- جريدة الوطن - https://alwatan.com -

(سان فرانسيسكو 0.2) رؤية الشباب تنتصر

سعود بن علي الحارثي

لا شك بأن هذا النوع من البرامج الإعلامية التوثيقية تحمل رسالة مهمة إلى مجتمعاتها لتعزيز الوعي الاقتصادي وتثقيف الناس بالأهمية التي تكتسبها التقنيات الحديثة والصناعات التكنولوجية في تعزيز الموارد وتحقيق الازدهار الاقتصادي، وتشجيع المواطنين على الدخول في الأعمال وإنشاء مشاريعهم الخاصة، كما أن مواجهة التقدم والتحديث وتطلعات الشباب والخوف غير المبرر من كل ما هو جديد…

البرنامج الوثائقي (سان فرانسيسكو.02)، الذي عرضته القناة الأميركية (أتش بي او(H B O ، وتم إنتاجه وعرضه في عام 2014 و2015م، ألقى الضوء على مستقبل هذه المدينة التي طالما كانت عاصمة للثقافة على مستوى المدن الأميركية، وتأثيرات ما أسماه مقدم البرنامج بـ(الغزو التقني) على الأنماط الثقافية والاجتماعية السائدة على مدى عقود من الزمن، وهو ما أدى إلى انقسام اقتصادي في بداية الأمر انتهى بالطبع إلى انتصار الثقافة التقنية وجيلها من الشباب القادم من أصقاع الأرض مع (أحلام الفيسبوك والتويتر) لأنها حملت التقدم والازدهار والحداثة والنمو الاقتصادي لهذه المدينة التي أوجدت البيئة المناسبة والعوامل المحفزة لنجاح الأفكار التي يحملها هؤلاء الشباب والأعمال والمشاريع التي أنجزها الجيل المتحمس، ولا شك بأن أي انقسام بين طرفين أو رؤيتين أو ثقافيتين سيؤدي في نهاية الأمر إلى انتصار الثقافة التي يحملها ويقودها جيل الشباب، لانسجامها وارتباطها بالنظرة التفاؤلية والرؤية الطموحة إلى المستقبل وبالعمل والرغبة في التجديد والتقدم والتغيير والتحديث. ابتدأت رحلة البرنامج من مقولة للفيلسوف اليوناني (هرقليطس) أطلقها قبل (2500) سنة (ما من رجل تطأ قدماه النهر عينه مرتين) وطبقها المقدم على فرانسيسكو للتعبير عن حجم التطور والنمو والتغيير الذي تتسم به المدينة وذلك بأسلوب ينم عن الذكاء والتشويق كأداة من أدوات الإبداع التي تتسم بها البرامج والأفلام الأميركية (لا أحد يزور فرانسيسكو مرتين لأنها تتغير على الدوام)، وعرض البرنامج لآراء بعض سكان المدينة من المحافظين المعارضين لـ(هجوم تكنولوجيا المعلومات) كما أسموها، معتبرين بأن الزلازل التاريخية التي دمرت المدينة والكوارث الطبيعية ليست هي اللعنة التي أصابتها، وإنما هجوم تكنولوجيا المعلوماتية التي يسوق لها عشاقها ويأتون بها من كل مكان حاملة ثقافة وعقلية وأشكالا لم تعرفها سان فرانسيسكو ولم يألفها سكانها الحقيقيون، إنه في حقيقة الأمر وبتلخيص مبسط (بعد جديد للخوف)، ويقدم البرنامج لقطة تمثيلية لبشر يهربون من الآت وبرامج وأجهزة تقنية، في مقابل صورة أخرى لمكتب واسع في إحدى البنايات التجارية استطاع وفي (مكان مشترك) أن يجمع 75 شركة في أعمال مختلفة في نهج جديد للأعمال يقوم على تجميع الموارد بدلا من العمل في مواقع متعددة ومنعزلة ومكلفة، في تأكيد على الصراع بين الثقافتين، وكيف أن الثانية تتسع وتتأقلم وتتعمق وتستقطب أنشطة أخرى وتكسب شرائح جديدة من المجتمع وتحدث تغييرات في قطاعات البناء والتشييد والمال والاستثمار وتحرز تقدما في مختلف المجالات، فيما تفضل الأولى الهرب والانكماش التدريجي والانهزام الطبيعي، فالأنماط المعمارية السائدة والرسومات الفنية التي تحكي كل واحدة منها قصة تاريخية من قصص المجتمع وساحات لعب الأطفال وموسيقى الشوارع والقيم الجميلة جميعها تتلاشى وتتراجع في مقابل الجشع والمال والفكر التقني الطاغي، حيث انتقل الكثير من الشباب في سرعة غير مسبوقة من الفقر إلى الثراء الفاحش، وقد أطلق مقدم البرنامج على التحديث الذي تشهده المدينة في مجال البناء والتشييد لتتمكن من التأقلم مع شبكات الطاقة وتكنولوجيا المعلومات بـ(إعادة اختراع نفسها)، فـ(أغلفة البيوت القديمة تقدم قصورا حديثة واسعة ومستحدثة). لم يفت معد البرنامج من أن يطرح تساؤلا حول هذا التهافت الذي تشهده المدينة من قبل الشباب خاصة، وزيادة عدد الشركات والمشاريع والأعمال التي تتضاعف بشكل سريع ومفاجئ (من أين تأتي شركات الأعمال هذه كلها؟) أو آلاف شركات التكنولوجيا التي أصبحت تطلق على المدينة بأنها موطنا لها، أو بأنها (جنة التكنولوجيا الرائدة في العالم)، وبين البرنامج بأن الواقع الجديد الذي فرض نفسه جعل من (الإعلام الجديد متفوقا وغالبا على الإعلام القديم)، في تأكيد على مدى تأثير القطاعات المتنوعة على بعضها البعض من أجل جني الأرباح وتوظيف الواقع. وعن الأسباب والدوافع التي شجعت الشباب إلى اتخاذ مدينة سان فرانسيسكو خيارا متقدما للانتقال إليها واتخاذها موطنا لأعمالهم و(الشعور بأن كل فرد يؤدي فيها دورا تكامليا) لخصها البرنامج على ضوء المقابلات والبحث، في الآتي: (ميزة المجتمع اليافع – حوافز المكان، فالمحافظ وفريقه قاموا بخفض الضرائب لاستقطاب الشركات – انخراط الشركات فيما يسمى بـ((حرب الحوافز)) – تصميم كل شركة مجموعتها الخاصة من ((المغريات المدرة للسعادة)) لتطلق العنان وتستخرج أثمن وأجمل ما في موظفيها ـ قيام بيئة عمل تنافسية تقدم فيها الشركات كل الخدمات مجانا لموظفيها من الطعام والموسيقى والتدليك والخدمات التقنية بما في ذلك قطع الغيار والبرامج، فتحولوا إلى (موظفين سعداء يحبون العمل). إنه جزء من الاتفاق بين الموظفين والشركة لإيجاد توازن جيد وممتع بين الحياة والعمل. والقراءة التي نستخلصها تتلخص في أهمية تكاملية الحزم والسياسات وترابطها لضمان تحقيق نتائج مثمرة .
لا شك بأن هذا النوع من البرامج الإعلامية التوثيقية تحمل رسالة مهمة إلى مجتمعاتها لتعزيز الوعي الاقتصادي وتثقيف الناس بالأهمية التي تكتسبها التقنيات الحديثة والصناعات التكنولوجية في تعزيز الموارد وتحقيق الازدهار الاقتصادي، وتشجيع المواطنين على الدخول في الأعمال وإنشاء مشاريعهم الخاصة، كما أن مواجهة التقدم والتحديث وتطلعات الشباب والخوف غير المبرر من كل ما هو جديد ومستحدث من قبل بعض العقول القديمة لم يعد مقبولا ولن يستطيع وقف مد التطور وتطلعات الأجيال وطموحاتهم، فلكل جديد وحديث ضريبته الطبيعية، وكيف أن بيئة العمل المحفزة والمشجعة كخفض الضرائب والاهتمام بالموظفين بات سببا رئيسيا في ازدهار الأعمال وتطور الشركات وتعزيز تنافسيتها وزيادة أرباحها وإطلاق العنان لإبداعات الشباب واستخراج (أثمن وأجمل) ما لديهم. ومع الأزمة الاقتصادية التي تمر بها دول الخليج اليوم ومنها السلطنة بالطبع، على ضوء تراجعات أسعار النفط في الأسواق العالمية والذي لا تلوح أية مؤشرات إيجابية لعودته إلى سابق عهده، وبحيث لم يترك من خيار أمامها إلا الاتجاه إلى تنويع مصادر الدخل وتشجيع الاستثمارات وتطوير القطاعات الاقتصادية الأخرى وفي مقدمتها قطاع السياحة وتحفيز السوق باتباع سياسات وأدوات غير تقليدية، فإن الظرف يستدعي توظيف الإعلام في جانبيه التوعوي لتهيئة المجتمع وتثقيفه وادماجه اجتماعيا وثقافيا مع الواقع الاقتصادي الجديد الذي يفرض نفسه بقوة، وتعزيز دور الشباب وتأهيلهم وتدريبهم وتشجيعهم للدخول إلى عالم المال والاستثمار والمبادرة بتقديم الأفكار وتبني المشاريع الاقتصادية والمنافسة الحرة والمتكافئة .

Saud2002h@hotmail.com