الجمعة 14 مايو 2021 م - ١ شوال ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مرض التكبر دلالات ومضامين (2 ـ 2)

مرض التكبر دلالات ومضامين (2 ـ 2)

د .أحمد البوسعيدي : ـ أي أمة أرادت الرقي والنهوض فعليها تطهير مجتمعاتها من التكبر

أجرى اللقاء ـ أحمد بن سعيد الجرداني:
أخي القارئ الكريم .. نواصل تكملة اللقاء مع الدكتور أحمد بن سعيد البوسعيدي ..

ذكرنا في اللقاء السابق عن التكبر وأنواعه .. واليوم سنسلط الضوء على بعض الصور التي كانت موجودة عند بعض الشعوب والاقوام ومن صور المتكبرين، الذين يتباهون بقدراتهم وإمكاناتهم وقوتهم، صورة قوم عاد الذين استكبروا في الأرض بغير حق، مجانبين أمر الله والانصياع لهداه، وتفاخروا بأنهم أعتى وأقوى الدول أو الممالك على الكرة الأرضية، وأعرضوا عن الآيات والحجج والبراهين التي أتتهم من الله وجحدوها، فعاجلهم العقاب الأليم بسبب تكبرهم وطغيانهم، حيث سلّط الله عليهم الأعاصير والرياح العاتية التي اقتلعتهم..

* ماهي عواقب التكبر؟

ـ عواقب التكبر وخيمة، وآثارها عظيمة، في الدنيا والآخرة؛ ففي الدنيا عدم تحقق أهدافهم، وعدم وصولهم إلى غاياتهم، يقول تعالى:(إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ)، فآماله وطموحاته تتبخر وتصبح سرابًا لا حقيقة له، ومن عواقب الكبر أيضًا الصرف عن طريق الله، والإبعاد عن دائرة الإيمان، والحرمان من نعمة الهداية، يقول تعالى:(سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)، ومن العقوبات الدنيوية أيضًا حصول الصغار وتلقي الإهانات وإنزال الدرجة والمكانة، قال الله تعالى:(قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)، وكذلك يصبح المتكبر مصدرًا للشؤم والشرور التي يتعوذ المؤمن منها، يقول تعالى:(وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ)، ومنها أيضًا عدم حصول محبة الله للمتكبر، يقول الله ـ جل جلاله:(فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)، (لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)، ومنها الطبع والختم على قلبه بالكفر والجحود، يقول الله تعالى:(الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)، وأما بالنسبة للعقاب في الدار الآخرة يكون أشد وأنكى، ويكفيه من ذلك أن يكون مثواه الخلود الأبدي في النار ـ والعياذ بالله ـ يقول الله تعالى:(وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ)، ولقد وضح النبي (صلى الله عليه وسلم) عقوبة المتكبر ـ ولو بمقدار بسيط ـ هي الحرمان من الجنة، يقول (عليه السلام):(لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) (رواه مسلم)، وهم إضافة إلى عدم رفع دعائهم إلى السماء، فلا تفتح لهم أبواب السماء، كما أنهم لا تفتح لهم أبواب الجنان، يقول تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ)، ويتحول فرحهم وتفاخرهم في الدنيا إلى صدمة كبيرة في الآخرة تنسف آمالهم وتطلعاتهم، يقول الله تعالى:(ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ، ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ).

موضحًا بقوله: ونشير في هذا المقام إلى أمر في غاية الخطورة ألا وهو أن هذا العقاب يشمل جميع من سار في خطى التكبر أو أعان على ذلك، سواء كانوا قادة أم أتباعا، لأن كل إنسان محاسب على عمله، وعلى القرار الذي يتخذه، وعلى المسلك الذي يسلكه، يقول الله ـ جلَّ وعلا:(وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ).

* في الختام نريد منكم بعض القصص والأحداث لمن اتصفوا بهذه الصفة؟

ـ نشير هنا إلى بعض الصور التي حدثنا عنها القرآن الكريم عن أحوال الكبر والمتكبرين، ومنها: الإشارة التي نوّه إليها القرآن الكريم في مقام عرضه لأصناف المتكبرين، فمنهم من بغى وتكبر بسبب أمواله وثرواته العظيمة مثل قارون، ومنهم تعالى وطغى بسبب ملكه ونفوذه مثل فرعون، ومنهم من استكبر وتجبر بسبب وزارته ومسؤوليته ومكانته مثل: هامان، وأن كل من استكبر فإنه سينال عذابه بقدر وحجم ونوع تكبره، ليكون جزاءً وفاقًا، أي: عذابًا موافقًا لحجم المعصية أو الذنب الذي اقترفه الإنسان، قال تعالى:(وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ، فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ،مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، ولقد وردت في موضع آخر قصة قارون وما ناله من عقاب شديد بسبب استكباره، يقول تعالى:(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ،وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ، تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، فمن أراد الفوز في الآخرة ودخول الجنة فعليه البعد عن العلو في الأرض والإفساد فيها، ومجانبة صفة التكبر، وننتقل إلى مشهد آخر من مشاهد المتكبرين، مشهد المتكبرين والمتغطرسين من القادة والوجهاء الذين كانوا في زمن النبي صالح (عليه السلام)، حيث يصور المشهد استكبارهم على صالح (عليه السلام) ودعوته، وتعاليهم على الضعفاء وعوام الناس، الأمر الذي أدى بهم إلى تجاوز التوجيهات الربانية، فعقروا الناقة وعتوا عن أمر الله، بل وتحدوا نبيهم صالحا (عليه السلام) وأنهم لن يمسهم العذاب الذي حذرهم منه وخوفهم من حلوله، فجاء أمر الله وحل عقابه من حصول الزلزال أو الهزة الأرضية الشديدة، فأصبحوا خامدين ميتين لا حراك لهم، وهذا جزاء كل من لا يتمثل التوجيهات الربانية والنصائح الإلهية، يقول تعالى:(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ، فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ،فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)، وهنا صورة أخرى من صور المتكبرين، الذين يتباهون بقدراتهم وإمكاناتهم وقوتهم، صورة قوم عاد الذين استكبروا في الأرض بغير حق، مجانبين أمر الله والانصياع لهداه، وتفاخروا بأنهم أعتى وأقوى الدول أو الممالك على الكرة الأرضية، وأعرضوا عن الآيات والحجج والبراهين التي أتتهم من الله وجحدوها، فعاجلهم العقاب الأليم بسبب تكبرهم وطغيانهم، حيث سلط الله عليهم الأعاصير والرياح العاتية التي اقتلعتهم وممتلكاتهم من جذورهم، فما أغنت عنهم قوتهم التي كانوا يتباهون بها، ونالوا بسبب تكبرهم خزي الدنيا والآخرة، قال تعالى:(فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ).

وهكذا تتجدد المشاهد والأحداث بأشكال مختلفة وشخوص متنوعة، يجمع بينها التكبر على أمر الله ورفض الهدايات الإلهية، والانغماس في الشهوات والملذات من غير أي ضابط أو قانون، فالمتكبرون يتجاوزون القوانين والنظم والتشريعات، مهما كان مصدرها من الله أو من البشر، ومن هنا نرى أن الكافرين بالقرآن الكريم يصرحون بعدم إيمانهم بهذا القرآن ولا حتى ما سبقه من الكتب السماوية، يقول تعالى:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وفي الآيات إشارة إلى ما يحيكه المتكبرون من مكائد ومؤامرات في الليل والنهار ضد أهل الحق، وما يبثونه من سموم وإعلام خبيث، ليضللوا الناس ويفسدوا المجتمعات، وأي أمة أرادت الرقي والنهوض فعليها تطهير مجتمعاتها من هذه الآفات الخطيرة التي تهدم الحضارات وتجلب الهلاك والدمار.

إلى الأعلى