الجمعة 14 مايو 2021 م - ١ شوال ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من خصائص اللغة العربية وأسرارها (2) (ضَبْطُ اللَّفْظِ وَأمْنُ اللَّبْسِ)

من خصائص اللغة العربية وأسرارها (2) (ضَبْطُ اللَّفْظِ وَأمْنُ اللَّبْسِ)

د.جمال عبد العزيز أحمد:
من خصائص لغتنا العربية المباركة دقةُ استعمالها للأفعال، والأسماء، والحروف عن طريق ضبط الكلمات، وتشكيلها بدقة وفق سياقاتها، ووضْع كلِّ كلمة في عبارتها دقيقة مضبوطة، فقد ترى أن بعض الكلمات ـ في رأيك أنتَ ـ من قبيل الترادف، ومقاربة المعنى، وواحِدِيَّتِهِ، ولكنَّ ذلك غير صحيح، فاللغة العربية يمكن للبِنْية فيها (وهي اللفظة الواحدة) أن تتحوَّل في دلالاتها إلى النقيض إذا غيَّرْتَ فيها حركةً، أو غيَّرت فيها حرفًا، فكلمة (مُنْذِر) بكسر الذال ـ على سبيل المثال ـ أربعة حروف، لكنها مع كسر الذال تكون متضادة متباينة في معناها مع فتح الذال (مُنْذَر)، مع أن الأحرف لم تتغير، ولكنْ، بسبب ضبط الذال فقط دون تغيير لأيِّ حرف تتحوَّل من اسم مفعول (مُنْذَر) إلى اسم فاعل (مُنْذِر)، أي: تتحول الدلالة من شخص يُنذِر، وهو له حقُّ النذارة إلى آخر يُنْذَر، وله فقط أن ينفِّذ ما وصل إليه من إنذار، وليس له أن يقوم هو نفسه بالنِّذارة، وكذا قولنا:”مُحِبٌّ” بضم الميم، وكسر الحاء، و”مُحَبٌّ (بضم الميم وفتح الحاء)، فالأول اسم فاعل وهو الذي قام بالفعل، وهو الذي أحَبَّ، والثاني اسم مفعول، وقع عليه الفعل، فهو محبوب من غيره، وكذلك “مِفْتَح” بكسر الميم، وسكون الفاء، وفتح التاء (اسم آلة)، أي المفتاح نفسه الذي نستعمله في فتح الباب، مثل: مِشْرَط ومِبْضَع ومِخْرَط ومِنْجَل، ونحوها من أسماء الآلة، و(مَفْتَح) بفتح الميم، وسكون الفاء، وفتح التاء، وهو مكان الفتح نفسه في ثقب الباب، لا آلة الفتح، بمعنى أننا نقول:” فتحتُ بهذا المِفْتَح (يعني المفتاح) من هذا المَفْتَح، أي المكان المخصص لوضع المفتاح (ثُقْبُ الباب الذي في منتصفه) فَفُتِحَ البابُ بكلِّ يسر، وسهولة، وكذا نحو قولنا:(مِنْهُ)، و”مِنَّةُ)، حيث الأولى جار ومجرور، والكلمة مكونة من (مِنْ حرف الجر، ومعها ضمير الغيبة للمذكر الهاء)، والثانية (مِنَّةُ) علم على مؤنث، أو هي النعمة، فقد اختلفتا لوجود نقطتين فوق التاء المربوطة، وعدم وجودها في اللفظة الأولى، كما أن (مِنْهُ) كلمتان، و(مِنَّة) كلمة واحدة، ومنه قولهم:(هو من عِلْيَةِ القوم)، وقولهم:(عَلَيْهِ لي دينٌ من زمن) في الأولى (عِلْيَة) أيْ وجهاء القوم، ومَلَؤُهُمْ، وكبارُ رجالات المدينة، أو القرية،أو المكان، ومَنْ لهم مكانةٌ اجتماعيةٌ بين ذويهم، وأما الثانية فجارٌّ ومجرور هو ضمير الغيبة للمذكر، فقد وضعتِ اللغة الضبط أساسًا للتفرقة بين الكلمتين، وكذلك في نحو (عِدْ أخاك ولا تُخلفْ) فإنها تختلف عن:(عُدْ إليَّ باكرًا، ولا تتأخر ثانية).

فالأولى من الوعد، وهو الوفاء بالشيء تأخذه على نفسك ، وتنفذه في موعده، ووزنها الصرفي:(عِلْ)، والثانية من العَوْد، وهو الرجوع سريعًا إلى البيت، فـ(عُدْ) بوزن (فُلْ)، ومنه كذلك:(عُدَّ المال)، أيْ: احسبه، ودقِّقْ في عدده، وهو بوزن (اُفْعُلْ) وأصله:(اُعْدُدْ) فحركة أول الفعل قد حدَّدت دلالته، وبيَّنت معناه، وكذلك قولك:(قُلِ الحق، ولا تخش إلا الله) من القول، وهو النطق باللسان، ووزنه:(فُلْ)، وأما:(قِلْ) فمن القيلولة، وهو النوم ظهرًا عند اشتداد الحر، ووزنه:(عِلْ)، وفعلها (قال يقيل قيلولة) فعينها ياء، وليست واوًا، وأما قولهم:(قَلَّ) بفتح القاف، وتشديد اللام فمن الفعل (قَلَّ يَقِلُّ من القلة)، ووزنه:(فَعَلَ)، والذي منع اللبس في كل تلك الصيغ هو الضبط، وتشكيل الكلمات، ومن ثَمَّ يجب ضبط ما يتطلب الضبط، ولذلك نشأت عبارة:(ما يُشْكِلُ يُشْكَلُ)، أي: ما يوقع في اللبس والخلط والوهم علينا ضبطه حتى نرفع الإشكال، ونزيل اللبس في الفهم والمعنى، واللغة تمضي على تلك القاعدة لا تتخلف؛ لأنها لغة حكيمة، ولها إمكاناتها التعبيرية الواسعة، وخصائصها، وسماتها الرائعة التي تمنع حدوث اللبس في أيِّ زاوية من زواياها، وطواياها، فاللغة بحقٍّ تتضمن قواعدَ ومبادئ تَحُول دون وقوع لبس، أو حصول خلط، وهي مع القارئ، والمتكلم تصحبه بجلالها، وكمالها، وضوابطها، وخصائصها، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، ونواصل حديثنا حول خصائص العربية، وسماتها في اللقاء القادم، وصلى الله، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، وكل عام وأنتم وأسركم بخير، وتوفيق.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية.

Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى