الخميس 18 أغسطس 2022 م - ٢٠ محرم ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / أشرعة / شجرة اللبان من منظور ميثولوجي

شجرة اللبان من منظور ميثولوجي

دراسة ـ فهد بن مبارك الحجري :
تناقش هذه الدراسة ميثولوجية شجر اللُبان في ظفار، إذ تسلط الضوء على تاريخها، الذي ذكرته المدونات التاريخية وأهمية مادة اللُبان في المعابد وممارسة الطقوس التي لا يمكن أن تقام إلا بوجوده، لذلك تعتبر شجر اللُبان أسطورية بتاريخها وطقوس (كشط) اللبان منها، والمحرمات التي وجب أن يراعيها العمّال في منازل اللُبان، فهناك كثير من المحرمات التي يجب الوقوف عليها كي ندرك العلاقة بين هذه الشجرة وجامع اللُبان الذي جعل منها أسطورة ضم نسقه التعامليّ ضمن علاقة روحية بينه وبينها في خطابه معها ومراعاته لكل ما يؤذيها، ليخلق حولها تلك العوالم التي كانت حاميةً لها، وجاعلة من مكان تواجدها في الأنحاء القاحلة من ظفار مكاناً يحافظ على سرّ هذه الشجرة وسائلها الذي كان له الأثر الكبير في حياة أُسر، وقيام ممالك، وازدهار تجارة تحركت من جنوب عمان إلى شمال شبه الجزيرة العربية، حيث المعابد والكنائس ليصل إليها اللُبان الذي كان في زمنه يوازي الذهب.

لقد كانت للشجرة – لدى الشعوب والمجتمعات الإنسانية – أهمية دينية وميثولوجية خاصة بعد اكتشاف النار ثم الزراعة، إذ عبدت تلك المجتمعات الشجرة، وأصبحت لها رمزاً دينياً، أخذوا بركاتها وطلبوا حمايتها.
لم تكن تلك المجتمعات والشعوب تقدّس الشجرة لذاتها، بل الروح الكامنة فيها والتي يخاطبونها عبر الطقوس والعبادة؛ مثلاً ” في بورما جرت العادة لدى بعض القبائل أن يخرج أفرادها عند انحباس المطر إلى الحرش القريب، فينتخبون أكبر الشجرات …ويقدمون لها القرابين(1)” وربما هذا عائد إلى اعتقادهم بوجود علاقة بين الشجرة والسماء ؛ “وتعتقد بعض القبائل الأفريقية بأن آلهة الإنبات تتجسد في بعض الأشجار الطويلة الضخمة، فتخرج إليها في مواسم معينة(2)” وتقام الطقوس؛ ونتيجة لأهمية وانتشار شجرة جوز الهند ودخولها في استخدامات حياتهم اليومية، نجد أن بعض القبائل في الهند تعتقد “بقدسية شجرة جوز الهند، إذ يرون فيها تجسيداً لإلهة الخصوبة والتوالد، فيخرجون إليها ويسكبون فوق جذورها ماء التقدمات المقدس طالبين إليها مباركة نسل الإنسان والماشية(3)”.
كذلك نجد قدسية شجرة البلوط في أوروبا وهي ” من أكثر الأشجار قدسية وتجسيداً للقدرة الإلهية المخصبة(4) “.
لم تخل شبه الجزيرة العربية من قدسية وأسطورة الشجرة قديماً؛ “يحدثنا ابن هشام في روايته للسيرة النبوية عن عرب نجران أنهم كانوا يعبدون نخلة طويلة يأتونها كل سنة، فيعلقون عليها أسلحتهم ويعكفون عليها يوما(5)”؛ وقد انتشرت هذه الطريقة من تقديس الأشجار في عُمان قديما، وإضافة إلى النخلة أيضا شجرة (السمر) التي انتشرت في شرقية عُمان؛ “وأن أهل قريش كان لهم شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط، يأتونها كل سنة، فيعلقون عليها أسلحتهم ويعكفون عليها يوماً(6)”.
كما لا ننسى الكنعانيين إذ ” كانوا يقيمون طقوساً خاصة تحت الأشجار الخضراء في المرتفعات العالية(7)”.
شجرة الكرز من الأشجار التي أصبحت جزءا من أسطورة الأدب البابلي، شجرة العشّاق والمحبين؛ “هذه الأسطورة تنازعها كل من الأدب البابلي والهندي والإغريقي؛ والشجرة التي تعتبر بطلة الأسطورة تذكر مرة على أنها شجرة ورد، ومرة على أنها شجرة توت، ومرة – وهي الغالبة في كل تلك الأساطير – على أنها شجرة كريز(8)”؛ هذا يعطينا مؤشراً على أن الأساطير تتكيف حسب البيئة التي توجد فيه، ونوع الشجر السائد فيه، لذلك سوف نجد – مثلاً- في المناطق الصحراوية تسليط الضوء على النخلة والسدرة وشجر السمر..
مهما اختلفت البيئة التي وجدت فيها هذه الشجرة – الكرز – “فالصفة التي تجمع كل هذه الأساطير، هي أن دم العاشقين الذين انتحرا سقى عروق الشجرة وثمارها البيضاء، فإذا ساقها ترتدي السواد حدادا عليهما، وإذا ثمرتها تتحول إلى لون أحمر.. رمز الدم الذي جرى خلال حوادث المأساة(9)”.
“يمكن القول إن كل الأشجار والنباتات التي تعتبر مقدسة يرجع مركزها المتميز – بحكم أنها تجسد النمط البدئي والصورة المثالية- للنبات(10)”.
أهمية شجرة الُلبان:
مثّلت شجرة اللبان عبر التاريخ أهمية اقتصادية من خلال مادة اللبان، هذا اللبان الذي كان يحرق في المعابد من خلال الطقوس التي كانت تقام، فلا يمكن أن يكتمل الطقس إلا بوجود المبخرة ، حيث يتطاير منها ذلك اللبان الذي يرتفع إلى السماء، وتتحرك معه روح الإله ، وتعم السكينة والطمأنينة في المكان.
اكتسبت شجرة اللبان أهميتها من خلال أهمية فصوص اللبان المستخرجة منها، عبر جرح جذع الشجرة من خلال عمليات عدة، بحيث يبدأ سائل أبيض لَبَني يتجمد على جذع الشجرة، ثم يتم تجميعه ، وكلما تكرر جرح جذع الشجرة كلما زادت جودة اللبان الذي عندما يتجمد يتحول لونه إلى الأصفر؛ وهذا –ربما- يفسر ذكر الذهب في التوراة الذي كان يجلبه الملك سليمان؛ إذ وضّحت الدكتورة أسمهان الجرو في كتابها مصادر تاريخ عُمان القديم هذا الأمر وأحالت إلى أنه- أي الذهب- هو الُلبان: “ففي اعتقادنا أن الذهب الذي يجلبه الملك سليمان من (أوفير)، والذي حملته ملكة سبأ له، ما هو إلّا مادة اللُبان الذي يزرع أساساً في ظفار (عمان)، وبعض مناطق اليمن(11)”، كما وضّحت الدكتورة الجرو أن “بعض أنواع اللُبان في النقوش اليمنية تسمى(ذ ه ب ذ ه ب) ربما للونه الشبيه بلون الذهب، وهذا يفسر حاجة الملك سليمان للمال بالرغم مما لديه من كميات هائلة من الذهب(12)”.
على مرّ التاريخ كانت هناك محاولات للسيطرة على منابع وطرق تجارة البخور، ولم يكن أحد يستطيع امتلاك اللبان إلا الكهنة لحرقه في المعابد، أو الأثرياء الذي يملكون المال لشرائه؛ وعبر طرق البخور التي كانت تنطلق من حاسك ومرباط وسمهرم ، عبر طرق بحرية وبرية ، كانت تصل هذه المادة العطرية إلى أماكن مختلفة من الأرض ، في الشمال والشرق والغرب.
ترجع أهمية ظفار وبشكل كبير إلى شجرة الُلبان التي أخذت أهميتها في محصول اللبان الذي دخل في طقوس العبادة في المعابد في أنحاء شاسعة من الأرض؛ لذلك فالمدونات التاريخية عندما تذكر ظفارا على اعتبار أنها أرض اللبان، لتبقى شجرة اللبان العامل المهم والرئيسي .
لقد جاء ذكر أرض اللبان في التوراة في عدة أسفار: التكوين والملوك الأول، والملوك الثاني، و والملوك الثالث، وأخبار الأيام الثاني، وأيوب؛ فقد جاء ذكر أوفير وسفار..
لقد ذكر المؤرخ الإغريقي هيرودوتس( 484- 430 ق.م) أشجار اللبان، ” فقد تحدث عنها بإسهاب، وأن الحصول عليها يتطلب مصاعب كبيرة،… حيث قال: أن الثعابين المجنحة، والمبرقشة تهاجم من يقترب من أشجار الُلبان(13)”.

لقد أشار المؤرخ الروماني سترابو (64- 19 ق.م) إلى أرض اللبان ، “وخير ما أفادتنا به كتابات (سترابو) معلوماته عن الحملة الرومانية على جنوب الجزيرة العربية (أرض اللبان) عام (24 ق.م) التي قادها صديقه الحميم (أليوس جالوس)(14) “، ورغم فشل الحملة إلّا أنه تأكد لديهم “أن الُلبان أثمن الطيوب يزرع في المنطقة الواقعة على الساحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية، وليس في بلاد (سبأ) كما كانوا يعتقدون(15) ”
تطرق كتاب الطواف حول البحر الإرتيري في القرن الأول الميلادي إلى ميناء (موشكا) – سمهرم حالياً-؛ صاحب هذا الكتاب ” تاجراً، أو ملاحاً يونانياً مجهولاً(16) ” لكنه لاقى اهتماما كبيراً حول تأريخ جنوب الجزيرة العربية فهذا الكتاب أو التقرير يقع “في (28) صفحة مقسم إلى (66) فقرة؛ كل فقرة تتناول ميناءً أو مركزاً تجارياً على الشريط الساحلي الطويل الذي يبدأ من رأس البحر الأحمر وحتى شواطئ الهند مروراً بشواطئ جنوب الجزيرة العربية، والخليج العربي(17) “؛ وقد تحدث عن تصدير اللبان كسلعة رئيسية من ظفار؛ إذ “يقول: … يأتيك ميناء تجاري يستقبل كل ما ينتجه البر الداخلي من الُلبان، يسمى ( موسكا Moscha)، تتردد عليه السفن القادمة بانتظام من (كانا Cana) (قنا) – الميناء الحضرمي الشهير- وأهم ميناء يصدّر اللبان الذي ينتجه البر الداخلي ويكوّم في أكوام ظاهرة على طول الساحل، دون حراسة، كأن المكان في حماية الآلهة(18)”.
كل هذه المعطيات التاريخية تحيل إلى أهمية شجرة اللبان في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدينية والميثولوجية، بالتالي فإن الاهتمام التاريخي بها كان وبشكل كبير نابعاً من أهمية الُلبان، ذلك الذهب الذي لعب دوراً كبيرا في حياة الشعوب قديماً، وقد مدتنا الدراسات الآثارية حول بداية تجارته، إذ “بدأت تجارة البخور/الُلبان في العصر الحجري الحديث واستمرّت طوال العصر البرنزي(19)”؛ لكن ذروة هذه التجارة كانت في “العصر الحديدي ( 325 ق.م- 650م)(20)”.
روح شجرة اللبان:
يعتقد القدماء في ظفار أن شجرة اللبان كانت تقوم بدور الحماية لأرواح الأجداد والأوائل؛ وذلك لارتباطها بالأرض الأم، إذ تتجسد في شجرة الُلبان النابضة بالحياة والتي بالتالي تبقى هي شجرة الحياة التي تحتفظ بالأسرار الكونية والتي تحفظ سرّها، “ولذلك فإن تشخيص الطاقة التي تعطي الحياة للأشكال وللغذاء يتمثل بالضرورة في صورة الأنثى(21)” وذلك لما تتسم به من قداسة خاصة، بالتالي فإن أرواح الأوائل حاضرة في كل مكان فهي التي تحميهم وتوجههم؛ فالشجرة تملك خصائص تمنحهم الاستمرار وتمدهم بالقوة من خلال روحها؛ فالإنسان في ظفار –قديماً- كان يخاطب روح الشجرة؛ فهو عندما يخاطبها ويتحدث معها فإنه يتصّل بمكامن الروح البشرية، “إنها صورة رمزية، على أن كل مرجعيات الصورة الدينية والميثولوجية تتأسس على الوعي أو على التجربة الكامنة في الروح البشرية(22)”؛ بالتالي فإن لبانها عند حرقه في المباخر يكون وسيطاً بين الأحياء والأموات، ويربط الإنسان بالأرض الأم مصدر الحياة، لتبقى وظيفة شجرة اللبان حاضرة في ميثولوجيا المكان قديما.
إن هذه الشجرة تشعر بهم و”تتألم وتتوجع وتبكي إذا ما جرحت بطريقة خاطئة(23)”، وبالتالي ظلّت سراً من الأسرار التي يجب ألا تكشف للآخر، وما ذكر هيرودوتس لها وبأن هناك ثعابين مجنّحة تحمي شجرة اللبان إلّا دليل على مكانة هذه الشجرة المقدسة في نفوس السكّان، ناهيك عن أهم محصول تقدمه لهم وهو اللبان المقدس، والذي تطرق له صاحب كتاب الطوّاف في البحر الارتيري بأنه يظل مُكَوَّماً دون حراسة، ليظلّ تحت العناية الإلهية، ليكون جزءاً من حياتهم اليومية، ضمن إطارها الديني والاجتماعي، إذ تُبَخَر بيوتهم وحظائرهم في الصباح والمساء كي تمدهم بالبركة وتقيهم الشرور.
إذن، كل هذا التاريخ المرتبط بشجرة اللبان وبتجارتها ومحاولة السيطرة عليها، وخوف الناس من الاقتراب منها بسبب حمايتها من قِبل قوى خفية وعلوية مما بعث على قداسة هذه الشجرة لتصبح جزءاً من الميثولوجية المكانية.

طقس شجرة اللبان:
إن العمال في منازل اللبان هم من يدركون قداسة الشجرة، وهم من يعيش معها يوميا من الصباح وحتى المساء؛ فأصبحت جزءا من روحهم؛ فقد اعتبرت منازل اللبان منطقة محرمة، ولذلك فإن العتبة إلى غابات اللبان تحرسها تلك الثعابين الطائرة وأرواح الأجداد الأوائل تسكن في هذه الشجرة ف”للعتبة (حراسها): من الآلهة والأرواح التي تدافع عن المدخل كما تدافع عنها من كل سوء نية الأشخاص وكذلك القوى الشيطانية والوبائية(24)”.
قبل أن يقوم الشخص بجرح الشجرة(25) لا بدّ أن يكون مبتعداُ عن كل ما يعكر طقوس عملية جرح الشجرة، “فلا ينبغي منه جماع زوجته(26)” ثم يأتي لجرح الشجرة، فهذا يعتبر من المحرمات التي يجب أن يتجنبها العامل في منازل اللبان؛ كما أن “الصدق من الصفات التي يجب أن يتصف بها الشخص الذي يقوم بعملية جرح شجرة اللبان ولا يمكن(27)” أن يتعاطى مع الشجرة إلا شخص طاهر.
عملية جرح الشجرة يجب أن تكون بالطريقة الصحيحة، إذ أن الطريقة الخاطئة سوف يجعلها تتوجع وتبكي، وهذا من المحرمات التي يجب تجنبها، وبالتالي فقد راعى العمال في منازل اللبان كل هذا، احتراما لروح الشجرة، فإن على العمال – ولمدة 3 أشهر – أن يكونوا على طهارة ، وهي فترة حصاد اللبان في ظفار وتكون في الشهور يوليو وأغسطس وسبتمبر، وأسماء هذه الشهور الثلاثة باللغة الشحرية (“صيفار و شكل آنفي و شكل أثروه(28)”) وبالتالي تبقى هذه الثيمة هي السائدة طوال هذه الفترة؛ بالتالي يمكن ملاحظة أن ثيمة الطهارة وجدت في كل الديانات التي من خلال هذا الطقس يتجرد الإنسان من كلّ ما هو بشري، ذلك البشري الملطّخ بالخطيئة، بالتالي تبقى مسألة التجرد في حالات الاتصال الروحي تأخذ منحى التخليّ عما هو غير طاهر أثناء ممارسة الطقس؛ إذن، من كل هذا فإنه يمكن أن نستنتج أن طقس الطهارة أثناء ممارسة جرح شجرة اللبان لاستخراج مادة اللبان هو واجب على كل عامل في منازل اللبان؛ وهذا يعطي مؤشراً على أن الُلبان الذي هو غذاء الآلهة في المعابد، يجب أن يكون من يتعامل معه في عملية استخراجه من الشجرة طاهراً، فهو يتعامل مع مادة مقدسة وطاهرة من شجرة مقدسة؛ كل هذا أضفى على طقس استخراج الُلبان كل تلك القداسة لارتباطه بالإله والمعبد، وبدخان الُلبان الذي يحرق في المعابد بحكم أن اللبان هو من الطقوس الأساسية في العبادة آنذاك.
دموع شجرة اللبان:
اعتبر القدماء أن فصوص اللبان هي دموع شجرة اللبان، فبكاؤها هو عطاء للإنسان، ولذلك اكتسب صفة القداسة ليتخذ مكانه ويكون غذاء الآلهة الذي لا يمكن لطقوس العبادة أن تكتمل بدونه، إذ كل المعابد في جنوب الجزيرة العربية اعتبرت اللبان ودخانه المتطاير إلى السماء هو ذلك الغذاء الذي يمدهم بالاستمرار ومكافحة الشرور؛ والزائر مدينة سمهرم التاريخية، سوف يلاحظ وجود معبدين للديانة القمرية، وهي ديانة الإله سين في جنوب الجزيرة العربية؛ كما وجدت لُقى من بينها المباخر التي استخدمت في طقوس العبادة عندما كان يحرق اللبان؛ وكذلك تم العثور على لوح كتب عليه بخط المسند(29) يحتوي على عبارات الشكر للإله سين من شخص من سكان مدينة سمهرم والتي كانت – المدينة- مخزناً لللبان؛ بالتالي تبقى دموع شجرة اللبان المكوّن الرئيسي للحياة الدينية والاقتصادية والاجتماعية في المكان؛ وقد انهارت مدينة سمهرم عندما تأثرت تجارة اللبان.
حرّاس شجرة اللبان:
احتاجت شجرة اللبان الحماية، ولطالما كانت محلّ أطماع ممالك كثيرة، لكن وجود الثعابين الطائرة ، “التي يطلق عليها باللغة الشحرية ( صفور )(30)”، قد حمت الشجرة وحافظت عليها ضمن إطارها الأسطوري.
كذلك فإن أرواح الأموات قد حرست وحَمَتْ شجرة اللبان من العبث والتطاول، ولذلك السكان القدماء كانوا “عندما يأكلون يأخذون جزءا من طعامهم ويلقونه يمنة ويسرة وخلفهم(31)”، وذلك في اعتقادهم بأنهم يساعدون الأجداد الميتين جسدياً والحاضرين بأرواحهم في توفير الطعام لهم؛ كما أن الجن يعتبرون حراساً لهذه الشجرة، وقد ذكرتهم المدونات التاريخية؛ إذ ذكر جواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ العرب) في جزئه السادس حول جنوب الجزيرة العربية منطقة خضراء تحرسها الجن، حيث اشتهرت ظفار قديما بأنها أرض الجن المقدسة.

أوقات حرق اللبان:
“يحرق اللبان خلال فترة المغرب مع غروب الشمس، ثم يحرق مع الفجر، لطرد الشياطين والحسد والجن الضارين والسحر(32)”، ويطلبون جلب البركة لمساكنهم وحظائرهم حيث حيواناتهم؛ أما الأوقات التي تضرهم عند حرق اللبان فيها هي “فترة الظهيرة، ويعتبرون ذلك عملا شيطانيا(33)”.
من بين العادات التي سادت في ظفار قديما هي “وضع اللبان عند الطفل الرضيع لحراسته من الجن(34)”، إذ ساد معتقد بأن هذا الطفل الرضيع سيحلّ محلّه طفل قبيح إذا لم يوضع بقربه اللبان، حيث ارتبط قبح الطفل باللبان وتدخل الجن في ذلك، بالتالي كان اللبان هو التعويذة التي تحمي الأطفال الرضع.
تعويذة حرق اللبان:
عندما تبدأ طقوس حرق اللبان – في الأوقات المذكورة سابقاً – تتبعها تعويذة مهمة يرددها حامل المبخرة: “( إنداخك بالشووط أبَشحز عر كود بعر لشين بعر تشبوء بعر هذبوء ….. )(35)”، هذه التعويذة باللغة الشحرية، وكثير من كلماتها غير مفهومة.. وكذلك “( يالبًآن يالبَآن يا كبكبآن يا طالع السماوات والأرض والليذان، اكفي عنا كيد النسوان وكيد عيال النسوان وكيد الأهل والجيران)(36)”؛ “وكلمتا (كبكبان والليذان) لا يُعرف معناهما عند العامة ، ولكن “قد يُقصد بـ كبكبان الكوكبان أو النجمان ، وهما نجمة المساء ونجمة الصباح ، وهما من آلهات العرب القديمة ؛ أما كلمة (الليذان) فلا ندري معناها أيضاً، ولكن قد يجوز بأنها أتت من كلمة أُذن باللغة الشحرية وهي (إيذان ألييذان) وتعني ذو الأُذن وكأنه السميع(37)”.
الخلاصة:
سوف تبقى ذاكرة شجرة اللبان حاضرة في أذهان من أدرك أهميتها، ولن يدرك أهمية هذه الشجرة إلا من أدرك أهمّيتها مع أهلها، ولذلك لا تزال مناطق البحث في الميثولوجيا بكراً في عُمان، وتحتاج إلى الاهتمام الثقافي البحثي الجاد الذي يدرك دورها وسريانها في حياتنا اليومية، ولا تزال ممارسات بعض طقوس شجرة اللبان تمارس حتى الآن ولكنها ممارسة باعتبارها جزءاً من العادات والتقاليد فقط، فقد انتهت مهمتها الميثولوجية عندما انهارت تجارة البخور، وعندما انهارت طرق البخور في جنوب الجزيرة العربية التي غذّت العالم في ذلك الوقت بغذاء الإله (اللبان).
ميثولوجية شجرة اللبان من المواضيع الشائكة، ومن المهم التركيز على الديانات في جنوب الجزيرة العربية قديماً، وذلك لارتباطها باللُبان من حيث أنه جزء مهم في عملية الطقوس التعبدية في تلك الديانات؛ وفهم اكثر لطبيعة العادات والتقاليد التي ربما تقود إلى النسق الذي انبثقت منه تلك الميثولوجية؛ كما أن فنّ النانا الظفاري الذي كان يؤدى في جبال ظفار يمثّل حالة من حالات الميثولوجية الدينية التي وحتى هذا الوقت لم يُعرف مصدر ذلك الفنّ؛ إذ البعض ربطه بالإله نانا إله الحب والجمال، وهذا لا يكفي فالحاجة إلى البحث العلمي والدراسة المقارنة هي مفتاح لفهم هذا الإشكال؛ وتبقى تلك الميثولوجيا غائرة في القدم منذ بداية استخدام اللبان في المعابد واعتباره ذلك الغذاء المرتبط بالآلهة القديمة.

* قدمت هذه الدراسة في ندوة الفنون التقليدية العمانية بالنادي الثقافي.
ملاحظة : قائمة المراجع والمصادر في النسخة الإلكترونية.

——————————-
قائمة المراجع :
– إلياد، مرسيا: المقدس والمدنس، ترجمة المحامي عبد الهادي عباس، ط1، دمشق، دار دمشق، 1988م.
– الجرو، أسمهان سعيد: مصادر تاريخ عمان القديم، سلطنة عمان، وزارة التراث والثقافة،، 2006م.
– زارنس، يورس: أرض الُلبان(دراسة ميدانية أثرية في محافظة ظفار بسلطنة عمان)، ترجمة وتحرير: معاوية إبراهيم و علي التجاني الماحي، جامعة السلطان قابوس،2001م
– السوّاح، فراس: لغز عشتار ( الألوهية المؤنثة وأصل الدين والأسطورة )، ط8 ، دمشق، دار علاء الدين، 2002م.
– الشحري، علي أحمد: مقابلة شخصية، تاريخ 26 اكتوبر 2016 م، سلطنة عُمان، ظفار.
– مظهر، سليمان: أساطير من الشرق،ط1، القاهرة، دار الشروق، 2000. ص129.

(1) السوّاح، فراس: لغز عشتار ( الألوهية المؤنثة وأصل الدين والأسطورة )، ط8 ، دمشق، دار علاء الدين، 2002م، ص7.
(2) المرجع ذاته، ص7.
(3) المرجع ذاته، ص7.
(4) المرجع ذاته، ص7.
(5) السوّاح، فراس: لغز عشتار ( الألوهية المؤنثة وأصل الدين والأسطورة )، ط8 ، دمشق، دار علاء الدين، 2002م، ص7.
(6) المرجع ذاته، ص7.
(7) المرجع ذاته، ص7.
(8) مظهر، سليمان: أساطير من الشرق،ط1، القاهرة، دار الشروق، 2000، ص129.
(9)مظهر، سليمان: أساطير من الشرق،ط1، القاهرة، دار الشروق، 2000، ص129.
(10) إلياد، مرسيا: المقدس والمدنس، ترجمة المحامي عبد الهادي عباس، ط1، دمشق، دار دمشق، 1988م،ص111.
(11) الجرو، أسمهان سعيد: مصادر تاريخ عمان القديم، سلطنة عمان، وزارة التراث والثقافة، 2006م، ص141.
(12) المرجع ذاته، ص141.
(13) الجرو، أسمهان سعيد: مصادر تاريخ عمان القديم، سلطنة عمان، وزارة التراث والثقافة، 2006م، ص117.
(14) المرجع ذاته، ص120.
(15) المرجع ذاته، ص120.
(16) المرجع ذاته، ص121.
(17) المرجع ذاته، ص121.
(18) الجرو، أسمهان سعيد: مصادر تاريخ عمان القديم، سلطنة عمان، وزارة التراث والثقافة، 2006م،، ص122-123.
(19) زارنس، يورس: أرض الُلبان(دراسة ميدانية أثرية في محافظة ظفار بسلطنة عمان)، ترجمة وتحرير: معاوية إبراهيم و علي التجاني الماحي، جامعة السلطان قابوس،2001م،ص100.
(20) المرجع ذاته، ص123.
(21) إلياد، مرسيا: المقدس والمدنس، ترجمة المحامي عبد الهادي عباس، ط1، دمشق، دار دمشق، 1988م، ص241.
(22)إلياد، مرسيا: المقدس والمدنس، ترجمة المحامي عبد الهادي عباس، ط1، دمشق، دار دمشق، 1988م، ص239.
(23) الشحري، علي أحمد: مقابلة شخصية، تاريخ 26 اكتوبر 2016 م، سلطنة عُمان، ظفار.
(24) مرسيا، إلياد: المقدس والمدنس، ترجمة: المحامي عبد الهادي عباس، ط1، دار دمش للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1988م.
(25) طريقة استخراج فصوص الُلبان من جذع شجرة اللبان يتم بعملية الجرح بآلة حادة ، وتسمى هذه العملية ب”التوقيع”.
(26)الشحري، علي أحمد: مقابلة شخصية، تاريخ 26 اكتوبر 2016 م، سلطنة عُمان، ظفار.
(27) المرجع ذاته.
(28) الشحري، علي أحمد: لغة عاد، ط1، أبو ظبي، المؤسسة الوطنية للتغليف والطباعة (ناتباك)،2000م،ص344.
(29) انظر تقرير خور روري (سمهرم)2008 الصادر من مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية، إذ ضمّ معلومات وصوراً حول المكتشفات والُلقى الأثرية في الموقع.
(30) الشحري، علي أحمد: مقابلة شخصية، تاريخ 26 اكتوبر 2016 م، سلطنة عُمان، ظفار.
(31) المرجع ذاته.
(32)الشحري، علي أحمد: مقابلة شخصية، تاريخ 26 اكتوبر 2016 م، سلطنة عُمان، ظفار.
(33) المرجع ذاته.
(34) المرجع ذاته.
(35) المرجع ذاته.
(36) المرجع ذاته.
(37)الشحري، علي أحمد: مقابلة شخصية، تاريخ 26 اكتوبر 2016 م، سلطنة عُمان، ظفار.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap