- جريدة الوطن - https://alwatan.com -

تركيا – العراق: مواجهات كلامية أولا

كاظم الموسوي

” تصاعدت المواجهات اللفظية والهستيرية بعد تحولات دراماتيكية في تركيا قبل فشل الانقلاب العسكري وبعده، إلى درجة ان هناك من اشار الى تدبير ما حصل تركياً او أردوغانيا، لاسيما في ما حدث من استدارة واسعة في اعادة العلاقات الكاملة مع الكيان الصهيوني وعلنيا دون مواربة أو إحراج وبشروط الكيان لا بـ”اشتراطات” أردوغان، ومسرحياته المضللة.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم تكن المواجهات الكلامية بين العراق وتركيا جديدة، خصوصا بين الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وحكوماته وبغداد وحكوماتها. حيث تواترت طيلة الفترة السابقة وخصوصا بعد ما حصل في احتلال ما يسمى اعلاميا بـ”داعش” لمحافظة نينوى (حزيران/ يونيو 2014)، واستمرت بعدها، واستطاعت تركيا تشغيل من يتحدث باسمها من حملة الجنسية العراقية، عربا وكردا وتركمانا. وهو امر لافت في ظروف حرجة. ورغم الأزمات الداخلية في تركيا وتداعيات فشل الانقلاب العسكري الاخير، إلا ان الرئيس اردوغان ظل متشبثا بآرائه وخططه وأحلامه التي روج لها رئيس وزرائه السابق احمد داوود اوغلو، طيلة استيزاره وزيرا للخارجية ومن ثم تعيينه رئيس وزراء وحتى اقالته، وتكليف وزير من وزارته بمهمته وتفسيره بقبول الرئيس الجديد للوزراء بن علي يلدرم لسياسات اردوغان وطواعيته في تنفيذها واستجابته لعناد وصلف رئيسه.
تصاعدت المواجهات اللفظية والهستيرية بعد تحولات دراماتيكية في تركيا قبل فشل الانقلاب العسكري وبعده، الى درجة ان هناك من اشار الى تدبير ما حصل تركياً او اردوغانيا، لاسيما في ما حدث من استدارة واسعة في اعادة العلاقات الكاملة مع الكيان الصهيوني وعلنيا دون مواربة او احراج وبشروط الكيان لا بـ”اشتراطات” اردوغان، ومسرحياته المضللة. ومثلها العلاقات مع موسكو، وقبول شروط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالاعتذار الرسمي والاعتراف بإسقاط الطائرة الحربية الروسية وتعويضها علنا ايضا ومن ثم التفاهمات السرية بين الرئيسين، التركي والروسي، واتهامات تركية علنية للإدارة الأميركية وبعض حلفائها في المنطقة بالمشاركة بالانقلاب. وهي التي فسرت هذه التحولات والاستدارات التركية من جهة، والتدخل المباشر والتغلغل العسكري عمليا في الأراضي السورية وقبلها العراقية، من جهة اخرى، والزعم في محاربة الارهاب وتنظيماته، حسب رغبة تركيا وأهدافها الرسمية في معاداة النجاحات الكردية السورية ومشاريع الفصائل الكردية المستعجلة في اعلاناتها التلفزيونية.
في مجمل ما جرى من تصريحات وخطب لأردوغان حول العراق خاصة وسوريا ضمنا كشف عن طبيعته السياسية وحقيقة مراميه وأهدافه والدور الذي يريد ان يقوم به في المنطقة عموما. وتحت مفرداتها الكثير من مخاطر كبيرة قد تحصل على الأرض وتثير تحديات لابد من معالجتها قبل استفحالها وتحولها الى وقائع حرب وتهديدات مستقبلية، قد تضم بلدانا اخرى او تدفعها الى المشاركة فيها، رغما عنها، واغلبها ليس بعيدا عن رقابة حلف شمال الأطلسي/ الناتو وربما بتنسيق معه او بتورط حذر من كل الاطراف. كما ان الاشارات المتتالية من قبل اردوغان وغيره لإعادة اوهام الامبراطورية العثمانية والسلجوقية، والتهرب من الالتزامات من معاهدة لوزان عام 1923 وما بعدها، واعتبارها هزيمة للدولة العثمانية والتخطيط لإعادة البحث فيها، حيث تكون كلها اشارات كافية لما بعد تحرير الموصل. ولابد من الانتباه الى كثير ما اورده اردوغان وأعوانه من مفردات طائفية والتلطي خلفها في مغامراته الجديدة وعدم الصمت عنها او عدم حسابها في ضمن المعترك والمواجهات الكلامية حاليا والتي قد تتطور لما بعدها. هذا فضلا عن التجييش الطائفي الاقليمي والاصطفاف الواضح في صفوف المشاريع التخريبية المنوي تطبيقها في المنطقة وتقسيمها بالتوافق مع المشاريع الصهيوغربية لخرائط المنطقة المستقبلية والتهديد بها.
جاءت خطط وعمليات القيادة العراقية لتحرير مدينة الموصل من الارهاب وتنظيمه الرئيس “داعش” فرصة اخرى لإعلان تلك النوايا الأردوغانية وفضح ما يخفى ويستتر بين السطور. فأعلن أردوغان بدء انطلاق العمليات العسكرية ضد “داعش” على الهواء في مؤتمر عام، يوم 19/9/2016 وهو امر خطير، فضلا عن كونه خرقا لسرية العمل وقواعد الحرب واستهانة بقراراتها العراقية والتحالف الدولي الذي يزعم المشاركة في التحرير ومحاربة داعش، من جهة ومن جهة اخرى يفهم من الاعلان تنبيه “داعش” وتهيئته للاستعداد لما يتطلبه الموقف في الحروب. وهذا امر خالف به اردوغان كل الاعراف والعلاقات الدولية وفضح نفسه بالارتباط المباشر او غيره مع تنظيم “داعش”، اضافة الى عدم مسؤوليته المباشرة عن الموضوع برمته رغم انتقاداته لرفض مساهمته في عملية التحرير وزج قواته العسكرية في الخطط العسكرية. واخذ منه حجة تناقضت فيها تصريحاته وأعوانه حول تدخله العسكري وغزوه لأراض عراقية وبنائه قواعد عسكرية وإرساله قوات وأجهزة ومعدات حربية تكشف مخططاته وتوجهاته. زاد الطين بلة تأكيداته على عدم الانسحاب من الأراضي العراقية والكذب في مصادر الدعوة له، والتجاوز على الحكومة العراقية وشخصنتها باسم رئيس الوزراء العراقي د. حيدر العبادي والتهجم عليه بألفاظ ليست دبلوماسية ولا سياسية ولا اخلاقية تليق بمستوى رؤساء الدول. وفي ضيق الافق هذا دارت اغلب تصريحات وأقوال رئيس الوزراء التركي ووزير الخارجية وختامها بإعلان موافقة البرلمان التركي على التواجد العسكري داخل العراق، بذريعة معلنة هي محاربة حزب العمال الكردستاني وتضليل الرأي العام التركي بها. ولكن وقائع الحال تقول بغير ما يعلنه المسؤولون الاتراك، وما يقابله عراقيا. حيث اكد رئيس الوزراء العراقي على عدم موافقة العراق على أي تدخل اجنبي عسكري، ولابد من التنسيق مع بغداد في أي دعم او مساعدة للقوات العراقية بمختلف صنوفها في عملية التحرير ومحاربة الارهاب. كما صوَت البرلمان العراقي على رفض ما سماه بالغزو التركي واحتلال اراض عراقية، وطالب تركيا بالانسحاب من الاراضي العراقية. زادتها تصريحات مسؤولين عراقيين عسكريين وحشد شعبي في اعتبار التغلغل العسكري التركي احتلالا وسيحارب كما يحارب تنظيم “داعش”.
رد المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي، في بيان له، على تصريحات اردوغان وادعاءاته حول طلب إنشاء قاعدة عسكرية في بعشيقة شمال الموصل، ووصفها بأنها “تصريحات عارية عن الصحة”، مبيناً تناقضها لما سبقها من انها بطلب من محافظ نينوى السابق وفي تصريح آخر بأنها بموافقة حكومة اقليم كردستان وفي تصريح ثالث إنها بموافقة التحالف الدولي الذي كذب ادعاءاتهم علناً.
أضاف البيان، إن “التصريحات المتخبطة للقيادة التركية توضح مدى الحرج الذي وضعوا أنفسهم فيه، وإنهم بعملهم هذا ورطوا الجيش التركي في مغامرة واعتداء على بلد جار غير محسوبة العواقب”، مؤكداً عزم العراق، على “نشر الوثائق التي تدلل بطلان ادعاءات القيادة التركية”.
أكد مكتب رئيس مجلس الوزراء العراقي، أن “العراقيين ماضون في تحرير كل شبر من بلادهم من إرهاب داعش وسيقاومون احتلال أراضيهم، وان يوم النصر قريب ولن تثنينا عن ذلك الأطراف التي تريد إشغالنا عن هدفنا الأساس وإدخالنا في حرب إعلامية وتصريحات انفعالية لا أثر لها”.
مواجهات كلامية أولا وبعدها اذا لم تعالج قانونيا وسياسيا وعلاقات دولية وضغوط رسمية وشعبية ستقود الى ما لا يحمد عقباه، وهذا ما يجب التنبه له.