آليات العمل المثالي الذي لو سمعته لاعتقدت بأنك في جو عائلي رصين لا يمكن ان تشوبه شائبة، وهو "أول اللامبالين" حينما يقع الجد، والكثير من النماذج الحيّة التي تجدها في الشعراء الشعبيين حتى أنفسهم (ولا يسعنا ذكرها)!، ومن واقع التجربة في الساحة الشعبية تتلخص أسباب هذا التأخر إضافة إلى تضخّم الأنا لدى البعض في قلة القراءة بل ندرتها في الكثير من التجارب الشعرية الحديثة، فكل الشعراء المتميزين في نصوصهم هُم قراء تستطيع أن تناقشهم في الكثير من موارد الثقافة، وهذه الحقيقة موجودة إذا ما تم حصر الغث من السمين في واقع النص الشعبي العماني، فالخطوة القادمة هي توجيه الدعوة المتكررة للشعراء وغيرهم من القراء في محاولة كيف نستطيع تعزيز قدرتنا على النمو بالثقافة وصناعة الفكر النامي الذي ينهض بالأمة بكافة جوانبها الثقافية والفكرية من خلال القراءة التي هي في متناول الجميع.

ومضة ..

العز لو ضيّق علي احتجاجه
ما جاك لي مستوصيٍ بك وداعي !
ما شفتني حيٍ بدونك مواجه ..
هالريح، رغم الرغبة وما تراعي!
من دق بابك لا تمنيّت حاجه ..
قد شفتني يومٍ على الدرب ساعي ؟

 

فيصل بن سعيد العلوي*

 

ـــــــــــــــــ

طيف الهجير

ياخافقي لك فضا حــّي الخفوقْ الظليَـلْ
أسفر صباحك .. وذا طيف الهجير انبرى
يا عـزها يوم ذاك الصبح مثل الهميلْ
حتى هميل الكلام .. في كف يدي جرى
خايلت ضــّيك على خصرْ السحاب النحيلْ
كن إختلاجْ المزون ,يسكن بـ دوحْ الثرى
تـنـده هجيرْك , ويا فدوة هجير المقيلْ
وضح الشموس التي كالتبْر لو ينطرى
ضـجـّيـت يا سراجها كل ما تـّشبْ الفتيلْ
قصيدتي هي كذا , تشعل لذيذ الكرى
ياذا الوفــّي .. الذي عـــز البشر بـ المثيلْ
راعي المروات لي مثلك طويل الذرى
في خافقي لك فضا متهـَادي ٍ به سهيل
أسرجت شوق الثوان,, و الله محد ٍ درى
حتى تمـَادى العبيرْ ,, يفـّـل شي ٍ قليلْ
شي ٍ, شبيه إصطخاب الشوق فينا سرى
شي ٍ, شبيه إضطرامْ الوجد في برد ليلْ
يمكن يقولوا كثير !! بعين بعض الورى
نسيت : صُبحك طراه الورد قبل الرحيلْ
نسيت انه شذى , نــفـحْ المدن و القرى

هجير


ـــــــــــــــــ


رسم المشاعر

سلْهم الشوق فيني ليه مرْسم جديـده
وانت رسْم المشاعر وانت من يحتويهـا
كلّما نام جفنك ذابت بأحلى قصيـده
ولاصحت تشرق الدنيا ضيا من صحيها
صورتك هي مساري سالكه في وريده
ولّعت ضوّ فكري والفكـر مرتويهـا
لاغدى حبر شاعر يرسمك ضاع قيـده
غير قلبي رسمهـا لانّـه اللـي قويهـا
في قصيده عزفها من يسافـر نشيـده
وغرد الطير عذبه وانثمل مـن قريهـا
دندن العود دانـه دام وتـره وقيـده
قوم يا مـن عزفهـا خلنـا نحتسيهـا
وانت ياشوق عجّل في قليبـي وعيـده
الوعد منْك جمـره والصبـر مشتريهـا
خلّ عيني تكحّل كحْل قمـرا رغيـده
لهفة الشوق علّـه مـا براهـا عويهـا
ما براها غيابـك او رسايـل عديـده
خلنا في حقيقه صوت صـوره نبيهـا
العمرْ صار يمضـي والمسافـه عنيـده
والامانـي كثيـره ودّنـا نبْتديـهـا
من قصور المحبه لـي عهـودن وتيـده
أسكب الودّ مزنـه والليالـي خويهـا
واشتياقي تصبّر والفـرج ذا عضيـده
وجهتي صوب ظلك والطرق نعتريهـا
ما جهلنا طريقك دام نـورك وكيـده
البصيره تشوفـك والخطـى ماعميهـا
هاك ميثاق حبري خاتمه فـي طريـده
توصلك مع وصالي ياعسـى ترتضيهـا
نبضها من خفوقي رسمها مـن عقيـده
جوها في محبـه والسمـاء تصطفيهـا

رضوان الهاشمي

ـــــــــــــــــ

نظرة الجيل القادم

حـرك ضـميـري مـنظر الطفل الحزين اللي نظر
لَعــوامــنا.. يـاكـيف كـانـت فـي عـيون مـرايـته
قـاعـد عـلى ارض الـمذلة والـحسـايـف تـنهـمر
مـن حـاضـرٍ يـنسـف طـموحٍ عـلقة فـي غـايـتة
اتــخيــلة فــي حــايــته مــتســندٍ راس الــقهــر
كـل مـاصـحى يـلقى الـقهـر مـتسـندٍ فـي حـايته
يــسأل ولا يــلقى جــوابٍ يـنشـرح مـنه الـصدر
يــوم ابــتعــد هـذا الـصدر مـن كـوثـرٍ فـي آيـته
كــل الــوجــوة الـمذنـبة أصـبح يـكفـيهـا الـعذر
رغـم انـها ف الانـدلـس - فـي يـوم- كانت بايتة
مـن كـاس خـوفٍ نـشربـه من اول طلوع الفجر
مـن جـحر ضـبٍ نـدخـلة مـنذُ الـسنـين الـفايـتة
حـتى "اعِدِّواْ" أصـبحـت شـمّاعة الـلي قد كفر
لــو نــملةٍ مــاتـت ....يـعلـق مـوتـها ف ولايـتة
مـن قـدسـنا واعـومـها الستين في حضن الغدر
لـــعراق أمُّه ...ســـلّمـــت أقلامــها... بــرّايــتة
مِنْ بـعد ذا صـوت الاذى لـو مـاهَذا..بالمختصر
هـل يـعجـبك..هـل يعجبك والصمت صار وقايتة
والـهم فـينـا لـو وشى -مـن صـدمـته-باللي بدر
نـزرع ذنـوبة فـي بـعضـنا لـو كـذب بـ وشـايتة
يــاقــاري الــتاريــخ لا تــطلـب دلايـل واسـتتـر
:واقــرى عــلية الـفاتـحة لا يـفضـحك بـقرايـتة
(شـكرا لـكم..شكرا لكم) بلقيس ماتت وانفجر
لــين انــكتــبنـا كـلبـونـا.. مـذنـبيـن.. ف رايـتة
ولا ابـو لـيلى الـمهـلهـل.. فـي شموخ وفي فخر
(يشرب من الجهل المُخبّا في كؤوس)وصايتة
الازمـنة هـي تـختـلف.. بس البشر نفس البشر
لـو تـختـلف بـعض الصور نفس الفكر وروايتة
سُحـقاً لـنا يـاكـيف صـرنـا فـي عيون اللي نظر
لَعـوامـنا و يـاكـيف صـارت فـي عـيون مـرايتة

عبدالملك الراسبي

ـــــــــــــــــ

* قصيدة مسافرة ..

حرام أفقدك

علام البلد : لوحه [ قديمه ] بلا مسمار ؟
كأن الجبل / تحت السما / شيخ متجلّـي !
تنام القُرى | والريح تلعب معَ الاشجـار !
أشوف السنين أطفال تمسك طرف ظلّي !
وانا أغنيه .. كانت تعدّك ... وتر قيثار !
ترافقني ألحانك ... في [ ترحالي وحلّي ]
قبل لاترشّ البُعد .. وسط العيون غبـار !
نويت آفرشك بالقلب سجاد .. وآصلّـي !
ياهيييه الجفا قارس وانا مامعاي ستـار !
حرام آشحذك لله .. وآجيييك " آبي كلّي "
بدونك رهيف / وينبت بداخلي / صبـار !
متى ماضميتك / اشرب الخوف / بالملّي !
بنيت الأماني من بقايا سعف ، وحجـار !
رحلت وتركته عذق الأحزان .. متدلّـي !
قدحت التعب في صدري المكتئب سيجـار
كذا لين صرت إبعين نفسي أنا [ خلّـي ]
حرآم آفقدك .. يابن الشقا حزّة .. الإفطار
مابين : أنتظر / يالله يجي / ليه متغلّـي !
تعال .. الشتا بلّش يغازل .. حمام الـدار
اذا ما تمنّيتك دفى ... من يجي ... قلّي ؟

ناصر بن حسين*
شاعر سعودي

 

 

أعلى


 



هوامش من.. احتفاء أسرة القصة بمجموعة (مجنون) القصصية لناصر الرواحي

كتبت ـ هاجر محمد بوغانمي
تحتاج كل فكرة مبدعة وجديدة إلى الاستغراق في التفكير أو إلى سرعة البديهة..أما التردد فشكل مقيت من أشكال العجز!
هذا الاستنتاج المتواضع، لم يكن وليد رغبة في الحصول على معلومة ثابتة ويقينية بقدر ما كان اجترارا لوضعيات (تعليمية) متكررة..وسآتي على تفصيل المجمل في ثنايا الكلام..
* هامش 1
انطلقت مساء الأحد الموافق 4 أكتوبر الجاري فعاليات النادي الثقافي بعد استكمال أشغال الصيانة التي أجبرت النادي على الركون إلى الراحة كامل فترة الصيف، وكانت أسرة القصة المبادر الأول بافتتاح الموسم الثقافي الجديد، وهي مبادرة شجاعة وجديرة بكل الاحترام على اعتبار أنها كانت إلى حد كبير محفوفة بكثير من المجازفة، والمراهنة التي قد تنجح وقد يصيبها الفشل.. أتحدث هنا عن المراهنة على نسبة الحضور الذي من المفترض أن يكون مؤشرا على نجاح الأمسية (شكلا) أو فشلها..
ففي إطار حرصها على مواصلة نشاطها بما يلائم أهدافها وخطة عملها، أقامت أسرة القصة مساء ذلك اليوم وفي تمام السابعة والنصف أمسية احتفائية بمجموعة (المجنون) القصصية لناصر الرواحي، والتي تأخر تدشينها عامين منذ صدورها في العام 2008م، وقد حضر الأمسية كل من القاص ناصر الرواحي والدكتور شبر الموسوي الذي قدم ورقة نقدية تحت عنوان "جدلية الحياة والجنون والرفض قراءة في مجموعة المجنون لناصر بن محمد الرواحي".
واللافت للنظر مدى الانسجام الذي بدا واضحا بين الرجلين: القاص والناقد قبل وخلال الأمسية.. حاولت تفسير ذلك فلم أجد أقنع من أن رابطا معنويا كبيرا يجمع الاثنين.. هذا الرابط هو الذي حدا بالقاص إلى أن يطلب من الناقد ـ وبصفة شخصية ـ تشريحا فنيا للمجموعة إيمانا منه بجدوى هذه القراءات النقدية التي يلتزم فيها أصحابها ـ المتصفون بالنزاهة ـ الحيادية والموضوعية في الطرح والمعالجة، دون الخروج عن الهدف الاحتفائي الذي هو جوهر الأمسية ..
قرأ ناصر مختارات من نصوص مجموعته التي أودعها رفوف مكتبته قبل أن ينطلق بها إلى الشارع الثقافي ليرى مدى تقبل المتلقي لمشروعه الإبداعي.. أسئلة كثيرة كانت تلوح في أفق الرواحي وهو جالس على كرسي (الاعتراف) .. فيعجل بتدوين بعضها في مفكرته الورقية والبعض الآخر يتحفظ عليه إلى وقت لاحق.. وتابع الموسوي تفكيكه للعبة السرد وجدلية المعنى في المجموعة، ولم يتردد في أن يعلنها صراحة أن الكاتب تورط معرفيا حين وضع مقدمة لمجموعته، وحين خلط بين مفهومي الحداثة والرمزية، وحين "كتب كلاما فلسفيا ووضع مجموعة من الأفكار المتفاوتة في المقدمة لكنه لم يطبق أيا منها في المجموعة ولم يبين أي فلسفة أو إن كان يتبع خطا أيديولوجيا معينا" وحين "خلط بين أزمة المعرفة وأزمة الكتابة".. بشكل عام كانت تلك المقدمة مطبا خطيرا أوقع فيه الكاتب نفسه عن غير قصد لنقص في التجربة وقلة خبرة، وهو ما برره تجاوب الرواحي مع ملاحظات الموسوي الذي استطرد قائلا " إلا أن رؤية الجنون ورؤية التحقيق أو السجن ورؤية الرفض سيطرت على معظم قصص المجموعة، وبدت واضحة في مجملها"، وهو مؤشر إيجابي على نجاح القاص في اشتغاله على الجانب المضموني في المجموعة..
كما نوّه الناقد بمدى وعي القاص بتقنيات السرد ومكوناته إلى جانب إجادته الاشتغال على المعاجم اللغوية (معجم السجن، معجم الجنون، معجم الرفض..) والتي يمثل تواجدها في العمل الأدبي إثراء للأفكار المطروحة، رغم انحصارها (أي الأفكار) في حيز زمني تحدده طبيعة القصة كجنس أدبي مخصوص والتي هي اختصار لعالم كبير واسع، معقد وصعب كما ذهب إلى ذلك الشكلاني الروسي شكلوفسكي.

مرجعيات أدبية
بين سارتر..وعقدة أوديب

ومما ورد في ورقة الموسوي ما يؤكد اعتماد السارد على أكثر من مرجعية أدبية وفلسفية ( سارتر، فرويد..) وهي ما يمكن تسميتها بـ(الروافد) التي تساعد الكاتب على السير ضمن استراتيجية فكرية وأدبية واضحة المعالم..
يقول الموسوي مواصلا تحليل بنية المضمون "وينطلق (أي السارد) من فكرة عقدة أوديب التي تنظر إلى الأب على أنه سبب مآسي الأبناء، ولذلك صدر الكاتب قصته بمقولة لسارتر. يقول في قصة المجنون: "ولكنني وبرغم كل جفاف أبي وقسوته لا يزال هناك ما يجرني بين زمن وآخر لرؤية وجهه الذابل، والاقتراب من بقايا أيامي السوداء معه.. وعندما وصلت إلى النقطة التي رأيت أنه لا يبادلني التناغم، وأحس هو بأنه لم يعد يمتلك القدرة على التسلط علي وظلمي.... انقطع ذلك الخيط، وذهبت أنا إلى حديقتي الحالمة" ويقول في نهاية القصة "وهكذا لم أجد من يستطيع أن يتشرب صدق هذه الفكرة، فاحتدم القتال بيننا وانقطعت بتلات الحب والود نحوهم لأدافع عن نفسي، وأحمي جزيرتي الحالمة. ولما وصلنا إلى هذه الحافة المقيتة نشبت بينن حرب لا متكافئة انسحبت الكفة من جانبي الطيب لتسيل في جانبهم المظلم، ووجدت نفسي ملقى على حافة الجنون وأنا من يمتلك ناصية الحق المكبوت، وهكذا أشعلت النار لأحرقهم وأدفن جميع بقاياي في وسطهم المشؤوم" ويبدو أن الظلم الاجتماعي الذي مر به بطل هذه القصة هو الذي دفعه للثأر لنفسه بحرق أهله، مما أدى إلى وصفه بالجنون بينما يبدو من حديثه وعباراته أنه أعقل المتحدثين".. ويتابع الموسوي " لقد صدر قصة المجنون بمقولة لجان بول سارتر التي يقول فيها " لا يوجد أب طيب، تلك هي القاعدة ، ويجب ألا نلوم الرجال على ذلك، بل نلوم رباط الأبوة المقدس" وقد حاول السارد في هذه القصة أن يبلور فكرة سارتر وأن يقدم لنا صورة للأب القاسي الذي يفضل مصالحه الشخصية على مصالح أبناه وهو الذي ساهم في تشتيت أولاده وفي زيادة مآسيهم كما أن أخوانه لم يكونوا إلا صورة مكرورة من أبيهم في ركضهم وراء غرائزهم ومصالحهم الشخصية مما خلف لنا ولدا بائسا محبطا".
ويتابع الموسوي "تبدو رؤية الرفض مسيطرة وبارزة على معظم قصص المجموعة، فهي عنصر أساسي في مواقف أبطال القصص، ويبدو أبطال القصص رافضين أكثر من كونهم تائهين فهم يعرفون ماذا يريدون لكنهم يشنون هجوما رافضا لكل ممارسات الواقع ، فحتى المجنون لم يكن مجنونا بصفته الواقعية بقدر ما كان رافضا لكل ممارسات المجتمع فهو رافض لسلطة الأب وقسوة أخوته تجاهه.
في قصة (كلمات وتمثال ورمال) يصور وجهة نظر سلبية تجاه كل من كان متواجدا في ندوة أو خلال تجمع جماهيري فيطلق على الحضور وعلى الشاعر وجميع الحاضرين صفات متفاوتة مليئة بالرفض والاحتجاج على الكل، يقول عن الشاعر "فتخللت ناظري تلك اللحية القصيرة التي تقطن ذقن الشاعر البدين، وتمركزت في شبكية عيني صورة ذلك القصير ذي اللحية البيضاء المسودة وهو يبتسم لي بصوته الزجاجي الحزين ، ورنت عيناي إلى ذلك الثرثار ذي الرأس المدهون بالهواء، والذي لا يملك في هذه الدنيا إلا لسانه وشفتيه، واخترقت جمجمته لأنظر ماذا يعد من أكاذيب لينقلها إلى العالم في اللحظات القادمة".
وحتى في تعاطي السارد مع الحيوانات الأخرى التي تشاركنا العيش بسلام فإنه يضجر منها ومن صياحها المستمر، لذلك فالسارد / البطل في قصة حكاية غراب ينهي الصراع بينه وبين الغراب الأسود بطلقة رصاصة منهيا الصراع الأزلي بين الإنسان وبين الكائنات من حوله:
"في تمام الساعة العاشرة من صباح يوم الجمعة فتحت نافذتي قليلا، وسددت بندقيتي تسديدا محكما على قمة النخلة المجاورة، وعلى نقطة سوداء منها على وجه التحديد، ثم ضغطت الزناد فانطلقت رصاصة واحدة ثم ساد الصمت وخيم الظلام"

الظواهر الفنية في المجموعة
اختلال في التوازن..

في هذا الجزء من التحليل الفني للمجموعة يعود الناقد إلى المستوى الأول من الطرح ليكشف عن بعض مواطن الخلل الظاهر في بنية السرد ويبدأها بـ(ضمائر السرد) حيث يقول "نلاحظ غلبة ضمير المتحدث الذي أفرد له القاص جزءا كبيرا في مجموعته وتبلغ قصص المجموعة 15 نصا قصصيا، منها 11 نصا كتبت بضمير المتحدث، وأربعة نصوص بضمير الغائب، وواحد بضمير المخاطب.
ومن خلال ضمير المتحدث عكس لنا أفكاره ورؤاه وهنا نتساءل من الذي يصنع أحداث القصة الكاتب أم السارد وهل ما نسمعه في القصة صوت الكاتب أم صوت السارد ؟ وقد اتخذ المؤلف ضمير المتحدث كغطاء لكي يمرر من ورائه أفكاره ويتحدث بصوت السارد ولم نلحظ وجود تماه بين المؤلف وبين السارد أو البطل فالسارد كان يردد أفكار المؤلف


المستوى اللغوي في المجموعة
عباءة الرومانسية وغموض الرمزية..

لاحظ الناقد "تواجد اللغة الرومانسية على لغته وطغيانها على شخوص المجموعة ويذكرنا مستوى اللغة الرومانسية في هذه المجموعة بتلك اللغة الرومانسية التي كانت سائدة في مرحلة الثمانينات وفي قصص حمد الرشيد ومحمد القرمطي ومحمد البلوشي ويونس الأخزمي ويحيى سلام المنذري وفي التسعينيات لغة سليمان المعمري.. هذه اللغة الرومانسية المشحونة بالمشاعر والأحاسيس الرقيقة تثبت أن القاص العماني لم يخرج بعد من عباءة الرومانسية وأنه لا يزال يعيش في تلك المرحلة رغم بلوغ التجربة القصصية في عمان مرحلة النضج" مضيفا القول "وأحيانا تطغى اللغة الرمزية التي تتبع طريق الترميز والتشفير إلى حدود الغموض بحيث تضيع على القارئ معرفة تسلسل الحدث أو متعة التمتع بسلاسة الحدث أو معرفة توجه الأحداث أو الوصول إلى نهاية الحدث." ويعلق الموسوي "كنت أتمنى أن يستخدم الكاتب الرمز وإسقاطاته الرمزية على القضايا التي أثارها في مجموعته."
هذا التوازن الذي أوجده شبر الموسوي بين مواطن القوة ومواطن الضعف في مجموعة (المجنون) لناصر الرواحي وإصراره الشديد على تقفي أثر الضعف أكثر من تقفيه أثر القوة كان إلى حد ما باعثا للدهشة والاستياء من قبل البعض ممن حضر الأمسية (وعددهم قليل!)، وأكاد أجزم بأنها كانت أكبر من دهشة الرواحي نفسه إلى درجة بلغ فيها من الارتياح والطمأنينة مبلغا لا يوصف، وهذا مبعث آخر لارتياحنا نحن المتلقين تجاه العلاقة بين الكاتب والناقد وإن كان الأخير متخصصا في أكثر من جنس أدبي وفكري (آخذ من كل شيء بطرف) لكنها حجة أخرى في عدم بطلان حجته..
* هامش 2
أعود من حيث بدأت لأقول: تحتاج كل فكرة مبدعة وجديدة إلى الاستغراق في التفكير أو إلى سرعة البديهة..أما التردد فشكل مقيت من أشكال العجز! هذا الاستنتاج تمخض عن حالة من الاستياء تجاه بعض المواقف التي يضعك البعض من مثقفينا أمامها دون مبرر عقلاني ولا منطقي لها..
في ذلك المساء وقبل بدء الاحتفاء بـ(مجنون) الرواحي تقدمت إلى أحدهم وكان يجلس قبالة صديقه يتجاذبان أطراف الحديث، فاستأذنت، وحييتهما، فردا بأحسن منها، ثم طلبت من كليهما ملاحظات حول افتتاح الموسم الثقافي الجديد وحول مشروع ناصر الرواحي القصصي ..تردد الرجلان قليلا ثم عادا لاستكمال حديثهما دون أن ينبسا ببنت شفة، ما أبان عن عدم مبالاة بهذا الشخص الضعيف الواقف أمامهما.. لم أجد حينها غير أن أسحب جسدي من ذلك المكان وكلي ثقة بأن غياب الفكرة والخواء سببان كافيان لإحجام ذينك المثقفين عن الردّ ..أليس التردد شكلا من أشكال العجز عن توليد فكرة، أوتوليف أفكار؟!

* هامش 3
بين الفارسي والرواحي
قبل انطلاق الأمسية بلحظات ، دار الحوار التالي بين رئيس أسرة القصة عبد العزيز الفارسي وناصر الرواحي:
* ما شعورك وأسرة القصة تحتفي بمجموعتك القصصية (المجنون)؟
** أحس بأن التواصل مازال قائما بين الأسرة وبين الكاتب وهو تواصل أتمنى أن يتطور وأن يحقق الفائدة للكتاب وللأسرة.
* منذ بداياتك إلى اليوم وكل أعمال ناصر الرواحي الأدبية لها بصمة خاصة لكن لماذا تأخر نشرها؟
** تريد أن تشعرني بالذنب! أعرف أنني مقل في الكتابة ولكني أحاول دائما أن أدفع نفسي للتواصل الأدبي ولاستثمار الوقت في الكتابة أكثر من استثماره في أي نشاط آخر.
*كل كاتب لديه مشروعه الذاتي، ما مشروع ناصر الرواحي؟
** أشتغل على الهم الجماعي.. ربما أحس في داخلي بأنني أنتمي إلى المجتمع الإنساني حيث تظللنا سماء واحدة بغض النظر عن الحدود الجغرافية أو السياسية.
* هل من أعمال قادمة؟
** بكل تأكيد هناك أعمال وسأخصص وقتا أكثر للأدب؟
* هل استثمرت اهتمامك بعالم الكمبيوتر والانترنت في إنشاء موقع الكتروني خاص بك؟
** هذا سؤال محرج آخر، بالرغم من خبرتي الكبيرة والطويلة في عالم الكمبيوتر والانترنت إلا أنني لم أجد الوقت للاشتغال في هذا الجانب، وأنا بصدد البحث عن سبل تنفيذ فكرة موقع إلكتروني مخصص للكتاب بالسلطنة لمناقشة قضاياهم والتعبير عن آرائهم بكل حرية دون تدخل الرقيب وأتمنى أن ترى الفكرة النور قريبا.
* ناصر والنقد.. هل أنت ممن يتقبل النقد أم يضيق صدرك منه؟
** أتقبل النقد وقد شهد لي الأخ سالم الحميدي في ملتقى صحار وقال لي بصريح العبارة "أنت من النوع الذي يتقبل النقد".. النقد موجود ولابد أن نتقبله إذا كان بناء ومن ناحية أخرى علينا أن نتقبله باعتباره الرأي الآخر وبالتالي لابد أن ندع الآخر يتكلم ويعبر عن رأيه كما يريد لا كما نريد نحن ؟
* ماذا تتوقع من شبر الموسوي في هذه الأمسية؟
** الدكتور شبر اخترته شخصيا لهذه المناسبة وأتوقع أن ينصف المجموعة وأن يظهر المساوئ والمحاسن بطريقة أدبية لبقة تفيدني ككاتب وتفيد الحضور.

* هامش 4
سليمان المعمري
في زاوية أخرى من القاعة التقينا القاص والإعلامي سليمان المعمري الذي عبر عن بالغ سعادته بانطلاق الموسم الثقافي الجديد، وحول الأمسية قال المعمري "ربما تأخر الاحتفاء بمجموعة (المجنون) لناصر الرواحي حيث كان من المفترض أن يتم تدشينه في فترة الإدارة السابقة، ثم تأخر في فترة الإدارة الحالية نظرا لأشغال الصيانة التي خضع لها النادي الثقافي في الأشهر الماضية..جئت لأستمع للدكتور شبر الموسوي فقد سبق أن كتبت حول نفس المجموعة، وإن كان ما كتبته أشبه بالعرض الخبري وأزمع أنني سأذكر تلك الملاحظات وأرى كيف سيجيب عنها ناصر.
ويضيف المعمري "أتصور أن الحديث عن المجموعة بعد فترة من صدورها سيكون له مردود إيجابي على الكاتب لأنه تخلص من علائقها ..عادةً، المولود الجديد يكون له شعور خاص لدى صاحبه وينظر له بتأن وهدوء وبتأمل للأخطاء فأتوقع من ناصر التقبل الإيجابي لمختلف الآراء السلبية منها والإيجابية، وأعتقد أنه تجاوز تلك المرحلة وصار يخطط لمرحلة جديدة .
أعتقد أن الدكتور الموسوي سيكون حادا في تقييمه وفي قراءته للمجموعة لأنه عودنا على هذه الحدية في قراءاته النقدية، وأذكر بالمناسبة ورقته التي قدمها حول مجموعة (هوس الزرقة) لحمود الكلباني إذ كان قاسيا جدا على الكاتب الذي كان بحاجة إلى ملاحظات مغلفة بدبلوماسية.. أتمنى أن يكون اليوم أكثر دبلوماسية.

* هامش 5
معاوية الرواحي
وفي ناحية أخرى من المشهد التقينا الكاتب معاوية الرواحي ـ مقدم الأمسية ـ وسألناه عن شعوره بافتتاح الموسم الثقافي الجديد فرد قائلا: "أشعر بالسعادة لأن المكان الذي يجتمع فيه الأصدقاء وتقام فيه هذه الفعاليات التي هي في العادة تعاني من قلة في الحضور وقلة في الاهتمام قد فتح أبوابه من جديد.. علما وأني لم ألحظ شيئا يذكر من أشغال الصيانة التي تعرض لها النادي..المكان هو نفسه، والكراسي والحيطان هي نفسها". وحول تأخر الاحتفاء بمجنون الرواحي قال معاوية "الجهد الذي تقوم به أسرة صغيرة مثل أسرة القصة يستطيع آخرون القيام به والاحتفاء بهذه المجاميع القصصية على مدار هذه السنوات لاسيما في العام 2006 بعدما حدث الضخ الهائل لكل هذه الإصدارات، والاحتفاء وإن كان متأخرا فهي مسألة ترتيب وقت لا أكثر ولا أقل.

 

أعلى


 



غدا .. ثلاثة شعراء في أمسية شعرية بالسويق


تقام في نادي السويق امسية شعرية في الثامنة من مساء غدا الأربعاء تحت رعاية سعادة الشيخ سالم بن خالد الرشيدي عضو مجلس الشورى ممثل ولاية السويق ، ويشارك في الأمسية الشعراء خالد الخوالدي ، وحمد البدواوي ، وفيصل الفارسي ويقدمها الشاعر أحمد بن شهاب البلوشي ، الأمسية ينظمها فريق الفاو بالسويق ، ضمن الأنشطة الأدبية في أسبوعه الثقافي الذي بدأ مؤخرا. ومن المؤمل ان يقدم الشعراء ابرز قصائدهم الجديدة إضافة إلى النصوص المتميزة التي عرفوا بها وشاركوا فيها في العديد من المسابقات الشعرية في السلطنة .

 

 


 

أعلى




لُغَويات
التوليد اللغوي (6-7)

احتفظت العربية بطائفة من المنحوتات اللغوية القديمة ، وقد حظيت هذه النحوتات بعناية اللغويين القدماء على الرغم من قلة عددها .
إن مجرد وجود هذه الطائفة من المنحوتات القديمة ليس إلا دلالة بيّنة على الطاقة التوليدية الكامنة في اللغة عن طريق النحت إذا ماأريد له أن يرفد العربية بماهي في حاجة إليه .
ويذكر أحمد مطلوب في كتابه النحت في اللغة العربية دراسة ومعجم ، أن علماء اللغة المعاصرين انشعبوا إلى ثلاث فرق عند إثارة قضية الإفادة من النحت في مجال توليد المصطلحات : فريق مؤيد ، وفريق منكر ، وفريق معتدل الرأي يربط وجودَ المنحوت الحديث بالضرورة .
ولكن البيّن في الأمر أن الغلبة كانت لأصحاب الرأي المعتدل ، إذ صاغ المجمع اللغوي في القاهرة قرارا جاء فيه : " يجوز النحت عندما تلجئ إليه الضرورة العلمية " وأردفه بقرار يتوسع في أمر التوليد اللغوي إذ أجاز قياسية النحت بسبب كثرة أمثلته ، لكنه حدّ هذه القياسية بالحاجة ونص على أن : " النحت ظاهرة لغوية احتاجت إليها اللغة قديمًا وحديثًا . لم يلتزم فيه الأخذ من كل الكلمات ولا موافقة الحركات والسكنات ، وقد وردت من هذا النوع كثرة تجيز قياسيته ، ومن ثَمَّ يجوز أن ينحت من كلمتين و أكثر اسم أو فعل عند الحاجة ، على أن يراعى ماأمكن استخدام الأصل من الحروف دون الزوائد .
فإن كان المنحوت اسما اشترط أن يكون على وزن عربي ، والوصف منه بإضافة ياء النسب ، وإن كان فعلا كان على وزن فعلل أو تفعلل ، إلا إذا اقتضت غير ذلك الضرورة ، وذلك جريا على ماورد من الكلمات المنحوتة .
وتاليًا نعرض بعضًا من النحوتات اللغوية المعاصرة :
*الجيوسياسي : مصطلح وصفي مرادف دلاليا لـ ( الجيو بوليتكي ) حيث إن مصطلح ( الجيوسياسي ) هو المقابل للمصطلح الانجليزي Geopolitics .
* كهروحراري : منحوت من كلمة أقرّها مجمع اللغة العربية وأخرى عربية من الكهرباء والحرارة .
* الكهرومغناطيسية : منحوت من الكهرباء والمغناطيس ، وهي كلمة معرّبة بحسب ما ورد في المعجم الوسيط .
ومن المنحوتات ماهو عربي خالص ، فقد يكون من كلمتين عربيتين أو أكثر نحو : ( الزمكانية ) و ( اليهومسيحية ) منحوت مأخوذ من اليهودية والمسيحية ، بحذف الدال من الأولى .
ومن النحت مايكون اختصاريا ، وهو تلك الكلمات التي تولّدت من اجتماع حروف بعينها ، من كلمات عدة قد تكون جملة متعددة المكونات الوظيفية ، وهذا النوع متولِّد جديد في العربية بدأ يتكاثر بتأثير وسائل الإعلام ومن بينها الصحافة ، متأثرة بما تبثه اللغات الأوربية في هذا المجال ، وقد عرفت هذه اللغات بعنايتها بالمحتوى دون الشكل ، بعكس العربية التي تعنى بالاثنين معًا .
ومن بين تلك النحوتات : مختصرات جاهزة في شكل كلمة معرّبة منها : ( آيبك ) و( الإسكوا ) و( الإيدز ) و( الفيفا ) و( الموساد ) و( الناتو ) .
وهناك مختصرات حرفية جاهزة معربة تعريبا صوتيا ، نحو : ( آر. بي .جي )
و( بي . بي . سي ) و( الكي جي بي ) .
وقد يوضع في كثير من الأحيان المنحوت الحرفي الأجنبي كما هو في لغته ، وإلى جواره دلالته التعريفية بالعربية نحو :
المنظمة الدولية لفن الكاركاتير FECO
المؤسسة المالية العربية ACIE
ولا براح بأن الحاجة إلى النحت مُلِحَّة جدًا تدفع إليه حاجات علمية ومقتضيات حضارية وتطوّر ضخم في العلوم والترجمة ، والدليل على ذلك أن كثيرا من العلماء العرب في العصر الحديث قد لجأوا إلى النحت ووضعوا مصطلحات منحوتة في المعاجم الحديث ، ونجد ذلك ماثلا فيما ذكره نعيم البعلبكي في المورد .
وإذا رُوعيت شروط النحت فإنه يصبح وسيلة إيجابية في إثراء اللغة العربية ، وتجديد ألفاظها لتلاحق التطور العلمي والحضاري الحديث ، من غير تنكّر لطبيعتها أو عدوان على خصائصها .

د. سالم البلوشي

* باحث ولُغَوي عماني


أعلى


 


رسائل ممطرة
أرواح تطير بنا

عندما نكتب تتكلم أرواحنا.. عندما نكتب نجد بأننا نحن
نحن...
عندما نكتب تطير العصافير بنا, ونحلم.. نحلم,نرانا صغاراً, نحب السكاكر,عرائس القش التي ترتدي أسمالها, كراريسنا, عندما نكتب نرى الخواء..نرانا وحيدين..منطفئين كشمع حزين!
عندما نكتب نرى الكرسي جامد,لا نرى أطفالنا يبكون, وأخوتنا الغائبين منذ سنين ولا يسألون.
عندما نكتب ولا نجد الكلمات بنا, يطيب لنا أن نفتش في شجر التذكر, ونبكي على من رش ملح الجراح
أترانا خلقنا لنجدنا هكذا خائبين!!!!.
سأبحث الآن عن لا شيء, فلست أجدني,فماذا سأكتب يا ترى سوى قلقي؟ قلق الحائط الرخو, و المطر الذي لا يجيء .............
عندما يبكي الرضيع على المهد, و يحمر توت, بماذا نفكر سوى بصوته, لا بماذا يريد من اعوجاج هذا المدار, أو من امتداد الضوء,أو من شمعة خامدة!.. إنه عالم واااسع لا نراه سوى بعيوننا المجردة ,جميل كقطر الندى, حين ينسى الرضيع البكاء, هل تراه يحدق ليرسم كل الوجوه, أم تراه يحاول أن يكتب وردا, ويختار أيا منها سيقبله قلبه ..يااااله
سيكبر يوما و يختار مثلنا زاوية في البعيد القصي!, وقد ينسى هذا البكاء الجميل الذي لم نعرفه!!!!!.
عندما نرى بعضنا أنا وأنت و أنتِ وهم بيننا, بماذا تفكر هذي العيون؟؟ ماذا تقول القلوب؟ أتراه قلبك يقول لك كما يقول قلبي لك الآن؟؟ وهل تبتسم قلوب و تبكي قلوب, ماذا عساني أقول الآن سوى أنني أكره الآخرين,و أحب البعض بابتسامة في الشفاه!. قد يحدثنا صمتنا, وقد يفضحنا الكلام الكثير, يال هذا الصمت المبااااح!.
قد يعترينا حنين رجوع ٍإلى وطن الراحلين.. طريق الرجوع الذي لا يجيء وقد...
رسالة ساقطة:
قالت : تزوجني
قال: لا صعب .
قالت: "لكني أحبك"
قال: و أنا أحبك. (لكن).
ومن ثم عاد إلى بلده
وأخذا يتراسلان..
"لكنني أحبكَ يا "علي"
" و أنا أحبكِ يا "سوزان" لكنني......
ستة أشهر .
كتبت تقول: " قابلت رجلا وسأتزوجه".
كتب يقول: لكنني أحبك يا سوزان" .
و انقطعت الرسائل
يفكر بها في غالب الأحيان..
و تفكر به من حين إلى آخر
لكن ............... "
" الطيب صالح"
سميرة الخروصي

 

أعلى


 

تلصص على دفتر رجل نائم على كرسيّ في حديقة (6)


لا

بحرفين فحسب يمكن أن ندلل على خواء الجسد وقوة الروح، على الشأو الذي تبلغه الروح التواقة في الجسد الآفل المتبخّر. بحرفين فقط تتضح تلك الشمعة الملتهبة في شرف أعناقنا، والتي تحترق ولا تموت. بحرفين فحسب يدمغ الهواء المبارك أخلاقه العالية، متخلياً عن الركام اللحميّ الذي يحملنا..
بحرفين فقط يمكن قتل الجلاد.

الجحيم

كففتُ عن رثاء نفسي حين رأيت هذه الحشود الضالة المتراكضة نحو التراب. بدأتُ أتخلى عن الإشفاق عليّ وذهبتُ أشفق على ضجيجهم المفرط نحو الأمل. تركتُ رثائي على نفسي وإشفاقي عليها منذ تكاثرت الجموع من كل حدب وصوب، مستنزفة إنسانيتها في الطريق إلى القبر الجماعيّ.
أصلّي لكي يتفرق القطيع، وكي يجد الفرد ذاته جهة الشمس، كي يجد عزلته ومنفاه في عناق الليل...

قوة تركيز

أتبع اللحن. يتلبسني. ألمسه بقوة. يدخلني كرمح نبيل. تعصف بي وردته الماكرة. تتجمع عيناي في نقطة، أقول بصمود في قلبي بأنّك ستشعرين الآن بما أشعر به. ورغم المسافة الهائلة التي تفصلني عنكِ، ها أنا أخترق المسافات. أراكِ تذهبين نحو النافذة، بعيداً، هناك. ها هو خيطي يدخل في جوفك، ها أنتِ تترنحين في لذة وعذاب النداء...
كلّ شيء يعضد قوّتي الآن: حدقة الساحر في عينيّ، انبعاثي العموديّ في النار الزرقاء، شلالي القائم بركبتين من غياب، شجاعة المعجز في خطوتي المرصوصة، بلاغتي التي لا حلق لها، مصباحي المنفجر في اللحظة...
هذه هي مكافأتي على قوّة تركيزي: أنتِ تحدثينني الآن!...


نصيحة المهراجا

يا بنيّ
الحياة كذبٌ كذبٌ كذب
الحياة عار
لكن لهذا السبب وحده
عليك أن تحب الحياة..
عليك أن تمتصّ ثمالاتها
أن تتجرع عذاباتها
قطرة قطرة..
لهذا السبب
عليك أن لا تولّي الأدبار
أن تستمسك بكأسك
أن تتشبث بخطاب الوردة
التي لا تفنى
وأن لا تنتهي قبل النهاية..


على أهبة سفر

روحي الوفية تحرض جسدي الخائن أن يحزم أمتعته، تدله على تلك الزاوية التي وضع فيها المسافر حذاءه وحقيبته الصغيرة. بهذا فحسب أطمئن إلى جوفي، إلى أنّ عطشي يبتسم، وأنّ ملائكتي وشياطيني سيغنون من أجلي في الرحلة السعيدة..


أنا وأنت

ما الفرق يا أسياد العالم، يا كهنة الشمس، يا فقراء الشمعة. ما الفرق أيها المشعوذون، المطمورون، المغمورون، السادرون في الظلام، بين: من أنا؟ ومن أنت؟..


عصفور وطائرة


أقلعت الطائرة للتوّ من مدرج المطار، وها هي ذي ترتفع نحو الأجواء. ها هو عصفور يمرّ بسرعة خاطفة إلى جوارها. ها هو يقول: أنا أمّكِ أيتها الطائرة الكبيرة!..


دهشة 1

لمجرد أنه رأى لحية طويلة جداً، قال لصاحبها:"الله يلعن تيسك"..


دهشة 2

باحث عاطل عن العمل، ومع ذلك فهو فيلسوف العمل. باحث عاطل عن الوظيفة ومع ذلك فهو أكثر خلق الله فقهاً في الوظيفة...


لقاء

أيّها الرعب
أيّها الصديق..
تتقدّم نحو عينيّ
مثل رقية لمّاعة
بينما أنا أتقدم إلى ساحتك
المثقلة بالشموع الخائنة..
أيّها الرعب
المفتول من كتّان الفراشات
من رحيق الأمطار الفانية
ها قد التقينا، وجهاً لوجه،
في النشيد المتهتّك..
في الظلام المصرّ على الزوبعة..
في الغرام الذي يرفع أصرته
نحو:
شيءٍ لا يموت..

لانهاية

سقطت وردة أمامي
وبدأ دبيب العقرب الثملة..
رأسي مجرّد شوق
وأصابعي مجرّد غبار
يُقـَـبِّل الطلع..


صالح العامري*
* شاعر عماني

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept