- جريدة الوطن - https://alwatan.com -

منزلة الصلاة في الإسلام (3)

حامد مرسي:
.. والصلاة تبارك في الرزق وتبارك في العمر وتبارك في الأولاد ورياضة أبدان وطهارة أدران وتهذيب وجدان وفر الجمع لله، فالصف الأول كالآخر لم يرفع المتقدم تقدمه ولم يضع المتأخر تأخره .. الكل سواء أمام الواحد الديان.

وقد بلغ من اهتمام الشرع بالصلاة أن فرضها في الأمن وفي الخوف .. وفي الحضر وفي السفر .. وفي الصحة وفي المرض، فلا تسقط الصلاة أبدًا مجال من الأحوال، إنما على كل مسلم أن يؤدي الصلاة في كل أحواله يقول تعالى:(حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين، فإن خفتم ..) فهل قال الله أتركوا الصلاة؟ .. أبدًا، بل صلوا كيفما أمكنكم مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، أتى رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يسمى عمران بن حصين وقال : يا رسول الله إن بي بواسير، فقال (صلى الله عليه وسلم):(صلي قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب فإن لم تستطع فمستلقيًا على ظهرك فإن لم تستطع أومأ وأشر برأسك وإذا لم تستطع صلي بعينيك)، بل إن أبا حنيفة عليه من الله سحائب الرحمة قال:(إذا حضرت المرأة ساعة الولادة ولم تلد ودخل عليها الوقت وهى تعاني من آلام الوضع وجب عليها أن تصلي وهى في تلك الآلام).

وقد نصَّ الفقهاء في كتبهم على أن المصلوب على خشبه ليرمي إذا حان عليه وقت الصلاة وجب عليه أن يصلي وهو مصلوب على الخشبة ولكن كيف يصلي؟ يوميء إيماءً .. يشير يقرأ الكلمات بلسانه إن لم يتمكن من الأفعال لأن الله تعالى يقول:(فاتقوا الله ما استطعتم)، وهذا فعل الذي في استطاعته يمكن أن يقول سائل كنت في المستشفى شهرًا أو شهرين ولا أقدر على الوضوء أو التيمم ولا أقدر على الحركة ماذا أفعل؟ كيف أصلي؟ نص الفقهاء على ذلك وقالوا: إن لم تقدر فاقضِ الطهورين ويصلي على حاله كيفما أمكنه بغير وضوء ولا تيمم وصلاته صحيحة ومقبولة إن شاء الله لأن الله تعالى يقول:(فاتقوا الله ما استطعتم)، وهذا فعل الذي في استطاعته ولم يثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه ترك الصلاة أبدًا ولا حتى قبل موته بيومين أو ثلاثة ولا نصف ساعة وإنما كان (صلى الله عليه وسلم) وهو مثقل بالمرض فينظر في نفسه فإن وجد في نفسه خفة ونشاط نادى على رجلين واتكأ عليهما وخرج إلى المسجد ليصلي.

والصلاة تكفّر الذنوب، فقد ورد في الحديث عن ابن مسعود (رضي الله عنه) أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبره فأنزل الله تعالى:(أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات)، فقال الرجل: إليّ هذا؟ قال: لجميع أمتي كلهم) (متفق عليه)، والمعنى ـ كما جاء في تفسير ابن كثير: إن فعل الخيرات يكفّر الذنوب، وذلك لقوله (صلى الله عليه وسلم):(إن الله لا يمحو السيىء بالسيىء ولكن يمحو السيىء بالحسن)، وربما بعض الناس يقول: أن أعرف الصلاة بمفردي ولكن لا أعرف كيف أصلي جماعة وأخشى أن يضحك الناس عليّ، والواقع أن الناس سوف لا يضحكون عليك بإذن الله وإن ضحك بعضهم فإن هذا لا يساوي ضحك الخلائق أجمعين على العبد يوم القيامة إذا كان العبد والعياذ بالله من أهل الحسرات وأشد من ذلك أن تكون الفضيحة أمام رب العالمين، وربما تقول امرأة: أنا لا أصلي لأن عندي طفل رضيع ويتبول عليّ فنقول لها: صلِّ بهذا الثوب ورشي على بول هذا الصبي بالماء، وإن كانت بنتاً فاغسلي مكانها وصلِّ وصلاتك صحيحة ومقبولة إن شاء الله، ويكثر الإنسان من السجود لله رب العالمين، فقد قيل: أن عبدالله بن عباس (رضي الله عنهما) كان يسجد في كل يوم ألف سجدة ويسمونه السجّاد.

ولما خلق الله السماوات السبع وملأها بالملائكة وجعل لكل أهل سماء نوعًا من العبادة فأهل سماء قيام على أرجلهم إلى نفخة الصور وأهل سماء رُكّع وأهل سماء سُجّد وأهل سماء مرخية أجنحتهم من هيبة تعالى فجمع الله كل ذلك في صلاة واحدة كرامة للمؤمنين حتى يكون لهم حظ من عبادة أهل السماء، فيا من تؤخرون الصلاة عن وقتها، ويا من لا تصلون بالمرأة أسوق إليكم هذا الإنذار، قال تعالى مخبرًا عن أصحاب الجحيم:(ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين)، وهناك ظاهرة عجيبة بعض الناس لا يصلون ويقولون ربنا يعلم بالقلوب والله يا شيخ ما دامت قلوبنا نقية ما علينا من ذلك، أقول لهؤلاء: من الذي أمر بإقامة الصلاة؟ من الذي وضع لها الثواب على إقامتها؟ ومن الذي وضع العقاب على تركها؟ .. إنه الله هو الذي يعلم ما في القلوب فحافظ على الصلاة حتى تدخل الجنة .. هذا والله أعلم.

* إمام مسجد بني تميم بعبري