الجمعة 20 مايو 2022 م - ١٨ شوال ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / سلاح إسرائيل المتطور لا يعني بقاء دولتها

سلاح إسرائيل المتطور لا يعني بقاء دولتها

د. فايز رشيد

إسرائيل دولة لم تنشأ على شاكلة الدول والتطور الطبيعي للمجتمعات, فهي تحمل بذور فنائها في أحشائها. دولة التناقضات الإثنية والعرقية بين مستوطنيها الذين لا يجمعهم رابط سوى الدين. دولة زيفت زورا وبهتانا أساطير تضليلية خاصة بها, واخترعت مفاهيم تحاول عنوة الالتصاق بها, مثل مفاهيم: “القومية اليهودية” و”الأمة اليهودية” وغيرها. للعلم هنري كيسنجر توقع نهاية إسرائيل وذلك في أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول 2015 ويومها ثارت ضجة صهيونية عليه.

في مقالة له (هآرتس, الجمعة, 10 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي), قال المحلل السياسي الإسرائيلي المعروف ميرون ربابوت, عندما سئل في مقابلة صحفية: لماذا تبحث كإسرائيلي عن السلام, مع العلم أن إسرائيل تمتلك الأسلحة الكفيلة بضمان وجودها؟ أجاب الصحفي: “ما يحرك الكثير من الإسرائيليين هو خوف وجودي عميق, حيث إنه لا توجد ضمانة بأن إسرائيل ستعيش خمسين سنة أخرى”. وهنا سأله محاوره ناصر اللحام: أنت تقول إنه لا توجد ضمانة لأن تبقى إسرائيل خمسين سنة أخرى, لكن قادتكم يقولون, إن إسرائيل قوية الآن, أكثر من أي يوم مضى؟! أجاب الصحفي: “هذه مقولة يصعب معرفة مدى صحتها. هل إسرائيل أقوى مما كانت عليه في 12 حزيران/يونيو 1967 بعد أن هزمت خلال ستة أيام ثلاثة جيوش نظامية عربية؟ هل هي أقوى مما كانت بعد انتهاء حرب الاستقلال؟ هذا ليس مؤكدا. وعلى أي حال, من الواضح أن هذه المقولة تحولت تقريبا إلى أمر متفق عليه. ومع ذلك, إلى جانب الشعور بالعظمة, ما زال يعشش خوف قديم في نفوس الإسرائيليين بأن دولتنا ستنتهي يوما, فالقوة الكبيرة لإسرائيل من ناحية عسكرية واقتصادية لا تبدد في الحقيقة هذا الخوف, بل ربما حتى تعكسه. ربما يكون ذلك حديثا نفسيا سطحيا, لكنني اعتقد أن فيه ذرة من الحقيقة”.
من قبل, قال موشيه ديان في خطابه المشهور على قبر روتينبرج في عام 1956 (روعي روتنبرج, صهيوني من كيبوتس ناحل عوز, قتله الفدائيون الفلسطينيون في ذات العام): “نحن نحوّل إلى ملكيتنا الأرض والقرى التي عاش فيها هؤلاء وآباؤهم”. بعد ستين عاما على ذلك, كرر نتنياهو تلك الأقوال حديثا بقوله أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست: “سنظل نعيش على حد السيف إلى الأبد”. هذه المخاوف سبق وأن أطلقها موشيه أرينز وزير الحرب الإسرائيلي السابق.
من جانبه, فإن نتنياهو قال خلال لقاء “توراتي” استضافه في منزله مؤخرا مع عقيلته سارة بمناسبة “عيد العُرش”: إن مملكة “حشمونائيم” عاشت لمدة 80 سنة, وإنه يعمل لضمان اجتياز إسرائيل لهذا الجيل والوصول لـ100 سنة”. ونقلت صحيفة “هآرتس” عن مشارك آخر بالندوة (لم تذكر اسمه) أن نتنياهو قال “إن وجودنا ليس بديهيا, وإنه سيبذل كل ما في وسعه للدفاع عن وجود الدولة”.
معروف أن “حشمونائيم”هي سلالة حاكمة في مملكة يهودا والمناطق المحيطة بها خلال العصور القديمة, وتحديدا بين سنة 140 إلى 116 قبل الميلاد, حيث حكمت السلالة منطقة يهودا بشكل شبه مستقل عن السلوقيين. وفي حوالي 63 قبل الميلاد, احتل الرومان مملكة “حشمونائيم” حيث تم تفكيكها وإنشاء كيان يدين بالولاء للإمبراطورية الرومانية. يذكر أنه بوجود السيد المسيح‏, كان الدين اليهودي مقسَّما إلى فئات تتنافس جميعها على فرض سيطرتها على الشعب.‏ هذه هي الصورة التي ترسمها روايات الأناجيل وكتابات يوسيفوس المؤرخ اليهودي الذي عاش في القرن الأول الميلادي. ‏نحن لا ننكر وجود اليهود في المنطقة بالطبع, وكان أبناء الديانة اليهودية من أبنائها, إنهم اليهود القدماء الذين لا تربطهم أية علاقة باليهود الجدد الذين فُرض عليهم أن يتهودوا من قبل ملك مملكة الخزر التي نشأت على بحر قزوين (حكمت من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر). وعندما انهارت المملكة, تفرق اليهود في أوروبا وهم أصل اليهود الحاليين (اقرأ “إمبراطورية الخزر وميراثها – القبيلة الثالثة عشرة” لآرثر كوستلر).
بالمناسبة, ذات السؤال تساءله آرون ميلر نائب رئيس مركز “ويدرو ويلسون” الأميركي في مقالة له بعنوان “هل ستعيش إسرائيل مئة عام”؟ نشره في صحيفة “واشنطن بوست” في 12 أبريل/نيسان 2016″, الأمر الذي يعني أن السؤال ممكن ومن الطبيعي تناوله حتى من قادة العدو الصهيوني. بالطبع جيلنا لن يشهد أيام الذكرى المئوية لقيام دولة الكيان, ولكن هذه الدولة لن تكون موجودة في 15 مايو/أيار 2048, والأسباب هي التالية:

إن حركة التاريخ وصيرورته مسألة مستمرة, وتصاحبها تغييرات جذرية أدت فيما مضى إلى سقوط إمبراطوريات كانت أقوى كثيرا من إسرائيل. صحيح أن البيئة الأمنية الحالية مواتية لها, لكن من الصحيح القول أيضا: إن هذه الدولة حتى بعد مضي 69 عاما على زرعها في المنطقة, ما زال 12 مليون فلسطيني و300 مليون عربي يرون ويعتقدون ويتصرفون على أساس أنها دولة غريبة عن نسيجها, ولا بد من اقتلاعها من أرضنا الفلسطينية ومنطقتنا العربية. إسرائيل دولة عنصرية سبق وأن أدانت الأمم المتحدة نبعها الصهيوني بقرار واضح, هي دولة معتنقة للفكر النازي في العنف والقتل واقتراف المذابح بحق الفلسطينيين والعرب والإنسانية جمعاء. هي دولة نهمة لسرقة المزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية. إنها الدولة القاتلة والساجنة للأطفال الصغار. الدولة الهادمة للبيوت, دولة الحاخامات الفاشيين الذين يفتون بضرورة إبادة الأغيار (من هم غير يهود), وعلى الأغيار أن يكونوا خدما لليهود. دولة اخترعت مفهوم “العداء للسامية” لتسلطه سيفا على كل الرؤوس, حتى على من ينتقد سياساتها الإجرامية. دولة الأصح وصفها بأنها “عصابة في ثوب دولة” وأنها “جيش له دولة”. دولة اعتمدت المنظمات الإرهابية الصهيونية في إنشاء جيشها. دولة لا تعترف بالقوانين الدولية. دولة متحالفة مع الاستعمار وكل الظواهر البشعة في العالم. دولة المستوطنين التي لم تشكل مجتمعا بعد رغم مرور ما يقارب السبعة عقود على زرعها. إسرائيل دولة لم تنشأ على شاكلة الدول والتطور الطبيعي للمجتمعات, فهي تحمل بذور فنائها في أحشائها. دولة التناقضات الإثنية والعرقية بين مستوطنيها الذين لا يجمعهم رابط سوى الدين. دولة زيفت زورا وبهتانا أساطير تضليلية خاصة بها, واخترعت مفاهيم تحاول عنوة الالتصاق بها, مثل مفاهيم: “القومية اليهودية” و”الأمة اليهودية” وغيرها. للعلم هنري كيسنجر توقع نهاية إسرائيل وذلك في أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول 2015 ويومها ثارت ضجة صهيونية عليه. مؤخرا ألقيت محاضرة في جامعة حيفا, قرأها سامي ميخائيل (يهودي من أصل عراقي) حول “العنصرية في إسرائيل” قال فيها: “بإمكان إسرائيل أن تتفاخر بلقب الدولة الأكثر عنصرية في العالم المتطور”. واستطرد محذرا “قد نفقد كل شيء”, ودولة إسرائيل ستكون ظاهرة عابرة مثل الهيكل الأول والهيكل الثاني”. توقعات ميخائيل تعيد إلى الأذهان تصريحات رئيس الـ”كنيست” الأسبق إبراهام بورج, الذي صرح في مقابلة له في عام 2007 “بأن إسرائيل دولة فاشية وهي قوة استعمارية شبيهة بألمانيا عشية صعود النازية”. هذه هي نهاية إسرائيل في تصور قادتها, حتى لو امتلكت كل ما في العالم من قنابل نووية وأسلحة دمار شامل.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap