الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
أشــرعــة

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 









فتاوي واحكام


السؤال :
هل صلى النبي صلى الله عليه وسلّم بالأنبياء إماماً ؟ وهل معنى ذلك أنهم أحيوا ؟

الجواب :
ورد ذلك في روايات وإن كانت هذه الروايات لم تبلغ مبلغ التواتر ، ولذلك لا يُقطع بهذا الأمر، ولكن مهما يكن فإنه لا يجوز لأحد أن يقدم على رد ذلك .
من المحتمل أن يكون الله تبارك وتعالى مثّل له أرواحهم ، والأنبياء لا بد أن يعتقد الإنسان أن منزلتهم فوق منزل الشهداء ، والله سبحانه وتعالى يقول (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران:169) ، فمنزلة النبيين أكبر من هذه المنزلة ، هم ماتوا بطبيعة الحال كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلّم ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (الزمر:30) ، وقال ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) (الأنبياء:34) ، لكن هذا لا يمنع أن يكون هنالك لهم إحساس ، وأن يكون لهم شيء من الطبيعة التي هي تتميز عن طبيعة غيرهم . فالله تعالى قادرعلى كل شيء ، كما أخبر سبحانه أنه أحيا الذي أماته مئة عام ، أليس قادراً على أن يحي هؤلاء ، وأن يجمعهم بالنبي صلى الله عليه وسلّم ، أو أن تتمثل له أرواحهم وهم يصلون ورائه صلى الله عليه وسلّم ، إن الله على كل شيء قدير ، القدرة الإلهية قدرة مطلقة ، قدرة لا تحدها شيء ، صفات الله تعالى صفات مطلقة ، كما أن علم الله تعالى مطلق أحاط بكل شيء ، كذلك قدرته الله سبحانه وتعالى قدرة مطلقة أحاطت بكل شيء ، هو على كل شيء ، كما أنه سبحانه وتعالى بكل شيء عليم .

فليس هنالك ما يمنع من هذا ، ولا يجوز لأحد أن يرد مثل هذه الأخبار لمجرد خيال في نفسه بأن هذا يتصادم مع الواقع أو يتصادم مع المألوف عن الموتى ، فالله سبحانه وتعالى أخبر عن المسيح عليه السلام أنه من معجزته أنه كان يحي الموتى ، هذا مما نص عليه القرآن الكريم ، وأمر الله تعالى أعظم شأناً ، ما كان على يدي المسيح إنما هو من باب رفع قدره وإعلاء شأنه والدلالة على صدق قوله فيما يبلغه عن ربه ، فكيف بالقدرة المطلقة لله سبحانه وتعالى .


السؤال :
البعض يستدل بقوله تعالى ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) (النجم: 13 ) أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلّم رأى ربه ليلة المعراج ، فما قولكم ؟

الجواب :
ثبت في رواية الإمام الربيع وفي رواية الشيخين البخاري ومسلم ورواية غيرهم من أئمة الحديث من رواية مسروق أنه سمع أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تقول : من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية . قال مسروق :وكنت متكئاً فجلست وقلت يا أم المؤمنين أمهليني ولا تعجليني ، ألم يقل الله تعالى ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) (النجم:13) ، ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ) (التكوير:23) ؟ فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك ، فقال : ذلك جبريل لم أره في صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض .
فهذا نص صريح على أن المرئي إنما هو جبريل عليه السلام ، وأن ذلك من كلام الرسول صلى الله عليه وسلّم فهو المبلغ .
قال من قال بأن هذا مجرد كلام من عائشة رضي الله تعالى عنها ، ليس كما قال ، بل هي تروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلّم بصريح العبارة ، على أنها استدلت بهذا النفي بقوله تعالى ( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام:103) . كما ثبت ذلك في رواية هؤلاء الأئمة ، والله تعالى أعلم .

السؤال :
البعض يشكك في الروايات حول حادثة المعراج ويقول أنها بعيدة عن التصديق من خلال تحليل متون تلك الروايات ، فما حكم من أنكر المعراج استناداً إلى مثل تلك التحليلات ؟

الجواب :
نحن كما قلنا سابقاً نعوّل على قول من قال بأن من أنكر المعراج يُفسّق ، لأن الإشارة إليه واضحة في القرآن الكريم ‘ومن أنكر الإسراء يُشرّك .

أما بالنسبة إلى الروايات ليست متونها كلها متساوية، طبعاً قد يكون في بعض المتون ما يدعو إلى النظر ويدعو إلى التأمل ، ولكن هي في مجموعها قوية وتدل على أمر ثابت ، هذا في مجموعها ، لا أعني أن كل واحد من هذه المتون كذلك ، ولكن في مجموعها تدل على ثبوت ما جاءت دالة عليه بمجموعها ، فيعوّل على مثل هذه الرواية مع استفاضة هذه الروايات وشد بعضها أزربعض .

السؤال :
يرى بعض العلماء أن المعراج حدث مرتين ويستدلون على ذلك بقول الله سبحانه وتعالى ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) (النجم:13-14) ، فما هو رأيكم سماحة الشيخ ؟

الجواب :
هذا كلام من لم يطلع على الحديث أو من تجاهل الحديث ، لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلّم يقول بأن ذلك جبريل لم أره في صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين ، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض .
فالمرة الأولى التي رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلّم جبريل كهيئته التي خلقه الله تعالى عليها إنما كانت في بداية الوحي عندما ناداه من السماء فرفع بصره إليه فرآه في السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض ، فرجع النبي صلى الله عليه سلّم وهو ترجف بوادره مما ألم به من الخوف الطبيعي الذي ينتاب كل أحد عندما يرى أمراً كهذا الأمرالذي هو خارج عن المألوف ، فهذا بطبيعة الحال روّع النبي صلى الله عليه وسلّم ورجع إلى أهله وقال زملوني زملوني كما ثبت ذلك ، وأنزل الله تعالى فيه ( يا أيها المدثر ) و( يا أيها المزمل ) إلى آخره .

والمرة الثانية هي هذه المرة التي وقع فيها هذا الحدث كما أخبر الله تعالى فيها بقوله ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى*مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى* لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (النجم:13-18) .

فهذا مما دل عليه القرآن ، والسنة جاءت موضحة لما أجمله القرآن الكريم .
فيعوّل على ذلك.أما أن يقال بأن الحدث تكررمرتين . فالمرة الثانية متى كانت ؟ هل بعدما فتح النبي صلى الله عليه وسلّم مكة ؟ أوعندما سار في عمرة القضية بعدما صدعن الحديبية ؟
لا. فإذا كان إنما كان هذا الحدث قبل الهجرة فليس هنالك دليل على وقوعه مرة أخرى ، القرآن ذكر ذلك مرة واحدة ، سورة النجم سورة مكية ، سورة الإسراء سورة مكية ، فكيف يقال بأن هذا الحدث وقع مرة بالمدينة ومرة بمكة ، ليس هنالك من دليل على هذا قط .



يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

أعلى





الإسراء والمعراج والأرض المباركة

السرحني : الإسراء والمعراج حادثة عظيمة بكل المقاييس لأنها معجزة إلهية جاءت في الذكر الحكيم أكرم الله تعالى بها خير خلقه سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم.

البوسعيدي :الإنسان بقدرما يجعل لهذه الحوادث من أهمية تكون إنعكاساتها في فكره وقناعاته، وسلوكه وأعماله
أجرى اللقاءات ـ أحمد بن سعيد الجرداني:

كم هو جميل أن يحتفل المسلمون بمناسبة الإسراء والمعراج؛ لما لهذه الذكرى الجليلة من دلالات، وأبعاد، ودروس، وعبر، ومعان، وخبر، فهي حادثة عظيمة بكل المقاييس، كيف لا؟!، وهي معجزة إلهية جاءت في الذكر الحكيم، والنور المبين، وفي سنة إمام المرسلين، وخاتم النبيين، معجزة خالدة بخلود القرآن الكريم، معجزة ربانية أكرم الله تعالى بها خير خلقه سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم. وحول هذه الحادثة العظيمة كانت لنا هذه اللقاءات فمع الموضوع ...

ذكرى الإسراء والمعراج ليس حديثاً عادياً

في البداية ألتقينا بالشيخ الدكتور يوسف إبن إبراهيم السرحني ليحدثنا عن تأريخ أرض الإسراء وبيت المقدس ومعجزة الإسراء والمعراج حيث يقول: كم هو جميل أن يحتفل المسلمون بمناسبة الإسراء والمعراج؛ لما لهذه الذكرى الجليلة من دلالات، وأبعاد، ودروس، وعبر، ومعان، وخبر، فهي حادثة عظيمة بكل المقاييس، كيف لا؟!، وهي معجزة إلهية جاءت في الذكرالحكيم، والنور المبين، وفي سنة إمام المرسلين، وخاتم النبيين، معجزة خالدة بخلود القرآن الكريم، معجزة ربانية أكرم الله تعالى بها خير خلقه سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم.
لذا فإن الحديث عن ذكرى الإسراء والمعراج ليس حديثاً عادياً، أو عابراً، أو طارئاً، أو عارضاً، إنما هو حديث متأصلٌ في نفوسنا حتى النخاع، ومتجذر في أعماقنا تجذر الجبال الرواسي في باطن الأرض،حديث له طعمه، ونكهته،وله أذواقه، وأشواقه، وله إشراقاته، ومواجيده.
فحب القدس والأقصى متغلغل في أحشائنا، ومتعمق في أفئدتنا، ومتربع على عرش سويداء قلوبنا، يجري في كياننا جريان الدم في العروق، ويسري في وجودنا سريان الروح في الجسم، وسريان الماء في الشجر، وينتشر في ذواتنا انتشار أشعة الشمس في الوجود، وضوء النهارفي سماء الدنيا، وانتشار الأثير في فضاء الكون، في شهر رجب الحرام يكثر الحديث عن ذكرى الإسراء والمعراج، إحياءً لها، وتذكيراً بها، ووقوفاً عند دروسها، وعادةً ما يتحدث المتحدثون ويتكلم المتكلمون عن وقائع هذه الحادثة، ومواقفها، ومشاهدها، وما حصل فيها، وردود الناس حيالها في ذلك الوقت، وكذلك الدروس التي تستفاد منها.
وفي المقابل قلما يوجه الحديث عن أرض الإسراء والمعراج، التي هي جوهرالقضية ولبها، ومحورالحادثة وأصلها.
أرض الإسراء والمعراج هي فلسطين. هي القدس الشريف. هي المسجد الأقصى المبارك، فلسطين التاريخية التي هي من النهر إلى البحر، وهي جزء من بلاد الشام مساحتها 27 ألف كم مربعاً، وعاصمتها القدس الشريف.
وفلسطين أرض عربية إسلامية مباركة مقدسة؛ عربية اللسان والوجود والتأريخ. إسلامية الدين والرسالة والحضارة. مباركة الرسالات والموقع والخيرات. مقدسة المسجد والإسراء والمعراج.
القدس الشريف دُرة الأكوان وزهرة المدائن، تعتبر من أقدم مدن الأرض، فقد هدمت، وأعيد بناؤها أكثر من 18 مرة في التاريخ، وترجع نشأتها إلى 5000 سنة ق.م،حيث إن أول من سكنها، واستقر فيها، وعمرها هم العرب الكنعانيون، الذين خرجوا من الجزيرة العربية، وقد كانت فلسطين تسمى أرض كنعان نسبة إليهم، فالكنعانيون هم سكان القدس الأصليون، وقد أطلقوا عليها اسم " أورسالم "أي مدينة السلام، نسبة إلى سالم الملك العربي الكنعاني، وفي 3000 ق.م. أطلق عليها اليبوسيون وهم فرع من الكنعانيين، اسم " يبوس" نسبة إليهم، وهو الاسم الثاني لمدينة القدس، وقد اتسعت وازدهرت في عهد ملكهم " ملكي صادق اليبوسي"، ثم جاء من بعدهم الحيثيون وهم فرع من الكنعانيين، وفي زمان الحيثيين قدم إلى فلسطين سيدنا إبراهيم عليه السلام عام 2000 ق. م مهاجراً من حران، تقع مدينة القدس على ربوة تتكون من أربعة جبال هي: جبل موريا: ويقع في الزاوية الجنوبية الشرقية لمدينة القدس، وهو الجبل الذي يقع عليه المسجد الأقصى، وجبل داود: ويقع في الجزء الجنوبي الغربي لمدينة القدس، وجبل أكرا: ويقع إلى الشمال الشرقي من جبل داود، وعليه تقع كنيسة القيامة، وجبل بزيتا: ويقع بالقرب من باب الساهرة. وهو امتداد لجبل داود من الجانب الشمالي.
وتحيط بهذه الجبال عدة جبال أهمها: جبل المكبر، وقد سمي بهذا الاسم لأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جاء ليتسلم مفاتيح القدس من البطريرك النصراني " صفرونيوس "سلك هذا الجبل، فلما صعد عليه، وشاهد مدينة القدس، وقف وكبر؛ إذ رفع صوته بالتكبير قائلاً: " الله أكبر" تحدثاً بنعمة الله تعالى؛ وفرحاً بالنصر، والفتح، والتمكين، فارتفعت بعده أصوات المسلمين بالتكبير، وكان قبل ذلك يسمى جبل سكوبس، وجبل الزيتون، وجبل رأس المشارف.
فُتحت مدينة القدس في عهد الخليفة العادل أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العام الخامس عشرالهجري علي يد أمين الأمة أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله تعالى عنه، وبقيت القدس في يد المسلمين إلى أن احتلها الصليبون سنة 493هـ ثم حررها صلاح الدين الأيوبي بعد تسعين عاماً وذلك في سنة 583هـ ثم احتلها الصهاينة سنة 1967م بمؤامرة استعمارية دبرت بليل، فمن سيحررها ويخلصها من الأسر؟. حتماً سيأتي ذلك اليوم، الذي يفرح فيه المؤمنون بنصر الله، فهذا وعد الله، وإن غداً لناظريه قريب.
ومما تقدم تتضح بجلاء عروبة مدينة القدس؛ تاريخاً ومسيرةً، وبناءً وتشييداً، وملكيةً وسيادةً.
أما المسجد الأقصى المبارك الذي هو لب فلسطين، وقلب مدينة القدس ليس أرضاً، أو بقعةً، أو مكاناً فحسب ؛ بل هو إيمان، وعقيدة، وشريعة، وعبادة، ومعجزة، ونبوة، ورسالة، وقدسية، وأمانة، وعهدة، وانتصارات، وحضارات، وأمجاد، وفتوحات.
يقول الله سبحانه وتعالى: { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} سورة الإسراء الآية"1"، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى" رواه البخاري رقم 1189، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً ثواب الصلاة في هذه المساجد الثلاثة: "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة " رواه البزارعن أبي الدرداء رضي الله عنه بإسناد حسن.
بُني المسجدالأقصى بأمر الله تعالى بعد المسجد الحرام بأربعين سنة، فقد روي البخاري في صحيحه عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟، قال: " المسجد الحرام "، قلت: ثم أي؟، قال: " المسجد الأقصى"، قلت: كم كان بينهما؟، قال:"أربعون سنة"، ثم قال: " حيثما أدركتك الصلاة فصل، والأرض لك مسجد " رقم 3425.
وليس هناك نص ثابت في أول من بنى المسجد الأقصى، وإن كان هناك ما يؤيد أن آدم عليه السلام هو أول من بناه بأمر الله تعالى، فقد ذكر ابن هشام في كتاب ( التيجان ): " أن آدم لما بنى الكعبة أمره الله بالسير إلى بيت المقدس، وأن يبنيه، فبناه ونسك فيه".
وكما توالت عمليات البناء والتوسعة والتعميرعلى المسجد الحرام، توالت أيضاً هذه العمليات على المسجد الأقصى.
يعتقد الكثيرمن المسلمين أن المقصود بالمسجد الأقصى، هو مسجد قبة الصخرة ؛ لارتسام في أذهانهم صورة قبة الصخرة الذهبية التي كثيراً ما تظهر في وسائل الإعلام المختلفة، وهذا خطأ، فمسجد قبة الصخرة ما هو إلا جزء من المسجد الأقصى المبارك. إن المراد بالمسجد الأقصى المنطقة المحاطة بالسور المستطيل الواقعة في الزاوية الجنوبية الشرقية لمدينة القدس المسورة، والتي تُعرف بالبلدة القديمة أو العتيقة، والعتيقة أدق؛ لأن العتيق، له عدة معان: منها القديم من كل شيء، أي المغول في القدم، والعتيق الجميل الحسن الجيد، والعتيق المطهر المحرر، ومنه البيت العتيق يقول الله تعالى: { وليطوفوا بالبيت العتيق} سورة الحج الآية"29"، ويقول تعالى: { ثم محلها إلى البيت العتيق} سورة الحج الآية"33"، وفي حديث ابن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما سُمي البيت العتيق لأن الله أعتقه من الجبابرة فلم يَظهرعليه جبار قط، وكل هذه المعاني تنطبق على القدس الشريف، فمدينة القدس موغلة في القدم، وهي أصيلة عريقة، وحسنة جميلة، تمتازبموقعها الإستراتيجي.
ويضيف الشيخ يوسف السرحني بقوله : يقع المسجدالأقصى فوق جبل موريا، وتبلغ مساحة الأقصى144 دونماً، والدونم " 1000 متر مربع"، فمساحته ( 14 ألف متر مربع)،وتشكل هذه المساحة سدس مساحة مدينة القدس العتيقة، وتبلغ قياسات المسجد الأقصى: من الشمال 310م، ومن الجنوب 281م، ومن الشرق 462م، ومن الغرب 491م، وقيل يراد بالمسجد الأقصى مدينة القدس كلها، وللمسجد الأقصى حالياً عشرة أبواب منها باب المغاربة، وباب الأسباط، وباب العتم، وباب الغوانمة، وللمسجد الأقصى أربع مآذن، وفيه بوائك، ومساطب، ومدارس، ومكتبات، وسُبُل، وقباب، وآبار وغيرها من المعالم. فالبوائك هي: أعمدة عليها أقواس يُمر من تحتها إلى داخل المسجد، أما المساطب فهي: أماكن مربعة أو مستطيلة مرتفعة عن مستوى سطح أرض المسجد أنشئت لغرضي الصلاة والتدريس خاصة في فصل الصيف، والسُبُل: جمع سبيل وهي الطرق المؤدية إلى المسجد الأقصى، وعددها ست سُبل، أنشأها السلاطين العثمانيون، وأنشاؤوا على رأس كل سبيل حوض أي بركة ماء للشرب وغيره؛ خدمةً للزائرين والقادمين إلى المسجد الأقصى، وبالجملة فإن المسجد الأقصى المبارك يتكون من أكثر من 200 معلماً أهمها: الجامع القبلي: و هو ذو القبة الرصاصية، ويقع في الجزء الجنوبي من المسجد الأقصى، ويتسع لأكثر من خمسة آلاف مصل، والمصلى المرواني: ويقع تحت أرضية المسجد الأقصى في الجهة الجنوبية الشرقية، وكان بنو أمية يصلون فيه حتى لا يختلطون بالناس، ويتسع لآلاف المصلين، ومسجد قبة الصخرة: وهو مثمن الشكل، ويسمى بهذا الاسم نسبة إلى الصخرة المشرفة التي تقع بداخله، والتي عرج منها النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء بحسب الروايات، والصخرة غير معلقة كما يعتقد البعض، لكن يوجد أسفلها مغارة صغيرة، وهو مصلى للنساء، والهدف من إنشائه الحفاظ على الصخرة المشرفة من عوامل التعرية الجوية، وحائط البراق: ويقع في الجهة الغربية من المسجد الأقصى، ويشكل جزءاً من سوره الغربي، ويبلغ طوله نحو 50 متراً، وارتفاعه نحو 20 متراً، ويسمى بحائط البراق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ربط البراق فيه على الأرجح ليلة الإسراء والمعراج، ويطلق عليه الصهاينة حائط المبكى، وهي تسمية صهيونية لتضليل الرأي العام، وقد قاموا بتجديده بدعوى أنه آخر ما بقي من هيكلهم المزعوم، وهي دعوى باطلة، لا أساس لها من الصحة؛ إذ لو كان هناك هيكل كما يزعمون لحافظ عليه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما حافظ على كنيسة القيامة.
المهمة لها وقع كبير في النفس
وحول أنعكاسات هذه الحادثة ألتقينا بالشيخ الدكتور أحمد بن سعيد البوسعيدي مدير دائرة مدارس القرآن الكريم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
حيث يقول:المهمة لها وقع كبير في النفس، ولها تغلغل في القلب، كما أن لها توجيها للتصرفات والسلوك، فالإنسان بقدر ما يجعل لهذه الحوادث من أهمية تكون إنعكاساتها في فكره وقناعاته، وسلوكه وأعماله، وفي مقدمة هذه الحوادث الحوادث المرتبطة بدينه وعقيدته، بحيث تصبح ذكرى هذه الحوادث مذكية في النفس الإنسانية روح الجد والعمل، مشعلة فيها الهمة والنشاط، ومعينة لها على مواجهة الصعوبات والمشاق وتجاوزها، لأجل المضي في هذه الحياة على وفق المنهج الإلهي الذي رسمه للإنسان.
ومن ضمن هذه الحوادث الهامة حادثة الإسراء والمعراج، والتي كانت مؤذنة بفتح كبير، ونصر من الله القدير، ونتلمس هنا من ذكراها بعض الومضات التي نأمل من خلالها ربط المسلم للذكريات المتعلقة بدينه بواقعه المعاصر، ومن هذه الومضات ما يلي:
ـ تقوية الصلة بين العبد وربه: فالمسلم عندما يواجه القتل والتشريد والكراهية والاضطهاد، والإذلال والإهانة، بسبب إسلامه وتمسكه بدينه، فإن ذلك يعطيه دفعة قوية إلى تقوية صلته بخالقه، الذي بيده ملكوت كل شيء، والقادرعلى كل شيء، وبيده مقاليد السماوات والأرض، وتصريف الأمور، فهو القادرعلى كشف ضره، وتفريج همه وتيسيرعسره، وانتشاله من حالة البؤس والضيق إلى حال السعادة والراحة، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- عانى ما عانى من الشدة والضيق، والعداء والاضطهاد قبل حادثة الإسراء والمعراج، ومن ما لاقاه من إيذاء السفهاء والمجانين له بالحجارة في الطائف، فسألت دماؤه الشريفة، وحصل له ما حصل من الأذى الحسي والمعنوي، فلم يتسخط ولم يتبرم، ولم يواجه هذا الأذى بالشتم والسباب، ولا باللعن والتسخط، وإنما باللجوء إلى مولاه، والتضرع إليه بالطلب والدعاء، حيث قال في دعائه المعروف: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي،إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)، فاستجاب الله دعاءه وفرج عنه، ومن ضمن ذلك إكرامه برحلة علوية، جمعت بين التسرية عنه وإعلاء شأنه ومنزلته، فكانت حادثة الإسراء والمعراج فتحا ربانيا عظيما، ومؤذنة بانفراج وضع الدعوة الإسلامية، حيث فتحت له أبواب السماء، وفتح الباب بعدها للدعوة شيئا فشيئا، وكل ذلك يدفعك أيها المسلم أن توثق صلتك بربك بصفة دائمة، فلا تعرفه وقت الشدة فقط، وإنما في كل وقت، حتى تحظى بمعيته وعونه وتوفيقه، ولكي تتيسر لك الأمور وتذلل لك الصعاب، ومن ذلك حديث المصطفى عليه السلام-: ( تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة(، ونقول لكل مسلم ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وأوصدت عليه الأبواب، إن باب الله لا يوصد، ونقول لمن قدر عليه رزقه، أو تكالبت عليه الديون، أو وقع في ضائقة مالية، أو أزمة نفسية، وغير ذلك من منغصات الحياة، عليك أن توثق صلتك بالله، وأن تصلح العلاقة بينك وبينه، بالتزام طاعته، والابتعاد عن سخطه، واعلم أن حوادث الدنيا ومصائبها وابتلاءاتها تسير وفق أمر الله، فما من حركة أو سكون في هذا الكون إلا ويجري وفق قضاء الله وقدره، قال الله تعالى: )له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (.
وجوب الإيمان بالأحداث الغيبية الثابتة: فحادثة الإسراء والمعراج مثال حي من أمثلة الإيمان بالغيب، وما حدث فيها من الخوارق والعجائب التي كانت في ذلك العصر من الأمور التي يصعب تصورها فضلا عن تصديقها، فكيف يتصور مع عدم توفر وسائل النقل الحديثة انتقال النبي-عليه السلام- من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بالقدس الشريف، ثم يعرج به إلى السماوات العلا، وكل ذلك في ليلة واحدة، فما كان من المؤمنين حقا إلا أن صدقوا بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم جملة وتفصيلا، ومن ذلك موقف سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه المصدق له بقوة، ولذلك سمي الصديق، وقال قولته المشهورة بعدما جاءه المشركون شامتين مستهزئين: (إن كان قال فقد صدق، إنا نصدقه في الخبر يأتيه من السماء، أفلا نصدقه فيما دون ذلك؟).
ويحث البوسعيدي المؤمنون بقوله :ومن هنا على المؤمن أن يصدق بجميع ما ثبت من الأخبار الغيبية اليقينية الواردة إلينا بالتواتر سواء من الكتاب أو السنة، ولا يصح له أن يشك في شيء منها، أو يستبعد حصولها أو يؤولها بتأويلات غريبة وعجيبة، كمن يؤول الجن بأنهم كائنات دقيقة لا ترى مثل الميكروبات، ولقد ولج أعداء الإسلام من هذا الباب من المستشرقين وغيرهم فكرسوا جهودهم في التشكيك في الحوادث الغيبية وإيراد الإشكالات التي يتوهمونها لأجل هدم الإسلام وإحداث الفتن والبلابل في أوساط المسلمين، لصدهم عن دينهم، وزعم التناقض فيه وتضارب أخباره، وللأسف تبعهم من المسلمين من تبعهم، من أصحاب الأهواء والنفوس المريضة أو الجهال والسفهاء، وانتشرت هذه الظاهرة الخبيثة في المجتمعات المسلمة، واستشرت في مختلف البلاد، يبث من خلالها السموم عبر وسائل الإعلام والتواصل المختلفة، والتي في ظاهرها أنها تنطلق من منطلق العلم والعقل والحرية الفكرية، لتحقق مآربها الخبيثة من هدم الدين الإسلامي، والتشكيك في أحكامه ومبادئه، وليصبح المسلمون بلا قيم يلتزمون بها، ولا مبادئ ينادون بها أو يكافحون من أجلها، بل نجدهم يتفلتون من الدين تفلتا عجيبا، تتقاذفهم الأهواء والشهوات، حتى أضحت في حقيقتها آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، يقول - جل حلاله -: ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه)، ولكن العلماء الربانيين يقومون بالتصدي لأمثال هؤلاء، وكشف أباطيلهم، وبيان زيغهم، وتوضيح الحقائق بالأدلة والبراهين، كما جاء في الحديث: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين).
ومن هنا ندعو المسلمين أن يتسلحوا بسلاح العلم، وأن يطلعوا على الحكم والأحكام، والأدلة والبراهين لإثبات حقائق دينهم وثوابته، وأن يحذروا السماع من كل زاعق وناعق، بل يلجأوا إلى العلماء الربانيين والمشائخ المخلصين لأجل تبيين أمثال هذه الشكوك، ودفع الشبه والأباطيل، ونسأل الله ببركات هذه الذكرى العطرة أن يرد المسلمين إلى دينهم ردا جميلا، ويهدي من ضل منهم إلى الطريق الحق وإلى سواء السبيل، وأن يعم ببركاتها الخير والسلام والسعادة والوئام على المسلمين أجمع في مختلف أصقاع العالم.



أعلى





شرفات معرفية في سورة الإسراء

سورة الإسراء من السور المكية، التي نزلت قبل الهجرة النبوية الشريفة.وارتبط نزول هذه السورة بحادثة عظيمة، وهي حادثة الإسراء والمعراج. ورقم ترتيبها في المصحف الشريف هو السابع عشر بعد سورة النحل، ويأتي بعدها سورة الكهف، فسورة مريم ، فسورة طه، وهي كلها سور مكية متقاربة الطول وعدد الآيات نسبيًا، وتناظرها سورة يوسف في عدد الآيات، حيث تبلغ مائة وإحدى عشرة آية أيضًا. أما رتبتها في النزول فهي بعد سورة القصص ، التي تأتي في ترتيب المصحف بعد سورة الإسراء بعشر سور.
تسميتها:-
سميت سورة الإسراء بهذا الاسم؛ لأنها اشتملت على حادثة الإسراء. وتسمى سورة الإسراء (سبحان)؛ لأنها افتتحت بهذه الكلمة، وسورة (بني إسرائيل)، وهو اسمها الأول والمشهور بين المفسرين الأوائل، وهذه التسمية مرتبطة بأحد الموضوعات المهمة في هذه السورة، وهو موضوع بني إسرائيل، حيث تناولته هذه السورة بطريقة جديدة ومثيرة حينما تتنبأ بمستقبلهم السياسي وإفسادهم وانتصارهم وهزيمتهم المحتومة على أيدي الموحدين.أما التسمية الأخرى التي اشتهرت بين المتأخرين وتعتمدها المصاحف الحديثة فهي سورة ( الإسراء)، حيث الحدث الأول في هذه السورة، وهو إسراء النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
الإسراء في اللغة:-
الإسراء لغةً من سريت سرى ومسرى، وأسريت بمعنى إذا سرت ليلاً، وقد جاء القرآن الكريم باللغتين جميعًا فقال تعالى: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة الإسراء ، وقال تعالى: (قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا اليك فاسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم احد إلا امرأتك انه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) سورة هود ، وقال تعالى:(فاسر بأهلك بقطع من الليل) وقال سبحانه: ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْر) .
وهنا للفائدة: ذكر الليل مع أن السرى لايكون إلا في الليل.ويقول الدرويش: " أن السبب في ذلك يعود إلى أمرين:
أولهما: إن الإسراء دل على أمرين أحدهما: السير، والآخر : كونه ليلا".
وهو من الأفعال التي تتعدى وتلزم فيقال: أسراه وأسرى به مثل أخذ الخطام وأخذ به، وإنما قال تعالى (سبحان الذي أسرى...) وإن كان السراء لا يكون إلا بالليل، للتأكيد.والسراء هو الكثير السرى بالليل، والسراية والسرية سرى الليل وهو مصدر، ويقل في المصادر أن تأتي على هذا البناء لأنه من أبنية الجمع، مثل مدية ومدى.

موضوعات السورة
بدأت سورة الإسراء بتنزيه الله - تعالى - واختُتمَت بحمده وتعظيمه، وتضمنت الحديث عن حادثتي الإسراء والمعراج، وتناولت معجزة القرآن الخالدة بشكل مركَّز؛ حيث ورد ذكر كلمة القرآن في طيَّاتها ( مرة، كما عرضت موقف المشركين ومؤمني أهل الكتاب من هذا القرآن، وأصَّلت كونه مصدراً للخيرية بشتى أصنافها، وكغيرها من السور المكية كان التركيز فيها كبيراً على شؤون العقيدة؛ فتكلمت عن التوحيد ومخاطر الشرك ومآل المشركين، وأدرجت جانباً من ذلك في تفصيلها للوصايا العشر الكبرى التي ورد ذكرها بنوع من الإجمال في سورة الأنعام؛ بدءاً من الآية (151) إلى الآية (153)؛ حيث وردت تلك الوصايا هنا بنوع من التفصيل؛ وقد بدأ ذلك من الآية (22) إلى الآية (39)، وأردفته بطَرَف من قصة آدم - عليه السلام - وإبليس، مشيرة إلى جانب من التكريم الإلهي للبشر، وأَتْبَعَته بأمثلة من صنوف الخروج عن ذلك التكريم، جلَّتها في المحاولات اليائسة والعروض الرخيصة التي سلكها الكفار طمعاً في إغراء محمد صلى الله عليه وسلم لثنيه عن تبليغ رسالة ربه والحيلولة دون صدعه بالحق، وكذلك لجوؤهم بعد القنوط من تغيير مسار الدعوة إلى ضروب التعجيز المادي السافل، وقد بينت السورة ما مُنُوا به إثر ذلك من الفشل والتخبط، كما ذكرت طرفاً من تاريخ إفساد بني صهيون وجِبِلَّتهم العنادية الماكرة كما وردت في مقدمة السورة، لتعود قبل خاتمتها بآيات إلى سرد جانب من تاريخهم، معطية خلاصة قصة موسى وفرعون، ثم ختمت بتعظيم الله - تعالى - وتنزيهه عن الشريك والولد وسائر صفات النقص ومشابهة الخلق.

أهم محاور السورة:
1- بعد الاستهزاء بشخص النبي صلى الله عليه وسلم والمعارضة الواسعة لرسالته، وتعريضه لحملات مغرضة، وبعد ما لاقاه من الأذية المفرطة من قِبَل المشركين جاء الأمر الرباني بتكريمه، والقضاءُ الإلهي بتوشيحه؛ فكانت معجزة الإسراء والمعراج في رحلة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، كان منطلقها بيت الله الحرام في اتجاه المسجد الأقصى لتحيي الوشائج العميقة بين المسجدين المباركين. يقول ابن عاشور: "والمسجد الأقصى هو ثاني مسجد بناه إبراهيم - عليه السلام - كما ورد ذلك في حديث أبي ذر - رضي الله عنه - قال: (قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: "المسجد الحرام".قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة، فهذا الخبر قد بيَّن أن المسجد الأقصى مَنْ بِنَاء إبراهيم؛ لأنه حدد بمدة هي من مدة حياة - إبراهيم عليه السلام - وقد قرن ذكره بذكر المسجد الحرام) .
في رحاب المسجد الأقصى يؤم النبي صلى الله عليه وسلم جموع أنبياء الله من آدم إلى عيسى - عليهم الصلاة والسلام جميعاً - إيذاناً بانتقال الرسالة الخاتمة إلى هذه الأمة الخاتمة على يد رسولها الخاتم صلى الله عليه وسلم: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ليتوج تكريمه صلى الله عليه وسلم فيعرَج به بعد ذلك إلى سدرة المنتهى.
2- في هذا الدين الجديد يكون التوحيد هو الأساس الذي تنبني عليه الحياة وتقوم عليه أسس التشريع وقيم الأخلاق ومبادئ التعامل: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً)، وفي هذه السورة يستبين هدي القرآن العقدي في أقوم الطرق وأعدلها؛ إذ هدى إلى توحيد الله - تعالى - في ربوبيته، وهدى إلى توحيده - تعالى - في عبادته وألوهيته، وهدى إلى توحيده - تعالى - في أسمائه وصفاته، حماية لهذا الإنسان المسكين الذي كثيراً ما اجتاله الشياطين وأغوته نفسه الأمارة بالسوء وأحاطت به غفلته؛ فأعرض عن ربه وكفر به وأَمِن أخذه وعقوبته، فلا يذكره إلا ساعة الشدة، فإذا خرج من الكرب عاد إلى غفلته وطغيانه(إِذَاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا.وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً) (أَوَلا يذكر المسكين أن الذي أدخله الكرب وفرَّجه عنه حاضر لا يغيب؟
تتهاوى ضلالات الجاهلية أمام سلطان الحق، وتسقط العقائد الفاسدة التي اعتنقها أهل الشرك أمام نور الهدى، وتختفي أوهام الوثنية أمام سطوع الحقيقة، وتُفتضَح أقوالٌ:مثل نسبة البنات إلى قيوم السماوات والأرض:
( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا) ) ، وكالإعراض عن القرآن ومعارضته بالأكاذيب والأضاليل كذلك، وقد أقامت السورة الأدلة على تهافت تلك الدعاوى كلها، ونصبت البراهين على عقيدة التوحيد؛ بما تحويه من يقينية البعث والنشور والمعاد والجزاء، وذكرت سجود الملائكة لآدم وتعنُّت إبليس وعداوته لآدم ولذريته، ثم أعلنت دعوة الله - تعالى - للمؤمنين بالترفُّع عن غوغائية الدهماء وسفه الجاهلية، وأن يُمَرِّنوا أنفسهم على الاعتصام بالقول بالتي هي أحسن تحصناً من الوقيعة وغوائل الشيطان: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا )
3- من لطف الله - تعالى - بهذه الأمة المباركة أن نبيها صلى الله عليه وسلم: وإن أيدت رسالته ببعض الخوارق إلا أن إعجازها لم يكن معتمداً على تلك الخوارق حتى لا تكذِّب بها أمته فتهلك، كما هلك الأولون حين اعترضوا على الآيات وواجهوها بالعتو والاستكبار والتكذيب، بل جاءت هذه الرسالة المباركة بالعواصم التي يحفظ الله -تعالى - بها معتنقيها من عواقب التكذيب ومآلات الطغيان، فكان استحضار أنباء منازل الآخرة على نتائج امتحان الدنيا: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً.وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) .
3- لم يترك المشركون وسيلة إلا استخدموها لصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواصلة دعوته وصده عن سبيل الله تعالى، وفي إطار ذلك عملوا على إخراجه من مكة المكرمة من خلال ما عاملوه به من صنوف المضايقة بعد ما يئسوا من رجوعه عن دينه، وقنطوا من تخليه عن دعوته، وقد صرَّح القرآن بأنهم لو أخرجوه قسراً لحاق بهم غضب الله - تعالى - ولعاجلتهم نقمته؛ كما هي سنة الله في سلفهم من الطغاة والمعاندين، وفي غمرة ذلك يضرب المصطفى صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الثبات على المحجة وإقامة الحجة تالياً كتاب ربه، داعياً إلى سبيله، مقيماً لعبادته، متوكلاً عليه لاهجاً بذكره ودعائه: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا.وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) ، هكذا تكلؤه حماية الله - تعالى - بهذا القرآن من أذاهم، وتحفظه به من طيشهم؛ فلا يقرؤه إلا ولَّوا عنه هاربين مدبرين:( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا.وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا) .
4- في إطار تفنن المشركين في محاولاتهم تعجيزَ النبي صلى الله عليه وسلم يستمر إصرارهم على مطالبته بالخوارق المادية؛ كتفجير الأنهار في أزقة مكة وتحويل جبالها إلى جنات وارفة الظلال ورمضائها إلى بساتين دانية القطوف... إلخ، تلك المطالب التي ظلوا يراوحون بينها عتواً منهم واستكباراً وإعراضاً عن الإعجاز القائم بهذا القرآن عقيدة ومنهجاً وأسلوباً ومحتوى؛ ذلك أنه لو كان طلب الحق حاديَهم، واستظهار الصحيح محركَهم لاكتفوا بمعجزة القرآن الذي تضمن كافة أنماط الإعجاز ووسائله، ولاهتدوا بما علموه وعايشوه وعرفوه عن شخصه صلى الله عليه وسلم؛ لكنهم ظلوا يصدفون عن الحقيقة: (وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا.أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا.أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً) ، ومن المعلوم أن كثرة الخوارق لم تكن لتوَلِّد الهداية في النفوس المتمردة على سلطان الوحي، ولم تكن لتنشئ الإيمان في القلوب المنكرة، ولم تكن لتزرع التقوى في النواصي الجاحدة؛ إذ لو كانت تثمر شيئاً من ذلك في نفوس مريضة بالاستكبار، مائرة بالشهوات والشبهات كتلك، لكان بنو إسرائيل أهدى الخلق على الإطلاق؛ فقد ابتلاهم موسى - عليه السلام - وحدَه بما لا مزيد عليه من الخوارق والآيات والنُّذُر؛ فهل آمنوا أو استجابوا أو صدقوا؟
وبالجملة فإن السورة قد تمحورت بشكل عام حول شخص الرسول صلى الله عليه وسلم و ما حباه الله - تعالى - به من التكريم والتثبيت والعصمة، وما أيده به من المعجزات، كما أفاضت في تعظيم شأن القرآن بوصفه مصدر الهداية والنجاة، وقد نوَّهت بقضايا العقيدة وبيَّنت أسس التوحيد، وأعلت شأن فضل حُسْن التعامل وقيمة مكارم الأخلاق.

أبرز القواعد المستخلصة من السورة:
القاعدة الأولى : (لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً):
إنها قاعدة العمل والجزاء التي لا تتغير ولا تتبدل، وقد جاءت بصيغ أخرى؛ منها ما ورد في سورة فصلت: (من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد) ، وما جاء في سورة الزلزلة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره) ؛ فمن أحسن بالإيمان والطاعة فقد أحسن إلى نفسه ونفعها، ومن أساء إليها بالكفر والمعاصي فإنما أضر بها وأساء عليها؛ فالله وحدَه الغني - جل شأنه -لا ينفعه إيمان مؤمن ولا يضره كفر كافر.

القاعدة الثانية : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) :
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: (ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن العظيم الذي هو أعظم الكتب السماوية، وأجمعُها لجميع العلوم، وآخرُها عهداً برب العالمين - جل وعلا - (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)؛ أي الطريقة التي هي أسدُّ وأعدل وأصوب) ،؛ إذ إن هداية القرآن شاملة لأقوَم الطرق، وأوضح السبل، وأعدل الأحكام، وأنصع العقائد، وأحسن التعامل، وأجلِّ الأخلاق؛ فمن اعتصم به كان أكمل الناس شأناً وأهداهم سبيلاً وأقومهم طريقة .

القاعدة الثالثة: (وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) :
وهي قاعدة عامة تبيِّن استعجال الإنسان وعدم توخيه لعواقب الأمور وتجاوزه للنظر في مصائرها، وقد وردت في سورة الأنبياء بصيغة أخرى)خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) ؛ ذلك أن المؤمن يستعجل النصر والكافر يستبطئ العذاب ويستهزئ بالوعيد. ومن رحمة الله تعالى بالبشر أنه - جل شأنه - لم يعجِّل لهم كثيراً مما يطلبون؛ إذ يستعجلون الشر استعجالهم للخير: (وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) .

القاعدة الرابعة:( وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا) :
وهي قاعدة جليلة؛ فلا رادَّ لحكم الله تعالى - ولا مانع لما أعطى ولا مبدِّل لما أراد؛ فهو - سبحانه - الفعَّال لما يريد العدل الحكيم الخبير يعطي ويمنع لا معقِّب لحكمه ولا رادَّ لقضائه، وقد وردت هذه القاعدة بصيغ كثيرة؛ منها ما جاء في سورة البقرة: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) ،ومنها ما جاء في سورة آل عمران: (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) .

القاعدة الخامسة: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) :
وهي قاعدة يثبتها الواقع؛ فَعِلم الإنسان محدود وعقله قاصر عن الإحاطة بالأشياء، لا سلطان له على الغيب؛ بل عاجز عن إدراك ما يحتاجه مما ليس غيباً؛ فكيف يدرك ما لا يحتاجه مما هو ممنوع من الاطلاع عليه، وعجزه هذا أبدي لا تعلُّق له بزمن، وقد وردت هذه القاعدة بصيغ متعددة؛ منها ما جاء في سورة البقرة:( وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء) وهو ما يدل على جهل البشرية الخلقي.

القاعدة السادسة: (وَكَانَ الإِنسَانُ قَتُورًا)
فالبشر مطبوعون بجبلَّتهم على شدة البخل والجشع والأنانية، فلو أنهم كانوا خَزَنة رحمة الله - تعالى - لمنعوها وبخلوا بها؛ خوفاً من نفادها ونقصانها وحرصاً على الاختصاص؛ رغم أنه لا يعتورها نقص ولا ينالها نفاد؛ لكن الجبلَّة البشرية كذلك، وقد وردت هذه القاعدة في ثنايا القرآن بصيَغ وافرة؛ من ذلك ما ورد في سورة النساء:( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) ، وما ورد في سورة المعارج: (تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى.وَجَمَعَ فَأَوْعَى.إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا.إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا.وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) ،وما ورد في سورة محمد( إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ.إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) .

الخلاصة :
لقد أكدت هذه السورة الكريمة أن في هذا القرآن كافة عوامل القيادة والسيادة، وأن المستمسكين به ينزع الله عن نفوسـهم الوهـن ويبدلهـم به إيماناً راسـخاً لا يعـرف تلكـؤاً ولا ينتابه تردُّد؛ بل يندفع صاحبه في سرعة ومبادرة مستجيباً لأمر الله - تعالى - ونهيه؛ إنه الإيمان الذي يقوم على العبودية لله وحدَه: توحيداً وإخلاصاً واحتساباً وتوكلاً، إيمان يستسلم صاحبه لشريعة الخالق خُلُقاً ومعاملة في ارتواء دائم من ينابيع القرآن، وزاخر بحور السُّنة المطهرة؛ بهذا المنهج تدب الحياة في هذه الأمة المباركة من جديد، فيقود الوحي زمامها من غير اسـتعجال للنتـائج أو تجاوز لسـنن الله - تعالى - بإيمانها لتسير تحت رايته بخطى ثابتة تراعي الظروف وتأخذ بالأسباب:
(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً) ، يحدوها ذلك الإيمان الذي لا يتسلل إلى نفس صاحبه الانزلاق في أتون الترف والفسوق اللذين هما الخطوة الأولى في درك الفساد والتردي إلى الزوال والاندثار: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا).
لقد صاغت هذه السورة وصايا عظيمة جمعت كل وسائل العصمة من الزلل، وشملت كافة مقومات الاهتداء إلى الرشاد؛ استهلتها بالتوحيد الخالص وختمتها به، لارتباط كمال الاستقامة به، ونسج حزام النجاة من أهدابه. وصايا حازت أعدل الأحكام وأوضح الحِكَم؛ فالتوحيد هو الذي يجعل رابطة الناس بربهم شديدة، وصِلَتهم به وثيقة، وتعلُّقهم به كاملاً، فيعلمون أنه - تعالى - خلق الخلق وحدَه ليعبدوه ويألهوه بلا إشراك، ويوحدوه ويمتثلوا أوامره ويجتنبوا نواهيه، وهو وحده العالم بما يصلحهم، وهو وحده مسبغ النعم الظاهرة والباطنة، وهو وحده من يستمد منه سلطان الحق صدقاً وثباتاً، وهو وحده الذي يدحر الباطل ويزهقه، وهو وحده الموفِّق لعباده المؤمنين إلى الإحسان في المعاملة والتلطف في القول والسداد في الدعوة حتى تصير الكلمة الطيبة شعارهم: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) . ويعتقدون أنه لا كاشف للضر إلا الله وحده ولا نافع سواه ولا راد لقضائه؛ فكل ما سواه مربوب مقهور خاضع لجبروته وسلطانه: (قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً.أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) ، فيعبدونه وهم موقنون أنه وحده من حبا البشر بالتكريم وأفاض عليهم من سوابغ نعمه من بين سائر مخلوقاته؛ فكرَّمهم في هيئتهم ونطقهم، وكرَّمهم بفطرتهم، وكرَّمهم باستعداداتهم وميولهم، وكرَّمهم بمسؤوليتهم عن أنفسهم؛ فجعلهم مكرمين مشرَّفين إن أعزوا أنفسهم بالانقياد لأمره، مهانين حقيرين إن أذلوها بالإعراض عن الهدى وارتموا في أحضان بهيميتهم: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً.يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً.وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) .
على الرغم من أن المشركين وقفوا مشدوهين أمام هذا القرآن عاجزين عن الإتيان بما يشبه الآية الواحدة منه فإنَّ تبلُّد الإحساس عندهم جعلهم يتجاوزون إعجازه المتجسد في شمولية منهجه وبلاغة نُظُمه وجمال أسلوبه - وهم أهل الفصاحة والبيان - إلى تلمُّس خوارق مادية تافهة، متشبثين بعقيدة فاسدة، وتصور منحرف بنوه على فكرة خاطئة مقتضاها أن الرسول لا ينبغي أن يكون من جنس البشر، متجاهلين أن الخيرة بيد من له الخلق والأمر وحده يسبغها على من يشاء من خلقه: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا.وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا.وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا.أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا.أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً) ، ومتناسين أنه ما بعد الآيات المادية إلا الإيمان أو الهلاك: (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا).
لقد نوهت هذه السورة في ختامها بذلك الجمهور العريض من أهل الكتاب الذين بادروا إلى الدخول في الإسلام فور سماعهم لهذا القرآن فاستقبلوه بقلوب مفتوحة لهدايته، ونفوس قد حازت من العلم ما عرفت به قيمته وطبيعته ، فأذعنت في خشوع وآمنت في استسلام: (قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا.وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً.وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) .
ومجمل القول في هذه السورة: إنها اشتملت على كثير من التوجيه والتسديد والأخبار المسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه من بعده، وأنه لم يكن بدعاً من الرسل في تعرُّضه للإعراض والأذية كما لم تكن أمته في ذلك بدعاً من الأمم؛ فما أُرسِل رسول ولا اهتدت أمة إلا وتعرضت للاستهزاء والابتلاء والتكذيب؛ لكن نصر الله - تعالى - ما يلبث أن يأتيهم فتكونَ لهم العاقبة، ولمخالفيهم الخسران والبوار، إن ثبتوا على الحق، ولم تُغوِهم عنه المغريات، ولم تُزحهُم عنه الزوابع؛ فَحَمَلة الحق عرضة لظلم الجبابرة واضطهاد الطغاة وهدفاً لأطماع المناوئين والمنافقين والمخلِدين إلى الأرض، ولكن وعد الله لهم بالنصر والتمكين والاستخلاف قائم ما استمسكوا بالحق وثبتوا عليه وانتهجوه في نفوسهم وسَعَوا إلى إقامته في الخلق (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (46).
ــــــــــــــــــــــــ
المصادر

ـ تفسير جوامع الجامع: 357.
ـ الصابوني. محمد علي، صفوة التفاسير، بيروت دار الكتب العلمية: ، 2/151.
ـ إبن عاشور. محمد الطاهر، التحرير والتنوير، تونس: دار سحنون للتوزيع والنشر، 5/15.
الدرويش، محي الدين: إعراب القرآن الكريم وبيانه، دمشق- بيروت : دار اليمامة، دار ابن كثير،ط8، 1422هـ - 2001م، ج4/324.
ـ انظر لسان العرب: 6/ 252.
ـ اخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، ح (3187). ورواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ح (520).
ـ انظر : المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير، المباركفوري،صفي الرحمن، الرياض: دار السلام ص : 618.

ـ انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص : 466 - 467.
ـ انظر : في ظلال القرآن: (4/ 2254)

مريم بنت حميد الغافرية




أعلى





ِ الإسراء والمعراج الحدث العظيم

في هذه الزاوية من تفسير الآيات شدنا شوقاً أن نشارك الأمة الإسلامية بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج وارتأينا أن نعرج سوياً إلى تفسير هذه الآية من سورة الإسراء ..
يقول الله تعالى ( سُبْحَانَ الَّذ ي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (1) سورة الاسراء
قال ابن كثير : يمجد تعالى نفسه ، ويعظم شأنه ، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه ، فلا إله غيره ( الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ) يعني محمدًا ، صلوات الله وسلامه عليه ( لَيْلا ) أي في جنح الليل ( مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } وهو مسجد مكة ( إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى ) وهو بيت المقدس الذي هو إيلياء ، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ؛ ولهذا جمعوا له هنالك كلهم ، فَأمّهم في مَحِلّتهم ، ودارهم ، فدل على أنه هو الإمام الأعظم ، والرئيس المقدم ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
وقوله : ( الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) أي : في الزروع والثمار (لِنُرِيَهُ ) أي : محمدًا ( مِنْ آيَاتِنَا ) أي : العظام كما قال تعالى ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) النجم : 18 .
وسنذكر من ذلك ما وردت به السنة من الأحاديث عنه ، صلوات الله عليه وسلامه.
وقوله : { إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } أي : السميع لأقوال عباده ، مؤمنهم وكافرهم ، مصدقهم
ومكذبهم ، البصير بهم فيعطي كلا ما يستحقه في الدنيا والآخرة.
قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا ثابت البُناني ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه ، فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس ، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء ، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجت. فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن. قال جبريل : أصبت الفطرة" قال : "ثم عرج بي إلى السماء الدنيا ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. قيل : وقد أرسل إليه ؟ [قال : قد أرسل إليه] ففتح لنا ، فإذا أنا بآدم ، فرحب ودعا لي بخير.
ثم عَرَج بنا إلى السماء الثانية ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه. ففتح لنا ، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى ، فرحبا بي ودعوا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ فقال: محمد. فقيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : قد أرسل إليه. ففتح لنا ، فإذا أنا بيوسف ، وإذا هو قد أعطي شطرالحسن ، فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. فقيل : ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : قد أرسل إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح الباب ، فإذا أنا بإدريس ، فرحب ودعا لي بخير. ثم قال : يقول الله( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) [ مريم : 57 ].
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. فقيل : [و] من معك ؟ فقال : محمد. فقيل : قد أرسل إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا ، فإذا أنا بهارون ، فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟ فقال : جبريل. قيل ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا ، فإذا أنا بموسى فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك ؟ قال : محمد. فقيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا ، فإذا أنا بإبراهيم ، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه.
ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى ، فإذا ورقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال. فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت ، فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها. قال : "فأوحى الله إليّ ما أوحى ، وفرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة ، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى". قال : "ما فرض ربك على أمّتك ؟ قال :"قلت :خمسين صلاة في كل يوم وليلة". قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك ، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم". قال : " فرجعت إلى ربي ، فقلت : أي رب ، خفف عن أمّتي ، فحطّ عني خمسًا. فرجعت إلى موسى فقال : ما فعلت ؟ قلت : قد حطّ عني خمسًا". قال : "إن أمّتك لا تطيق ذلك ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمّتك" قال :"فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ، ويحط عني خمسًا خمسًا حتى قال : يا محمد ، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة ، بكل صلاة عشر ، فتلك خمسون صلاة ، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت [له] حسنة ، فإن عملها كتبت عشرًا. ومن همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب ، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته ، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمّتك ، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت".
وقال أحمد أيضًا عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لما عرج بي ربي ، عز وجل ، مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت: من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم".

إعداد : أم يوسف



أعلى





الرحلة الأرضية السماوية

شاءت إرادة المولى عز وجل أن يمتحن نبيه في عام واحد بفقد السند الخارجي له والسند الداخلي. وكان هذا الفقد متجسدا بفقد عمه وفقد زوجه الطاهرة خديجة بنت خويلد. وكان هذا في العمر المكي من عمر الدعوة الاسلامية المباركة. وبلا شك إن المرحلة. المكية كانت من أقسى المراحل في حياة نبي الرحمة محمد بن عبدالله - عليه صلوات ربي وسلامه- وكانت فرصة سانحة لقريش حصة بعد وفاة عمه أن يكثروا من الأذى وأن يتفننوا فيه لاسيما بعد إن زال المانع بينهم وبينه، لما كان لعمه من كلمة على أهل قريش ومكانته بينهم. فبعدما رأت قريش أن الفرصة لها مواتيه وكشرت عن أنيابها أكثر من السابق اتجه الحبيب المصطفى - عليه السلام- إلى الطائف عله يجد بينهم من يقبل هذه الرسالة ويؤمن بدعوته الحقة ولكن وللأسف الشديد كان الرد منهم على عكس المؤمل وكان فعلهم أبلغ ردا من كلامهم؛ إذ جمعوا بين الأذى النفسي الذي كان متمثلا في السب والشتم وبين الأذى الحسي من رميهم الحجارة عليه وعلى صاحبه.
عند هذه المرحلة لم ينتهي كل شيء بل كان الله يعد لنبيه ما يسر خاطره ويفرج كربته ويواسيه به، فهو كان يسعى ليستنقذهم من النار، ففي لحظات شديدة دعاء عليه السلام دعاء يفيض بكل معاني التعلق بالله تعالى ويقطر بكلمات الرجاء والتوسل في حالة لا يتحملها إلا نبي من ربه مرسل. فبعدما استند عليه السلام على حائط حديقة توجه إلى ربه متذللا خاشعا منيبا داعيا بدعاء تفيض منه كلمات التبجيل والثناء وكلمات الرضى بما قدر المولى تبارك وتعالى فقد كان دعاءه عليه السلام ( اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إلى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إلى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلاَ أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِكَ).
فقد بين عليه السلام في هذا لنا دروسا مستمد منها الأدب في التعامل مع الله تعالى، وكيف ندعوه؟ بل وكيف نمجد من له المجد كله؟ وفي ثنايا الدعاء يذكر عليه السلام " إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي" ما أعظم هذه الكلمات وما أسد وقعها. نعم إن رضى الله تعالى هي الغاية والسلامة من عذابه. هي الفوز فإذا كان الله راض عنك أيها العبد فسيرزقك الصبر على البلاء والشكر على النعماء، وهي منزلة لا يبلغها إلا من كان قلبه متعلقا بربه، خاشعا منيبا إليه.
فها هو نبي الرحمة يجسد رحمته عندما ينزل إليه ملك الجبال يستأذنه في أن يطبق الأخشبين على من لم يقبل دعوته ولكنه يرفض ذلك رغبة في إن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا. إنها الرحمة في أعلى معانيها والسمو الأخلاقي في أعلى مراتبه أن تعفو وأنت لقيت وما زلت تلقى أشد العنت منهم.
ورجع النبي الكريم إلى مكة وهو الذي كان يأمل من أهل الطائف أن يكونوا له عونا وسندا ويتحملوا معه الدعوة إلى دين الله تعالى، لكن هذه مزية أرادها المولى لغيرهم، وخيرا حفظه الله لأهله. رجع النبي إلى مكة ليمنع من دخولها إلا حين دخل بجوار رجل من أهل مكة. كيف يمنع شريف من أشراف مكة ومن نسل قوم لهم فضلهم على أهل مكة . إنه إمعان في العذاب النفسي وتفنن في اتباع خطوات الشيطان لإيقاع أشد العذاب بهذا النبي الذي يريد لهم الخير في دنياهم وإخراجهم من النار في آخرتهم . هنا والحال هذه اقتضت مشيئة الله تعالى باكرام نبيه وصفيه برحلة أرضية أرضية سماوية فتجلت الرحلة الأرضية الأرضية من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والسماوية من الأرض إلى السماوات العلى. وكانت رحلة شرف الله بها نبيه ليريه .

مصطفى بن ناصر الناعبي



أعلى





الإسراء والمعراج دروس وعبر

أخي القارئ الكريم أختي القارئة الكريمة : هذه الأيام من شهر رجب الأغر تذكرنا بحادث ليس له في التأريخ نظير وآية إلهية من أعظم الآيات ومعجزة كبرى من أروع المعجزات ذلكم الحادث الضخم – الذي يسجله القرآن الكريم واهتز له الكون- هو الإسراء والمعراج.
وقد اعتاد المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أن يحتفلوا بهذه الذكرى الحبيبة في السابع والعشرين من شهر رجب الذي تحققت فيه تلك المعجزة وباحتفائهم بها يأخذون من ماضيهم المشرق شحنة روحية ويستمدون من ذكرى إسراء نبيهم زادا قلبيا وبذلك تقوى صلتهم بالله ويزداد نور الايمان في قلوبهم.
والإسراء: رحلة أرضية بدايتها المسجد الحرام بمكة المكرمة ونهايتها المسجد الأقصى بفلسطين الاسلامية.
والمعراج: رحلة سماوية بدأت من حيث انتهت الرحلة الأرضية- أي من المسجد الأقصى وانتهت بالعروج الى السماوات العلى ثم الى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى حيث كان التكريم الإلهي لخلاصة خلاصة الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد جاء حادث الاسراء والمعراج في فترة من أعصب الفترات في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام وفي تأريخ دعوته إذ أنه كان في هذه الفترة يعيش في جو الشدائد ويواجه بموجة عاصفة من العداء والإيذاء والوحشية من اعدائه. ولاسيما بعد أن فقد درعيه: عمه أبا طالب وزوجه خديجة رضي الله عنها وهما اللذان كانا عضدين قويين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الدعوة: فخديجة في البيت تسري عنه وتؤنسه وتهون عليه كل شدة ويجد بجوارها الطمأنينة وسمو العاطفة وأنضر الأخلاق.. وعمه درعه في الخارج يدفع عنه كيد الخصوم ومؤامرات الأعداء ويتصدى للكفار ويمنع عنه شرهم ويكافح من أجل الحفاظ على حياة ابن أخيه ويتحمل في سبيل ذلك الكثير من المشاق ويتعرض لشتى أنواع الضغوط من جانب أعداء رسول الاسلام.
وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الجو الحزين ويعيش وسط هذه الظروف الصعبة المريرة إذ بالنجدة السماوية وبالعون الالهي ينير له الطريق ويشد أزره وينقله من هذا الجو الكئيب الى حيث الروحانية والبهجة والمسرة والتكريم.
وإذ بجبريل عليه السلام يأتي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوثا من قبل الله العظيم داعيا له الى القيام بهاتين الرحلتين المباركتين: رحلتي الاسراء والمعراج،وكأن الله تعالى يقول له: إن ضاقت في وجهك الأرض فهذه أبواب السماء تفتح لتسمع في كل منها: (مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح). وإن أعرض عنك البشر فهذه ملائكتي تحف بموكبك،وتحتفي بمقدمك،وإن انفض الناس من حولك،فهؤلاء الأنبياء كلهم يصلون خلفك،إن قدرتي هذه التي خرقت لك بها قانون الزمن وقانون المسافة وقانون السماء والجو هي التي ستفسح المجال أمام دعوتك،فتنطلق في رحاب الحياة،ويومئذ يجيئك نصر الله والفتح،وترى الناس يدخلون في دين الله أفواجا.
أخي القارئ الكريم : لقد أسرى الله بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام بمكة الى المسجد الأقصى بفلسطين، والمسافة بين مكة وفلسطين يقطعها المسافر في شهر ذهابا وشهر عودة على الإبل،ولكن القدرة الالهية مكنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من القيام بالرحلتين: الأرضية والسماوية في فترة وجيزة من ليلة واحدة وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من رحلتيه المباركتين الى مكان رقوده وما زال الليل لم ينقض بعد وكانت وسيلة الانتقال برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة الى فلسطين دابة تسمى البراق،قيل عن سرعته إنه كان يضع حافره عند منتهى بصره وقد صحب جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الرحلة الى أن وصل الى بيت المقدس فنزل من على البراق ودخل المسجد فوجد فيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في انتظاره وعندئذ استقبلوه استقبالا كبيرا يليق بسمو منزلته وعلو مكانته ثم أقيمت الصلاة فقدم صلوات الله وسلامه عليه ليكون إمام تلك الصفوة من الخلق فأمهم وصلى بهم فكان ذلك إجماعا من الأنبياء على إمامته وقيادته وميثاقا منهم بمبايعته على رسالته الكبرى للإنسانية والتي فيها صلاح البشرية دنيا وأخرى وصدق رب العزة حيث قال: ((وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين)). وهكذا أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة أرض الدين الجديد الختم الى فلسطين أرض الرسالات والرسل والدعوة الى الله عبر القرون وبذا كان الاسراء ربطا بين حاضر مشرق وماض عريق مجيد.
والحكمة في اختيار مكة والقدس لتكونا بداية ونهاية الرحلة الأرضية هي الرابطة المقدسة الوثيقة بينهما،حيث أن بهما اول مسجدين بنيا لأنبل هدف وأشرف غاية ففي مكة المسجد الحرام مثابة للناس وأمنا وقبلة مقدسة للمسلمين يتجهون نحوها في صلواتهم لخالقهم المعبود بحق – وفي القدس المسجد الأقصى وهو القبلة الأولى للمسلمين وهو مقر لعبادة الله منذ أن بناه أولاد إسحاق. وإذن فبينهما صلة وثيقة مقدسة وتلك الرابطة القوية تفرض على المسلمين أينما كانوا واجب الدفاع عن المسجد الأقصى والقدس وفلسطين وتخليص تلك البقعة العربية الغالية من براثن الصهيونية الفاجرة.
إخوة الإسلام:
بعدئذ بدأت الرحلة الثانية ( رحلة السماء )، رحلة الخير والصفاء والاشراق وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يرقى سماء بعد سماء بصحبة جبريل عليه السلام الى ان وصل الى سدرة المنتهى وعندها توقف جبريل قائلا لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم: تقدم أنت واتركني هنا،فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (أهنا يفارق الحبيب حبيبه؟) فقال له جبريل عليه السلام: أنا لو تقدمت احترقت، اما أنت فإن تقدمت اخترقت ((وما منا إلا له مقام معلوم))،وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقي في معراجه من التكريم الإلهي ما لم يحظ به أحد من العالمين وفرض رب العزة على الرسول وأمته الصلاة وبفضله جل شأنه ورحمته بهذه الأمة وإكراما للنبي الكريم صارت الصلاة خمسا بعد خمسين ولم يكن هذا التيسير منقصا شيئا من الأجر بل هن خمس في العمل وخمسون في الأجر. وهكذا أكرم الله نبيه محمدا وأمته.
أيها القراء الأعزاء:
إن حادث الإسراء والمعراج كان تثبيتا لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وطمأنة له بأن القدرة الإلهية تقف بجانبه وأن عناية الله أرحم من أن تتركه ضحية للتآمر او عرضة للانهيار مهما حدث من عناد المشركين. والمعنى الثاني في الاسراء أنه اختبار للمؤمنين وغربلة لضعفاء الايمان وتنقية للصفوف المسلمة وقد كانت هذه التصفية في صفوف المؤمنين ضرورية استعدادا لبدء مرحلة جديدة من الكفاح تبدأ بالهجرة وتثنى بالجهاد وتنتهي بالنصر الكامل. والمعنى الثالث هو ما يمكن أن نفيده من عظة الاسراء وأثره في تربية المؤمنين حين نطالع صورا من الحقيقة ونرى مشاهدا من المصير الذي ينتظر كل واحد منا فمن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (رأيت ليلة أسري بي لما انتهيت الى السماء السابعة فنظرت فوقي فإذا أنا برعد وبروق وصواعق قال:فأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا). هذه الصورة الرهيبة لأكلة الربا ورد مثلها في حق كثيرين من أهل العصيان، فالزناة منتفخون منتنون يأتيهم اللهب من أسفل منهم والمفطرون في رمضان معلقون بعراقيبهم مشققة أجسادهم تسيل أشداقهم دما.
إخوة الاسلام:
إن حادث الاسراء والمعراج حادث عظيم له في النفوس روعة وفي القلوب جلالة ولم يكن تشريفا للنبي صلى الله عليه وسلم فحسب ولكن كان فيه دروس مستفادة وعبر حكيمة يجب أن ينتفع بها المسلمون ليسيروا على الطريق القويم وليطبقوا تعاليم الله كما نزلت على رسول الله . وهذه الدروس والعبر ذات اتجاهين:
الأول: ارتباط الإنسان بخالقه والاعتقاد الجازم بأنه سبحانه القادر على كل شيء وأن عنايته حينما تتوجه الى شيء فلا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.
والثاني: نقاء المجتمع الاسلامي وصفاؤه.
ومن هذه الدروس: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أناسا يزرعون ويحصدون في يوم كلما حصدوا عاد كما كان فلما سأل جبريل عنهم . قال: هؤلاء هم المجاهدون في سبيل الله ... والجهاد في سبيل الله يتناول الجهاد بجميع جوانبه سواء كان جهادا للنفس من كفها عن الشهوات وبعدها عن النزوات أو جهادا لرد عصاة المسلمين الى القيم والمثل التي جاء بها الاسلام الحنيف فإن هذا فرض على الأمة ((ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ...)). وسواء كان جهادا لأعداء الاسلام الذين يعتدون على الحريات من إغارة على الأوطان أو سلب لأموالها وانتهاك لأعراضها،فهذه الصورة تفتح باب الحزم والعزم أمام المسلمين أن يأخذوا بها،ليدافعوا عن مقدساتهم وأعراضهم وأموالهم. ومن الصور التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة المباركة: أنه وجد أناسا يخمشون وجوههم بأظفارهم فسأل جبريل عليه السلام عنهم فقال: إنهم الساعون بين الناس بالنميمة . فهذا الذي يقطع أواصر المودة بين الناس ويزكي نار الفتنة بينهم. والمسلم الحق هو الذي يصلح بين المتخاصمين ويقرب المسافة بين المتنافرين. يقول عليه الصلاة والسلام: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا: بلى. قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين). وهناك مشاهد كثيرة لا يتسع المقام لذكرها وما جاءت إلا لنقاء المجتمع الاسلامي حتى يعيش في ود وإخاء وليكون ذلك أبعد أثرا في الدعوة الى الفضيلة والتنفير من الرذيلة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في تفسير قوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس...). هي رؤيا عين رآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة اسري به إلى بيت المقدس.
فتمسكوا إخوتي وأخواتي في الله بمبادئ دينكم فهو الدين الخاتم ، الجامع لكل خلال البر، الآمر بكل خير، الناهي عن كل شر.

إعداد/علي بن عوض الشيباني



أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير






حركة القمر والكواكب السيارة خلال شهر مارس 2013 م

 

 

 

 

 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept