الجمعة 14 مايو 2021 م - ١ شوال ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / حوارات وتساؤلات في الحارات العمانية وهمُّ السياحة في مقدمتها (2ـ3)

حوارات وتساؤلات في الحارات العمانية وهمُّ السياحة في مقدمتها (2ـ3)

سعود بن علي الحارثي

محطتنا قبل الأخيرة كانت في حارة “اليمن” بإزكي، وسوف أنقل ما وثَّقته اللوحة المعدنية السياحية التي نُصبت أمام مدخل بوابتها الرئيسية “تشير الدراسات التاريخية إلى أن حارة اليمن تُعد من أقدم المستوطنات البشرية في عمان كونها جزءا من واحة إزكي التاريخية التي توجد إشارات إليها في ما يسمى بنقوش “ألواح عشتار”، الخاصة بالملك “آشور بانيبال”، وذلك حوالي ٦١٠ قبل الميلاد، وقد مرَّت الحارة بتطوُّرات وعمليات هدم وإعمار كان آخرها في مطلع القرن الثامن عشر الميلادي في عهد اليعاربة، وللحارة أمجاد وملاحم سطرها أبناؤها على صفحات التاريخ العماني”. أُسست الحارة على قمة تلة تطل على وادي حلفين والمساحة الخضراء من بساتين النخيل وأشجار الحمضيات وغيرها المحيطة به. وبحسب ما جاء في التعريف المشار إليه، فالحارة تحتوي على “جامع إزكي القديم ـ مسجد بني سبت ـ قلعة اليعاربة ـ عدد من المجالس “السبل” الأهلية ـ أبراج وتحصينات دفاعية وسور” وبوابات لمداخل ومخارج الحارة، وقد بنيت جميع بيوتها ومرافقها بالطوب الطيني. حارة اليمن تختلف عن الحارات الأخرى التي زرناها فعلا، من حيث سعة طرقاتها وأزقتها، وضخامة مرافقها وعدد طبقات بيوتها، وبُنيت على مساحة شاسعة وفي موقع استراتيجي ساحر. كنت أسير بين البيوت وأطوف بصحن الجامع وأتجول داخل مدرسة القرآن، وأتأمل الساحة الخارجية التي تتوسط الحارة وأدور في الأزقة، وأتحسس الجدران، وأتخيل الهمسات والأصوات والأحداث والمواقف والشخصيات في هذه الحارة عندما كانت عامرة بالناس، وأعود لأتحاور مع أصدقاء الرحلة، وأكرر ذات العبارات من جديد، وكأن مسًّا من شيطان أصابني والزمن يؤرجحني بين الماضي الغابر والحاضر المعاش، ولا أدري أين أنا بينهما؟ ففي هذه المنازل والمساجد والساحات والأزقة ومدارس العلم… وفي باطن هذه الحارة، التي كانت عامرة تضج بالحركة والأصوات والنشاط قبل عقود من الزمن، أحلام وطموحات، أفكار ورؤى ومعالجات، خصومات وصراعات ومصالحات، مناقشات وحوارات وهمسات، خطط وبرامج ومؤامرات، أعراس وأفراح وولادات ووفيات وأتراح، صداقات وعداوات وعلاقات وفراقات، أحداث ومواقف ومشاهد سياسية واقتصادية واجتماعية، رخاء وشدائد، خصب وقحط، سلم وحرب، علماء وطلبة ووجهاء وطبقات اجتماعية متعددة ونشاطات حياتية لا حصر لها، أرواح وأجيال عبرت هذا المكان، نزلنا ها هنا ثم ارتحلنا * كذا الدنيا نزول وارتحال، أين كل ذلك الصخب والبشر والحياة بتفاصيلها وكائناتها ومقومات عيشها؟ أكَلُّه تبخَّر وتلاشى وانتهى وكأن شيئا لم يكن؟ ولولا هذه الأطلال التي تقول لنا بقول فصيح: كانت هنا حياة، لما علمنا وعرفنا، ولما كنا الآن هنا. فهذه الحارات والأطلال والمعالم محفزات ومنشطات للأجيال وجهات الاختصاص للبحث والتنقيب وإعداد الدراسات والترميم والتجديد، وتوظيف هذا الإرث العظيم والتاريخ المجيد لخدمة عمان ومستقبلها، والإضافة على هذه المكاسب أخرى جديدة لتتواصل الحضارة ونمضي قدما نحو مستقبل مشرق آمن. بعد أن أتممت وضوئي لصلاتي الظهر والعصر سفرا، من فلج “الأخطم” بقرية “مقزح” التابعة لولاية إزكي، ولتقريب المسافة بيني وبين شيخ مسن ظهر فجأة من بين غابة النخيل وبادلني التحية والسلام والمناشدة عن الأخبار والعلوم ومن “أي القبائل نحن؟” ومن “أين أقبلنا؟” وإلى “أين مسيرنا؟”، وإصرار لا يقبل المهادنة على تقديم الضيافة لنا، على عادة العمانيين المعروفة، ساعتها تراءت لي من بين البساتين والأشجار المحيطة بقايا أطلال وجدران من طين ومبنى قديم كأنه مرمم لكنه منفصل عن الأطلال الملاصقة له، وبين انشغال وتفكير في كيفية التخلص من إلحاح الشيخ وإصراره على إكرامنا ولو بقهوة “على الأقل” إن لم يكن عشاء وهو “أقل ما يمكن أن يقدمه لضيوف قريته”، وبين التعلق بمشاهداتي الصدفة والآثار التي تشدني بقوة لاكتشافها وما إذا كانت حقيقة هي أم خيالا؟ وتبين أهميتها التاريخية، تخلصت بعد جهد جهيد من عزيمة الشيخ، وأسرعت الخطى إلى المبنى المرمم فإذا بقدمي تتوقف داخل جامع ينتمي إلى عصور قديمة جدا، وقد تم ترميمه وصيانته والحفاظ على محرابه الأثري الذي يتزين بنقوش وآيات قرآنية بالخط الكوفي، يتكون الجامع من ساحة خارجية واسعة، أما الصحن الداخلي فينقسم إلى جزءين يفصل بينهما عقود وأقواس وأعمدة، وتلتصق به حارة قديمة من عشرات المنازل المتهدمة. للأسف لا توجد لوحة معدنية تُعرِّف بالمكان والجامع والحارة وتاريخها، ولولا المصادفة ما كنا لنكتشف هذه المعالم والآثار التاريخية الثمينة، وغادرنا المكان ولا نملك معلومات عنها. وفي بحثي عن تاريخ هذا الجامع حصلت على معلومات قيِّمة وردت في تقرير نشرته “جريدة عمان” عنه، أشار إلى أن محراب الجامع “يمتاز بجمال النقوش الكتابية والهندسية، حيث أبدع النقاش علي بن طالب بن مشمل صانع هذا المحراب، الذي انتهى منه عام 1029هـ/‏1619م، ولم يغفل الصانع أن يذكر اسم القائم على المحراب بالمساعدة وهو: خلف بن راشد بن سالم الريامي”. ما يعني أن عمره يتجاوز الـ”٤٠٠عام”. بعدها بأيام قليلة وفي تجربة سياحية أخرى، سلكنا بمعية أسرتي طريق الرستاق ـ الحمراء عابرين وادي بني عوف في طريق ترابي وعر وشاق وخطر يرفعنا شيئا فشيئا إلى قمم الجبل الشرقي بتضاريسه المتنوعة، شكلا ولونا وطبيعة وارتفاعا شاهقا وانخفاضا، فهنا الجبال كأنها نحتت بيد فنان ماهر، وتلك تمتلئ بالكهوف والمغارات، أو على شكل أهرامات صنعت بيد البشر، وثالثة ذات لون رمادي والتي تستقبلنا تمزج الأحمر بالأسود، فيها الصلب الحاد ومنها المقعر والأملس واللين وهكذا… وسيارتنا “الجيب” التي يقودها ابني محمد بكل حنكة واقتدار ترتفع بنا إلى السماء وتنزل فجأة إلى القاع ونحن في ترنح وتأرجح من اليمين إلى الشمال أو العكس، مؤملين ومستطلعين ذلك الضوء الذي قد يلوح في أية لحظة بعد نهاية نفق دخلناه بإرادة منا، وفي الزيارة السابقة قبل سنوات وصفت هذا الطريق موثقا المشهد: “… بدأت المركبة ذات الدفع الرباعي بالصعود التدريجي ولا قدرة لغيرها من السيارات مواصلة المسير هنا، وزادت مع هذا الارتفاع معدلات الخطر، ارتفعنا وانخفضنا عشرات المرات, ومع حركة السيارة ومسار الطريق المتسم بالوعورة وبالانحدارات الشديدة والمنعطفات الحادة والمخاطر المتكررة التي نصادفهـا، فقد ارتطمت أجسادنا بسطح السيارة وجسمها الحديدي مرات ومرات، وكاد الخوف أن يقتلنا قبل أن نصل إلى الموت الحقيقي الذي يحيط بنا من كل جانب ونستشعره في كل مكان هنا في سلسلة الجبل الشرقي، خصوصا بعد أن وجدنا أنفسنا معلقين بين السماء والأرض في طريق وعر وضيق تحيط به الأخاديد والأودية الساحقة في موقف يُعد فيه الراكب بأن أي حركة غير محسوبة أو خطأ ما يرتكبه السائق يعني موتا محدقا قد يكلفنا الحياة. ما هذه المغامرة غير المحسوبة؟ ولماذا استسلمنا لفكرة عابرة بزيارة هذه المنطقة دون خبرة أو إلمام بهذا الطريق ومخاطره المبهمة؟ متى سينتهي هذا الكابوس الذي أوقعنا فيه أنفسنا؟ أوليس لهذه الجبال المغلقة والأخاديد الساحقة والأودية الملتوية من نهاية؟ لماذا بات الزمن ثقيلا بطيئا لا يكاد يتحرك؟ إلى أين سينتهي بنا المطاف؟ كانت الأنظار مركزة جهدها في الاتجاه الذي تسلكه السيارة تتشبث بأمل أن ترى قرية أو مدينة أو مؤشرا على أننا قد اقتربنا من وجهتنا أو نهاية لهذا الطريق المميت، بعد جهـــد جهيد ها نحن نصل إلى لوحـة معدنية كتب عليها (بلد سيت)……” تحتشد قرى وادي بني عوف وبلاد سيت وهاط والحمراء وبهلاء بالمواقع السياحية والمعالم الأثرية والحارات القديمة والقلاع والأبراج والبوابات والأسوار الحصينة، والأفلاج المنسابة سواقيها بين الحارات وفي سفوح الجبال والمزارع، والطبيعة الخلابة والريف الأخضر ببساتينه المزدانة بالنخيل والأشجار المثمرة من كل صنف والزراعات الموسمية… وكانت السماء صافية بزرقة داكنة والنسائم الباردة تنشر في أنحاء الأمكنة التي نتوقف فيها ونزورها رائحة العشب البري وزهور البل وطلع النخيل الذي آن أوانه في هذه الأيام، توقفنا في قرية “بلاد سيت” والتقطنا جملة من الصور في مواقع استراتيجية تطل على المدرجات الزراعية وغابات النخيل وبرجها القديم وقمم الجبال التي لطالما احتمت وتحصَّنت بها في الماضي من مخاطر المتطفلين وشرورهم وهجمات الأعداء… قرية “بلاد سيت” سياحية بامتياز تتوافر فيها جميع مقومات ومكونات السياحة، تحتاج إلى طريق معبَّد واستثمارات سخية لتوفير خدمات سياحية رائدة وجاذبة. من مبشرات هذه الرحلة ما وجدناه أثناء توقفنا في قرية “مسفاة العبريين”، فقد استثمر شبابها بيوت الحارة القديمة وحولوها إلى نزل ومطاعم ومقاهٍ ومعروضات للحرف اليدوية والمقتنيات القديمة، وأضافوا الكثير من اللمسات الجمالية عالية الجودة عليها، مما يقدم نموذجا ومحفزا للشباب ورواد العمل وأصحاب المبادرات المجتمعية لاستلهام هذا النهج في القرى والأماكن السياحية التي يرتادها السياح خصوصا، عشنا وقتا جميلا مبهجا بين أحضان الطبيعة تطل علينا غرف وشرفات المنازل القديمة في مقهى “روغان كافيه” ـ الذي يعمل فيه شباب عمانيون ـ مع فناجين القهوة وتشكيلات من الحلويات اللذيذة. الخلاصة التي نستنتجها أن عمان تتفرد بتنوع وثراء سياحي يشكلان ثروة حقيقية، ما تحتاجه السياحة بحق أن يستثمر فيها بسخاء لتوفير الخدمات وترميم الحارات القديمة بلمسات جمالية حديثة، وتقديم حزمة من المحفزات للقطاع الخاص وتشجيعه على الإقبال على توظيف أمواله في هذا القطاع الواعد والترويج لها عالميا بحزم وأدوات مدروسة لضمان استقطاب نسبة من السياح من أنحاء العالم وفق نسبة نضمن ارتفاعها كل عام.

إلى الأعلى