الأربعاء 6 يوليو 2022 م - ٧ ذي الحجة ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من خصائص اللغة العربية وأسرارها (12): حذف الحرف وإثباته وأهميته ودلالاته

من خصائص اللغة العربية وأسرارها (12): حذف الحرف وإثباته وأهميته ودلالاته

د.جمال عبد العزيز أحمد:
من خصائص هذه اللغة الشريفة أنها دائمًا ذاتُ معنى، وصاحبة دلالة، سواء عند الحذفِ منها لأيِّ حرف فيها، أو عند إبقاء اللفظ على ما هو عليه، دونما حذف، بحيث ترى الحذف فيها يتنوع، وأنماطه تتعدد، ولكنَّ كلَّ حذف له رمزه، ويأتي، ومعه دلالته، فقد يُحذَف حرف واحد منها، وقد يحذف حرفان بحيث يبقى اللفظ على ثلث، فيحذف منه ثلثاه، ويبقى على حرف واحد، ولكنك تراه لا يزال متمسكًا بمعناه، ومتشبثا يعمل عمله في دنياه، ويكون له تأثيره في جملته، بل تدور الدلالة فيه على حذفه، وبقائه على ثلثه، هذا الذي هو حرف واحد فقط يبقى من الكلمة كلها، لكنه يتشبث، ويتأبى إلا أن يكون له معنًى، ودلالة، ووظيفة، ورسالة، وعمق في المعنى، وتأثير لا محالة، وذلك من أخص خصائص العربية، وأكمل سماتها حتى سمَّى هذا الصنيعَ ابنُ جني (شجاعةَ العربية)، وهو محقٌّ فما ابتدعه من مصطلح، وفيما اسْتَنَّه من قول، وهو مصطلح جدير بهذه اللغة الشريفة، يقول ابن جني في خصائصه في باب (شجاعة العربية):(اعلم أن معظم ذلك إنما هو الحذف، والزيادة، والتقديم والتأخير، والحمل على المعنى، والتحريف)، ثم راح يشرح، ويدلل على عظمة تلك اللغة الحكيمة، ونبل قواعدها، وحسن تجاوبها، وقوتها، وشجاعتها في خوض كل معنى، وسبر كل دلالة، إبقاءً، وحذفًا، وتقديمًا، وتأخيرًا إلى آخر ما تفضل من علم، وفهم وإدراك، وما تركه من تراث سبق به عصره، وفاق فيه أقرانه، ففي الحذف نرتشف من معين رضابه حديثه الذي يقول فيه:(قد حذفت العربُ الجملة، والمفرد، والحرف، والحركة، وليس شيء من ذلك إلّا عن دليل عليه، وإلا كان فيه ضربٌ من تكليف علم الغيب في معرفته)، ثم ضرب الأمثلة على ذلك بقوله في خصائصه التي تُعَدُّ من أوسع، وأندر الكتب التي كتبت في هذا المجال:(فأما الجملة فنحو قولهم في القسم‏:‏ والله لا فعلت، وتالله لقد فعلت‏، وأصله‏‏ (‏أقسم بالله)، فحذف الفعل، والفاعل، وبقيت الحال من الجار والجواب دليلًا على الجملة المحذوفة‏، وكذلك الأفعال في الأمر، والنهي، والتحضيض، نحو قولك‏:‏(زيدًا)، إذا أردت‏:‏ اضرب زيدًا، أو نحوه‏، ومنه (إياك)، إذا حذرتَه، أيْ: احفظ نفسك، ولا تُضِعْها، و(الطريقَ الطريقَ)، و(هلا خيرًا من ذلك‏)،‏ وقد حذفت الجملة من الخبر، نحو قولك‏:‏(القرطاس والله) أي: أصابَ القرطاسَ‏، و(خيرَ مقدمٍ) أيْ: قدمْتَ خير مقدم‏، وكذلك الشرط في نحو قوله‏:‏(الناس مجزيون بأفعالهم إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا) أي:(إنْ فعل المرء خيرًا جُزي خيرًا، وإن فعل شرًّا جُزي شرًّا).. إلى آخر ما دلَّل به ابن جني على قضايا الحذف، وغيره في هذا الباب من شجاعة العربية، وأنا أدلل كذلك على تلك السِّمَة، وهذه الخصيصة، وتلك الميزة من بين مئات مزايا، وخصائص اللغة العربية، وخصوصًا قضية الحذف، ودلالات المحذوف، وأهميته في سياقه، فأقول: ليس معنى الحذف أنه حذف مهدر، وأنه حذف لكونه حرفا زائدًا، ولا معنى له، فالحذف له دلالته، كالذكر تمامًا، ويكون له مهمة كبيرة في محله، ومن ذلك الحذوف الآتية:

أولًا ـ حذف الألف ودلالته: فعلى سبيل المثال إذا أخذنا حرف الألف، فنراه قد يحذف من اللفظ، وقد يبقى، وحذفه، وبقاؤه له دلالته في سياقه، فهو هنا في الكلمة الآتية أصلي، لا زائد:(ما)، لم؟، وذلك حتى يفرق بين الميم كحرف من حروف الهجاء (م)، وبين كونها اسمًا موصولًا، أو اسم شرط، أو اسم استفهام، أو حرفًا عاملًا عمل ليس بـ(شروطه)، وكون تلك الألف تحذف إذا تقدم الجار هو دليلٌ على أصليتها، تمامًا كما يحذف حرف العلة في الأفعال معتلة الآخر عند جزمها، نحو:(لم يدع، لم يقض، لم يسع)، وكما يحذف هذا الحرف كذلك في الأمر من نحو: (قال، وباع، وخاف) .. ونحوها، فحذفه هنا، لكونه اسم استفهام، وذلك حتى نفرق بينه، وبين اسم الموصول، فهناك فارق بين العبارتين الآتيتين:(سررت بما سررت منه) هو هنا اسم موصول، ولكن نحو:(عفا الله عنك، لِمَ أذنت لهم؟) هو هنا اسم استفهام، ومن ثم حذفت ألفه؛ لتؤدي وظيفة منهمة هي طلب الفهم، فلو بقيت لما عرفنا أنه استفهام، فحذفها له مهمة محددة، وبقاؤها له مهمة محددة، وتلك هي جماليات الحذف، ووظائفه، وتبين ـ في الوقت نفسه ـ تحضر اللغة وكمالها، وجمال قواعدها، حيث لم توضع سُدًى، ولا هباء، ولا وُجِدت جزافا، واهتراء، إلا أن هذا الحرف وهو الألف يبقى إذا اعتمد على شيء بعده، نحو:(لماذا فعلت هذا؟)، فلو جاء اللفظ (ما) وحده من غير (ذا) لحُذِفَت ألفه، وقلنا:(لِمَ فعلتَ هذا؟)،(لِمَ أذنتَ لهم؟)،(عَمَّ يتساءلون؟)،(فَبِمَ تُبشرون؟)، ولكنه تقوَّى بما بعده، وهو (ذا)، فبقي، ولم يحذف، فقلنا:(لماذا فعلت هذا؟)، و(بماذا أجبت عندما سُئِلْتَ؟)، فكل ذلك يَشِي بأصلية الألف رغم حذفها، وعدم زيادتها، وليس معنى حذفها أنها زائد، لا قيمة لها، إنما حُذِفَت؛ إبقاءً لحقِّها، واستمرارًا لرسالتها، كما تحذف فقط فاء الكلمات الآتية:(صِلْ ـ عِدْ ـ ثِقْ ـ مِل ْـ كِلْ أمرك إلى الله) فإنها حُذِفتْ لتؤديَ الكلمة بعد الحذف وظيفتها، أو كما تحذف فقط عينها في نحو:(عُدْ ـ قُلْ ـ صُمْ ـ جُدْ) فقد حُذفَتْ لتقوم بمهمتها التي جدَّتْ لها، وهي الأمر، أو كما تحذف لامها فقط، في نحو:(اُدْنُ مني أحدِّثْك، اُرْجُ، اِسْعَ، اِنْهَ، اِجْرِ، اِقْضِ) حذفت كذلك لتنهض بمعناها الجديد، وكما تحذف الفاء واللام معًا، ويبقى الفعل على عينه، أيْ: على وسط الميزان، كما في نحو الكلمات اللفيفة المفروقة، فإن الأمر منها يكون على حذف طرفَي الفعل فيها، وبقائه على عينه، أيْ: وسط الكلمة التي تقابل عين الميزان، كما في نحو:(قِ، نِ، شِ، لِ، عِ، فِ، هـ)، من الأفعال:(وقى ـ ونى ـ وشي ـ ولي ـ وعى ـ وفى ـ وهى) على الترتيب، فقد حذف ثلثا الفعل، وبقي على ثلثه الذي هو حرف واحد، وأبى إلا أن يكون له معنى ودلالة، وإسهام في سياق الجملة، وتأثير كبير رغم بقائه على حرف واحد، وتلك هي الشجاعة في أسمى معانيها، وذاك هو الكمال بعينه، وفي أجلى مراميه: أن يبقى الحرف متشبثًا بالعمل، مهما كان الامتحانُ، ودرجة الاختبار، كالإنسان المخلص يعمل مهما ابتُلِيَ، ويواصل رغم الألم، ويُعطي مهما حصل، فاللغة كائنٌ حيٌّ بكل ما تعنيه الكلمة، فهل فيما مضى من حذوف ما يدل على عدم أصليته؟!، أو أنه حُذِفَ هدرًا؟، أم حُذِفَ ليؤدي معنًى لا يكون له إذا بقي كسولًا بتمامه؟، وراحت علينا مع بقائه دلالة الأمر؟!، أو نحوه من دلالات الحذوف، ووظائفها، ورسالتها اللغوية، والسياقية، والمعنوية، إن حذف الشيء لا يكون بلا هدف، أو يحدث بلا غاية، بل يكون الحذف لسبب صوتي، أو صرفي، أو نحوي، ولا يعني ذلك أنه زائد، لا قيمة له، وإنما يُحذَف ليؤديَ دلالة سامية، لا تُؤَدَّى بوجوده، فيضحِّي بربعه، أو نصفه، أو ثلاثة أرباعه؛ ليؤدي تلك المهمة، فهو فدائيُّ كبيرٌ، يمتاح في سلوكه من خصائص لغتِه، ويرتوي في عمله من معينها الدَّفَّاق، ويصدر في نهاية عمله عن سماتها الراقية، ولكنْ يَبْقَى ما حُذِفَ في حكم الموجود؛ لأن إخلاصه لا يُنسَى، وتأديتَه واجبَه لا تُمحَى، تمامًا كمن دافع في الحرب عن وطنه، أو في السِّلم عن أخيه، فبُتِرَتْ ساقُه، أو انطفأت عينُه، أو شَلَّتْ يدُه، فإنه يبقى مكرَّما، عزيزًا ، مدى الحياة، فاللغة كائنٌ حيٌّ، له تقديره، واحترامه، كالإنسان تمامًا بتمام، تلك هي لغة كتابنا، اللغة الشريفة، لغة أهل الجنة.

ونواصل بيانَ خصائص اللغة في جانب آخر من جوانبها في اللقاء القادم.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية.

Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap