- جريدة الوطن - https://alwatan.com -

باختصار: المهم أن تنسى فلسطين !

زهير ماجد

زرت قبل أيام متحفا للتراث الفلسطيني في جنوب لبنان هندسه وجمعه وأشرف عليه مثقف فلسطيني يدعى محمود دكور .. تراث نهض من التاريخ الفلسطيني ليحكي قصته .. فكرة جمع تراث من هذا النوع فرصة لقراءة المجتمع الفلسطيني بكل تكويناته القديمة. هنا لك الجنيه الفلسطيني الذي كان متداولا بين الناس، وهنالك الثياب الفولكلورية التي ارتداها الفلسطينيون في كل المناسبات، وهنالك أدوات المطبخ والزراعة وأشياء تصلح للعمل، ودفاتر طلاب سابقة على النكبة ومعها كتب سادت في تلك الآوقات.
لامسني حنين إلى تلك الأيام التي لم يزل بضع رجال يتذكرونها، لكنهم لا يحسنون التعبير، فلقد انطفأت الوجوه من شدة الزمان الذي عبر .. عاشوا على أمل تبخر، مرة كانت أنظمة عربية وقيادات عبرت، ومرة عندما حمل الفلسطيني سلاحه ليشد حيط شروقه بيده. وعندما وصل أوسلو كانت كذبة السلام الفلسطيني الإسرائيلي تنتظره.
وجدت في المتحف شابا فلسطينيا سعيدا برحيله إلى البلاد الواسعة، فلقد تأمن له مكان بعيد في النرويج، لعله ينسى فلسطين .. كل شاب فلسطيني اليوم عرضة لإغراءات من هذا النوع، أن تذهب إلى أوروبا او اميركا او استراليا وكندا وهنالك تأمينات وراتب شهري ولسوف تحصل إلى جواز السفر بعد حين .. المهم ان تخرج من ديار العرب، ان لاتفكر بفلسطين، ولا بالعودة اليها، واذا تذكرت هويتك الاصلية، فما عليك سوى ان تكتب قصيدة شعر او خاطرة او تنشيء ناديا ثقافيا تجمع فيه من هم امثالك ممن راقت لهم الحياة في الغرب فصادرهم.
إحصاءات عالمية تؤكد ان العرب هم اكثر سكان الأرض هجرة ونزوحا، وهو على ازدياد بالطبع .. اللبنانيون مثلا داخل لبنان اربعة ملايين فيما هم اثنا عشر مليونا خارجه .. الفلسطينيون تجاوزوا الستة عشر مليونا في العالم كله، والسوريون بالطبع صاروا من اكثر النازحين، وقبلهم ابناء العراق، وسيفتش اليمنيون عن مأوى بعد ان تحولت بلادهم الى خراب مدني لامثيل له والمصري الذي وصل إلى مائة مليون نسمة في بلاده، تراه في الخارج ملايين ايضا .. وكذلك حال الليبي.
لم يعد الفرح ولم يكن مهنة العربي كما هو عنوان ديوان شعر للراحل محمد الماغوط، بل إن العرب مجرد أمة صوتية كما هو عنوان كتاب للكاتب السعودي عبد الله القصيمي.. ينام العربي في بيته، لكنه يستيقظ فجأة فإذا هو على الرصيف في مدن العالم. حينما نكب الشعب الفلسطيني أوجدوا له مساعدات دولية ومؤسسة ترعى تعليمه وطبابته اسمها الاونروا .. يقتلون العربي ثم يمشون في جنازته، يطردونه من بلاده بعد شن الحروب عليها، ثم يسهلون له سبل العيش عندهم. يعلمونه فإن أفلح وتمايز خطفوه وضموه إلى مؤسساتهم، هم يبحثون عن العقول، ونحن نعيش وهم الفقر، ونفتش فقط عن لقمة الخبز التي قمحها من الغرب أيضا، فماذا عسانا نفعل، وبماذا نفكر وليس لنا في الغد سوى امكنة مختارة من فعل الغرب وتحديداته.
تفتقت هذه الأفكار وأنا اتأمل محتويات متحف دكور الفلسطيني، وأخاف في عصر ما ان تفتح متاحف لكل بلد عربي عن تراث عشناه نحن وصدقنا انه باق لنا. فماذا نقول لأحفادنا الذين سيعيشون في أوطان ستكون كلها متاحف لتراث من صنع اجدادهم الذين عبس فيهم الزمن لأنهم قرروا ان يعيشوا الفراق فيما بينهم، فجاء من يصطاد اللحظة ليزيد من نزوح العرب بعد تخريب بلادهم.