الجمعة 12 أغسطس 2022 م - ١٤ محرم ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / آراء / من باكو إلى تبليسي .. أيام لا تنسى 3/4

من باكو إلى تبليسي .. أيام لا تنسى 3/4

سعود بن علي الحارثي

” .. يمكن للسائح أن يأخذ طريقه إلى المدينة القديمة والمتحف الوطني. كل ما في باكو ينبض بالحياة والجمال، تقود الزائر اليها ليتحول إلى عاشق مغرم متعلق بمفاتنها لا يود فراقها، وإن غادرها – اضطرارا – فلن يغيب طويلا فسرعان ما سيأتي اليها مرتميا في أحضانها، لقد بهرتني باكو كثيرا، فلم أكن أتخيل حتى أنها بهذا الجمال الأخاذ لذا لم تكن يوما ضمن جدول زياراتي السنوية.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثالثا : باكو مدينة الجمال .
بعد رحلة استمرت حوالي الساعتين وعشرين دقيقة من الدوحة إلى باكو، ومع الهبوط التدريجي للطائرة في مطار حيدر علييف الدولي، بدأت ملامح أذربيجان تتضح تدريجيا من النافذة، السحب بألوانها وطبقاتها تسبح بين السماء والأرض، تسقي أمطارها السهول والمراعي الشاسعة والبساتين والواحات الغناء وتغذي الينابيع والبحيرات والجداول والأنهار وتروي المساحات الخضراء التي تحيط بباكو وتمثل رئتها التي تزودها بالهواء النقي والطاقة النظيفة والنسمات الباردة العليلة والماء الرقراق المنعش والثمار الطازجة واللحوم الشهية … وتغسل المدينة من العوالق والادخنة والأتربة التي تضخها المصانع والسيارات والمطاعم والمرافق ومخلفات البشر … إنه المطر يمد باكو والمدن الأذربيجانية بالحياة والجمال، والبشر بالنشاط والقوة والشعور بالأمل والتفاؤل والحب ولولا المطر ما ولدت الحياة وما نشأت مدن بهذا الجمال الفتان. المطار الذي يبعد حوالي نصف ساعة عن العاصمة باكو واسع وجميل ونشط بحركة المغادرين والقادمين ويقدم للزائر والسائح ملامح اولية تكشف له عن مدينة تعبر الى عالم العصرنة والتقدم والحداثة بخطى حثيثة وواثقة فلا يشك ساعتها في أنها واحدة من البلدان التي يعتمد اقتصادها وتتسارع وتيرة التنمية فيها على ذهب العصر الأسود، فأذربيجان تعد من أهم منتجي النفط على مستوى العالم إذ تنتج ما يقارب٨٠٠ الف برميل يوميا إلى جانب الغاز الذي بلغ إنتاجها منه ١٨،٩ بليون متر مكعب في ٢٠١٥م، ومن المتوقع تصديره عن طريق مشروع أنابيب الغاز (تاناب) إلى أوروبا الغربية عبر تركيا واليونان وصولا إلى كرواتيا بحلول العام ٢٠٢٠م وهو المشروع الذي سيجنب اوروبا الاعتماد على الغاز الروسي، وتعتبر أذربيجان واحدة من أهم المواقع في العالم للتنقيب عن النفط، وتمكنت الشركات الغربية من الاستفادة من حقول النفط في المياه العميقة وهي ميزة فشلت فيها الشركات السوفيتية قبل ذلك. الشوارع فسيحة وتتكون من عدد من الحارات، والمدينة تتراءى لنا من بعيد بقمم بناياتها العالية ومساكنها الفاخرة في أعالي السهول وسفوحها والسيارة التي تقلنا من المطار يشعر سائقها بلهفتنا لبلوغ قلبها فيحث الخطى ويرفع من مستوى السرعة ليلقي بنا أمام باب الفندق – الذي حجزنا فيه قبل أشهر ونحن في مسقط – في أجمل وأنظف وأنشط شوارعها شارع نظامي الذي يمثل الشريان الحيوي لجسد المدينة ويكشف للسائح عن كنوزها الحضارية ومعالمها التاريخية وأناقة وفخامة مبانيها التي تمزج بين عبق الماضي وعصرنة الحاضر وتنصهر فيها ثقافة الشرق والتصاميم المعمارية الغربية وأسواقها النشطة وساحاتها المزدانة بالحدائق الغناء واللمسات الجمالية والفنية المعبرة عن عشق الأذربيجانيين بالثقافة والفن والأدب، يأخذنا الشارع الصاخب بالحركة الى ساحة النوافير التي تبهر الرائي بفخامة المباني وطرازها الأوروبي المهيب المحيطة بالساحة ونوافيرها الجميلة التي أخذت جملة من الأشكال والألوان مضيفة الى الجمال جمالا. ويمكن للسائح ان يأخذ طريقه إلى المدينة القديمة والمتحف الوطني. كل ما في باكو ينبض بالحياة والجمال، تقود الزائر اليها ليتحول إلى عاشق مغرم متعلق بمفاتنها لا يود فراقها، وإن غادرها – اضطرارا – فلن يغيب طويلا فسرعان ما سيأتي اليها مرتميا في أحضانها، لقد بهرتني باكو كثيرا، فلم أكن أتخيل حتى أنها بهذا الجمال الأخاذ لذا لم تكن يوما ضمن جدول زياراتي السنوية. أخذنا جولة صباحية، في عربة سياحية صغيرة مفتوحة على فنون الحضارة الاسلامية وشموخها وعظمتها في المدينة القديمة المحاطة بسور حجري حصين، المدينة تم تأسيسها في العصر العباسي في العام ٨٠٠ ميلادي، لذلك فإن ملامح العصر الإسلامي يتضوع من كل ركن وزاوية وقصر فيها، القبب، الشرفات، النقوش، الأساسات الحجرية المتينة، فخامة البناء، التصميم الهندسي والمعماري الأخاذ امتزج فيها الفن الاسلامي، العربي بالفارسي بالتركي بالأذري، معبرا عن عظمة الرسالة المحمدية التي وحدت بين هذه الأمم والشعوب والأعراق والثقافات في بوتقة واحدة تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله . جامع محمد في المدينة القديمة والذي بني قبل أكثر من ٩٠٠ سنة ويعد من أقدم مساجد أذربيجان ودمر الاتحاد السوفيتي مئذنته التاريخية التي تعود إلى سنة 1087 لإسكات صوت الحق، ما يزال شامخا محافظا على هيئته وملامحه العامة يصدح مؤذنه بالشهادتين كما هي جميع مساجد اذربيجان التي نجحت في التصدي والصمود والانتصار على كل الإمبراطوريات وقوى التجبر التي استغلت ثروات هذا البلد الغني وامتصت خيراته على مدى قرون وسعت الى طمس هويته الإسلامية ولكنها فشلت في مساعيها وظل الشعب الاذربيجاني وفيا لعقيدته. قصر الشروان شاه، أو الشروان شاهان هو (أكبر معلم خلفه آل شروان شاه في اذربيجان وواحد من مساجد اذربيجان الشهيرة ويضم قصرا ومقابر ضخمة وجامعا ومئذنة وغرفا اخرى كثيرة) لم يتبق منه إلا بعض الأطلال والأسوار ومحرابا مغطى بالنقوش الإسلامية تعبر عن ازدهار الحياة في المدينة القديمة، تنتشر المطاعم والمقاهي ومحلات التحف والحرف والصناعات المحلية على طول الطرق والأزقة والجادات التي تتلاقى وتتشابك وتربط بين المنازل والمساجد والقصور والأسواق داخل الحارة القديمة التي تفوح من جنباتها روائح التاريخ وعبق الماضي وتشهد على حضارات ازدهرت وذبلت وظلت منجزاتها تشهد على عظمتها . يقيم في المدينة اليوم حوالي ٤٠٠٠ شخص وتعد مقرا لأربع سفارات منها الإيطالية والسويدية ويوجد بها حوالي ثلاثين فندقا بمستويات مختلفة وعدد من المتاحف القديمة التي تحكي تاريخ المدينة مثل برج العذراء. المتحف الوطني الذي يقع في وسط شارع النوافير المزدان بها، يقدم هو الآخر للسائح والزائر تاريخ الفن والإبداع والأدب والشعر والثقافة ويعرض لشخصياتها الكبيرة من فقهاء وأدباء ورحالة وكتاب وشعراء وقادة وسياسيين وعلماء الطب والفلك وغيرهم، قدمت لنا المترجمة الاذربيجانية شرحا تفصيليا باللغة العربية عن تاريخ المتحف وأهميته في إبراز إسهامات ثقافة المجتمع الأذربيجاني ومفكريها وأدبائها في الحضارة الإسلامية بالأخص والعالمية على وجه العموم، لقد أذهلتنا هذه المترجمة الفذة بثقافتها الواسعة ومهارتها العالية في الشرح وسرد وقائع التاريخ والمامها الملفت بخلفيات الثقافات التي أثرت في الثقافة الاذربيجانية ودفاعها المستميت عن تاريخ وحضارة بلادها واسهامها في الحضارة العالمية… واسترجعت لحظتها مشهد المرشدين الأجانب في بلادنا وهم يتقدمون الأفواج السياحية ليقدموا لهم شرحا عن أمجاد الدولتين اليعربية والبوسعيدية والمدة التي استغرقها بناء قلعة نزوى وفلسفة وهدف بنائها ومرافقها ومكوناتها وتاريخ فلج دارس … فولدت المقارنة بين المشهدين الغيرة والألم والحزن وتساءلت الى متى ستظل وظيفة المرشد السياحي في أيد أجنبية متجاهلين خطورة ذلك على التاريخ والحضارة العمانية وما قد يطالهما من لبس وأخطاء وتدليس وتشويه على يد هؤلاء الذين لا يهمهم من الأمر الا الراتب الشهري؟. اصطبغ الأدب الأذربيجاني بالصبغة الإسلامية الخالصة فلا نكاد ونحن ننتقل بين أقسام المتحف الفوارق بين ما هو إسلامي وعربي وما هو محلي فالتأثر بالثقافة الإسلامية والأدب العربي في اللغة والشخوص والأمكنة والخصائص والأغراض والمناهج عميقا للغاية، فهنا في هذا المتحف يتراءى لنا المشهد على ضوء اللوحات الفنية والرسومات والنصب التذكارية والمجسمات القديمة وصور الشخصيات بعمائهم ولحاهم البيضاء ولباسهم التقليدي وكأننا نجوب مجالس وأزقة وأسواق بغداد وحلب ودمشق واصفهان والقاهرة وإسطنبول وشيراز وباكو… ونستمع الى أصوات الفرزدق وابي نواس والمتنبي والمعري ونظامي الكنجوي ومحمد فضولي وحافظ الشيزاوي وسعدي الشيزاوي وبرهان الدين وناظم حكمت … ونقرأ أدب ألف ليلة وليلة والأغاني وغزليات المجنون في ليلاه ونستمتع برسوم ولوحات فنية تعبر عن هذا التمازج والتشابك والتأثير، شاعر أذربيجاني درس في القاهرة ومات ودفن في حلب وكتب شعره بالفارسية وآخر ولد في دمشق وتعلم في بغداد ومات في اذربيجان وكتب أعماله بالعربية، إنها رسالة الإسلام العالمية نجحت في توحيد الأمم والشعوب والثقافات . تجيب المترجمة الاذربيجانية على سؤالي عن السبب الذي جعل من اذربيجان بلدا جاذبا تتنافس على السيطرة عليه الدول والحضارات والقوى والإمبراطوريات على مدى الحقب الزمنية التي صاغت تاريخه القديم والحديث قائلة (إن الأذر شعب مسالم لا يحب الحروب والقتل ولا يطيق رؤية الدماء ويتعاطى مع محتليه بهذه القيم الانسانية الرفيعة التي تشجعه على السيطرة على البلاد لفترات تاريخية طويلة، فهذا هو قدرنا)، وفي سؤال آخر عن تاريخ الإسلام ونسبة المسلمين في اذربيجان وسبب اعتناق الشعب الأذربيجاني للمذهب الشيعي تؤكد هذه المترجمة بأن (عدد المسلمين يصل إلى حوالي ٩٩% والإسلام بدأ في الانتشار بين الشعب الأذربيجاني منذ العصر النبوي وتوسع تدريجيا في عصر الخلفاء الراشدين والأمويين بعد ذلك، والمذهب الشيعي ترسخ في البلاد بسبب عشق الاذربيجانيين لأبناء علي خاصة والعلويين على وجه العموم وهي علاقة تعمقت بمرور الزمن . من أعلى مكان في حديقة الشهداء يطل على بحر قزوين بدت باكو أمامنا ممتدة بسهولها وشواطئها ومشاريعها الناهضة من رحم الثروة النفطية التي نجح الاذربيجانيون أخيرا في تحريرها من سطوة الروس واستثمارها في نهضة بلدهم والمضي قدما لتحقيق النمو والتقدم والرخاء، المشهد خلاب وبديع من هنا من حديقة الشهداء التي تسرد حكاية شعب عانى من الاستعمار والتسلط والظلم وسطوة وتجبر المحتل الذي احكم قبضته على اذربيجان، فممر الشهداء الذي يعد جزءا من الحديقة كان في الأصل مقبرة إسلامية تم تدميرها من قبل الروس الذين نبشوا الجثث المدفونة فيها ونصبوا تمثالا لأحد قادتهم (سيرجي كيروف)، وحولوا الفضاء المحيط بالمقبرة الى حديقة . وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونيل اذربيجان لاستقلالها اعيد بناء الممر وأصبح مقبرة للأبطال ومنهم من قتلوا في أحداث السبت الأسود عام ١٩٩٠م، حيث ارتكب الاتحاد السوفييتي مجزرة (بحق المدنيين الأذربيجان، وفتحوا نيران أسلحتهم في كل اتجاه وقتلوا وجرحوا المئات من المدنيين الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ العزل، ففي باكو وبحجة “إعادة النظام ” اقتحم الجيش السوفيتي المدينة بوحشية بالغة، محاولاً سحق حركة التحرر التي كانت تحظى بالتأييد وبالزخم، وأباد الجيش وسحق بالدبابات والمدافع الرشاشة كل شيء في المدينة) . شاطئ البوليفارد الذي يمتد بمحاذاة بحر قزوين لعدة كيلوا مترات يعد واحدا من أهم متنفسات المدينة وموقعا سياحيا جذابا وملتقى للأسر والافراد يقصدونه من أنحاء اذربيجان وذلك لما يمتلكه من لمسات جمالية وحدائق خضراء وملاعب للأطفال وجداول مائية ومقاهي ومطاعم حديثة ومماشي لهواة المشي ومجمع تجاري ومعرض للسجاد وغير ذلك الكثير، ويعد واحدا من أجمل الأماكن التي تستهوي البشر وإضافة مهمة جدا للمواقع السياحية التي تزخر بها أذربيجان، ومع كل زيارة الى مدينة او عاصمة عالمية تتكرر ذاتها الهموم الخاصة بالخطط والسياسات التي حرمت مسقط من متنفسات عامة بهذا المستوى والجمال وتمليك شواطئها الطويلة لصالح شركات استثمارية او اشخاص نافذين ؟. الطريق من باكو إلى باكالا استغرق اكثر من ثلاث ساعات كانت الطبيعة خلاله تتنوع وتزدان بباقات الزهور وتشتد اخضرارا كلما قربنا من باكالا، السحب تعانق الجبال والأمطار تأخذ استراحتها أحيانا بعد هطول، وقطعان الخيل والاغنام والابقار تملأ المراعي والسهول وبيوت الرعاة والمزارعين تنتشر في الفضاء الواسع والجداول المائية تتدفق من سفوح الجبال تروي البساتين والمساحات الخضراء والباعة يتناثرون على طول الشارع يعرضون منتجات مزارعهم وحيواناتهم وأعمالهم الحرفية … جمال يمتزج بجمال ولوحة فنية طبيعية تتبعها أخرى إلى أن بلغنا المكان الذي قطعنا فيه تذكرة الصعود إلى التلفريك الذي أخذنا فيه جولة الى قمم الجبال للاستمتاع بالثلوج والطبيعة البكر الخلابة ومشاهدة مناظر الغابات والجداول المائية والشلالات والجبال الشاهقة من أعلى، لقد أصبح التلفريك وسيلة مهمة من وسائل الجذب السياحي في معظم دول العالم وما زلنا نسمع عن مشاريع من هذا النوع في بلادنا وما زلنا في مرحلة إعداد الخطط والاستراتيجيات؟ . في باكو تركت كل حضارة وثقافة استوطنت هذه الأرض ورحلت عنها بعد ذلك بعضا من سماتها وثقافتها العامة، يراها القارئ في كل ملمح من ملامح الحياة، في وجوه البشر الذين تخلفوا وفضلوا البقاء والعيش هنا، في العمارة والتخطيط والسيارات التي تذرع الشوارع، الحديثة منها او تلك التي تنتمي الى أزمنة الستينيات وإلى ثقافات وصناعات غربية وشرقية، في ثقافة التسوق والملابس، في النظام الاقتصادي والسياسي، في اللغة والدين … درجة الاعتقاد أحيانا بأننا في إيران ثم نظن خطأ أننا في تركيا أو روسيا أو في الشام أو في إحدى الدول الأوروبية، فالتداخل بين اللغات والشعائر الدينية والعمارة وملامح وسمات البشر والملابس والعادات والتقاليد … كبير وعميق للغاية. ما يلفت انتباه الزائر لأذربيجان أن الاجراءات في المطار تسير في سهولة ويسر دون تعقيدات ومنغصات، المنزلة الكبيرة التي يحظى بها الاطفال في المطارات والمؤسسات المختلفة حيث يفسح لهم المجال هم وذووهم لتخطي طابور الاجراءات والمعاملات والولوج الى الموظف المختص مباشرة وبهم ومن أجلهم يكرم معهم مرافقوهم، تجريم كل من يقطع الشارع الرئيسي او العام من البشر ولهذا الغرض خصصت الجهات المختصة أنفاقا للعبور تتسم بالذوق والنظافة والتصاميم الجميلة وقد استثمرت بعض المساحات الفائضة فيها كمحلات تجارية، النظافة العالية للشوارع والاسواق والاحياء السكنية، غياب الروائح الكريهة وصناديق القمامة ويظهر ان شبكات الصرف الصحي وتجميع ونقل القمامة تعمل بكفاءة وخبرة عاليتين، اللمسات الجمالية الرفيعة والذوق في ملامح البناء والبستنة والتخطيط، انتشار الساحات والحدائق والشوارع المخصصة للتنفس والاستمتاع والسياحة وممارسة المشي وتجمع الاسر، الاسواق الواسعة التي تعرض وتبيع كل ما يحتاجه المستهلك، تباين الأسعار بشكل كبير بين محل وآخر في الصنف الواحد، فخامة البناء وجماله الذي اعتمد على الرخام والجرانيت والحجر، رقي ووجاهة ونظافة المواطن الاذربيجاني التي تظهر في السلوك والملبس ونظافة المكان وجماله، لم يلفت انتباهنا خلال تجوالنا تواجدا للمطاعم والمقاهي الاميركية – مثل الكنتاكي والكوستا على سبيل المثال – وان وجدت فمحدودة للغاية وكأن الثقافة الاميركية ما تزال بعد تتلمس طريقها إلى هذا البلد الذي ما يزال حتى عهد قريب تحت سيادة الاتحاد السوفيتي. يشعر الأذربيجاني بالإهانة وتكون ردته عنيفة عندما يوجه إليه سؤالا عما إذا كان مسلما؟ والطعام المقدم في مطعمه حلالا وفقا للشريعة الإسلامية ام مخالف لها؟ وكأنما طعنه السائل في شرفه وهو ما يؤكد على صدق الأذربيجانيين واعتزازهم بإسلامهم، ولكن في المقابل يظهر ان ممارسة الشعائر ضعيفة والمساجد قليلة وتأثيرات الاستعمار الشيوعي وسياساته ما تزال عميقة، يؤكد لنا أحد المواطنين هناك بأن تأثير الإسلام على الملامح العامة للبلاد في الملبس والسلوك وممارسة الشعائر كان قويا وبارزا ولكن أثناء وبعد الاستعمار السوفييتي تغيرت الصورة كثيرا واعتاد الناس التحرر من الالتزامات والمسئوليات والشعائر الدينية. يعتمد الاقتصاد الاذربيجاني على النفط والغاز والزراعة والثروة السمكية والسياحة والصناعات الخفيفة مثل اللحوم والبيض والمشروبات الغازية والطاقة والخمور والخشب وغيرها. وكما يظهر من المشهد العام والأرقام المنشورة فإن السياحة ما تزال في طريقها إلى التعافي البطيء من آثار حروب ناغورني كاراباخ في التسعينيات التي أصابت القطاع بالشلل وأثرت على صورة اذربيجان كوجهة سياحية برغم ما تتميز به البلاد من وفرة وثراء سياحي فعدد السياح الذين يزورون اذربيجان يتراوح في حدود المليونين في العام معظمهم من دول الخليج وروسيا وكازاخستان، والمواطن الاذربيجاني ما يزال يكافح ويعمل بجد لتوفير لقمة عيشه وتسديد التزاماته اليومية فالعامل العادي وسائق السيارات السياحية على سبيل المثال لا يتجاوز دخلهما في الشهر ال ٢٠٠ دولار، وحتى أصحاب المؤهلات والوظائف العليا رواتبهم ضعيفة. قادتنا أقدامنا في سيرنا المتواصل لاكتشاف معالم المدينة ومواقعها السياحية وشوارعها الأنيقة وأسواقها القديمة الى مبنى فخم ومهيب مزين بقبب ونقوش إسلامية وتظهر من بين ابراجه الشامخة منارة مسجد كبير، أخبرتنا اللوحة المعدنية المعلقة على الباب الرئيسي بأنه مقر لجامعة باكو الإسلامية الخاصة بمسلمي منطقة القوقاز، صلينا الظهر والعصر جمعا في الجامع وقمنا بجولة في أنحاء المبنى ومرافقه في دقائق أخذتنا الى الماضي البعيد مستعيدين المراحل التاريخية المفعمة بالبطولات والتضحيات حينما وطئت خيول أولئك القادة العظام من المسلمين هذه المناطق البعيدة عن الجزيرة العربية ناشرين راية الإسلام ولولا تضحياتهم وإيمانهم العميق ما سمعنا الآن منادي الحق يرتفع صوته في هذا المكان بلا إله إلا الله محمد رسول الله .

سعود بن علي الحارثي
saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap