- جريدة الوطن - https://alwatan.com -

«الوطن» بالتعاون مع الادعاء العام: المسؤولية الجزائية عن الأخطاء الطبية

وكيل ادعاء عام أول/ خديجة بنت محمد اللواتية

* تمهيد:
لكلّ مهنةٍ، مهما كانت طبيعتُها، أُصولُها وآدابُها التي يتعيّن على كلِّ مُمارسٍ لها احترامها ومراعاة أبجديّاتها، عند ممارسته لها، تحقيقًا للمصالحِ التي تنشدُها؛ وإلّا، تعرَّض للمُساءلةِ التأديبية؛ ورُبما الجزائية، في الوقتِ عينه.
هذه الأُصول والقواعد، درجت العادة على جمعِها ونشرها في قوالبٍ قانونيةٍ مُلزمة؛ ليعلم بها، ليس الممارسون للمهنةِ فحسب؛ وإنما، المستفيدون منها أيضًا.
ومن هذا المنطلق، يُشكّلُ قانون تنظيم مُزاولة مهنة الطب والمهن الطبية المساعدة، رقم:(75 /2019) ـ ومن قبله قانون مزاولة مهنة الطب البشري وطب الأسنان، رقم: (22 /1996) وتعديلاته ـ الأساس الأوّل لتنظيمِ مهنة الطب، وتحديد حقوق مزاوليها والواجبات المُلقاة على أعتاقهم، من حيث ما يتوجب عليهم القيام به، من ناحية؛ وما يُحظر عليهم إتيانِه، من ناحيةٍ أُخرى. فقد جاء القانون ليضع الأطباء، والممارسين للمهن الطبية المساعدة، أمام مسئولياتهم الأخلاقية والمهنية والاجتماعية عند التعامل مع المرضى.
* مفهوم المسؤولية الطبية:
مُراعاةً لمحدوديةِ المساحة الماثلة، سنتجاوز الحديث عن الأصل اللّغوي لمفهوم المسؤولية؛ لننتقل إلى بيان التعريف الاصطلاحي، وفق ما عرّفه الدكتور محمد رواس قلعجي في معجم لغة الفقهاء، حيث أشار إلى أنها:(إلزام شخصًا بضمان الضرر الواقع بالغير، نتيجةً لعملٍ قام به).وفي إضافةِ كلمة الطب إلى مسؤولية، يقتصرُ مدلول المصطلح على المجال الطبي، دون النظر إلى ما سواه من المجالاتِ الأُخرى؛ وبذلك، تخرج المسئوليات غير المتعلقة بالطب.
وبتعبيرٍ موجزٍ، وأكثر دقةً، عرف لنا الدكتور حسان شمسي، والدكتور محمد علي الباز (2004)، المسؤولية الطبية بأنها: ما يترتب على الطبيب وهو يباشر عمله في جسم المريض من تعويضٍ عن الضرر الحاصل عن خطئه؛ أو عقابٍ، لتجاوزه القانون الذي يضبط حدود ما هو ممنوع عليه فعله.
ومن هذا المنطلق، علينا دائمًا أن نستحضرَ حقيقة أن المسؤولية الطبية إنما هي غير عمدية وأساسها الخطأ، إذا ما تسبب بضرر، ولا تقوم إلّا به، وهو الذي يرتب النتيجة التي يجرمها القانون.
ولقد أحسنَ المشرّع صُنعًا إذ أوردَ في القانون السَّاري، لعام 2019م، تعريفات لبعض المصطلحات المهمة التي لم تكن مُعرّفة في القانونين السَّابقين لمهنة الطب، الصّادرين في عامي (1973 و1996)، ومن ذلك مصطلح (الأصول العلمية والفنية)، ومصطلح (المضاعفات الطبية)، ومصطلح (الخطأ الطبي)..
وغيرها الكثير من المصطلحات.
* متى تقوم المسؤولية عن الأخطاء الطبية:
نصَّ المشرع صراحةً في المادة (42) من قانون تنظيم مهنة الطب والمهن الطبية المساعدة، رقم:(75 /2019)، على الآتي:(يُسأل مزاول مهنة الطب، والمهن الطبية المساعدة، عن الأخطاء الطبية التي تقع منه، وتسبب ضررًا للمريض).وفي مُوازاةِ هذا النّص، نصَّ المشرع في المادة (43) على الآتي: لا تقوم المسؤولية عن الأخطاء الطبية، لمزاول مهنة الطب، والمهن الطبية المساعدة في الحالات التالية:
1 ـ إذا بذل العناية اللازمة، واستخدم جميع الوسائل المهيّأة له لتشخيص حالة المريض، وتحديد العلاج المناسب.
2 ـ إذا وقع الضرر لسبب يرجع إلى المريض، أو لسببٍ خارجيّ.
3 ـ إذا اتبع الأصول العلمية والفنية.
4 ـ إذا وقع الضرر بسبب حدوث مضاعفات طبية للمريض.
5 ـ إذا وقع الضرر بقصد تلافي ضرر أشد محقق الوقوع.
* ما هو الخطأ الطبي؟:
لم يكن الخطأ الطبي مُعرّفًا في القانونين السَّابقين للقانون السَّاري؛ لذلك، كان الاعتماد على الشريعة الجزائية العامة، التي حدّدت صورًا للخطأ فحسب، دونما التعريف، وأوردت الصور التالية: الإهمال أو قلة الاحتراز أو عدم مراعاة الأنظمة.
وعند التعامل مع صور الخطأ هذه، كان يؤخذ في الاعتبار الراجح فقهًا وقضاءً في مفهوم الخطأ، المتمثل في الآتي:(إخلال الجاني عند تصرفه الإرادي بواجبات الحيطة والحذر التي يفرضها المشرع على كافة الأفراد فيما يباشرونه من أفعال، حرصًا على الحقوق والمصالح التي يحميها القانون، وعدم حيلولته تبعًا لذلك دون إفضاء سلوكه لإحداث النتيجة المعاقب عليها).عرفت المادة (1) من القانون السّاري الخطأ الطبي بالآتي:(أيّ إجراء طبيّ بالفعل أو بالترك، لا يتفق مع الأصول العلمية والفنية، ويُحدث ضررًا للمريض، ولا علاقة له بالمضاعفات الطبية).
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الخطأ الطبي يتحقّق، إذا قام الطبيب بمباشرة مهنته على نحوٍ لا يتفق مع الواجبات التي تقتضيها مُمارسة المهنة، وكذلك القواعد العامة للحيطة والحذر التي يتقيّد بها عامة الناس، فتترتب على مسلكه نتائج ضارة، كان يمكن لطبيب مُعتاد تفاديها. ومن أمثلة ذلك، تصرف الطبيب على نحو يخالف الأصول العلمية والفنية المقررة والثابتة في مهنة الطب.
أيضًا، فإن قواعد الأصول العلمية والفنية هذه لم تكن معرفة في القانونين السَّابقين للقانون الحالي، فكان يؤخذ بما استقر عليه الفقه والقضاء من أنها تلك المبادئ والقواعد الأساسية الثابتة والمستقرة نظريًا وعمليًا بين أهل مهنة الطب، بحيث لم تعد محلاً للجدل والمناقشة بينهم.
أتى القانون السَّاري، فعرّف قواعد الأصول العلمية والفنية في المادة (1) بالآتي:(القواعد والأعراف المتفق عليها، والمتوافقة مع المعايير العلمية المقررة في مجال مزاولة مهنة الطب، أو المهن الطبية المساعدة).
* وسائل إثبات الخطأ الطبي:
من المقلق فعلاً القول إن مُنحنى الأخطاء الطبية في ارتفاع عالميًا، والإصابات تُلامس أعدادًا كبيرة.
بفضل الله تعالى، فإن الوضع أفضل حالاً لدينا في السلطنة؛ ومع ذلك، نلامس على أرض الواقع العديد من الإجراءات الاحترازية التي تباشرها وزارة الصحة لدينا، للحيلولة دون الوقوع في هذا المنزلق المهدد للصحة العامة.
العديد من الندوات والمؤتمرات نظمتها الوزارة، كما شارك الادِّعاء العام بأوراقِ عمل، مُبينًا فيها المسؤولية الجزائية للأطباء والكادر المساعد، في عددٍ منها، وباللغتين (العربية والإنجليزية).إحصاءات الادِّعاء العام تكشف عن وقوع بعض الأخطاء الطبية، أودت بحياة المرضى أو كانت سببًا في زيادة معاناتهم.
والأصل أن إثبات الخطأ الطبيّ جائز بكافة طُرق الإثبات، بما فيها الخِبرة وشهادة الشهود والقرائن القضائية والكتابة، حيث يقع على عاتق المتضرّر إثبات خطأ الطبيب، وهذا يمكن تحقُّقه بالاعتماد على كلّ وسائل الإثبات.
ولكي يتحقّق القاضي من وجود خطأ طبيّ أكيد، ارتكبه الطبيب، عن رعونةٍ وعدم تبصُّر؛ فمن الضروري أن يكون الخطأ ثابتًا ثبوتًا قطعيًا أكيدًا، وليس مُجرّد تخمين؛ لذا وُجِبَ أن يستند الإثبات إلى وقائع دقيقة، وليس إلى مُجرّد مُعطيات، قابلة لإثبات العكس.
غير أن طرق إثبات الخطأ الطبي تختلف باختلاف طبيعتها من حيث كونها أخطاء ذات طابع فني، فلابد من الاستعانة بخبرةٍ فنية لتحديد عناصر الخطأ.
وعليه، فبالنظر إلى الشكاوى التي ترد إلى الادّعاء العام، وحرصنا على مُراعاة وقت الأطباء الثّمين، وكذا الحال بالنسبة لوقت القائمين بالأعمال الملازمة لمهنة الطب، فلا يتم استدعاءهم للتحقيق في أروقة الادّعاء العام؛ إلا بعد إحالة الشكوى إلى وزارة الصحة، للإفادة برأيٍ فنيٍّ حول الشكوى.
مُنوهين بأن الجهة الفنية المعنية بإعطاء كلمة الفصل في هذا النوع من الشكاوى، وتحديد مدى قيام الخطأ، وكذا المسئولية، تبعًا لذلك، هي اللّجنة الطبية العليا، وفق ما جاء في مقتضيات المادة (47) من القانون السّاري، التي تعدُّ طرفًا مُحايدًا في الدّعوى؛ إذ أن اللجنة تتكوّن من مجموعة من الأطباء، من المؤسسات الصحية الحكومية (المدنية والعسكرية) والخاصة، لا تقل وظيفة أيٍّ منهم عن درجة استشاري، وفق التوضيح الذي أورده المشرع في المادة (46) من القانون. تختص اللجنة الطبية العليا، وفق ما جاء في المادة (47) من القانون، بتقرير ثبوت الخطأ الطبي من عدمه، في الحالات التي تُعرض عليها من الادّعاء العام، أو المحكمة المختصة أو الوزير.
وتنفيذًا لهذا المقتضى القانوني، تعمل اللجنة العليا على بيان سبب الخطأ الطبي، والأضرار المترتبة عليه، إن وجدت، وعلاقة السّببية بين الخطأ والضرر، وأية أمور أخرى يُطلب منها؛ ذلك لأن الخطأ الطبي قد يكون واقعًا فعلاً، إلا أنه لم ينجم عنه ضررٌ؛ فلا تترتب على مُحدثه المسؤولية الجزائية؛ وفي الموازاة، قد يقع الخطأ فعلاً، وينجم عنه الضرر؛ إلا أن هذا الضرر لم يكن نتيجة مُباشرة للخطأ؛ وذلك بتدخُّل عاملٌ آخر، لا شأن له بخطأ الطبيب، أدى إلى حدوث النتيجة؛ وهو ما يعبر عنه في لغة القانون بانقطاع الرابطة السّببية بين السلوك الخاطئ والنتيجة.
فالادعاء العام يتدخل بالتحقيق مع الطبيب، وفق ما جاء في المادة (39) من القانون، متى ما أكدت اللجنة الطبية ثبوت الخطأ الطبي؛ ويشمل التحقيق التأكد من قيام علاقة السّببية بين الخطأ والضرر، وفق البيان المتقدم. وعليه، فإن تدخل الادعاء لا يعني بالضرورة التقرير بالاتهام، كون أن رأي الفني للّجنة الطبية العليا ليس ملزمًا لسُلطة التحقيق.
* حالات للتأمل:
إن مُساءلة الطبيب عن أخطائه الطبيّة، ثبتت في عددٍ من الدَّعاوى التي بسطت على الادِّعاء العام؛ كما أن هناك، في المقابل، مجموعة أخرى قرّر فيها الادّعاء العام حفظ التحقيقات لأسبابٍ كثيرة، منها السَّبب الذي أشرنا إليه فيما تقدم، لانقطاع الرابطة السببية بين السُّلوك والنتيجة؛ ومنها اكتفاءً بالجزاء الإداري، وغير ذلك من الأسباب؛ مع ملاحظة أننا عندما نُقرِّر الحفظ، إنما نضع في حُسباننا أقرب القرارات إلى العدالة؛ ويبقى للمُدّعي بالحق المدني أو ورثته الحق في التظلُّم من قرار الادّعاء العام أمام القضاء؛ فلا ضررَ من الحفظ، ولا ضِرار.
* نورد تاليًا بعض الأمثلة للقضايا التي تعامل معها الادِّعاء العام:
أولاً: الخطأ في صرف الدواء: طفلٌ مُصاب بالإسهال، وصل برفقة والده إلى أحد المراكز الصحية، فوصف له الطبيب دواءً بخط اليد على ما يسمى بـ(الروشيتة)، بخطٍ غير واضح، ولوجود تقارب في الاسم العلمي بين الدواء المحدّد للإسهال، ودواء آخر لعلاج الصَّرع؛ صَرفت له الصيدلانية خطأً هذا الدواء الأخير، دونما التأكد من الأب عمّا يعانيه ابنه، وفق ما يقتضيه واجب الحرص والحيطة في صرف هكذا نوع من الأدوية.
عقب سويعات معدودة، انتبهت الصيدلانية للخطأ الذي وقعت فيه، فبادرت بالاتصال بوالد الطفل، في محاولةٍ منها لمنع تحقُّق الضرر؛ وذلك بأن طلبت من الأب دم إعطاء الدواء لابنه؛ وعندما علمت بأن الابن المريض تناول الدواء فعلاً؛ أرسلت له سيارة إسعاف، دونما تباطُؤ، وتابعت بنفسها تجهيز غرفة العمليات، فتحقق لها إجراء غسيل معدة للمريض في الوقتِ المناسب؛ وهو الأمر الذي حال بين الخطأ وتحقق الضرر؛ فقرر الادعاء العام، رغم تأكيد اللجنة الطبية العليا بثبوت الخطأ على الصيدلانية، حفظ التحقيق، اكتفاءً بالجزاء الإداري.
ثانيًا: صرف دواء دون إجراء فحص الحساسية: وهذا مريضٌ يُعاني من الرَّبو، وصل أحد المستشفيات لمعاناته من مَغصٍ شديدٍ لازمه منذ أسبوعين، فوجّه الطبيب الممرضات، شفاهةً، بحقن المريض بحقنة (الأولفين) المحظورة عليه بسبب الرّبو، دون أن يُبادر بإجراء فحص الحساسية عليه، أو أن يطلع على ملفه المرضي، فنفذت الممرضتان التوجيه دون إجراء الفحص اللازم، على الرغم من علمهما المسبق بإصابته بالربو؛ الأمر الذي أدى إلى تدهور حالته الصحية، وإصابته بجلطةٍ دماغية فور إعطائه الحقنة ووفاته.
قرّر الادّعاء العام بعد التحقيق ودراسة تقرير اللجنة الطبية الفنية الأولى، إحالة الطبيب والممرضتين إلى المحكمة واتهامهم بالتسبب عن غير قصد في قتل المريض، وذلك عن إهمال وقلة احتراز، وعدم مراعاة الأنظمة المتبعة؛ وجاء حكم المحكمة بإدانة الطبيب ومعاقبته بالسّجن لمدة سنة وتغريمه، وإلزامه بالتضامن مع صندوق التعويضات عن الأخطاء الطبية بأداء الدية الشرعية لورثة المريض، بالإضافة إلى أتعاب المحاماة؛ وبراءة الممرضتين مما نُسب إليهما من اتهام.
ثالثًا: محلول وريدي مُنتهي الصّلاحية: صرف مُمرضٌ قانونيّ محلولاً وريديًا (سقاية) لمريضٍ، فاكتشف أحد أقربائه بالصّدفة المحضة أن المحلول مُنتهي الصّلاحية منذ شهرين؛ وجاء هذا الاكتشاف بينما كانت إبرة المحلول متصلة بالوريد فعلاً، وأخذ المريض قدرًا لا يُستهان به من المحلول.
جاء تقرير اللجنة الطبية ليؤكد قيام الخطأ الطبي من المُمرّض؛ ويؤكّد، في الوقت عينه، عدم تحقق الضرر؛ ذلك لأن صلاحية المحاليل الوريدية تمتد عادة لحوالي ستة أشهرٍ بعد انتهاء الصّلاحية المدونة على العُبوة، فكان تصرف الادّعاء العام بأن اتجه إلى حفظ التحقيقات، اكتفاءً بالجزاء الإداري؛ واكتفاءً بما اتخذ ضد الممرض من إجراءات الضبط والتحقيق، والتي اعتقدناها كافية لتحقيق الرّدع الخاص والردع العام، في آنٍ معًا.
رابعًا: إجراء قيصرية في مركز صحي: حاملٌ في الخامسة والثلاثين من عُمرها، حضرت إلى أحد المراكز الصحية، في حملها السّادس، وكان عمر جنينها سبعة وعشرون أسبوعًا (نهاية الشهر السّادس تقريبًا)، تشكو من ألمٍ في البطن، وكان حملها مُصنّفٌ بدرجة (الخطورة العالية) نتيجة المشيمة المتقدمة أسفل الرّحم، ولوجود تاريخ طبي بإجراء عملية قيصرية في السّابق لوفاة الجنين داخل رحمها، وارتفاع في ضغط الدم أثناء فترة حملها.
عانت المريضة من آلام المخاض، وكان ينبغي على الطبيب عدم قبول إجراء عملية قيصرية للمريضة في المركز الصحي؛ وتحويلها، بدلا من ذلك، إلى مُؤسسة صحية ذات رعاية أعلى بالنظر إلى الحالة الخاصة للمريضة، حسب البيان المتقدم.
أخضعت المريضة لولادة قيصرية، نتج عنها نزيف حاد، تمت معالجته بوحدة واحدة فقط من الدم، وهي غير كافية في مثل هذا القدر من النزيف.
قرر الأطباء على إثره تحويلها إلى المستشفى؛ إلا أن سيارة إسعاف المركز، لم تكن في وضعية الاستعداد؛ كما اتضح، بعد التأخير في التحرك، أن جهاز مراقبة القلب بالمركبة لم يكن يعمل، وبعد وصول المريضة إلى المستشفى، أجريت لها الإسعافات اللازمة؛ إلا أن الأطباء لم يتمكنوا من إنقاذها، وتم الإعلان عن وفاتها.
جاءت نتيجة تقرير اللجنة الطبية العليا بوجود خطأ طبي عند القيام بالتدبير العلاجي لهذه الحالة، وأن المسؤولية تقع على عاتق اثنين من الأطباء.
وبعد التحقيق في الواقعة، أحال الادّعاء العام الطبيبين إلى المحكمة بالإهمال والتقصير وعدم بذل العناية؛ لأنهما أهملا وقصّرا ولم يبذلا العناية اللازمة عند قيامهما بالتدبير العلاجي للمريضة، وقضت المحكمة بإدانتهما ومعاقبتهما بالسّجن لمدة ثلاثة أشهر وتغريمهما، وإلغاء الترخيص الصادر لهما نهائيًا، وإغلاق المركز الطبي لمدة ستة أشهر.
خامسًا: امرأة في حملِها الأول، تبلغ من العُمر (26) عامًا، حضرت إلى قسم الطوارئ بأحد المستشفيات تشكو من ألم في البطن، وحيث تم فحصها وأظهرت الأشعة الصوتية عدم وجود أيّ حملٍ داخل الرّحم، وكان هرمون الحمل مُرتفعًا، في الوقت نفسه، فتمّ تشخيص حالتها على أنها حملٌ خارج الرّحم، وأعطيت إبرة (الميثوتريكسيت)، ووضعت تحت الملاحظة؛ ثم أعيد فحس هرمون الحمل، الذي ظهر أنه لا يزال مُرتفعًا، فتم إعطائها الجُرعة الثانية من (الميثوتريكسيت)، تكملة لعلاجها؛ وبعد عدّة أيام، حضرت المريضة إلى قسم الطوارئ وهي تشكو من ألمٍ شديدٍ في البطن، فكشفت الأشعة الصوتية أنها تعاني من انفجار الحمل خارج الرحم؛ فتم على إثره إجراء عملية لقناة فالوب اليُسرى عن طريق المنظار.
تقرير اللجنة الطبية العليا أورد ما مُؤدّاه أن المريضة تلقت رعاية طبية جيدة، وأن ما حصل لها من انفجار الحمل خارج الرحم، يُعدّ من المضاعفات المتوقعة الحدوث في مثل هذه الحالات؛ سيّما إذا ما قرّرت المريضة اتباع طريقة العلاج بالأدوية وتجنب الخيار الجراحي؛ وقرر بالتالي أنه لا وجود لأيّ خطأ طبيٍّ؛ فقرّر الادِّعاء العام، في ضوء ذلك، حفظ التحقيقات لعدم الجريمة.
سادسًا: حامل تبلغ من العمر (25) عامًا، رُقِّدَت في غرفة الولادة بأحد المستشفيات وكان عمر جنينها ثمانية وثلاثين أسبوعًا (أي في الشهر التاسع)، مع آلام ولادة مُبكرة، وصنفت حالتها كحالة حمل ذات مخاطر عالية؛ نظرًا لخضوعِها لعملية قيصريّة سابقة؛ إلا أن ما أثار القلق أنه لم يتم تسجيل قراءة نبض قلب الجنين وتقلصات الرحم نتيجة فقدان الاتصال؛ لأن الأم كانت تُعاني من حالة اضطراب مع وجود ألم مُستمر في البطن، ولم يتم إبلاغ الأطباء بذلك من قِبَل القابِلة إلّا مُتأخرًا؛ كما وقد كان هناك ظهور غير مُعتاد لأجزاءٍ رخوة عند الفحص المهبلي، ممّا يشير إلى احتمالية تمزق الرّحم؛ إلّا أنه لم يتم تقدير هذه الإشارات من قبل الطبيبة، وانقضى الوقت في عمل التصوير بالموجات فوق الصوتية، بعدها تم اتخاذ قرار إجراء عملية قيصرية، وأثناء العملية تمّ الكشف عن تمزقٍ بالرّحم وانفصال المشيمة؛ فأخرج للأم جنينًا ذكرًا بدون بكاء وعدم وجود معدل ضربات القلب أو تنفس عفوي.
عانى المولود من نقص الأكسجة الدماغية الذي تسبب باعتلال دماغي من الدرجة الثانية والثالثة مع شلل دماغي.
رأت اللجنة الطبية العليا بأن هذه الحالة تم إساءة علاجها بسبب الفشل في اكتشاف تمزُّقِ الرّحم حينه بالرغم من المضاعفات والإشارات التي توحي بذلك، والذي أدى إلى نقص الأكسجة الدماغية.
بعد التحقيقات المجراة في الدعوى قرّر الادّعاء العام إحالة الطبيبة والقابلة إلى المحكمة كونهما تسببتا عن إهمال في إيذاء المولود ووالدته، وذلك نتيجة عدم قيامهما بإبلاغ الطبيب الاختصاصي بفقدان الجهاز الموصول للأم الكاشف عن نبضات الجنين خلال المدة المحددة بروتوكوليًا، ممّا أدى إلى تمزّق رحم الأم وولادة الطفل وبه اعتلال دماغي من الدرجة الثانية والثالثة، ومخالفتهما لقانون مزاولة مهنة الطب البشري وطب الأسنان، رقم:(22 /1996)، الذي كان ساريًا في وقت وقوع القضية، وتوقف العمل به في عام 2019م، عندما صدر القانون الحالي.
وبهذا، قضت المحكمة بإدانة الطبيبة والقابلة بالتسبب عن إهمالٍ في الإيذاء ومخالفتهما قانون مزاولة مهنة الطب البشري وطب الاسنان، ومعاقبتهما بالسّجن شهرا واحدًا، وتغريمهما، مع وقف تنفيذ عقوبة السّجن.
أخيرًا: امرأة حامل للمرة الأولى، تبلغ من العمر (32) عامًا، راجعت أحد المستشفيات في الأسبوع التاسع والثلاثين من الحمل، وكانت تشتكي من آلام المخاض المبكر، ولم تظهر في حالتها أيّة مُؤشرات خطيرة، إلّا أنه تقرر لاحقًا إجراء عملية قيصرية عاجلة بسبب طول المرحلة الثانية من الولادة، وتم إجراء العملية، دون حدوث أية مُضاعفات، خلال الجراحة.
وبعد ثلاثة أيام، خرجت المريضة من المستشفى دون المشورة الطبية، وبعد ذلك بأربعة أيام، من لحظة خروجها المستشفى، عادت إلى المستشفى وكانت تشتكي من نزيف مهبليٍّ غزير، وتم اتخاذ التدابير المناسبة لإنعاشها؛ إلّا أن النزيف استمر بغزارته؛ فتم إجراء عملية فتح البطن لها والمزيد من التدخل الجراحي اللازم، وتم إبقاء المريضة تحت المراقبة الدقيقة؛ إلا أنها وبعد سبعة أيام أصرت مُجدّدًا على الخروج دون المشورة الطبية؛ وبعد أربعة أيام، عادت إلى المستشفى وهي تشكو من نزيف مهبلي حاد؛ فتقرر استئصال الرحم.
قررت اللجنة الطبية العليا عدم وجود سوء مُعالجة لهذه الحالة، فكان تصرف الادعاء العام بأن اتجه إلى حفظ التحقيقات لعدم الجريمة.
* الخلاصة:
يكادُ يجمع الفقه والقضاء على أن التزام الطبيب في علاج المريض هو التزام ببذل عناية في السَّعي إلى شفاء المريض والعناية به؛ لا بتحقيق نتيجة.
فإذا التزم الطبيب بأصولِ مهنته في العلاج، ووقع الضّرر، لا يُعد مسؤولاً عن الضرر، ولا يطالب بجبره.
وعليه، فإن خطأ الطبيب هو الأساس في مساءلة الطبيب.
فإذا لم يبذل الطبيب العناية المطلوبة في مهنته لعلاج المريض يكون قد ارتكب خطأً، يسأل عنه إذا لحق المريض ضرر، أما إذا لحق المريض ضرر ناجم عن مضاعفات غير متوقعة أثناء إجراء العلاج أو العملية الجراحية، أو لم يتوصل الطبيب إلى شفاء المريض على الرغم من مراعاته أصول المهنة، وتسبّب ذلك بإضرار المريض؛ فلا يُسأل الطبيب.
كما وقد استقر الفقه والقضاء على أن المسؤولية الجنائية للأطباء، والكادر المساعد له، تقوم على كلّ خطإٍ ثابتٍ في حقّهم على وجه اليقين، ولا يثبت الخطأ إلّا إذا خالف الطبيب الأصول والمبادئ المستقرة في علم الطب؛ سواء كان ذلك الخطأ فنيًا أو عاديًا، جسيمًا أو يسيرًا (أسامة قايد، 1991)؛ وهنا تكمن أهمية اللجنة الطبية في تحديد هذه المتطلَّبات الضرورية في تحديد المسؤولية.
وعليه، فإن الخطأ الطبي الموجب للمسؤولية والذي يُسأل عنه الطبيب هو ما كان عائدًا إلى الجهل بأمور فنية يفترض عدم الجهل بها، أو كان عائدًا إلى الإهمال وهو عدم القيام بما هو مطلوبٌ على الوجه السّليم، بانحراف الطبيب عن السّلوك الطبي العادي المألوف، وما يقتضيه من يقظةٍ وتبصُّرٍ وإخلال بالواجبات التي تفرضها عليه مهنته في عدم مراعاة الأصول والقواعد العلمية المتعارف عليها في علم الطب، وإغفال بذل العناية التي كان باستطاعة الطبيب القيام بها.
الهدف لا يكمن في مُحاسبة الطبيب وتهديده في مهنته؛ وإنما في جبر الضرر الذي لحق بالمريض، فصون الإنسان وماله واجب على كل فرد وواجب على المجتمع، وخاصة جسد الإنسان الذي يحميه القانون، وتدخل حمايته ضمن الحقوق الأساسية للإنسان.

* أهم المراجع:
د.
أسامة عبد الله قايد: المسئولية الجنائية للأطباء، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، 1991م، بند 173، ص (214 ـ 215).د.
حسان شمسي باشا، د.
محمد علي البار: مسئولية الطبيب بين الفقه والقانون ص (97)، طبعة دار القلم، بيروت، 2004م.
د.
قيس آل الشيخ: التداوي والمسئولية الطبية ص (18).د.
رواس قلعجي: معجم لغة الفقهاء، ص 425، ط(1) دار النفائس بيروت.

* نقّح المقال، وراجعه للنشر الصحفي مُساعد المدَّعي العام/ ناصر بن عبدالله الريامي.

* المقال الماثل سبق نشره في العدد (2) من مجلة (المجتمع والقانون)، الصادرة عن الادعاء العام.