الأحد 17 أكتوبر 2021 م - ١٠ ربيع الأول ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / استثمار القطاع الخاص في التعليم .. شراكة ,, لا منافسة

استثمار القطاع الخاص في التعليم .. شراكة ,, لا منافسة

محمد عبد الصادق

” لابد من العناية بجودة الخدمات التعليمية التي تقدمها المدارس الخاصة وتفعيل برنامج تصنيف المدارس وفق النتائج والسمعة العلمية التي تحققها مخرجاتها, كما يجب التأكد من صلاحية المعلمين المرشحين للعمل بالمدارس الخاصة في ضوء مستويات الكفاءة المتعارف عليها واتخاذ الإجراءات ضد المدارس الخاصة التي تستعين بكوادر غير مؤهلة ومساعدة المدارس في تدريب وتأهيل المعلمين والإداريين…”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنفق السلطنة 22 في المائة من ميزانيتها السنوية على التعليم, وتكاد تكون هذه النسبة الأعلى عربيا وإقليميا, بل وعلى مستوى العالم, ورغم ذلك هناك تحفظات وانتقادات لمخرجات التعليم الحكومي؛ بدليل وجود نقص في الكوادر الوطنية في بعض التخصصات المهنية والأيدي العاملة الفنية, ورغم المحاولات والجهود الحكومية المستمرة في مجال التدريب والتأهيل والتعمين, مازال حجم الأيدي العاملة الوافدة في تزايد خصوصا في القطاع الخاص وإن كان هناك أسباب أخرى غير الكفاءة ؛ متعلقة بقلة الرواتب والممارسات السلبية التي أضرت بسوق العمل في السلطنة من قبل البعض, وجلبت أيدي عاملة وافدة عديمة الفائدة , كان يمكن توجيه تكاليف استقدامها في توفير فرص عمل للأيدي العاملة الوطنية.
المأمول وجود مردود جيد لهذا الإنفاق وأن تنجح مؤسسات التعليم في تقديم مخرجات كفوءة في مختلف التخصصات التي تحتاجها خطط التنمية المتوالية وأن تسهم هذه الكفاءات الوطنية في قيادة القطاعات الاقتصادية والخدمية وتنفيذ السياسات اللازمة المتماشية مع الرؤية السامية لجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في تحقيق التنمية المستدامة والتنوع الاقتصادي والذي كان آخرها إطلاق البرنامج الوطني لتعزيز التنوع الاقتصادي (تنفيذ) بمباركة سامية من لدن جلالة السلطان ـ أعزه الله ـ لينفذ في إطار الخطة الخمسية التاسعة (2016ـ 2020) لتعظيم الفائدة مما تم إنجازه خلال الخطط الخمسية السابقة مع التركيز على القطاعات المستهدفة في الخطة الخمسية التاسعة ضمن برنامج التنويع الاقتصادي (تنفيذ) وهي الصناعات التحويلية والسياحة والنقل والخدمات اللوجستية وفي مرحلة لاحقة يتم التركيز على قطاعي الثروة السمكية والتعدين.
الدول التي استطاعت النهوض اقتصاديا واجتماعيا وتحقيق معدلات تنمية عالية لا أظن أنها أنفقت أكثر مما أنفقناه على التعليم ولكن الاختلاف أنها استطاعت ترشيد استثمارها في التعليم ووضع كل “سنت” في مكانه الصحيح واستطاعت تطوير وتطويع المناهج ووضع السياسات التعليمية عن طريق ربط التعليم بالتخصصات التي يحتاجها سوق العمل, بينما عندنا مازالت الأنظمة التعليمية عاجزة عن توجيه الطلاب لدراسة التخصصات التي يحتاجها سوق العمل, فنجد تكدسا في الشعبة الأدبية وصدودا عن الالتحاق بالشعبة العلمية رغم احتياجنا للتخصصات العلمية للحاق بقطار الحداثة وتعلم لغة العصر من خلال ترغيب الطلاب في دراسة اللغات والعلوم والرياضيات والهندسة الوراثية والحوسبة السحابية والفيزياء النووية والاقتصاد المعرفي.
هذه التخصصات الحديثة تحتاج لنوعية من الطلاب على قدر عال من إتقان اللغات الأجنبية ودراسة العلوم والرياضيات باللغة الإنجليزية على الأقل ولديهم مهارة التعامل مع الحاسوب واستخدام شبكة الإنترنت, وهي مواصفات لا يستطيع التعليم الحكومي بمفرده توفيرها خصوصا في ظل الأعداد المتزايدة من الطلاب التي تمتلئ بها المدارس الحكومية والأجور والميزانيات المخصصة للمدرسين والإداريين وتكاليف التدريب والتأهيل والمقاصف و”الحافلات” والصيانة وغيرها من النثريات التي تتحملها الدولة ولا تستطيع الانفكاك منها.
لابد من تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في التعليم, بشرط أن يحدث الفارق وتتوافر فيه شروط الجودة و تقديم الخدمات التعليمية المتكاملة ؛ والاستفادة من التجارب الخارجية الناجحة من خلال جلب البرامج والمناهج الدولية الحديثة والمتطورة , التي طورت التعليم في الدول المتقدمة الأوروبية والأميركية وسنغافورة وماليزيا واليابان من نوعية مناهج “كمبريدج” و”إيدكسل” ومناهج الدبلومة الأميركية “السات” التي تدرسها المدارس الدولية التي يوجد عدد محدود منها في السلطنة.
ومنذ بواكير النهضة المباركة التي أرسى دعائمها سلطان البلاد المفدى ـ حفظه الله ورعاه ـ أتاحت الحكومة الفرصة للقطاع الخاص ـ أفرادا ومؤسسات وشركات ـ للاستثمار في مجال التعليم من خلال إنشاء المدارس الخاصة ورياض الأطفال , وبينما كان يوجد في العام الدراسي 1972/1973 م مدرستان خاصتان لرياض أطفال والابتدائي ملتحق بهما 115 طالبا وطالبة يدرس بهما 12معلما ومعلمة, أخذ هذا العدد في النمو خلال سني النهضة حتى وصل العدد الآن أكثر من 500 مدرسة خاصة منها حوالي 50 مدرسة دولية, وارتفع عدد الطلاب إلى أكثر من 160ألف طالب وطالبة وعدد الهيئة التدريسية والإدارية اقترب من 15ألفاً .
ورغم الضغوط التي أحاطت مؤخراً بالميزانيات الحكومية نتيجة تدني أسعار النفط , إلاّ أن الحكومة أعلنت التزامها بالحفاظ على قيمة الدعم المقدم لخدمتي الصحة والتعليم, ولكن هذا لا يمنع تشجيع القطاع الخاص على المشاركة في تقديم الخدمات الصحية والتعليمية تحت الإشراف الحكومي , ففي المجال التعليمي لابد من تفعيل دور وزارة التربية والتعليم في الإشراف الفني والإداري على المدارس الخاصة ومتابعة خطط تطويرها وتنميتها ومتابعة سير العملية التعليمية والتأكد من مدى التزامها بالنظم واللوائح التي تحددها الوزارة لضمان انتظام العملية التعليمية.
لابد من العناية بجودة الخدمات التعليمية التي تقدمها المدارس الخاصة وتفعيل برنامج تصنيف المدارس وفق النتائج والسمعة العلمية التي تحققها مخرجاتها, كما يجب التأكد من صلاحية المعلمين المرشحين للعمل بالمدارس الخاصة في ضوء مستويات الكفاءة المتعارف عليها واتخاذ الإجراءات ضد المدارس الخاصة التي تستعين بكوادر غير مؤهلة ومساعدة المدارس في تدريب وتأهيل المعلمين والإداريين وإلحاقهم بالدورات التدريبية التي تنظمها الوزارة لمعلمي وإداريي المدارس الحكومية.
تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في التعليم يكون بتسهيل منح رخص إنشاء المدارس للمستثمرين الجادين المستوفين للشروط التي تضعها وزارة التربية والتعليم, وتخصيص أراض لمنحها للمدارس الخاصة الجادة والملتزمة القائمة في مبان سكنية من قبل وزارة الإسكان مساوية في المساحة للأراضي المخصصة للمدارس الحكومية, وعلى البنوك الوطنية إعطاء تسهيلات مصرفية ومنح قروض لتأسيس المدارس الخاصة للشركات والأفراد الذين لهم سابقة استثمار جاد في هذا المجال, من أجل تخفيف العبء عن الدولة التي تتكبد مبالغ طائلة لتوفير الخدمات التعليمية للجميع : قادرين وغير قادرين, ولكن من يرغب في خدمة تعليمية أفضل وكثافة فصول أقل ونوعيات متطورة من البرامج والمناهج الدراسية ولديه القدرة على تحمل تكاليف تعليم أولاده فلا ضير من أن يتوجه للمدارس الخاصة, فالأصل في العلاقة هي الشراكة لا المنافسة.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap