- جريدة الوطن - https://alwatan.com -

من باكو إلى تبليسي .. أيام لا تنسى 1/4 مطار مسقط الدولي .. حداثة وفخامة:

سعود بن علي الحارثي

” إن الارتماء في أحضان المدن والتسكع في الأسواق والحارات والأزقة والعمارات القديمة واستنشاق نكهات الماضي، واكتشاف مجاهل الطبيعة والتمتع بمباهجها الخلابة ومحاسنها الفتانة والارتواء حتى الثمالة من أنهارها المتدفقة المختالة بين الحواضر المزدهرة، وجداولها المنسابة بين الغابات والبساتين والاشجار المثمرة بأجود الانواع وأطيبها، وشواطئها النشطة بالترفيه والثرية بالجمال ومتع الحياة والجبال الملتحفة بالسحب والضباب والثلوج النقية البيضاء، هي غاية الغايات…”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انضمت كل من اذربيجان وجورجيا الى قائمة عدد من البلدان التي نجحت في السنوات الاخيرة في التحول إلى وجهات مختارة للسياح الخليجيين الذين يبحثون لهم عن مناطق جاذبة تتميز بالطبيعة الخلابة والطقس المنعش – تعويضا عن الطقس الحار والجاف والطبيعة القاحلة التي تتميز بها البلدان الخليجية في الصيف بالأخص – والحياة الآمنة والخدمات السياحية المتقدمة التي توفر أشكالا من الترفيه والمتعة والإثارة وتلبي متطلبات واحتياجات كل الاذواق . فالسياحة في عصرنا الراهن صناعة مزدهرة متطورة باستمرار قادرة على تنشيط الكثير من القطاعات الاقتصادية والأسواق، ويعتمد نجاحها على التكامل والتنوع والإضافة المتواصلة على الانجازات المحققة ومشاريع البنية التحتية الحديثة والشراكة بين مختلف القطاعات لضمان النمو والاستدامة، يتنافس المتنافسون على مواردها المالية ويسعى المخططون والمستثمرون والمنفذون في قطاعاتها لاستقطاب أكبر عدد من السياح ولفت نظرهم الى الجديد والمميز والاستثنائي والفريد عبر تشكيلة واسعة من الخيارات والخدمات السياحية العصرية التي ترضي كافة التوجهات والرغبات والاحتياجات وتسهيل الاجراءات في المطارات والاماكن العامة والتيسير على القادمين والمغادرين وتقديم كل الاحتياجات التي تشعرهم بالراحة والطمأنينة وتبث الرسائل التي تعزز قناعاتهم باستتباب الأمن وبأنهم في بلد يقدر قيمة السائح … وهو ما يجب ان تعيه مختلف المؤسسات والجهات والأطراف المعنية بتطوير قطاع السياحة في بلادنا إذا أردنا النجاح في تحقيق سياسات التنويع وتعزيز الموارد وتطوير القطاعات والانشطة الاقتصادية المختلفة والاستثمار فيها بما يرفع من قيمة العوائد منها في الاقتصاد، وتوفير فرص عمل للباحثين عنه من العمانيين. إن الارتماء في أحضان المدن والتسكع في الأسواق والحارات والازقة والعمارات القديمة واستنشاق نكهات الماضي، واكتشاف مجاهل الطبيعة والتمتع بمباهجها الخلابة ومحاسنها الفتانة والارتواء حتى الثمالة من أنهارها المتدفقة المختالة بين الحواضر المزدهرة، وجداولها المنسابة بين الغابات والبساتين والاشجار المثمرة بأجود الانواع وأطيبها، وشواطئها النشطة بالترفيه والثرية بالجمال ومتع الحياة والجبال الملتحفة بالسحب والضباب والثلوج النقية البيضاء، هي غاية الغايات التي يسعى إلى تحقيقها البشر ما وسعهم الحال وتيسرت لهم السبل وساندتهم الظروف، كما أن اكتشاف بلدان ومناطق جديدة والتحاور مع شعوبها والتعرف على خصائصها وثقافاتها يضيف ثراء لا حدود له في تجارب وخبرات ومعارف الإنسان ومنافع ومهارات لا تقدر بثمن، إنه السفر يأخذنا إلى مطارات وفنادق عالمية لم نرها من قبل فتستهوينا تصاميمها ويجذبنا جمالها وتشدنا ملامح المسافرين وسحناتهم وألوانهم وملابسهم وتحفزنا لفتح حوارات وتساؤلات معهم، إلى أي بلد وشعب ينتمون ؟ من أين قدموا وإلى أين هم متجهون ؟ ما الهدف والغرض من سفرهم ؟ انطباعاتهم العامة عن البلدان التي زاروها ومشاهداتهم وأظرف المواقف التي حدثت معهم ؟… أسئلة نفتتح بها الحديث فتقودنا إلى المزيد من التساؤلات والأحاديث الاستكشافية لشخصيات بعضها أشبه بكتاب مفتوح نقرأ فيه ما نحتاج إليه ونستخرج ما يستهوينا ونقلبه كيفما أردنا ونقتطف من صفحاته ما نشاء، ننسجم معهم وتتعانق أفكارنا ومبادئنا بما يؤمنون به من قيم ورؤى ونستغرب لهذا التوافق والقواسم المشتركة حد التطابق مع الاختلاف الكامل لنوع التربية والتعليم والبيئة والثقافة التي صقلت كل واحد منا، نرتاح لأحاديثهم العذبة وأساليبهم المرحة في التعامل والتي تتحول من لقاء عابر إلى علاقة قد تستمر سنوات وعقودا، والبعض الآخر لا تنفع معه كل المفاتيح لسبر أغواره وفهم طبيعته ولا تجدي معه أي إثارة تحفزه للبوح والكلام، منغلق على نفسه وعقله وقلبه، كلامه أقل من القليل وكلماته العابرة التي تصدر من نفس مخنوقة تظل لغزا مبهما لا تضيف شيئا، وكل ما يتعلق بحياته وتحركاته يصنفها في خانة (سري للغاية)، وقد قيل بأن البشر «صناديق مغلقة مفاتيحها الكلام»، إلا أن الكلام لا يجدي مع الكثيرين الذين يسبق شكهم يقينهم وتهيمن عليهم المخاوف والهواجس ويرتابون من الغرباء ويفضلون أن يعيشوا معزولين مع أنفسهم عن أعين المتطفلين، مسافر أطلعه الأطباء بعد إجرائهم للكثير من الفحوصات عن إصابته بمرض خطير وبأن أيامه في الحياة باتت قصيرة فينفذ بجلده هربا من أجهزتهم المخيفة وغرف مستشفياتهم الكئيبة وتعليماتهم المقيدة للحرية وأدويتهم التي تزيد المريض مرضا، مفضلا التطواف بين المدن والتحاور مع البشر واكتشاف مجاهل الحياة وارتشاف رحيق السعادة ما تبقى له من أيام في الحياة، وآخر يعشق السفر والتجوال والسياحة مكتشفا باحثا مطلعا سابحا في ملكوت الله وفي جعبته مخزون هائل من المواقف والصور والعلاقات والطرائف يتحدث ويتحدث فنتمنى أن لا يتوقف عن الكلام، هذا عابر طريق وذاك ضمن وفد رسمي وآخر يسافر في مهمات عمل أو من أجل التجارة أو العلاج، تتعدد المقاصد وتتباين الأهداف والغايات وفي محطات التقاء بعينها يجتمعون وفي أخرى يفترقون، المطارات والطائرات ووسائل النقل بشكل عام والفنادق أشبه بمحطات حياة نزول وافتراق تعارف ووداع .. نعم – إنه السفر- يطلعنا على معالم وأسواق ومطاعم وشبكات نقل متعددة الاستخدامات فنلتقي بشخصياتها وننتقل بين نكهاتها ونكتشف خصائصها وطبيعة الحياة فيها ونتذوق أشكالا من الأطعمة اللذيذة ونتعرف على تاريخ حضارات وشعوب ومناطق سادت فبادت ونهضت فتقدمت وازدهرت، ونسعى جاهدين للإحاطة بالأسباب والدوافع والمحفزات لنسقطها على حالنا العربي وواقعنا المؤسف علنا نستفيد منها في تغييره إلى الأفضل، فالأمل في التغيير والتجديد والتحديث وتحقيق نهضة عربية شاملة تعيد للأمة أمجادها ستظل حية متقدة لن تنطفئ ما دمنا نستنشق أنفاسها أي الحياة … لكل تلك الأسباب والدوافع والمحفزات أعد – مع بقية الأصدقاء الخلص – برنامجنا الدوري ونراجع أسماء الدول التي تضمها قائمتنا فنختار منها ما نراه مناسبا لنا في عامنا، ويتوافق مع ظروفنا المادية، وما جمعناه من معلومات وسمعناه من مسافرين قدموا منها … وقد وقع الاختيار هذا العام على أذربيجان وجورجيا . حجزنا مقاعدنا على شركة الطيران القطري مبكرا لنضمن سعرا مناسبا ومقاعد متوفرة لنا جميعا أصدقاء السفر، ولأن أساطيلها تقلع مباشرة إلى باكو وتبليسي ومئات البلدان والمدن في عالمنا الفسيح عبر مطار حمد – واجهة المدينة العصرية الساحرة الدوحة – وهو ما لا يتوفر في الطيران العماني حاليا.
مطار مسقط الدولي، التحفة المعمارية الفريدة الذي يتوسط محافظة مسقط ويعد اليوم واحدا من أبرز انجازات نهضتها الحديثة وبوابة السلطنة الفسيحة والعصرية على العالم، والذي طالما انتظرنا بفارغ الصبر بدء العمل فيه وكتبنا وقلنا الكثير عن بطء الانجاز في هياكله وتأخره لسنوات عن الموعد المقرر لافتتاحه، وانتظرنا هذه اللحظة بفارغ الصبر وبلهفة وشوق، ها هو أخيرا يفتح أحضانه الدافئة المرحبة بالقادمين إلى عمان من أبنائها والعاملين والزائرين والسياح ويودعهم بأمل اللقاء المتجدد . حركة المسافرين والقادمين نشطة طوابير من البشر الذي تتنوع سحناتهم وملامحهم وثقافاتهم وملابسهم ينتمون إلى دول وشعوب وعرقيات من أمريكا وآسيا وأوروبا وأفريقيا، معبرين عن قيم العولمة وعمق التواصل وحجم التقدم الذي يشهده العالم في شبكات النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، مئات الحقائب والأوعية والصناديق بين قادمة ومغادرة مع أصحابها، تصميم معماري جميل يقدم للعالم حضارة عمان ومنجزاتها التاريخية الضاربة جذورها في أعماق الزمن وأصالة وقيم وثقافة شعبها العريق ويؤكد على جهود السلطنة في تشجيع السياحة وتنمية الموارد وتطوير البنية التحتية .. مرافق متعددة تخدم المسافرين قاعات رحبة ومريحة، كراسي وكنبات وثيرة، مطاعم ومقاهي ومحلات وعلامات تجارية توفر للمسافر كل ما يحتاجه ويسعده في السوق الحرة، لوحات جمالية منتقاة بعناية تقدم تراث وتاريخ وثقافة وطبيعة عمان للعالم. نتطلع أن يصبح هذا المطار – المفخرة – واحدا من أهم مطارات العالم نشاطا وحيوية وألقا واستقطابا للزوار والسياح ورجال الأعمال وأن يجعل من السلطنة مركزا تجاريا واقتصاديا هاما وأن يبدع المشرفون عليه في التواصل مع مختلف الجهات والمراكز والمؤسسات المتخصصة والفاعلة بما يضمن تحقيق هذا الانجاز الكبير لغاياته الاقتصادية والثقافية والخدمية وبأن يحقق عوائد مالية مرضية للخزانة العامة للدولة.
في حدود الساعة استغرقتها الرحلة من مطار مسقط الدولي الذي غادرنا أجواءه باتجاه الدوحة، إلى مطار حمد الدولي الذي يستقبلنا بحفاوة وحرارة الاخوة القطريين في أخلاقهم الرفيعة وكرمهم اللافت والمدهش، وروحهم المرحة الطيبة، الذين نكن لهم مشاعر الحب والاحترام والتقدير، وبين المطارين قواسم وروابط مشتركة عديدة سوف يعمقها ويعززها المستقبل أكثر فأكثر، واجهتهما الحضارية المعبرة عن التاريخ المجيد والثقافة الاسلامية الانسانية المنفتحة على العالم – انتمائهما إلى العصرنة والحداثة والتقدم والفخامة وتأكيدهما على جهود القيادتين العمانية والقطرية في تحقيق التطور الشامل والازدهار وتوفير مقومات وأسباب النهضة الاقتصادية خاصة والاستفادة من دروس انهيارات أسعار النفط – دورهما الرئيسي في تعميق التعاون الاقتصادي وارتفاع حجم التبادل التجاري والتنسيق بين ادارتيهما في مختلف المجالات بما في ذلك العمل على جذب السياح وتبادل المعلومات والخبرات وتوسيع حركة التواصل بين الشعبين العماني والقطري وهي غاية الغايات – إنهما يقدمان مسقط والدوحة إلى العالم الخارجي بلدانه وشعوبه وثقافاته ويعرفانه بتاريخ وعراقة وقيم الشعبين الشقيقين وما يجمعهما من قواسم مشتركة وما تشهده كل من عمان وقطر من نهضة شاملة . فما نراه ونلمسه الآن من فخامة وجمال وأبهة ورقي وتميز تقدمها المشاهد والصور الكثيفة في مطار حمد الدولي والفرادة في الخدمات ونحن ننتقل بين مرافقه وقاعاته وممراته وأسواقه لأمر يبعث على الاعجاب ولا غرو أن يحصل هذا المطار الكبير على جائزة أفضل مطار في الشرق الأوسط لعام 2018 للمرة الرابعة على التوالي، وجاء في المركز الخامس بصفته أفضل مطار في العالم، وذلك ضمن (جوائز سكاي تراكس لأفضل المطارات في العالم خلال معرض ومؤتمر محطة المسافرين المقام في ستوكهولم)، قبل أشهر قليلة . وصنف كذلك ضمن فئة الخمسة نجوم لعام 2018 للمرة الثانية على التوالي، وهو (التصنيف الذي يضم 6 مطارات فقط في العالم). (يتبع) .