الخميس 28 أكتوبر 2021 م - ٢١ ربيع الأول ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : العراق أمام مخاطر تكريس التقسيم

رأي الوطن : العراق أمام مخاطر تكريس التقسيم

على الرغم مما تمثله معركة تحرير الموصل من أهمية لتخليص أهلها من براثن إرهاب تنظيم «داعش» الإرهابي وأفكاره الخبيثة المنافية للإنسانية ولعقيدة الدين الإسلامي وقيمه ومبادئه وأخلاقه وشرائعه، فإن التنادي الدولي الذي تقوده دول الاستعمار الجديد والقديم، وإصرار دول على المشاركة في هذه المعركة، وعقد هذه الدول اجتماعاتها ومؤتمراتها وتحضيراتها العسكرية لا يعبِّر عن حبها للشعب العراقي ولسواد عيونهم؛ فهذه الدول شريكة بصورة وأخرى في نكب الشعب العراقي وإلحاق المآسي والكوارث به. بل إنها كل ما ترفعه من شعارات إنسانية، وادعاء الحرص على محاربة الإرهاب، والغَيْرةٍ على مكونات عراقية من الذوبان أو مصير غامض وغير ذلك من الشعارات، يتنافى جملةً وتفصيلًا مع الواقع المُر والمؤلم الذي يعيشه العراقيون، والحال التي وصل إليها العراق، وإنما هو في الحقيقة استكمال للمشروع الأميركي المسمى «الشرق الأوسط الكبير» الذي بدأته الولايات المتحدة انطلاقًا من العراق في العشرين من مارس عام 2003م؛ بدليل أن الأمر وصل إلى حد المجاهرة بتقسيم العراق بداية من نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، ووصولًا إلى الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي طالب بضم مدينة الموصل إلى تركيا متذرعًا بمعاهدة لوزان الموقعة في العام 1923م.
ومن المؤكد أن اردوغان لا ينطلق في مطالبته هذه من حساباته الخاصة، ومن مستنقع أحلامه الغارق فيه فحسب، وإنما لا بد أنه على دراية بالنيات الخبيثة للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكيان الاحتلال الإسرائيلي تجاه العراق، وبالتالي أصبح اردوغان يطالب بنصيبه من الكعكة العراقية، ولذلك يصر على المشاركة في معركة تحرير الموصل متَّكِئًا على ذرائع طائفية ومذهبية أو بالأحرى على فتن طائفية ومذهبية لاستدرار عواطف الناس وعامتهم من مغيبي الوعي والمعزولين عن الواقع. وهنا أيضًا لا أحد يعلم ما يدور في كواليس السياسة، فربما يكون اردوغان قد عرض الثمن أو ضمان تنفيذ هدف ما للولايات المتحدة وأتباعها في العراق مقابل عملها على ضم مدينة الموصل إلى الدولة العثمانية التي يحلم اردوغان باستعادة أمجادها.
لقد أكدنا مرارًا في هذه الصحيفة وفي هذه الزاوية أن العراق سيظل أحد الأدلة القوية في التاريخ الحديث على سياسة طواغيت الاستعمار الغربي الناشب مخالبه ليغرزها بكل ما أوتي من قوة في جسد المنطقة؛ فجميع مواقف دول الاستعمار الغربي الناضحة بالنفاق في كل أرجاء العالم، تسير باتجاه دعم وتشجيع الإرهاب، والإصرار على إلحاق المزيد من الحرائق والحروب والفتن والفوضى ومظاهر القتل والغدر والتآمر لتكتمل استراتيجيات الهيمنة والسيطرة والاستعمار، ولتبقى المنطقة رهينة بين مخالب الاستعمار الغربي الذي لا يزال معتمده المعايير المزدوجة نحو ما يحدث في دول المنطقة المكتوية بنيران إرهابه.
واليوم بكل تباهٍ وتفاخر يقدم الاستعمار الغربي العراق على أنه إحدى ضحاياه دون أدنى خجل أو ورع أو حتى شعور بالذنب من المآلات الكارثية التي ألحقها بالشعب العراقي بعد أن نجح في تقسيمه إلى فساطيط طائفية ومذهبية وعرقية، وصنف كل حركة أو موقف يبديه فسطاط من تلك الفساطيط تبعًا للطائفة أو المذهب أو العرق، فعمل على ترسيخ هذه المشاعر والكراهيات بين أبناء الشعب العراقي، وأصبح العمل الوطني مقتصرًا ومحصورًا في إطار الطائفة أو الحزب، وليس للوطن العراقي والمصلحة الوطنية العامة، وظل الاستعمار الغربي للعراق يرعى هذا الوضع الشاذ بين المكونات السياسية والحزبية مسنودًا بقوى صعدت بسرعة البرق على المسرح السياسي، مظهِرةً ما تخفيه ضمائرها من عداوة وكراهية للشعب العراقي، فساندت المستعمرين القادمين بجحافل إرهابهم المتمثلة في التنظيمات الإرهابية من «القاعدة إلى داعش والنصرة»، والقادمين بطائراتهم الحربية وبوارجهم وجيوشهم، حيث أخذت تلك القوى المساندة بشراء الولاءات بالأموال لعشائر عراقية أو النفوذ إليها من بوابة التبعية الدينية أو العرقية، والهدف من كل ذلك لا لسواد عيون الشعب العراقي ولا من أجل وحدته، وإنما لدعم المشروع الاستعماري الغربي الساعي إلى تفتيت دول المنطقة إلى كيانات طائفية متناحرة.
إن الاجتماع الباريسي المرتقب يوم الثلاثاء القادم المخصص لبحث ما سمي «المستقبل السياسي للموصل» يذكرنا بالاجتماعات التحضيرية التي سبقت الغزو الأنجلو ـ أميركي للعراق، فهل هذا الاجتماع هو لتحرير الموصل من «داعش» الإرهابي؟ أم لتقسيمهابين تركيا والاقليم الكردستاني أم لاعلانها كيانا طائفيا؟

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap