الجمعة 14 مايو 2021 م - ١ شوال ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: نحو تقوية منظومة التكافل الاجتماعي في المجتمع
في العمق: نحو تقوية منظومة التكافل الاجتماعي في المجتمع

في العمق: نحو تقوية منظومة التكافل الاجتماعي في المجتمع

د. رجب بن علي العويسي:
يتخذ التكافل الاجتماعي مكانة متميزة في منظومة التشريع الإسلامي، فالإسلام دين التكافل والإنسانية والرحمة، أوصى بالإنسان خيرا، وأمر بالبر والإحسان، وكفالة الأيتام، ورعاية ذوي الحاجة، والوقوف معهم، وأسس مفهوما حضاريا متكاملا للتكافل الاجتماعي قائما على استشعار المسؤولية، واحترام الآخر وتقديره والاعتراف بحقوقه، والتزام الواجبات نحوه. ولمَّا كان الإنسان مدنيا بطبعه، اجتماعيا بفطرته، جاء الشرع الحنيف منظما لسلوكه، راسما طريق القوة والتميز في مسار علاقاته الإنسانية، وتواصله الاجتماعي، وترقية نوازع الخيرية وقِيم المعروف فيه، مساحة أمان لبناء مجتمع المودة والحب، والعطاء والتضامن، والأمن والسلام، والتعايش والوئام، ودعم أواصر الاستقرار الاجتماعي والتماسك المجتمعي، وتأصيل قِيم التضامن والتآزر بين مختلف فئات المجتمع العماني، في ظل ما يوفره من رادع تشريعي ورقابة ذاتية تحمي المجتمع من الاستغلال السلبي، ويحفظ فيه حقوق الآخرين، ويحافظ على استدامة مواردهم وممتلكاتهم. ولسنا هنا في مقام الحديث عن التصور الإسلامي البليغ للتكافل الاجتماعي، وإنما جاء طرحنا له كمقدمة لا بدَّ منها للإشارة إلى أن التكافل الاجتماعي في عُمان ليس وليد المرحلة، ولا هو قرار لحظي، أو نتاج لظروف اقتصادية معيَّنة؛ بل ممارسة أصيلة نابعة من قيم الإسلام ومبادئه، وأخلاقيات المجتمع العماني وثوابته، ومرتكزاته، وأصالة الهُوية العمانية.
وفي ظل الظروف والأوضاع والمتغيرات الاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم، ويشهدها مجتمع السلطنة، بما فرضته جائحة “كوفيد19″ من تحديات اقتصادية واجتماعية ونفسية وفكرية وغيرها، وفي ظل ظروف واجهت هذا المجتمع في ظل تزايد أعداد الباحثين عن عمل، وارتفاع أعداد المسرحين من أعمالهم، وما أوجدته التوجهات الاقتصادية الجديدة في رفع الدعم عن الكهرباء والماء، وارتفاع الوقود، وارتفاع الأسعار، وارتفاع أسعار الخدمات الحكومية المقدمة وتطبيق القيمة المضافة، وما ترتب عليها من التزامات كبيرة في توفير سبل الحياة الآمنة المطمئنة، وتضرر الأسر جرَّاء هذه الإجراءات ونواتج كورونا جعل من الأهمية بمكان البحث عن كل الفرص التي يمكن أن تعيد إنتاج الواقع الاجتماعي، وتعزز من روح التضامن والتعاون بين أبنائه في مواجهة تحديات الحياة وظروفها المتراكمة وتأثيراتها المستمرة وعواقب ذلك على أمن المجتمع والفرد، إن لم يتكاتف الناس حولها، ويتفهم الجميع مسؤوليته نحو أبناء وطنه، هذا الأمر يأخذ في الحسبان حجم التراكمات النفسية والاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع معدلات القلق والخوف وشيوع الأمراض، وحالة السلبية والإحباط التي يعيشها البعض، والخوف من المستقبل المجهول، والخوف على الرزق، وضياع الموارد والحقوق، والسباق المحموم في الحصول على الموارد والثروات، مما أدى إلى الاختلاس والكيدية والسرقة والابتزاز الأمل والجرائم الاقتصادية، وسوء استغلال الوظيفة العامة، والرشوة والتحايل على القانون، أو كذلك اتجاه الناس إلى الاستغلال السلبي لمنصات التواصل الاجتماعي في تقديم صورة أخرى منافية للذوق العام، وممارسات تخدش الحياء، وكشف مهين للخصوصية، بهدف الشهرة والحصول على المكاسب المادية، والربح السريع من الدعاية والإعلان والعروض الترويجية، هذا الأمر يأتي في ظل تدني مستوى الجهود المقدمة في تقريب مفهوم التكافل الاجتماعي، وتجسيدها في نماذج عملية وقدوات مجتمعية، مما أدى إلى غياب المفهوم الصحيح للتكافل من المشهد الاجتماعي، وأصبحت الممارسات المرتبطة به أقرب إلى الشخصنة والتصرفات الذاتية الوقتية بغية الوصول إلى غايات معيَّنة أو تحقيق أهداف شخصية أو الحصول على مركز اجتماعي ووظيفي قادم، كما اتَّجه إلى الزخم الإعلامي، وأصبح مجرد ظواهر صوتية وفرقعات إعلامية عبر المنصات التواصلية، وضعت التكافل الاجتماعي أمام واقع هش، يحتاج إلى مزيد من المراجعات.
من هنا تأتي أهمية تقوية منظومة التكافل الاجتماعي في المجتمع، وتعزيز حضورها في فقه المواطن، وترسيخها في سلوكه، وتجسيدها في ممارساته، وتحفيزها في ذاته، وإعادة رسم ملامحها وقيمتها في حياة الفرد الخاصة والعامة، وتشجيع الناس على تحقيقها بأريحية تامة، كونها التزاما ذاتيا، وإرادة مستمرة، ورغبة نابعة من شعور إنساني راقٍ، يمنح فيه الفرد الأمل للآخرين بحياة أفضل، ويقدم فيه العون والمساعدة بدون منّ أو أذى، استشعارا بواجبه، وإدراكا لمسؤولياته، حتى تناغمت أفعاله مع روح هذا التحول الذي يسري في نفسه، ثقة وطمأنينة، بأن نتاج ذلك سيكون أفضل، وخيره أدوم، وفضله أعم وأشمل، وإنتاجه أكثر وفرة، وأعظم قيمة، وتحقيق ذلك كله يستدعي اليوم توفير ممكناته، وتنويع خياراته، وتعزيز فرص نجاحاته، بحيث تتعدى مسألة التكافل الاجتماعي مساعدة الآخر في تجاوز الظروف، وتوفير المؤن والاحتياج له بما يتيح له فرص البقاء، ومساعدته في تجاوز محنته الحالية، ورسم الابتسامة الوقتية في شفاه أبنائه؛ إلى العمل على مساعدته في الاعتماد على نفسه، وتوفير الدعم له لينجز مشروعه، ويبني ذاته، ويستخدم مهاراته، ويعيد إنتاج واقعه، ويعطي مثالا للإنسان المكافح، المجتهد الواعي، الساعي لإصلاح نفسه، والقادر على توظيف قدراته وشبابه ومهاراته وخبراته في ترك بصمة له في الحياة، إنه نقل الفرد من الاتكالية والاعتماد على الآخرين، والتسلق على عطاءاتهم، وانتظار صدقاتهم وإحسانهم وعطفهم، إلى أن يصنع من هذه المساحة الإيمانية العظيمة، والإنسانية النبيلة، منصة لتقديم الأفضل، والاستثمار في الفرص المتاحة، فإن استنطاق قِيم التكافل الاجتماعي واستنهاضها، وتعزيز حضورها في كل مواقع العمل والمسؤولية، له أهميته في إعادة إنتاج الواقع الاجتماعي وتصحيح الثغرات التي ارتبطت بجشع البعض وأنانيته والبحث عن المصالح الشخصية، ليأتي التكافل الاجتماعي ليزيل عن النفس هذا الران، ويؤسس فيها أصالة المسؤولية، وقِيم الخيرية، واستشعار عظمة الأمانة، والانتماء للمجتمع، في مواجهة هذه الظروف الصعبة والتضامن في المحن والأزمات، وقد جاء في النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني (6/2021) ما يشير إلى هذا المعنى، ويجسد صورة التكافل الاجتماعي، ويؤسس لحضوره وتنشيط دوره في المجتمع، حيث ورد في المادة (15)، المبادئ الاجتماعية ما نصه: “التعاضد والتراحم صلة وثقى بين المواطنين”، “وتعمل الدولة على تضامن المجتمع في تحمل الأعباء الناجمة عن الكوارث والمحن العامة”.
وعليه، فإن تحقيق هذا التحول في مفهوم التكافل الاجتماعي ونقله من الفردية والذاتية والوقتية إلى كونه خيارا اجتماعيا يبني للمجتمع الفرص، وينهض بالكفاءات؛ يستدعي اليوم جهدا وطنيا، وعملا إنسانيا، وتكاتفا مؤسسيا في توفير السياسات والتشريعات التي تؤسس للتكافل الاجتماعي حضوره في فقه أبناء المجتمع، من خلال جملة من المدركات تبدأ بغرس مفهوم أعمق للتكافل الاجتماعي في الصغير والكبير، في اليسير والثقيل، فهو محطة لإثبات الذات في وقت الظروف والمحن، وتجسيد عملي للمواطنة في أفضل نماذجها وأصدق تعبيراتها، ونقطة استراحة والتقاط الأنفاس لمواصلة رحلة المسؤولية واستشعارها نحو الآخرين من أبناء المجتمع، وتعزيز دور الخطاب الديني والقائمين على الوعظ والإرشاد في التأصيل الفقهي له، كمنطلق لتعزيز الوازع النفسي والرادع الأخلاقي والضبطية الذاتية، فهو من جهة يحمي الفرد من تعطيل هذه الفرص والممكنات، وينتشله من حالة الاستهلاكية والسلبية، وينتزع منه عادة التواكل والخمول، وفي الوقت نفسه فإن نتاج ما يوفره من دعم ومساندة للآخر، يصنع فيه حس الشعور بالمسؤولية، فيقوِّي فيه دافع العمل والعطاء والإنتاج، والصبر والمبادرة والتضحية، ويعيد إنتاج الفرص الذاتية الهامدة وغير المستغلة في ذاته، فيستثمرها بما يعود عليه ومجتمعه بالخير والأجر.
وتبقى مسألة إعادة هيكلة منظومة التكافل الاجتماعي في المجتمع، وعبر بناء مؤسسي وتشريعي واضح لها، تتعدد خلاله خيارات منظومة التكافل وفق رؤية عصرية تراعي الخصوصية العمانية وتحقق أولويات رؤية “عمان 2040″ فيما يتعلق بالإنسان والمجتمع، بحيث تستوعب هذه المنظومة في مكوناتها، المسؤولية الاجتماعية للشركات والقطاع الخاص، والصناديق الوقفية، والعمل التطوعي، ومنظومة الحماية الاجتماعية، والضمان الاجتماعي، والجمعيات الخيرية، ومبادرات اللجان المحلية بالولايات في المساهمة الفاعلة في رفد منظومة التكافل الاجتماعي، وغيرها، ذلك أن إعادة هيكلة المنظومة وتقنينها وتوفير التشريعات الضامنة لها، من شأنه أن يؤدي إلى استدامة إنتاجيتها والابتكارية فيها، والتجديد في مفاهيم وأدوات العمل، وتوسعة خيارات المجتمع ومنافساته في إثراء هذه المنظومة ورفدها والمساهمة فيها، وتقديمها في صورة عملية تؤسس لبناء مبادرات مجتمعية جادة، تتجه مع الوقت إلى ضمان تمكين فئات المجتمع (الداخلة ضمن منظومة التكافل الاجتماعي) من الاعتماد على النفس، والخروج من الدائرة الاقتصادية التي تعيش فيها، وعبر تلمس جوانب القوة والخبرات والمهارات التي تمتلكها، وتوظيف الممكنات المتاحة في أبنائها لانخراطهم في سوق العمل عبر تشغيل أبنائها، وتعليمهم بعض المهارات، وتعزيز دور الأسرة المنتجة، وإيجاد مصادر أخرى بديلة تفتح الطريق لها لإثبات بصمة حضورها فيها لحياة آمنة تتكيف مع معطيات الواقع الاقتصادي، وبالتالي أن لا يُفهم من منظومة التكافل مساحة للفئات الأخرى في المجتمع في التنصل من واجباتها والتزاماتها، أو استغلالها هذا الوضع الإنساني في الاعتماد على نواتج هذه المنظومة، وتعطيل القدرات، والركون إلى الدعة والراحة بحجة عدم مناسبة الوظيفة للمؤهل الدراسي، أو أن الأسرة تطمح إلى وظيفة في الحكومة أو غيرها من الأعذار، محاولة منها للبقاء في دائرة الضمان أو النفقة أو الصدقة أو العيدية أو غيرها.

إلى الأعلى