الإثنين 3 أكتوبر 2022 م - ٧ ربيع الأول ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / العادة .. من ابتدعها؟

العادة .. من ابتدعها؟

سعود بن علي الحارثي

” يمتلك المجتمع أي مجتمع مثلا وتقاليد وأعرافا وموروثات فيها الخير والصلاح والجمال ولها الفضل في المحافظة على مكوناته وخصوصيته وثقافته وتاريخه وتماسكه بمعنى أنها تمثل قيمة حقيقية وثروة لا تقدر بثمن تفرض عليه المصلحة العامة الحفاظ عليها والتمسك بمضامينها وتشجيع الخلف على ممارستها .. وفي المقابل يحتفظ المجتمع أي مجتمع بعادات بالية وأفكار خاطئة وممارسات وصور تتعارض مع العلم والتقدم الإنساني،”
ــــــــــــــــــــــــــ

هي في الأساس مجرد فكرة أو خاطرة طرحها فرد ومارسها بضعة أفراد، اقتضتها الضرورة في الزمان والمكان والظرف السائد، قد تكون خاطئة أو صائبة، وبمرور الأيام تحولت إلى عادة توارثها المجتمع – في مجموعه أو بعضه في قرية أو مدينة أو أسرة – جيلا بعد جيل، يمارسها السلف كما تلقفها عن الخلف بمسماها ومكونها وتفاصيلها ومثلما هي في الزمان والمكان، لا علم لأحد من أفراد هذا المجتمع عن مراحل بداياتها ومن الذي ابتدعها وفي أي جيل من الأجيال الغابرة تمت ممارستها، هل أجرى عليها الإنسان وتعاقب الأيام اضافات وتحديثات وتغييرات ؟ هل أصابها التبدل والتطور في المضمون والجوهر، أم اقتصر ذلك إن وجد على الشكل فقط ؟ لم يجر أحد بحثا أويطرح سؤالا جريا وراء الحقيقة، هي عادة قديمة تختلف تفاصيل ممارساتها من منطقة إلى أخرى، ويتقاسم الجميع الادعاء بأن العادة ولدت في منطقته ومنها انتشرت وتفرعت ويعود لهم الفضل في الحفاظ على مكوناتها ومضامينها وصورها من الضياع والتلاشي، ومن أراد ممارستها كما هي عليه منذ أن نشأت وتبلورت فليسر على هديهم ويتبع نهجهم في ذلك فهم الجذر وغيرهم الفرع وهم الأصل وغيرهم المقلد وهم السائرون على هدي السلف وغيرهم المخالف. هي فكرة بدأت صغيرة قد تكون نتيجة جهل وظروف قاسية وضعف في الامكانات أعجبت قلة من الناس داخل المجتمع، آمنت بها هذه القلة وكفرت بها الكثرة، اعتبروها بدعة لا يجوز اتباعها أو العمل بها لأنها دخيلة على الثقافة العامة والقيم والتقاليد الأصيلة، وبمرور الأيام ومع أجيال لاحقة اتسعت وانتشرت وأصبحت عقيدة أو تقليد أو عرف يؤمن بها الأكثرية من الناس، والأقلية الذين ظلوا على معارضتها والكفر بها لم يتمكنوا من المجاهرة برأيهم أوالإفصاح عن موقفهم إلا همسا خوفا من بطش الأغلبية. ولأنها باتت جزءا من ثقافة المجتمع وعقيدة من عقائده الراسخة وتقليدا يؤمن به وعرفا أجازه وسار عليه السلف وخوفا من أن يؤثر همس الأقلية وترددهم وضعف إيمانهم بها وتحسبا لما سيسفر عنه تطور الحياة واختلاف الأزمنة وتبدل الأفكار والأهداف من نتائج وآثار قد يسيء إلى صورتها العامة ويهز إيمان الناس بها، وبالنظر إلى أن الأجيال كثيرا ما تتمرد على الموروثات والتقاليد والأعراف، ومن منطلق أن السلف حامي حمى كل ما هو موروث والمسئول عن صيانته من الانحراف والانجراف والحريص على توريثه للخلف مثلما هو عليه دون تغيير أو تبديل لا في الجوهر ولا في الشكل والمدافع عنه بشتى الأسلحة من كل تشكيك أو تردد قد يلحق به فقد مضى قدما في استحداث وابتكار جملة من الأسلحة تطورت بتطور الأيام، وبلغ بها التطور حد استحداث النصوص والمضي في صياغتها وصناعتها لالباسها لبوسا دينيا وأزرها بنصوص منسوبة وإدخالها في جملة ما هو مقدس وإلحاق نسبها إلى العقيدة. هي فكرة نشأت وترعرعت واتسعت وانتشرت في أحضان المجتمع فالتزم الجميع بممارستها ورعايتها وتعهدها والدفاع عنها اقتناعا أو مجاملة أوخوفا وجبنا حتى بات من الاستحالة الانفكاك عنها برغم أنها موروث ثقيل ومزعج ويعكر صورة المجتمع لأنها في تضاد حقيقي مع العلم والثقافة والوعي فهما معا متنافران أيما تنافر ولا يتناسب الانتساب إليها البتة مع عصر الانفتاح والتقدم العلمي، وبسبب تأثيراتها السلبية على المصالح العامة وتكلفة ممارستها ماليا وصحيا واهدارها للوقت والجهد، وبرغم أن ثلة من المثقفين والمتعلمين يدركون ذلك ويعلمونه ويقرون به في جلساتهم الخاصة إلا أنهم آثروا السكوت خوفا من ردة فعل العامة واتقاء للملامة وطلبا للسلامة … بدأت فكرة تتقاذفها الأفواه وتطورت إلى ممارسة فردية وبعد ذلك إلى عادة مجتمعية واكتملت فأصبحت عقيدة يؤمن بها الناس، من آمن بها سلم ومن كفر بها ندم . يمتلك المجتمع أي مجتمع مثلا وتقاليد وأعرافا وموروثات فيها الخير والصلاح والجمال ولها الفضل في المحافظة على مكوناته وخصوصيته وثقافته وتاريخه وتماسكه بمعنى أنها تمثل قيمة حقيقية وثروة لا تقدر بثمن تفرض عليه المصلحة العامة الحفاظ عليها والتمسك بمضامينها وتشجيع الخلف على ممارستها .. وفي المقابل يحتفظ المجتمع أي مجتمع بعادات بالية وأفكار خاطئة وممارسات وصور تتعارض مع العلم والتقدم الانساني، هي ليست أكثر من بدع فسادها أعظم من صلاحها، ومع ذلك وبدلا من أن ننبذها ونتخلص منها ونحارب أسسها ومن يقف وراءها ألبسناها لبوسا دينيا وأضفينا عليها هالات تقديسية وآزرناها بنصوص ما أنزل الله بها من سلطان تدخل في خصوصيات الناس وتقتحم عليهم شئونهم العامة، فجعلناها جزءا أصيلا من الدين أو من ثقافة المجتمع وقيمه العظيمة، لا يجوز الخروج عنها ولا حتى مناقشتها أو تحكيم العقل في أهدافها وآثارها ونتائجها درجة اختلاط الموروثات المجتمعية بالدين، والأفكار والأهواء الخاصة بالثقافة العامة والأعراف فلم يعد البسطاء من الناس بقادرين على التفريق ما بين حكمة متداولة وحديث نبوي، والخلط بينهما في تعزيز رأي أو تقديس موروث أو الحث على سلوك ما من الأمور المعاشة أو المختلف عليها.

سعود بن علي الحارثي
Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap