الجمعة 12 أغسطس 2022 م - ١٤ محرم ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / من باكو إلى تبليسي .. أيام لا تنسى 2/4

من باكو إلى تبليسي .. أيام لا تنسى 2/4

سعود بن علي الحارثي

” .. جورجيا بالرغم من مساحتها الصغيرة إلا أنها ذات تشكيلة عرقية ولغوية تتسم بالتنوع والتعدد وهو ما ينطبق على أذربيجان كذلك، وهو ما تعبر عنه في الوقت ذاته طبيعتهما الخلابة البكر، المتفردة بالمرتفعات البركانية والينابيع المعدنية، والسواحل الجميلة، والغابات المطيرة، والشلالات المنهمرة من قمم الجبال طوال السنة، والتنوع الحيواني والنباتي الكبير، والإرث الحضاري الغني من عمارة وفنون وأدب وشعر…”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إسهامات العمانيين تضيء الآفاق شرقا وغربا .
أينما يذهب العماني في شرق الأرض أو غربها مشاركا في فعالية أو مبعوثا أو سائحا أو زائرا أو باحثا عن العلم والمعرفة فسيجد لعمان بعد – بحث ودراسة وسؤال – تاريخا وحضارة واسما وإسهاما شارك فيه وأقامه وأسسه الآباء العظام من العمانيين الأوائل الذين جابوا الآفاق ناشرين العلم والاسلام والمعرفة والقيم ومشاركين في التجارة والفتوحات الإسلامية، إنه المجد الذي نفتخر ونعتز به فيكسبنا القوة والاباء واحترام الأمم والشعوب ويوثق علاقاتنا بتاريخنا العريق وحضارتنا المجيدة ويربطنا بقيم ومبادئ الآباء السامية والنبيلة التي تفرض علينا أعمالهم الجليلة وانجازاتهم الكبيرة التمسك والارتباط بها قولا وفعلا . فهذا الصحابي العماني الجليل مازن بن غضوبة قد أسهم في نشر الاسلام في أذربيجان وتوفي ودفن فيها، ووفقا لعدد من المصادر التاريخية ومنها ما أورده ابن حجر العسقلاني فإن مازن قد استشهد في برذعة في أقصى أذربيجان في سنة 25 للهجرة أثناء مشاركته في الفتوحات الاسلامية وبصحبته غلامه صالح بن المتوكل ودفنا هناك، وتقع برذعة ضمن جمهورية أذربيجان اليوم، وصفها بعض المؤرخين بأنها قصبة أذربيجان، وتقع في أقصاها، قال الإصطخري عنها : (برذعة مدينة كبيرة جدا أكثر من فرسخ في فرسخ، وهي نزهة خصبة كثيرة الزرع والثمار جدا، وليس ما بين العراق وخراسان بعد الري وأصبهان مدينة أكبر ولا أخصب ولا أحسن موضعا من أفق برذعة)، ويقول الدكتور محمد بن سالم الحارثي (أتم الله النعمة لأهل عمان بإسلام مازن بن غضوبة السعدي، أول صحابي عماني، كان له فضل نشر الإسلام لا في عمان وحدها بل خرج بتلك الدعاية السماوية في عصر الخلافة الراشدة الثانية إلى أذربيجان، التي استشهد فيها هو وغلامه صالح بن المتوكل على ما ينقل ابن حجر العسقلاني أحد أكابر علماء الحديث والرجال. ومن باكو إلى دربندت أو باب الأبواب كما كانت تعرف قديما انتشر الإسلام طولا على امتداد خط جبال القوقاز، وحتى جروزني، ومن جروزني حتى موسكو حكاية عمرها 1400 عام هي قصة دخول الإسلام إلى القفقاز- كما كانت تسمى قديما-، ومنها إلى آسيا الوسطى، وصولا إلى الصين شرقا، وغربا إلى إرمينية وجورجيا، وحتى أوروبا والأندلس غربا كان العمانيون إلى جانب إخوانهم في طليعة جيوش الفتح الإسلامي لتلك البلاد … ) . هذا هو تاريخ عمان المشرق الوضاء وهذه هي حقيقة أمجاد العمانيين الضاربة في جذور الماضي يضيف اللاحقون على السابقين مكاسب وإنجازات جديدة … لا تخطئه العين ولا ينكره إنسان اجتهد في البحث عن الحقيقة والعلم والمعرفة، ولا يشكك فيه إلا مبغض حاسد باحث عن أمجاد زائفة على حساب انجازات وجهود الآخرين. يجمع اذربيجان وجورجيا الكثير من القواسم المشتركة فهما معا يتجاوران فيلتقيان في حدود جغرافية شاسعة إلى جانب كل من روسيا وأرمينيا وتركيا وإيران وداغستان، وكانتا طوال المراحل التاريخية القديمة والحديثة منطقتا صراع وتنافس من قبل الإمبراطوريات والدول الكبرى الساسانيين والبيزنطيين والرومان والفرس والأمويين والعباسيين والمغول، والعثمانيين والصفويين في العصر الحديث، وأخيرا خضعت المنطقة لسيطرة الاتحاد السوفييتي، – وهي الفترة التي عمل فيها النظام الشيوعي على طمس الهوية الإسلامية في منطقة القوقاز – قبل أن تظهر كدول مستقلة من رحمه بعد أن تفككت إمبراطوريته في العام 1991م، والتي تعد واحدة من أهم الأحداث السياسية في نهاية القرن العشرين، في مشهد مزلزل معبر عن الحقيقة التاريخية القائمة على التبدل والتغير والانكماش والتوسع، القوة والضعف التفكك والتوحد، واستحالة بقاء الأمور والدول والحضارات على ما هي عليه في قوتها أو ضعفها، فكم من الحضارات التي قامت وهيمنت واستباحت حقوق الدول الصغيرة واتسعت على حسابها، سرعان ما تفككت وتلاشت وضعفت فحلت محلها أخرى وهكذا دواليك إلى أن يشاء الله بفناء الحياة. إن أوجه الشبه بين أذربيجان وجورجيا كبيرة جدا في الملامح الجغرافية حيث تجمعهما منطقة القوقاز إلى جانب كل من أرمينيا، والتي يطلق عليها (الدول القومية السوفياتية سابقاً)، وتعد بحق من (أكثر المناطق تنوعاً من الناحيتين اللغوية والثقافية على وجه الأرض)، وبينما بدأت الدعوة إلى الإسلام في أذربيجان في مرحلة مبكرة من تاريخ الدولة الإسلامية، في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب على يد الصحابي حذيفة بن اليمان، وانتشر الاسلام بدخول أعداد كبيرة من الأذربيجانيين إلى الدين الجديد إبان الفتح الإسلامي الذي بلغ منطقة القوقاز، ما عزز من دور أذربيجان ومكانتها الإسلامية فبرز فيها الكثير من العلماء من أهمهم (الخطيب التبريزي اللغوي النحوي شارح المفضليات والحماسة، والمظفر التبريزي الفقيه الشافعي (ت621هـ، 1224م) وأبو الفتح التبريزي الفقيه الحنفي (ت736هـ، 1336م) ومحمد بن عبدالغني الأردبيلي النحوي (ت647هـ، 1249م) ويوسف بن إبراهيم الأردبيلي الشافعي (ت 799هـ، 1397م)، وغيرهم الكثير… فيما ظلت جورجيا وفية للديانة المسيحية الأرثوذكسية التي أعتنقها أهلها أثناء خضوع المنطقة لسيطرة الامبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي، ويعتقد أن تسمية البلاد بجورجيا ارتبط ب(تقديس الجورجيين للقديس جورج)، ما يعطي قراءة مهمة على أن المسلمين لم يفرضوا دينهم على الناس بالقوة ولم يرغموا المجتمع الجورجي على ترك ديانتهم رغم سيطرتهم في مراحل تاريخية متعددة على العاصمة تبليسي نفسها وكانت ضمن الامارة الاسلامية القوقازية لفترة ليست بالقصيرة .
لهذا السبب ولدوافع أخرى تشهد جورجيا تدفقا كبيرا من المهاجرين العرب من المسيحيين خاصة، وتقدر الكنيسة في مصر عدد الأقباط الذين هاجروا إلى جورجيا ب(نحو 150 ألف شخص) وفقا لتقرير نشرته البي بي سي قبل ثلاث سنوات .. من القواسم المشتركة الأخرى للدولتين جبال القوقاز، التي تفصل بين البحر الأسود الذي ينعم على جورجيا بشواطئ خلابة تجذب إليها سنويا المزيد من السياح من ناحية، وبحر قزوين الذي يرتاد شواطئه أفواج السياح القادمين إلى أذربيجان من ناحية أخرى. فجورجيا بالرغم من مساحتها الصغيرة إلا أنها ذات تشكيلة عرقية ولغوية تتسم بالتنوع والتعدد وهو ما ينطبق على أذربيجان كذلك، وهو ما تعبر عنه في الوقت ذاته طبيعتهما الخلابة البكر، المتفردة بالمرتفعات البركانية والينابيع المعدنية، والسواحل الجميلة، والغابات المطيرة، والشلالات المنهمرة من قمم الجبال طوال السنة، والتنوع الحيواني والنباتي الكبير، والارث الحضاري الغني من عمارة وفنون وأدب وشعر مزجته الثقافات والحضارات المتعاقبة على منطقة القوقاز فلم يعد للمتتبع والباحث والمتأمل والعاشق للثقافة والفنون والابداع أن يرده إلى أي منها بعد أن اصطبغ بثقافة الأرض القوقازية وكان نتاجا خالصا لعلمائها ومفكريها ومبدعيها من العباقرة والعظام الذين تفردوا في أعمالهم الثقافية، وقد نقل الدكتور صالح الفهدي على صفحته في الفيسبوك قبل عدة أشهر ملاحظة مهمة تتعلق بمدى اهتمام الاذربيجانيين بثقافتهم والافتخار بشخصياتهم العلمية وذلك خلال رحلته إلى أذربيجان : (مما أثار إعجابي في أذربيجان أنهم يمنحون ألقابا لرجال العلم والشخصيات الثقافية البارزة وأولئك الذين حققوا إنجازات كبيرة في مجالاتهم المهنية مثل شاعر الشعب، وكاتب الشعب، وفنان الشعب، ومهندس الشعب المعماري، وهناك ألقابا ثانوية منها الشاعر الجليل، والكاتب الجليل، والمهندس الجليل، مما يدل على التبجيل والتقدير للقامات والرموز التي تقدم خدمات جليلة لوطنها)، فيما يصف الدكتور محمد بن سالم الحارثي زيارته للمتحف الوطني للأدب الأذربيجاني بما يعزز المكانة العلمية والأدبية التي تتبوأها أذربيجان بالقول : (المتحف معلم مهم يُعرِّف بتاريخ أذربيجان الأدبي وحضارتها ورموزها من الأعلام والشعراء والعلماء والصحفيين الكبار.. عبّر عنه بعضهم بالقول: “يعد هذا المتحف واحدا من أكبر وأغنى الخزائن الثقافية الأذربيجانية؛ فدوره يكمن في عمل تجميع وبحث وتخزين المواد العلمية وغيرها حول الأدب والثقافة الأذربيجانية، وعرض هذه المواد في المعارض التي تُعد الهدف الرئيسي للمتحف من أعماله. علاوة على أن المتحف يقوم -أيضًا- بأبحاث علمية كبيرة، يدونها وينشرها بواسطة الكتب والدراسات الكتابية”. في طوايا المتحف وبين جنباته وأروقته وزواياه تتزاحم الأسماء على قوائم العظماء؛ أجدني محاطا بشخصيات حقيقية فذّة وأسطورية؛ لطالما سمعت عنها، غير أنه لم يدر في الخلد يوما أنها تنتمي إلى هذا المكان .. إلى هذه البقعة من الأرض.. إسماعيل بن يسار، وأبو العباس الأعمى، والخطيب التبريزي، والمرزباني، والسلطان إسماعيل، وفضولي البغدادي كاتب (ليلى والمجنون) متأثرا في ذلك بنظامي؛ مع تسجيل الفارق ممثلا بالبيئة الأذربيجانية.. وآخرون ممن سيرد ذكرهم تباعا يتعاقبون واحدا في إثر واحد. الكل طبعا سمع أو قرأ عن شهر يار الملك وشهر زاد نديمته الأسطورية في (ألف ليلة وليلة). كانت المشاهد والصور والسجاجيد المعلقة على الجدران والوثائق والخرائط والمخطوطات والمطبوعات الحجرية والمجلات كلها تنطق بأسمائهم، وتُخبّر عنهم، وتتكلم بلسان المترجمة العربي المبين شارحة أدوارهم الحضارية وإسهاماتهم الخالدة في خدمة حقول العلم والمعرفة والفن والأدب. تبريز (أذربيجان الشرقية- إيران) شماخي وغنْجة وكرباخ ومرند (ن، ش) وغيرها حواضر خرّجت أساطين العلم والفكر والمعرفة والآداب والفنون الأذرية .. قاعة تلو أخرى، ورسوم وتماثيل ومنحوتات يعج بها المتحف في كل مكان؛ تحكي قصة ذلك الشاهد الغائب من تاريخ أذربيجان. الشعراء القدامى والمحدثون احتلوا مساحة عريضة من ردهات المتحف ومعروضاته وصوره ورسومه ونقوشه ومنمنماته. ثَمَّ شاعراتٌ ماجدات خلدن أسماءهن؛ حيث ترتل رباعيات الخيام معا رباعياتهن بأبدع الأنغام، وأوْقع الكلمات المحفوظة في ذلك الأرشيف، والمحفورة في الذاكرة الأدبية الأذرية لقرون) انتهى الاقتباس من مقال الدكتور محمد . ولا ننسى في الاطار ذاته أن الأمير اليا شافشافادزه الذي ولد في الثامن نوفمبر من عام 1837 وتوفي في 12 سبتمبر 1907، ويعتبر الأب الروحي المؤسس لجورجيا الحديثة، وقاد (إحياء الحركة الوطنية الجورجية في النصف الثاني من القرن الـ 19)، كان شاعرا وروائيا وصحفيا ومسرحيا وحقوقيا مهتما بالأمور الإنسانية إلى جانب كونه سياسيا مرموقا، وقد (وجهت الكثير من جهوده نحو صحوة المثل الوطنية العليا في جورجيا وإلى خلق مجتمع مستقر في وطنه)، فيما يعد شوتا روستافيلي، واحدا من عمالقة الشعر في جورجيا وكتابه «الفارس في جلد النمر» من (أهم المؤلفات الكلاسيكية في القرون الوسطى، ويمجد فيه هذا الشاعر قيم البطولة والدفاع عن الأرض، وقد كتب في عصر جورجيا الذهبي في عهد الملكة تمارا)، أما أذربيجان فيكفي ما سطره الإمام الحميري عنها في الروض المعطار حين قال : (وأهل أذربيجان مشهورون بالإكباب على العلم والاشتغال به)، فيما يقول الإمام الجزري عند الكلام على بلدة مرند الأذربيجانية : (خرج منها جماعة من العلماء في كل فن)، وأضاف السمعاني: (في كل فن قديما وحديثا)، وهذا العلامة المحدث الحافظ أبو طاهر السلفي المدفون في الإسكندرية والذي جاب مدن أذربيجان شبرا شبرا وأخذ عن علمائها يقول فيهم:
ديار أذربيجان في الشرق عندنا *** كأندلس بالغرب في العلم والأدب فما إن تكاد الدهر تلقى مميزا *** من أهليهما إلا وقد جد في الطلب
ويقول الدكتور عبد النعيم حسنين : في القرن السادس وأوائل القرن السابع الهجريين، كان يعيش ــ في (كنجة بإقليم أذربيجان ــ شاعر وجهته أحداث عصره، وعوامل بيئته إلى إيثار العزلة عن الولاة والحكام، رغم إرسال مدائحه إليهم وتقديم منظوماته لهم، كما جعلته يدعو إلى الفضيلة، ويتغنى بالخلق القويم، ويشكو من الظلم، وينادى باتباع العدل والوفاء: ذلك الشاعر هو نظامي الكنجوي، الذى أرجح أنه ولد في عام 539هـ، وتوفي في عام 608هـ). ويعد حصان السباق في الجبال والسهول (قرة باغ رمزا للحياة الحيوانية في أذربيجان)، فيما يمتلك حصان (ناجورني سمعة بحسن المزاج والأناقة والسرعة والذكاء)، ويعد من أقدم السلالات حيث يرجع نسبه إلى (العالم القديم)، وبينما (تغلب الجبال على المشهد الجغرافي) في جورجيا، فإن الكتلة الواسعة من اليابسة هي التي تشغل أذربيجان. أما الأنهار الجليدية في جورجيا فتشكل ما نسبته 30% من عددها البالغ (2100) والتي تتوزع على مجمل منطقة القوقاز، ويعدا (ريوني ومتكفاري) أهم وأكبر نهران كبيران فيها … بينما تمتلك أذربيجان ما يزيد عن 8000 نهر بعضها لا يزيد طوله عن 25 كم والقليل منها فقط يتجاوز ال 100 كم، والأكثر شهرة هما نهرا (كورا وأراس)، وتُعتبر الأنهار مصدرًا أساسيا لتوليد الطاقة الكهربائية وري المساحات الزراعية، حيث تصل المساحة المستغلة لهذا القطاع ما يصل إلى (4,755,100 ) هكتار .

سعود بن علي الحارثي
Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap