- جريدة الوطن - https://alwatan.com -

العلم والإيمان والثقافة تضيء المساحات المعتمة في طريق العمر

سعود بن علي الحارثي

” من حق الإنسان أن يعمل وأن يكسب وأن يسعى لتحقيق النجاح وتحقيق أهدافه ومصالحه وأن يسعى للتطوير والتغيير لما هو أفضل وأن ينافس تأسيسا على الكفاءة وعلى التميز الحقيقي وعلى الخير وعلى الإخلاص في العمل ولكن بدون ضجيج يسبب الصداع والصمم للآخرين وبدون تسويق يهين كرامة الإنسان ويحط من مكانته وبدون تقليد أعمى لا يصحب بتفكير عميق، ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لن يستقيم حال الإنسان في الحياة ولن يصطلح شأنه، وستتعثر خطواته في طريق العمر بمعنى أنه لن يكون بمنأى عن المخاطر والخسارة والفشل والندم، وقد لا يصل أبدا إلى بر السلامة والنجاة، وهو طريق سار عليه الأولون مبتدأ ومنتهى وما زالت عملية السير ماضية وستستمر ما تواصلت الحياة وتزاوج البشر وتناسلوا دونما استثناء لأحد حتى الأنبياء والرسل والمقربون منهم أرادوا ذلك أم كرهوا فلا خيار لهم إلا المضي فيه، نعم – لن يستقيم حال الإنسان – بدون نور يهديه سواء السبيل، نور يضيء له حياته ويقوده إلى طرق النجاة وبر الأمن والسلامة، ولا يقصد بالنور هنا نور البصر المجرد الذي يرى به الإنسان الأشياء والأجسام والمواقع ومسارات الطريق .. يراها بنور البصر كما هي عليه في أشكالها وأحجامها ومواقعها لكنه لا يستطيع أن يستشرف به مستقبلا ويقدم قراءات تنفعه في تمييز ما هو مفيد ونافع وما هو مضر وسييء، الغث والسمين، ما يصلح وما يفسد، ما يفضي إلى النجاة وما يؤدي به إلى الهلاك في حال المسير والاختيار واتخاذ القرار وممارسة العمل وتنفيذه، النور المتخصص في ذلك هو نور البصيرة، نور العقل القادر على إضاءة تلك المساحة المعتمة في قلب الإنسان وبعث ودفع قدرة التمييز والإدراك والفهم والإحاطة التي على ضوئها يتبين هذا الإنسان مساره ويتخذ قراراته ويحدد سلوكياته ويمضي في طريقه ويؤدي أعماله ويطرح أقواله ويعالج مشاكله ويكتسب القدرة على تجنب المزالق والشراك المنصوبة والتغلب على التحديات .. ولا بد لهذا النور من طاقة ومن وقود محفز لكي يعمل بشكل فاعل ولكي يؤدي مهامه بنجاح ولكي يرتقي بمكانة الإنسان، وتكمن طاقته في العلم وفي الإيمان وفي التثقيف وزيادة نسب الوعي والتعمق في التفكير والتريث في اتخاذ القرارات، ففي ذلك خلاص الإنسان وخيره وسعادته وتوفيقه في الحياتين ولو أدرك تلك الحقيقة لأراح واستراح. كانت هذه المقدمة ضرورية في إطار الحديث عن حال الناس وخاصة بعض الشباب الذين ينجرفون وراء كل دعوة وبدعة مستوردة فيستجيبون لها وينقادون خلفها بما فيها من تقليد للآخر وابتذال ومسخ للشخصية وتغييب للرزانة والمهابة والاستقامة التي تزين سلوك الانسان، وممارسة أعمال وتصرفات لا تليق بالمرء السوي استجابة لعواطف واغراءات وأهواء وشهوات دنيوية أو جريا وراء مصالح وغايات ومطامع شخصية .. وهو تحول استحوذ على تفكير عدد كبير من الناس وسيطر على نفوسهم وأفكارهم، فتأسست سلوكياتهم وأفعالهم وتعاملاتهم على هذه الثقافة التي اتسعت وسائلها وأساليبها وطرقها في أيامنا، ومن ذلك تعدد طرق الوجاهة وانتشار صيغ وأساليب المباهاة والتفاخر والتقليد ووسائل التطاول على الآخرين، والحرص المبالغ في إبراز مظاهر شكلية تبتعد عن المضمون والجوهر في الملبس والمأكل والمسكن والوسائل والأدوات الأخرى مثل السيارة والنقال وجهاز الحاسوب، التي يستدين الكثيرون من البنوك في اقتنائها ويراكمون القروض لتتناسب مع هذا الشغف وترضي الشعور بالتفاخر بنوع الماركة وجودة المنتج، وهي في مجملها افرازات عامة لعصر الآلة وزمن المادة وسلطة الأضواء وضجيج الإعلام وبهرجته وتقنيات الاتصال واتساع شبكاته ووسائله وسيطرتها على الحياة وتعدد مجالاتها وما أحدثته من تحول في سرعة الانتقال والحركة والتأثير المباشر للثقافات والممارسات والأنماط وما تولده من ردة فعل تقوم على متابعة الآخر وتقليده، والانجرار وراء كل ناعق والهرولة خلف كل جديد يرونه عظيما وكبيرا وهو والله لو أدركوا لا قيمة له أمام حقائق الحياة وحقائق الإنسان وما هو مكلف به من مسئوليات ومن أمانة وما ينتظره من تقييم ومن حساب ومن جزاء، في ظل هذا الانجرار لا نجد من يكلف نفسه عناء التفكير ولا حتى عناء صياغة سؤال وجيه يلحق بإجابة محددة عن معنى وأهداف وضرورة ونتائج هذا التقليد وهذا التبدل وهذا اللهاث والانجرار وانعكاساته الحقيقية على حياتنا وعلى ثقافتنا العامة وعلى قيمنا وسلوكياتنا، على حاضرنا ومستقبلنا وهو ما يعكس تسطيحا ثقافيا يعيشه الكثير من الناس في أساليب التفكير وفي مضامين نقاشهم وسلوكهم العام تركيزا على المظهر العام للفرد مع غياب تام للجوهر من الأشياء التي تنفع الإنسان والتي تبقى في رصيده الحقيقي لا تتغير والتي تنفعه في التعامل مع الحياة وما بعدها. من حق الإنسان أن يعمل وأن يكسب وأن يسعى لتحقيق النجاح وتحقيق أهدافه ومصالحه وأن يسعى للتطوير والتغيير لما هو أفضل وأن ينافس تأسيسا على الكفاءة وعلى التميز الحقيقي وعلى الخير وعلى الإخلاص في العمل ولكن بدون ضجيج يسبب الصداع والصمم للآخرين وبدون تسويق يهين كرامة الإنسان ويحط من مكانته وبدون تقليد أعمى لا يصحب بتفكير عميق، وتزييف للشخصية وللأصالة وللسلوك وبدون تنكر للمثل والقيم والثقافة الأصيلة وبدون تطاول وإلغاء للآخر أو ممارسة صيغ وأشكال تلحق الظلم والأذى، إذ كل ذلك يندرج في إطار الفشل ويدخل ضمن عمليات الهدم والتراجع والتضليل والتزييف التي تصيب الإنسان والمجتمع في مقتل والتي تدل على افتقاد هذا الإنسان لنور البصيرة .

سعود بن علي الحارثي
Saud2002h@hotmail.com