الجمعة 2 ديسمبر 2022 م - ٨ جمادى الأولى١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : مجزرة الروضة .. هل هي عقاب أم بداية الدور على مصر؟

شراع : مجزرة الروضة .. هل هي عقاب أم بداية الدور على مصر؟

خميس التوبي

بين مشهد اندحار الإرهاب على الساحتين السورية والعراقية والمقاربات العكسية لداعميه ولأدواته الوظيفية، يحاول المندحرون أن ينقلوا إرهابهم الذي أنتجوه وراهنوا عليه في تحقيق أحلامهم ومشاريعهم الاستعمارية إلى أرض العزيزة والشقيقة الكبرى مصر؛ لتكون أُمُّ الدنيا المستنقع البديل لتنمو فيه طفيليات الإرهاب وفيروساته، فتبدأ معركة الالتصاق بالجسد المصري وتأكل من لحمه وتنخر عظامه؛ ليس لأن مصر كانت خارج حسابات مخطط الاستهداف والتدمير وإعادة رسم خريطة المنطقة، بل العكس تمامًا، فالنظرة لدى واضعي مخطط تفتيت المنطقة تنظر إلى مصر وسوريا والعراق على أنها العمود الحامل لخيمة المنطقة، ومتى ما نجحوا في كسره سقطت الخيمة على رؤوس الجميع، وهو ما سيمكِّن حينئذ من إنجاز المشروع الصهيو ـ أميركي الجديد للمنطقة والمسمى “الشرق الأوسط الكبير” أو “الشرق الأوسط الجديد”.
ليس بخافٍ على أحد أن استهداف مصر وسوريا والعراق وليبيا ومن سار على نهجها أو أيد ودعم مواقفها القومية تجاه القضايا العربية المصيرية، هو صنف من صنوف العقاب الموقع عليها نتيجة هذه المواقف وما قدمته من تضحيات جسيمة ولا تزال من أجل الذود عن شرف هذه الأمة وكرامتها والدفاع عن حقوقها، ولما تشكله من عقبة كأداء أمام المشروع الصهيو ـ أميركي في المنطقة.
وتأتي المجزرة الوحشية الإرهابية التي استهدفت جموع المصلين في مسجد الروضة بشمال سيناء والتي راح ضحيتها المئات مؤشرًا على بداية معاقبة مصر على جملة مواقفها العقلانية التي اتخذتها منذ تسونامي ما سمي كذبًا بـ”الربيع العربي” وما خلَّفه من مظاهر دمار وخراب في الأرض العربية التي أتى عليها، وكذلك مؤشرًا على محاولة أخذ أرض الكنانة إلى ضفة غير الضفة التي عليها، وإلى اصطفافات سياسية وطائفية ومذهبية تتنافى مع الطبيعة المصرية المتسامحة والحاضنة للجميع. وما يمكن أن يؤكد حقيقة هذه الاستنتاجات هو ما سبق وتزامن مع المجزرة الوحشية الإرهابية بمسجد الروضة من أحداث وتطورات منها:
أولًا: في خضم التحريض الصهيو ـ أميركي الحاصل في المنطقة ضد حزب الله والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما تواترت به الأنباء عن وجود نيات لتوجيه ضربة عسكرية ضد حزب الله، ومحاولة تفجير استقرار لبنان، جاء الموقف المصري على لسان الرئيس عبدالفتاح السيسي متمايزًا ومتميزًا بعقلانية الخطاب السياسي العارف بأوجاع المنطقة ومآسيها، ومن يقف وراءها، فقد قال الرئيس السيسي في مقابلة مع شبكة “سي أن بي سي” الأميركية إن بلاده تعارض توجيه ضربات عسكرية لإيران أو حزب الله اللبناني، ولا تفكر في اتخاذ أي إجراءات ضد حزب الله، مؤكدًا أن أزمات المنطقة يمكن أن تعالج بالحوار، وأن عددًا من دول المنطقة يواجه حالة من عدم الاستقرار، وعلينا دعم الاستقرار فيها وعدم اتخاذ إجراءات جديدة تزعزع الاستقرار.
ثانيًا: الدور المصري في إنجاز الحدث الفلسطيني بإتمام المصالحة بين حركتي فتح وحماس، ومضي القاهرة قدمًا نحو التقريب بين الحركتين وتذليل الصعوبات لا سيما في عدد من الملفات المختلف عليها، حيث ترتب على هذا الدور هو تسلم السلطة الفلسطينية إدارة قطاع غزة من حماس بما فيها المعابر. واستكمالًا لهذا الدور، استضافت القاهرة يومي الثلاثاء والأربعاء الفائتين وبدعوة منها جولة جديدة من جلسات الحوار الفلسطيني، حيث اتفق 13 فصيلًا فلسطينيًّا خلال اجتماعاتهم على إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني في وقت متزامن وفي موعد أقصاه نهاية عام 2018. وخولت الفصائل في بيان مشترك الرئيس الفلسطيني محمود عباس تحديد موعد الانتخابات بعد التشاور مع كافة القوى الوطنية والسياسية. وكما هو معلوم أن هناك غضبًا إسرائيليًّا على إتمام هذه المصالحة من جهة؛ لأن الانقسام الفلسطيني كان بمثابة الدجاجة التي تبيض ذهبًا لكيان الاحتلال الإسرائيلي الذي استغل هذا الانقسام في إحداث تغيير كبير جدًّا في الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية استيطانًا وتهويدا وتهجيرًا، ومن جهة أخرى أن المصالحة لم تحقق الشروط الإسرائيلية ومنها اعتراف حماس بكيان الاحتلال الإسرائيلي، ونزع سلاح المقاومة في قطاع غزة، فجاءت المصالحة على قاعدة عدم المساس بسلاح المقاومة وهو ما أزعج كيان الاحتلال الإسرائيلي ورفع وتيرة غضبه.
ثالثًا: حافظت مصر عبدالفتاح السيسي على العلاقة مع سوريا من منطلق حقيقة أن سوريا تمثل العمق الاستراتيجي لمصر، فإذا سقطت سوريا ـ لا سمح الله ـ يكون سقوط مصر تابعًا، وأكدت مرارًا أنها ضد تقسيم سوريا ومع الحل السياسي وضد الإرهاب الذي يعصف بالشعب السوري، واحتضنت إحدى المعارضات السورية التي تعرف باسم “معارضة القاهرة”؛ أي أنها لم تنزلق مع المنزلقين في معسكر التآمر والإرهاب على سوريا.
رابعًا: مع اقتراب نهاية تنظيم “داعش” وأفول نجم صولاته وجولاته، وكذلك اقتراب نهاية الإرهاب في سوريا والعراق، كان لا بد أن يكون ثمة مستنقع بديل لهذا الإرهاب لتتكاثر طفيلياته وفيروساته، وهذا يعود بالذاكرة إلى دور التحالف الستيني بقيادة الولايات المتحدة في عملية نقل إرهابيي “داعش” من قياداته وعناصره بالطائرات من سوريا إلى وجهات بعضها معلوم وبعضها غير معلوم. وبالنظر إلى طبيعة سيناء فإنها تعد البيئة المناسبة لتوطين هذا الإرهاب القاعدي، وذلك لأهداف عدة: أولها: الاقتراب من منبع الإرهاب وبؤره في ليبيا، بحيث يكون هناك تواصل وإمداد، وثانيها: لتكون منطلقًا للنيل من هيبة الدولة المصرية وزعزعة استقرارها، وثالثها: من الممكن أن تكون تمهيدًا لما يعرف بـ “صفقة القرن” التي تقوم على إلغاء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وقيام وطن بديل عبارة عن دولة كونفيدرالية مع الأردن في الضفة الغربية وكونفيدرالية مع مصر في قطاع غزة. وبالتالي توطين الإرهاب كنوع من محاولة إجبار سكان سيناء والحكومة المصرية على إخلائها وتهيئتها وطنًا فلسطينيًّا بديلًا.
مثلما استطاعت مصر بثقلها ومكانتها وبخبرتها أن تسهم في فرملة الاندفاع الجنوني بدفع المنطقة نحو الحروب والموت والدمار والهلاك، فإنها في تقديري قادرة على كشف المخطط المرسوم ضدها، ومن يقف وراءه، فلديها قامات وخبرات في عالم الاستخبارات والسياسة والعلوم العسكرية والأمنية، قادرون على معرفة من يتربص بمصر التي لم تشفع لها معاهدة كامب ديفيد المشؤومة. وفي تصوري أيضًا أن الذين أرادوا أن يأخذوا مصر بهذه المجزرة الجبانة والوحشية بحق الأبرياء إلى ضفاف الجنون والمراهقة والطيش وغياب العقل والعمالة، والتشويش، وإرباك الحكومة المصرية، لن ينجحوا في ذلك؛ فالدولة المصرية العميقة لا تزال فاعلة وهي الخبيرة بمنشأ الأحداث وتفاعلاتها وكيفية التعامل معها.

خميس بن حبيب التوبي
khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap