الأحد 17 أكتوبر 2021 م - ١٠ ربيع الأول ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من خصائص اللغة العربية وأسرارها (4): (وضع البِنَى الصرفية لكل دلالة لغوِية)

من خصائص اللغة العربية وأسرارها (4): (وضع البِنَى الصرفية لكل دلالة لغوِية)

د.جمال عبد العزيز أحمد:
من سمات العربية وخصائصها أنها تضع لكلِّ دلالة بِنْيَة صرفيةً محددةً، تختلف عن مثيلتها في دلالة أخرى متقاربة في المعنى، وذلك لكونها تمتلك من الإمكانات اللغوية ما يجعلها تضع لكلِّ همس من المعاني لفظًا خاصًّا به، واليوم نأتي بمجموعة من الأفعال، ونلحظ فيها هذا التباينَ الدلالي لكلِّ فعل، رغم أن حقلها الدلالي واحدٌ، وأن السياق الذي يرمي إليه، ويدل عليه متقاربٌ، فمن ذلك الأفعال التي تدل على النظر بكافة أشكاله، من النظر شزرًا، أو النظر بمؤخرة العين إعجابًا أو انتقادًا، أو الجحوظ، أو النظر بحدة وشدة، أو النظر بحنو وعطف وحدب، أو النظر بغضب، ورفض، وعتاب .. ونحوها من أنواع نظر العين، ولمح تعبيراتها الدقيقة، كلُّ ذلك تفعله اللغة، وهي بحق تمتلك أفعاله، ومعانيها، وقد جمعتُ ذلك الكثير من كتب المعاجم؛ لكي نرى هذه اللغة الشريفة الحكيمة، وما لديها من كلماتٍ، وبِنًى لغويةٍ، وضعت بينها حواجزَ، وسنَّتْ موانعَ، وهي تعبِّر عن كل خاطرة يشعر بها المتكلم، وتلبِّي كلَّ ما في ذاته، وروحه، وخفي في نفسه، أو جال في عقله، ولنبدأ بالفعل (لَحَظَ) (يلحَظ)، وهو من باب (نفع ينفع) (يعني فتح العين ماضيا ومضارعا)، وهو يدل على النظر إلى الشيء من جانب الأذن، أيْ بمعنى راقبتُه، ونظرتُ إليه بمؤخر العين عن يمين ويسار، وهو أشد التفاتًا من الشَّزْر، واللِّحاظ بالكسر مؤخر العين مما يلي الصُّدْغَ، وأما الفعل (لَمَحَ) (يلمَح) فهو من الباب نفسه، ويعني: نظرت إليه باختلاس البصر، أيْ نظرت إلى الشيء بعجلة، وسرعة، وخطف، واختلاس، كأنها ومضة عين، على أنه يمكن أن يُقصَد به امتدادُ البصر إلى الشيء، وتصويبُه إليه، وأما الفعل (رشَق) (يرشُق) فمن باب (نصر وقتل) بمعنى أحَدَّ النظر إليه، وكأنه سهمٌ يرميه بناظريْه حدةً، وشدةً، فهي نظرة مصوَّبة إلى المرئي، وقاتلة، كالسهم يرشُق في الفريسة، فيصيب كبدها، ويُردِيها أرضا.

وأما الفعل (شَفَنَ) (يشفِنُ) فمن باب (ضرب يضرب)، وشَفِنَ يشفَن من (باب عَلِمَ يعلَمُ)، كلاهما يعني النظر إليه بمؤخرة عينيه بِغْضةً، أو تعجبًا، أو نظرة فيها اعتراض، وامتعاض قال أبوزيد: الشَّفْنُ أن يرفع الإنسانُ طرفه ناظرًا إلى الشيء كالمتعجب منه، أو الكاره له، أو المُبْغِض، ومثله:(شنِفَ)، وأما الفعل (تَوَضَّحَ) الذي هو مأخوذ (من الفعل: استوضح يستوضح الشيءَ): إذا وضع يده على عينيه، تنظر هل يرى الشيء أم لا، كأنه نظر إلى الشيء نظر المُسْتَثْبِت، المستوضح، وأما الفعل (حَدَقَ) (يَحْدِق) فمن (باب ضرب يضرِبُ)، وتعني فتح جميع العينين لشدة النّظر، والتحديقُ في اللغة هو شدة النظر، ومنه قولهم في المعركة:(كنا إذا إذا حمي الوطيس واحمرت الحُدُقُ اتقينا برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم) أيْ: اشتد نظرها وشخصتْ من الخوف الشديد، والترقب، وأما الفعل (شَخَصَ ببصره) (يشخَصُ) فهو من (باب فتَح يفتَح) بفتح العين ماضيًا ومضارعًا، فتعني الخضوع، وفَتْح العينين، وجَعْلها لا تَطْرِفُ، كأنها شخصتْ، وتسمَّرتْ، وراحت تنظر بعيدًا، لا ترمش، ولا تتحرك، ولا تَرِيمُ، وأما الفعل (تَصَفَّحَ) (يتصفح) فمن الثلاثي (صفَح، يصفَح)، وهو من باب (فتَح، يفتَحُ)، ثم مزيده الخماسي (تصفح) يعني تقليب صفحات المقروء لقراءتها سريعًا، فقولنا:(نظر في كتاب ما يتصفحه) أي: ينظر في صفحاته مرة بعد مرة، يأخذ فكرة سريعة عنه، كما نرى أحدهم يقلِّب صفحاتِ كتابٍ مَّا بشكل سريع لافت للنظر، يأخذ عنه فكرة ما، حتى ينظر هل يتابع قراءته أم يتركه، وأما الفعل:(تَبَصَّرَ) (يتبصر تبصُّرا)، وفعله الثلاثي (بصَرَ) (يبصُر) من (باب نصر ينصُرُ) فيعني الرؤية بحاسة البصر، وأما الفعل الثلاثي مضموم العين:(بصُر) بضم الصاد، فيعني العلمَ، و(بابه ظرُف يظرُف، وباب شرُف يشرُف) كقوله تعالى:(فبصُرتْ به عن جنب وهم لا يشعرون)، وقوله عزوجل:(قال بصُرْتُ بما لم يَبْصُرُوا به)، فتبصُّر الشيء يعني كذلك النظر إلى أُفُقِه، وأن يملأ المرء بصره برؤيته، تمامًا كالفعل (رأى)، ولكن الفعل (رأى) له معانٍ كثيرة، نتناولها في لقاء آخر إن شاء الله لكثرتها، وهكذا اتضح لنا من تلك الأفعال كم هي اللغة في دقتها ورقتها، وكم هو جمال لغتنا، وكمال أفعالها، وأنها ذاتُ طاقات لغوية رائعة، لا تجدها في أيِّ لغة من لغات الأرض، ولا توجد أي لغة ترقى لتكون مثلها، أو عُشْرَهَا، في ألفاظها وتراكيبها وصورها وأخيلتها، وإمكاناتها في التعبير، وفي ظلال معانيها، فهي لغة الكتاب العزيز، آخرُ كلمة السماء إلى الأرض، حيث تضمَّنتْ كلَّ ما يمكن أن يحدث على تلك البسيطة من أعمال: أقوالًا، وأفعالًا، صوتًا وصمتًا، نظرًا وحركة، ومعها كذلك أفعالُها، ومستصحبة دلالاتِها التي تَشِي بكمالها، وجلالها، فالحمد لله على نعمة القرآن، والإسلام، وجمال اللغة، واتساعها، وامتلاكها لكل تلك الخصائص، وهاتيك السمات التي تبيِّن سموَّها، وكمالها، وتناغمها مع ما نزلت به من القرآن الكريم، وعطاءاته التي لا تنتهي، والتي لا يشبع منها العلماء، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية.

Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap