الإثنين 3 أكتوبر 2022 م - ٧ ربيع الأول ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / 2017 سنة التحولات العملاقة في العلاقات الدولية

2017 سنة التحولات العملاقة في العلاقات الدولية

د.أحمد القديدي

”عاشت فرنسا كقاطرة للاتحاد الأوروبي صلب منظومة تقليدية هي (السيستم) المعروف، هذا (السيستم) الذي يصنع كوادر الدولة والإدارة والقانون حسب هيكلة أساسية لا تتغير عبر (المدرسة الوطنية للإدارة) والانتخابات المحلية والتشريعية والرئاسية أي من خلال صب النخبة في قوالب جامدة ظلت على مدى قرنين وثلث هي مصنع تخريج ما يسمى الصفوة في المناصب العليا للدولة والقضاء والمنظمات الوطنية…”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حاول أيها القارئ العربي الكريم أن تقرأ معي هذه الأحداث الكبرى التي هزت العالم من حولنا وأن تفك معي طلاسمها خاصة ونحن كأمة عربية نعاني من أزماتنا المستفحلة التي تطردنا تدريجيا وبإصرار من دائرة التاريخ لتضعنا في موقع الهامش العاجز عن الحركة والتأثير. إن ما وقع يوم 8 مايو في فرنسا يعتبر مؤشرا صادقا جديدا يضاف إلى ما سبقه للتدليل على أن عاصفة سياسية وحضارية هوجاء هبت على فرنسا إحدى رائدات الثورة العالمية منذ 1789 وأم الميثاق العالمي لحقوق الإنسان! عاشت فرنسا كقاطرة للاتحاد الأوروبي صلب منظومة تقليدية هي (السيستم) المعروف، هذا (السيستم) الذي يصنع كوادر الدولة والإدارة والقانون حسب هيكلة أساسية لا تتغير عبر (المدرسة الوطنية للإدارة) والانتخابات المحلية والتشريعية والرئاسية أي من خلال صب النخبة في قوالب جامدة ظلت على مدى قرنين وثلث هي مصنع تخريج ما يسمى الصفوة في المناصب العليا للدولة والقضاء والمنظمات الوطنية كالنقابات والجمعيات المدنية مرورا برجال الكهنوت الكنسي وابطال الرياضة والمحاماة وحتى نجوم الفن وأساطين الإعلام ورجال الأعمال والمال ونساء الخفاء وبلاطات الطبقة النافذة التي تشبه (المخزن) في المملكة المغربية! هذا المخزن الذي يقوده منذ قرن تياران كبيران هما اليمين واليسار يتداولان على السلطة عاليها وواطيها لكنهما حتى يحافظا على التمكن المستمر وتقاسم امتيازات السلطة يوزعان الأدوار بينهما بدهاء كي يوهما الشعب الفرنسي البسيط أنه يمارس الديمقراطية!! ويتمتع بثمار التنمية! اليوم 8 مايو 2017 أعلن عن موت اليمين واليسار نهائيا وسار الجميع في جنازتيهما. الأسباب عديدة أولها أن اليمين الجمهوري عوضه اليمين العنصري المتطرف الذي وصل إلى النهائيات واليسار التقليدي الاجتماعي عوضه اليسار المتطرف عبر السيد (ميلنشون) وفاز بـ 19% مقابل الاشتراكي الكلاسيكي بينوا هامون الذي لم يفز الا بـ 6% السبب المهم الثاني هو أن القادم للرئاسة الشاب إيمانويل ماكرون لم يتدرج في سلم الصعود المعروف الخاص بالسيستم وهو منذ سنة لم يكن يعرفه أحد خارج وزارة الاقتصاد التي تولاها ولم يتخرج من المدرسة الوطنية للإدارة بل لم يدرس الاقتصاد أصلا فهو مغرم بالأدب والفن والرياضة والموسيقى والفلسفة ومتزوج من امرأة سنها 64 عاما وهي جدة لديها أحفاد والرئيس الجديد سنه 39 عاما أصبح جدا بحكم الارتباط بالجدة المسنة السيدة بريجيت وهو في سن أبناء زوجته بل أصغر! المهم ليس هذه الطرافة لأنها تهمه هو وهي حياته الشخصية ليس لأحد أن يتدخل فيها! لكن الذي يهم الرأي العام هو برنامجه للخمس سنوات القادمة ليحل معضلات فرنسا بشكل جريء غير تقليدي فالشعب الفرنسي ظل وفيا لروح فرنسا ولم ينتخب اليمين المتطرف على رأس الدولة! يقول الملاحظون بأن تجربة الحكم في كندا أثبتت أن الشباب المتمثل في رئيس الحكومة (جوستان تريدو) نجح في تغيير حال الكنديين بشجاعة ودون تهور وبلا شعارات وبأن اليونان لم تنج من الإفلاس منذ سنتين الا بقيادة الشاب (ألكسيس سيبراس) وهو ما دفع الناس العاديين في أوروبا إلى حجب الثقة عن السياسيين العريقين وكبار السن من أجل منح فرصة تاريخية للشباب والقادمين من خارج المنظومة. ثم ما وقع في واشنطن في شهر نوفمبر الماضي بمفاجأة انتخاب الرئيس ترامب رجل الأعمال الثري على منافسته هيلاري كلنتن التي لم يشك (عاقل) في نجاحها !! مهما يكن تحفظنا نحن على ساكن البيت الأبيض فهو فرض رؤيته على أمة أميركية غاضبة ويائسة! وأصبح يمارس سلطاته بنوع من الارتجال المستند إلى دستور أو بالأحرى إلى فقه دستوري غير تقليدي حسب تفسير مستشاريه! لكن الأهم هو أن بلوغ ترامب سدة الرئاسة يفتح باب الوفاق مع روسيا وغدا مع الصين للاتفاق الثلاثي بين العمالقة الحقيقيين على انتهاج ما يسمى طريق الحرير الجديدة أي ربما إلغاء النظام العالمي الأطلسي القديم القائم على الحرب الباردة واختيار سبيل السلام والتعاون الدولي من أجل التنمية الأقرب إلى العدل. من يدري؟ فالفرنسيون عندما انتخبوا شابا واعدا ساندوا هذا الاتجاه الجديد نحو نظام عالمي بديل فــ (ماكرون) أعلن في الجزائر منذ ثلاثة شهور أن الاستعمار الفرنسي ارتكب في الجزائر وفي مستعمراته القديمة جرائم حرب في حين دغدغت مارين لوبان ومعها الوزير الأول الأسبق فرانسوا فيون غرائز الشعب الفرنسي البسيط بالقول أن الإستعمار كان رحمة ونجدة للشعوب المسلمة وأنه شكل “تقاسم الثقافة” بين فرنسا الأمبراطورية والأمم المولى عليها بالقوة !! بل واقترحوا علينا نحن الذين تكبدنا مصائب الاستعمار رد الجميل وتعويض الخسائر الاستعمارية !!! لكننا لا ننسى أبدا أن الجنرال (بيليسييه) أمر سنة 1860 بإحراق ثلاث قبائل جزائرية (أولاد رياح) في ظرف ساعات عندما التجأت بأطفالها و نسائها الى جبل في الأوراس فأبادهم الجنرال حرقا وهو ما اعتبره الجميع جريمة حرب وابادة!!! ان العالم يسعى نحو قيم جديدة بسياسات جديدة وسياسيين من طراز مختلف.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap