الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 م - ٣ جمادي الأولى١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / في “الأمركة”، ملاحظات أخرى

في “الأمركة”، ملاحظات أخرى

أ.د. محمد الدعمي

”.. يذكر كبار السن من البغاددة “مركز الشرق الأوسط”، الأميركي بالقرب من السفارة الأميركية القديمة، الذي كان ذراعا دعائية أميركية ببغداد، ذراعا تستقطب أبناء الذوات من أصحاب الثروات، زد على ذلك تحول مثل هذه المراكز إلى فضاءات للإعلان عن البعثات والدورات المتخصصة إلى الولايات المتحدة. ”

عمد البريطانيون، بعد استعمارهم لشبه القارة الهندية، إلى تكوين طبقة ممن يمكن أن نطلق عليهم لفظ “المتأنجلزين” Anglicized، بمعنى نخبة من الشبان الهنود الذين ابتعثوا للدراسة أو للتدريب في بريطانيا، ليعودوا إلى الهند فيما بعد، أي بعد اكتسابهم عادات حياة وطرائق تصرف تحاكي عادات وأنماط السلوك الاجتماعي البريطاني. والهدف، بطبيعة الحال، هو تشكيل طبقة من هؤلاء الشبان الناجحين على سبيل كسب قلوب بقية الفئات الشابة، ومن ثم البرهنة على تفوق الحضارة البريطانية على هند، ماضيا وحاضرا، هند وجدتها بريطانيا تحيا براثن الإقطاع والفقر والجهل.
ربما كان هذا النموذج هو الذي أوحى بفكرة “الأمركة” Americanization اليوم، بغض النظر عن استساغتها ومقبوليتها بين الشعوب المسلمة. وتعمل على هذه الفكرة مؤسسات كبرى بتمويل الحكومة الأميركية، زد على ذلك مؤسسات مكافئة لها تتمول من القطاعات الخاصة. للمرء أن يذكر، بهذه المناسبة، كيف كانت حكومة الولايات المتحدة تعمل بجد ومثابرة على تكوين نخبة متأمركة في معظم دول العالم: إذ تجسدت هذه الأنشطة في إشاعة “النموذج الأميركي” لحياة، كلها متعة ولهو ومغامرة من عيار فيلم “يالها من حياة رائعة” It’s a Wonderful Life وقد سرقت هذه الموجة الموجهة الدعائية المبهرة لألباب الشبان في معظم الدول العربية والإسلامية، حتى ظهر نموذج الشاب والشابة المتأمركين، بمعنى هؤلاء الذين صاروا أمثولات تستحق المحاكاة من قبل أقرانهم الذين لم تتح لهم الفرص للمكوث في أميركا لمدد طويلة على سبيل الدراسة أو التدريب. وقد تضاعف هذا “التيار الثقافي”، درجة إقدام الدوائر الأميركية المختصة بتأسيس برامج بعثات دراسية قصيرة وطويلة الأمد، ناهيك عن المراكز الثقافية التي راح يتردد عليها أولاد وبنات الأغنياء والميسورين، بالنظر لتحولها إلى فضاءات عرض أزياء وتباهي بما يملك الشاب من سيارات وملابس وزينة، أو سواها مما يعكس الثروة. ويذكر كبار السن من البغاددة “مركز الشرق الأوسط”، الأميركي بالقرب من السفارة الأميركية القديمة، الذي كان ذراعا دعائية أميركية ببغداد، ذراعا تستقطب أبناء الذوات من أصحاب الثروات، زد على ذلك تحول مثل هذه المراكز إلى فضاءات للإعلان عن البعثات والدورات المتخصصة إلى الولايات المتحدة. إلا أن هذا النوع من المراكز سرعان ما راح يخفت ضياؤه وشهرته، بعدما حدث من “ثورات” و”انقلابات” في الدول العربية والإسلامية، خصوصا بعد أن لم يبق الانحياز الأميركي لإسرائيل سرا يستحق التكتم.
هذا بالضبط، هو ما ساعد على إطلاق موجات العداء للـ”الإمبريالية الأميركية”، بحسب الاصطلاح اليساري والشيوعي، على عقود الحرب الباردة، زد على ذلك موجات عواطف الكراهية التي أسس لها الإسلاميون، ابتداءً من سيد قطب، بعد رحلته الشهيرة إلى الولايات المتحدة.
بيد أن هذه الحال لم تثنِ الإدارات الأميركية المتعاقبة من العمل على تشكيل وتكريس الأمركة بين شعوب الدول الإسلامية، درجة تأسيس جمعيات وروابط خاصة بــ”المتأمركين” تعمل، تيارا ثقافيا، ثم على مقاومة المحلي مهما كانت هويته، درجة ظهور شخصيات متأمركة راحت تستقطب الشهرة والاهتمام باعتبارها نماذج للنجاح والتفوق، وكأن أميركا كانت بمثابة جواز سفر لعالم النجاح في حياتهم!

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap