الأحد 25 يوليو 2021 م - ١٥ ذي الحجة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فضل العشر الأوائل من ذي الحجة

فضل العشر الأوائل من ذي الحجة

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
بدأ هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات، وقد فُتح الله لنا أوسع أبواب لجمع الحسنات، فهل من مشمر، وهل من متعظ، إنها ميدان التنافس في الخيرات، والتقرب إلى الله بأنواع الطاعات والعبادات قال تعالى:(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) .. إنها أيام لإقالة العثرات، ومغفرة الزلات، وتطهير القلوب والنفوس من الذنوب والسيئات، إنها أيام تقرب إلى الله سبحانه وتعالى، أيام تبعث العزائم والنيات، وتثير الحنين والأشواق إلى أعظم وأطهر وأشرف بقعة على وجه الأرض، أيام فيها سلوة بل تعويض لمن يفوته الحج وزيارة المشاعر المقدسة، والوقوف على صعيد عرفة والمبيت بالمزدلفة.
وفي العشر من ذي الحجة يجد المسلم أنواعاً من العبادات والطاعات والقربات لها كبيرٌ من فضل وأجرٍ عند الله، فيؤدي ما فرضه الله عليه، ويتزود من النوافل بما يرفع درجته، ويهذب نفسه.
فالأعمال الصالحة في هذه الأيام لا يعدلها في الأجر والمثوبة عند الله أعمالٌ في أيام أُخَرَ على الإطلاق، ففي الحديث:(ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلَّا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشئ) ـ رواه أبو داود وغيره، وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(ما من أيام العمل فيهن أفضل من عشر ذي الحجة. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا من عقر جواده وأهريق دمه) ـ صححه الألباني.
فأين المشمّرون لطاعة ربهم وجنته؟ وأين المتنافسون على الأعمال الصالحة في زمن تنافس فيه كثير من الناس وغرتهم الحياة الدنيا، فساءت أحوالهم، وتكدر عيشهم، وكثرت مشاكلهم، وذهبت البركة من حياتهم؟ قال تعالى:(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ، يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِين َ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) (نوح 10 ـ 12).
وفي هذه العشر من ذي الحجة الكثير من العبادات، كالمحافظة على الصلاة جماعة، والصيام، والذكر، وقراءة القرآن، والصدقة، والدعاء، والحج إلى بيت الله العتيق وعن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(إن الله تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي! أتوني شُعْثَاً غُبْرَاً) ـ رواه أحمد وصححه الألباني، وعند مسلم، قال (صلى الله عليه وسلم):(صيام عرفة يكفر سنتين)، وفي رواية عند ابن أبي شيبة في مصنفه:(سنة ماضية وسنة مقبلة).
إن النفوس التي تتربى على الطاعة وتجتهد في العبادة لا تضرها فتنة، ولا تستهويها شهوة، ولا تفزعها مصيبة؛ لأنها نفوس متصلة بالله الذي بيده الأمر كله.
كيف نعيش هذه الأيَّام العشر؟
يامن يريد الحج؟ فإنْ كنتَ صادِقًا فعِشْ وكأنَّك في الحج، وكأنَّك في مكَّة عند الكعبة، حجَّ بقلبك، فلو صَدقَتِ النيَّة لَعِشتَها بقلبك، ولأُجِرتَ عليها من الله، أوَما عَلِمتَ أنَّ الطريق إلى الله تعالى تُقطَع بالقُلُوب لا بالأبدان؟! فيبلغ المرء بنيَّته ما لا يَبلُغه بعمله، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) في غزوة تبوك حَثَّ الصَّحابة على الإنفاق في سبيل الله وعلى الجهاد، فجاءه الضُّعَفاء والفُقَراء من المسلمين ليَحمِلهم معه، فاعتَذَر لأنَّه لا يجد ما يَحمِلهم عليه، فماذا كان شعورُهم؟ هل قالوا في أنفسهم: عَمِلنا ما علَيْنا، ورجَعُوا وهم فَرِحُون، أو أنَّ قلوبهم تمزَّقت حزنًا وألَمًا لأنهم لا يَجِدون ما يُنفِقون؟ اسمَع كيف وصَف القرآنُ مشاعرَهم:(وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (التوبة ـ 92)، فكان جَزاء صِدقِ نيَّتِهم أنْ أشرَكَهم في الأجر والثَّواب مع مَن غزَوْا وجاهَدُوا في سبيله؛ فعن أنس بن مالكٍ ـ رضِي الله عنه ـ أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رجَع من غزوة تبوك فدَنَا من المدينة فقال:(إنَّ بالمدينة أقوامًا ما سِرتُم مَسِيرًا ولا قطعتُم واديًا إلاَّ كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبَسَهم العُذْرُ) ـ رواه البخاري واللفظ له، ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
فمَن حبَسَه العذرُ عن الذَّهاب إلى مكَّة لحجِّ بيت الله الحرام وهو صادِقٌ في نيَّته فليَعِش كما يَعِيش الحاجُّ، وليتمثَّل أخلاقَ الحجَّاج ومَشاعِرهم، وعلى الله الأجرُ والثَّواب، وهل سأَلتَ نفسك سؤالاً: كيف عاشَ الصحابة الذين رجَعُوا ولم يَغزوا مع النبي (صلى الله عليه وسلم)؟ هل كانوا في عِصيانٍ؟ أم على طاعةٍ ودُعاء لنُصرَة النبيِّ وصحبه؟ كيف حال مَن سمَّاهم القرآن بالبكَّائين؟ كذلك لا بُدَّ أنْ يكون حالُك كحال البكَّائين حتى تكون مثلَهم في الأجر والثَّواب وتَنال بنيَّتك مالم تنَلْه بعملك، ولئن حُبِستَ هذا العام عن الحجِّ فارجِع إلى جِهاد نفسك لا يحبسنَّك عنه الشَّيطان، ولئن كان البيت الحرام بعيدًا عنك فاقصد ربَّ البيت الحرام؛ فهو أقرَبُ إليك من حبل الوَرِيد، وعِشْ مع الحجيج بقلبك وروحك في كلِّ منسكٍ من مناسك الحج؛ فإذا ركب السائرون سفينة الذَّهاب إلى بيت الله الحرام فاركَبْ أنت سفينةَ الطاعة إلى جنَّة الفردوس، وكما أنَّ الحجَّاج لا يُضيِّعون وقتًا ولا يَصرِفونه إلاَّ في طاعةٍ، فكن مثلَهم في طاعةٍ دائمًا، وإذا كانوا يَخافُون من الله أنْ يعصوه في بلده الحرام فخَفْ من الله أنْ تعصيه في الشهر الحرام، وإذا أحرَمَ الحجيج من المِيقات فليُحرِم قلبك عن كلِّ ما يُغضِب الله تعالى من حقدٍ وغلٍّ وكراهية، واخلَع مع الحجيج ثِياب المعصية والزُّور والبُهتان، وتحلَّ بلباس التقوى والإيمان، (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) (الأعراف ـ 26)، وإذا طافُوا حولَ الكَعبة هناك فليَعرُج قلبك وروحك لتَطُوف مع الملائكة الكِرام حولَ البيت المَعمُور في السَّماء مُستَعلِية على الدُّنيا وحَقارتها وسفاسف الأمور، وطُفْ أنت هنا معهم في مِحراب الصَّلاة، وإذا سعَوْا بين الصفا والمروة فاسعَ أنتَ هنا لقَضاء حَوائِج النَّاس؛ عن ابن عمر عن النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) قال:(أحَبُّ الناس إلى الله أنفَعُهم، وأحَبُّ الأعمال إلى الله عزَّ وجلَّ سرُورٌ تُدخِلُه على مُسلِم أو تَكشِف عنه كُربةً، أو تَقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُد عنه جُوعًا، ولَأَنْ أَمشِي مع أخي المُسلِم في حاجةٍ أحبُّ إلَيَّ من أنْ أعتَكِفَ في هذا المسجد شهرًا، ومَن كفَّ غضَبَه ستَرَ الله عَوْرتَه، ومَن كظَم غيظًا ولو شاءَ أنْ يُمضِيه أمضاه مَلَأَ الله قلبَه رضًا يوم القيامة، ومَن مشَى مع أخيه المسلم في حاجَتِه حتى يُثبتها له أثبَت الله تعالى قدَمَه يوم تزلُّ الأقدام، وإنَّ سوء الخلق ليُفسِد العملَ كما يُفسِد الخل العسل) ـ أخرجه الطبراني وابن عساكر وابن أبي الدنيا، وحسَّنه الألباني، وإذا كانوا يُقبِّلونَ الحجرَ الأسودَ فقَبِّل يدَيْ والدَيْك وبرَّهما؛ فهما باب الجنَّة، وإذا كانُوا يشرَبُون ويغتَسِلون من زمزم فاغسِل وجهَك وطهِّر قلبك بدموع التوبة، وحين يَقِفُ الحجيج على عرفات رافِعِين أكفَّ الضَّراعة إلى الله عزَّ وجلَّ فليَصعَد قلبُك على أبواب السَّماء، ويخر ساجدًّا لله سجدةَ انكسارٍ وفقرٍ وتذلُّلٍ لا يرفَع منها إلى يوم القِيامة، وقِفْ أنت هنا على حُدودِ الله، واجعَل بينك وبين المعصية حِجابًا، وحين يتَزاحَم الحجيج لرَمْي الجمرات، فليَرْمِ قلبُك كلَّ ما علق به من شَهوات الدُّنيا وملذَّاتها، وتطرد روحك كلَّ ما يُطارِدها من وَساوِس الشيطان، وإذا قدَّمُوا الهديَ فقَدِّم الأُضحِيَة طيِّبةً بها نفسُك وبِعْ نفسَك لله (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة ـ 111).
لنستغل هذه الأيام من العشر من ذي الحجة في طاعة الله بما شرع من الأعمال الصالحة؛ لعل الله أن يغفر ذنوبنا، ويستر عيوبنا، ويرفع درجتنا، ويدفع عنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ويصلح ما فسد من أحوالنا، إنه على كل شيء قدير، وبعباده رؤوفٌ رحيم.

إلى الأعلى