الأربعاء 26 يناير 2022 م - ٢٣ جمادى الأخرة ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من خصائص اللغة العربية وأسرارها (3) (رَسْمُ الْكَلِمَةِ وَأَمْنُ اللَّبْسِ)

من خصائص اللغة العربية وأسرارها (3) (رَسْمُ الْكَلِمَةِ وَأَمْنُ اللَّبْسِ)

د جمال عبد العزيز أحمد:
من جمال اللغة العربية وسامي خصائصها أنها تتخذ من الرسم وسيلة لأمن اللبس، ومانعًا يحول دون الخلط والوهم، ولا تترخص في ذلك، بل توجب عند وقوع اللبس رسمًا خاصًّا بالذي يوقع اللبس في الكلمات، فتُلزِم الكاتب برسم خاص به، يمنع منعًا تامًّا حصول اللبس، ولنأخذ على ذلك نماذج تبين إمكانات اللغة وطاقاتها في الرسم الإملائي، ذلك الرسم الذي هو نعمة على تلك اللغة الحكيمة التي لا مثيل لها بين لغات الأرض، ولا عِدْل لها بين لغات العالم أجمع، فنحن عندما ننظر إلى الفعل:(علا) المرسوم بالألف القائمة نجد أنه بمعنى العلو، حيث جاء من المادة اللغوية:(علا، يعلو: ارتفع، يرتفع)، ولكن حرف الجر (على) هو حرف، فقد غايرت اللغة في الرسم بين الكلمتين، لتمنع أمن اللبس في رسمها ومعناها ودلالتها رغم أن النطق واحد، فالكلمة الأولى (علا) بالألف اللينة القائمة فعل، والكلمة الثانية وكلمة (عليٌّ) هي عَلَمٌ غيره بأدبه، وخلقه، وعلمه، على فلان علا نقول: وحرف جر، على شخص وضعت اللغة ورسمها تحت يائها نطقتين:(عليٌّ)، فإذا قلنا:(سلَّم عليٌّ عَلَى زميله) ما حدث لبس، بسبب وجود الياء المنقوطة، والثانية لا نقط تحتها، فتدخَّل الرسم الإملائي، ومنع الوهم، وأزال اللبس فكانت هناك حدود فاصلة بين اللفظتين، ونحو الفعلين:(غلا وغلى) الفعل الأول:(غلا، يغلو) بمعنى: ارتفع ارتفاعًا ملحوظًا، غُلُوًّا، ومنه المغالاة في الأمر، وعليه قوله تعالى:(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) (النساء ـ 171).

وأما الفعل الثاني (غلى، يَغْلي) بألف القصر في الماضي، وياء منقوطة في المضارع، فهو من الغليَان، وهو فَوَران الماء، وخروج البخار منه، فالفعل الماضي نطقُهُ واحدٌ، واختلف المضارع بين واويٍّ، ويائيٍّ، فاختلفت معه الدلالة، وتبايَن معه كذلك المعنى، فمن خصائص العربية وجودُ فروق كبيرة بين البِنَى الصرفية تُعرَف بالضبط، والشكل، والسياق، ومثله الفعلان:(عَصَا، يعصو)، و(عَصَى، يَعْصِي)، فالماضي واحدٌ نطقًا، لكنَّ رسمه مختلف، فالأول من الفعل:(عصا) بألف القصر القائمة، والثاني الفعل: (عصى، يعصي) بألف القصر العادية، مثل:(منى وهدى)، .. ونحوها، ولكنَّ المعنى يختلف تمامًا، فالفعل (عصا) يعني: الضرب بالعصا تأديبًا أو تخويفًا، فعصاه يعصوه، أي: ضربه بالعصا، ومنه المثنى: العصوان، وجمع القلة: العصوات، وجمع الكثرة: العِصِيّ (للمفرد: عَصًا)، وفي الكتاب العزيز:(قال هي عَصَايَ أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي)، بينما الفعل الآخر:(عصى، يعصي) فيعني: رفض الأمر يرفضه، ولم يتقبلْه؛ ولذلك نقول لطلابنا حتى لا ينسوا رسمها، ولا الفرق بين الصيغتين:(العصا لمن عصى)، فالأولى بألف القصر القائمة، والثانية بألف القصر العادية، ونقول:(لمَّا عَصَاهُ عَصَاهُ) أيْ: لما رفض أمرَه ضربه بالعصا، ونقول:(هؤلاء عَصَوْتُهُمْ لما عَصَيْنَنِي) إذا كانوا فتيات، أو (عصوتُهم لما عَصَوْني) إذا كانوا فتيانًا، أيْ: لقنتُهم ولقيتهنَّ بالعصا درسًا حتى لا يعصوني ثانية، فقد اتضح الآن الفارق بين الصيغتين، ومن ثَمَّ تباينت الدلالتان، وهو خصيصة من خصائص تلك اللغة الحكيمة، حيث فرَّقت في المعنى بالرسم الإملائي، واتخذته وسيلة لأمن اللبس، ومنْع الخلط بين الصيغ، واللغة حكيمة حكيمة في كل ألفاظها، وقواعدها، بدليل أنها في الكلمتين، أو الفعلين:(أولم) (بمعنى أقام وليمة)، و(آلم) (بمعنى أحدث به ألمًا)، فإن المصدر في الفعلين يُفترَض أن يكون واحدًا، وهو (إيلامًا) لأن مصدر (أفعل) هو الإفعال، والقاعدة أن كلَّ فعل على وزن (أفعل) فمصدره الإفعال، ما لم يكن معتل العين، مثل: أكرم إكرامًا، وأحسن إحسانًا، وأخرج إخراجًا، وأقبل إقبالًا، وهنا الفعل:(آلم، وأولم) بوزن (أفعل)، فكان حقُّ المصدر في الكلمتين أن يكون (إفعالًا) أيْ: إيلامًا، ولكنَّ اللغة ـ لحكمتها، وما فيها من دقة، وخصائص ـ جعلت للفعل (آلم) (المأخوذ من الألم) مصدرًا هو: الإيلام، وجعلتْ للفعل (أولم) (المأخوذ من الوليمة) مصدرًا آخر هو:(وليمة) لا (إيلاما)، فالفعل (أولم) مصدره (وليمة)، والفعل (آلم) مصدره (إيلام)، وكذا كلمة (عُمَر)، وكلمة (عَمْرٌو)، فإنه لما كانت الكتابة قديمًا لا ضبط فيها، ولا نقط، وكان الناس يخلطون بين الأسماء، ويحدث مشكلات في التعامل المادي، ونحوه من العقود التي تقتضي الكتابة، والتسجيل، فقد وضعت اللغة ـ بسبب حكمتها، ودقتها ـ فارقًا بين الكلمتين هو زيادة الواو في (عَمْرو)، وتركها في (عُمَر) على الرغم من وجود حواجز أخرى مانعة من اللبس، فعَيْنُ (عُمَر) مضمومة، وعين (عَمْرو) مفتوحة، وميم (عُمَر) مفتوحة، وميم (عَمْرو) ساكنة، و(عُمَرُ) ممنوعة من الصرف، و(عَمْرٌو) مصروفة، أي: فيها التنوين والجر بالكسرة، لكنْ لمراعاة قضية أمن اللبس، والأخذ بالأحوط وضعتِ اللغةُ كلَّ تلك الاحترازات اللغوية، منعًا للخلط، ودفعا للَّبس في الصيغ اللغوية، هذا، وبالله التوفيق، ونواصل حديثنا حول خصائص العربية، وسماتها في اللقاء القادم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم، وكل عام وأنتم وأسركم بخير، وتوفيق

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap