الأحد 5 فبراير 2023 م - ١٤ رجب ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / الدور الشبابي المتصاعد ومسيرات العودة

الدور الشبابي المتصاعد ومسيرات العودة

علي بدوان

”الحراكات الشبابية اليومية والمستمرة على أرض فلسطين، ومنها مسيرات العودة، أكَّدَت أن قضية فلسطين لم تَعُد تحتمل حالة التراجع أو المراوحة بالمكان في أفضل الحالات، ولم تَعُد تحتمل جدالات عقيمة بين عموم القوى والفصائل بشأن طي ملف الانقسام، وتجديد الحياة السياسية والتنظيمية والكفاحية، ولم تَعُد تحتمل ترفا في السجالات العبثية بين الأطراف الفلسطينية المختلفة.”
علي كاتب فلسطيني دمشق ـ اليرموك
الهبات الشعبية الفلسطينية في الضفة الغربية ومنطقة القدس، والتي بدأت في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2015، وصولا لمسيرات العودة على الخط الفاصل بين قطاع غزة والأرض المحتلة عام 1948، شكّلت حالة تحوّل هامة لتجاوز واقع الانسداد (المؤقت) التي بلغها المشروع الوطني الفلسطيني، وقد جاءت لتثبت أن جيل ما بعد “التسوية” المأزومة لم ولن يُصبح جيلا مُتقبلا لأوضاع ما بعد “التسوية” المنهارة أصلا كما اعتقدت الولايات والمتحدة و”إسرائيل”. فهو جيل فلسطيني يُبدع وسائل نضاله، وفي تنويع أساليب وأنماط انتفاضته الشعبية، ولا يقبل أن يَمُر في هذا العالم مثل سحابة جافة، دون أن يروي هذه الأرض بكفاحه، ودون أن يترك بصمته في رفض الاحتلال على أرض فلسطين. كما هو الجيل المؤهل والمنوط به في استكمال المسيرة الكفاحية الفلسطينية، مُعطيا للقضية الوطنية الفلسطينية الاستمرارية التاريخية التي تضمن في نهاية المطاف الحل العادل والناجز للقضية الوطنية الفلسطينية على كامل أرض فلسطين التاريخية.
إن الجيل الفلسطيني الجديد المُنتفض، الجيل الذي يستكمل المشوار الوطني والمسيرة، جيل الشباب الواعد، جيل ما بعد عملية التسوية المنهارة، يَرسم معالم المشروع الفلسطيني القادم، ويدفعنا نحو التفاؤل، ونحو التقاط واكتساب جرعات الأمل في ظل الظلام الدامس الذي يَلف المنطقة العربية. الجيل الذي يَحمل المخزون التلقائي الوطني والثقافي والوجداني في الوعي، والذي يُشكّل في نهوضه وتمرده نموذج القطيعة بين الشعب وقيادات العديد من الفصائل والقوى المأزومة والتي شاخت دون أن تُجدد حالها، ودون أن تُجدد برامجها ورؤيتها، ولم تتعلم من تجاربها. الجيل الذي يُعيد تشكيل الفكرة والحقيقة الفلسطينية الجامعة، ويشحنها بطاقة الاندفاع.
إنه جيل معركة النفس الطويل، المبنية على النظر إلى بعيد، وربما إلى مدى تاريخي. إنه الجيل الذي يُشكّل المكوّن الأساس للحراك الهائل الجاري في فلسطين من دون بعض الفصائل المتقوقعة على ذاتها، أو ذات الأيديولوجيا الجافة والمغلقة، ودون عصبيات تنظيمية أو تزمت مَقيت. إن كل ذلك يُشير للدور المهم الذي يمكن للشباب الفلسطيني ولأجياله الصاعدة أن يؤديه في إعادة صوغ البرنامج والمشروع الوطني الفلسطيني ورسم طريقه على الأرض للخلاص من الاحتلال وتحقيق الوعد الفلسطيني، وعد العودة والحرية والاستقلال.
لقد أشَّرَت حراكات الشباب الفلسطيني في الداخل، وفي مسيرات العودة، في جانب هام منها على التراجع الكبير في عمل العديد من الفصائل والقوى الفلسطينية (ولا نقول جميعها)، وتراجع أدوارها، سواء بسبب تحوّل معظم بُناها لأطر بيروقراطية، أو لجهة فشلها في تجديد وتطوير طروحاتها الفكرية والبرامجية، وعجزها عن تفعيل بناها ومؤسساتها التنظيمية، وتكلّس هيئاتها، وتسلط مجموعات ضيقة منها على سدة القرار والمكاسب الآنية، ومن هنا تأتي أهمية التغيير المطلوب المؤسساتي والبرنامجي في عموم مفاصل الحركة الوطنية الفلسطينية.
الحراكات الشبابية اليومية والمستمرة على أرض فلسطين، ومنها مسيرات العودة، أكدت أن قضية فلسطين لم تَعُد تحتمل حالة التراجع أو المراوحة بالمكان في أفضل الحالات، ولم تَعُد تحتمل جدالات عقيمة بين عموم القوى والفصائل بشأن طي ملف الانقسام، وتجديد الحياة السياسية والتنظيمية والكفاحية، ولم تَعُد تحتمل ترفا في السجالات العبثية بين الأطراف الفلسطينية المختلفة، أو في استحضار الماضي المليء بالتساؤلات.
وبالطبع، إنَّ تطوير العملية الوطنية الفلسطينية، وممارسة كل أشكال المقاومة، من العمل المسلح الى المقاومة الشعبية، يصطدمان بعقبات كبيرة، على رأسها مسألة الانقسام الفلسطيني الداخلي واستتباعاته، فضلا عن استمرار الاتكاء ولو “اللفظي” على عملية “التسوية السياسية” المسدودة الأفق، والتي لم تتمكن الجهات الدولية، وبالذات الولايات المتحدة حتى الآن، وبالتعاون مع الحلفاء الإقليميين من إعادة إطلاق مرحلة جديدة منها، وذلك نتيجة مواقفها المُنحازة واللامتوازنة، رغم محاولاتها تأسيس حالة يستديم فيها الدعم الاقتصادي، ويُجَدَد من خلالها حالة الهدوء في الضفة الغربية لسنوات قادمة، وتصدير وترويج نظرية “السلام الاقتصادي”، مع محاولات إعادة تقديم أفكار ومقترحات جديدة في صفقة للتسوية بدأت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالترويج لها منذ عدة أشهر تحت عنوان “صفقة القرن”، وهي الصفقة التي قوبلت برفض رسمي وشعبي فلسطيني، ويبدو بأن الحديث الأميركي عنها بات يتراجع ويفقد زخمه منذ نهاية نيسان/إبريل 2018 الماضي، وذلك ما يؤشر لوجود إدراك أميركي بأن تلك الصفقة لن يكتب لها النجاح، ولن تكون إلا كغيرها من الأفكار التي سبق وأن تم تقديمها في مراحل سابقة، ما دامت بعيدة عن الشرعية الدولية وقراراتها ذات الصلة.
الانتفاضات الفلسطينية، والحراكات الشبابية، ومسيرات العودة، وكل الهبات الجماهيرية، هي ليست ردا ميدانيا فقط، على استباحات الاحتلال الشاملة، بل هي أيضا، تعبير عن وعي مُتزايد، في أوساط الشعب الفلسطيني، ونخبه بأنواعها، وجيله الشبابي خصوصا، يدفع القضية الفلسطينية نحو الانتقال من مرحلة انتهت في الواقع إلى مرحلة جديدة لم تتبلور معالمها كليا بعد. وهذا ما يضع الكل الوطني أمام مسؤولية المساهمة في بلورة استراتيجية، سياسية وفكرية ونضالية جديدة، سواء لإدارة الصراع مع الاحتلال، أو لإدارة الخلافات الداخلية والانقسامات، آخذين في الاعتبار حقيقة أن الصراع مع العدو الرئيسي هو صراع.
وهنا تأتي أهمية عملية استعادة خطاب حركة التحرّر الوطني ومستتبعاته لشعب تحت الاحتلال، وهو ما يقتضي الابتعاد عن المقولات التقليدية عن “السلطة والمعارضة” وعن مفاهيم “الأكثرية والأقلية”، بانخراط الجميع في إطار السياق العريض لحركة التحرر الوطني، وفي الوقوف بموقف مُتحد في مواجهة التناقض الرئيسي الجامع والموّحد للجميع، وأي صراع على السلطة، أو تكريس منطق اقتسام الحصص والنفوذ داخلها في مرحلة التحرر الوطني لن يقود سوى إلى الانقسامات المدمرة التي تُعطّل وتعيق مسار العملية الوطنية الفلسطينية. فالتحوّل الديمقراطي المنشود في إطار المؤسسات الوطنية الجامعة، يضمن حضور القوى وفق أوزانها على الأرض، ووفق فعاليتها بين الناس وفي عموم المجتمع الفلسطيني في الداخل والشتات، ووفق جهدها الكفاحي والوطني في سياق معركة التحرر الوطني.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap