الخميس 17 يونيو 2021 م - ٦ ذي القعدة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / لماذا نقع في الخطأ؟

لماذا نقع في الخطأ؟

سبب وقوعنا في الخطأ تحكيمنا المطلق للجانب العاطفي في أمور حياتنا
اﻹنسياق وراء العاطفة هو المحرك لتتبع أوضاعنا وما نعانيه من مشاكل

خلف بن خلفان العمري:
لقد خلق الله سبحانه وتعالى اﻹنسان في أحسن تقويم، يقول الله تعالى في سورة التين:(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم)، وكرمه أعظم تكريم عندما قال سبحانه في سورة اﻹسراء:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا).
العودة إلى الحق والصواب
ومن حكمته عز وجل أن ركَّب في هذا المخلوق نوازع الخير ونوازع الشر، والعراك محتدم باستمرار بين الجانبين، فتارة تنتصر نوازع الخير لديه، فيسمو ويرقى ويطيب ذكره في اﻷرض والسماء، وتارة تنتصر نوازع الشر لديه، فيقع في الخطأ والزلل، وما من أحد منا إلا ويقع في الخطأ، فلسنا بأنبياء معصومين ولا ملائكة مقربين، وليس عيباً أن نقع في الخطأ، ولكن العيب يكمن في اﻹصرار عليه والترفع عن العودة إلى الحق والصواب.
فكم نسمع من تعجب الناس واستغرابهم عندما يقع شخص مشهود له بالصلاح والخلق ومعالي اﻷمور في خطأ ما، كقولهم مثلاً (معقولة فلان يفعل كذا؟ والله ما توقعنا هذا! أو معقولة فلانه تفعل هذا؟ وغيرها من المقولات) .. فلا غرابة أن يقع اﻹنسان في الخطأ، فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، ولكن الغرابة أن يتحول ذلكم الشخص الذي وقع في الزلل إلى مجرم في نظر من حوله، حتى وإن رجع عن خطئه ذلك، واﻷصل أن يُعان من وقع في الخطأ أيا كان بالرجوع إلى الصواب وتذليل كل الصعاب أمامه وأن لا يترك في الميدان وحيداً يتقاذفه هوى نفسه ومكائد الشيطان أخزاه الله تعالى.
الجانب العاطفي
وأعود اﻵن إلى موضوعنا وهو لماذا نقع في الخطأ؟ وأقول أن سبب وقوعنا في الخطأ هو تحكيمنا المطلق للجانب العاطفي في كثير من أمور حياتنا، ولو راقب الواحد منا تصرفاته وأفعاله لوجد أن أغلب تلكم التصرفات واﻷفعال مدفوعة بالعاطفة للأسف الشديد، وحتى تتضح الصورة دعونا نتأمل في بعض من آيات الله سبحانه وتعالى، وكما يقال بالمثال يتضح المقال.
خروج آدم وزوجه حواء من الجنة كان سببه استثارة إبليس لعنه الله للجانب العاطفي عند أبينا آدم، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة طه:(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ)، مع أن الله تعالى حذَّره وزوجه حتى من القرب من تلكم الشجرة قبل ذلك عندما قال في سورة البقرة:(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، ولكن بسبب التحكيم العاطفي وقعا في المحظور، يقول الله تعالى:(فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)، وعندما ابتعدا عن العاطفة وحكَّما العقل كان الموقف مختلفاً تماماً، يقول الله عزوجل في سورة اﻷعراف:(قَالَا رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ)، وتأتي اﻹجابة سريعاً من الله عز وجل كما ورد في سورة البقرة:(فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم).
فنجد في هذ المثال الترتيب التالي: استثارة عاطفية أعقبها الوقوع في الخطأ والمعصية، تبع ذلك تحكيم للعقل، نتج عنه طاعة لله وهي إعلان أبينا آدم وأمنا حواء توبتهما، ثم قبول الله عز وجل لتلكم التوبة.
استثارة عاطفية
وحكى الله سبحانه وتعالى لنا في سورة المائدة قصة قتل قابيل ﻷخيه هابيل فقال: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) .. هذه اﻵية تبين أن هناك استثارة عاطفية تعرَّض لها قابيل فتحكمت هذه العاطفة في مشاعرة فهدد أخاه بالقتل، أما هابيل فقد حكَّم عقله في اﻷمر ولذلك كان رده على أخيه رداً حكيماً، يقول الله تعالى حاكيا على لسانه:(لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) فنفذ قابيل ما توعد به فوقع في الخطأ، يقول تعالى:(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، وبعد أن وقع في اﻷمر وغابت الاستثارة العاطفية، ندم على ما أقدم عليه، يقول الله تعالى:(.. قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)، فواضح أن تحكيم العاطفة وحدها دون الرجوع إلى العقل أدى إلى الوقوع في الخطأ.
موسى ـ عليه السلام ـ أُستثير عاطفياً من قبل أحد من شيعته فاستجاب لتلكم اﻹثارة، فقتل الذي من عدوه، يقول الله تعالى:(فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْه ..)، ولكن عندما غاب أثر اﻹستثارة ورجع إلى رشده ندم، قال تعالى:(.. قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
هذا الحدث يتكرر مرة أخرى مع نبي الله موسى عليه السلام وتبدأ الاستثارة العاطفية ولكن الله عز وجل يهيئ لموسى عليه السلام من يخاطب عقله ويذكره بخطئه اﻷول، وهنا يعصمه المولى جل وعلى من الوقوع في الخطأ، قال تعالى في سورة القصص:(فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِين). َ
نبي الله يوسف ـ عليه السلام ـ وقع في الابتلاء في بيت العزيز وحاولت امرأة العزيز أن تستثير عاطفته وأن توقعه في الفاحشة، ولكنَّ الله عصمه وأعانه على تحكيم عقله، قال تعالى في سورة يوسف:(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).
وهناك الكثير من الشواهد والتي يطول المقام بذكرها، والخلاصة أن ما من معصية في الوجود ولا زلة ولا خطأ إلا ووراءه استثارة عاطفية لم يحكم فيها العقل، وما من طاعة أو حسن تصرف وتدبير إلا ووراءه تحكيم عقل، ومعنى هذا الكلام أن الواحد منا عندما ينساق وراء العاطفة فإنه سوف يقدم على أمور قد يندم على فعلها لاحقاً ولكن عندما يبدأ بالتفكير العقلي سوف يكون تصرفه مغايرا تماماً عن تصرفه اﻷول.
ولو تتبعنا أوضاعنا وما نعانيه من مشاكل لوجدنا دون أدنى شك أن اﻹنسياق وراء العاطفة هو المحرك لهذه اﻷمور كلها، فالخلافات بين الدول سببها العاطفة، وتقطع الصلة بين اﻷرحام ورائها العاطفة، والخلافات الزوجية ورائها العاطفة، وقضايا اﻹبتزاز اﻹلكتروني التي تقطع القلب وشرارتها اﻷولى والزر الذي يضغط عليه شياطين اﻹنس هو العاطفة، والوقوع في قضايا اﻹحتيال اﻹلكتروني وخسارة آلاف الريالات وراءه العاطفة، وإلا لو حكم اﻹنسان عقله وسأل نفسه، هل من المنطق أن يعطيني شخصاً لا أعرفه ريالاً واحداً؟ الجواب لا، فكيف بمن يمنونا بعشرات بل بمئات اﻵلاف من الريالات دون مقابل ونصدقهم، إنها العاطفة التي ينبغي أن ننتبه لها.
ولذلك نحن بحاجة إلى تحكيم العقل وهو المستشار الخاص الذي أودعه الله عز وجل فينا في كل أمر من أمور حياتنا، وأن نتبع توصياته حتى وإن كانت هذه التوصيات مخالفة لهوى النفس، ففيها السلامة بمشيئة الله.
هذا المستشار يعمل مجاناً على مدار الساعة، فمتى ما طلبته وجدته على أهبة الاستعداد بشرط أن تحافظ عليه ولا تغذيه بأي شيء يضر به، ويتصف بصفات الصدق واﻷمانة واﻹخلاص، فلا يكذب ولا يخون ولا يجامل ولا ينافق.
وقد يقول قائل، في بعض اﻷحيان والظروف يجد الواحد منا صعوبة في اتخاذ بعض القرارات وخاصة المصيرية منها، وهنا ألفت الانتباه إلى قناتين أخريين من الممكن أن نصل من خلالهما إلى القرار الصائب، وهما الاستخارة والاستشارة، فنستخير الله عزوجل في ما أشكل علينا من أمر، ونستشير من نتوسم فيه اﻷمانة والحكمة ورجاحة الرأي.

إلى الأعلى