الأربعاء 22 سبتمبر 2021 م - ١٥ صفر ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة بلاغية تربوية في بعض آيات الحج (1)

قراءة بلاغية تربوية في بعض آيات الحج (1)

د. جمال عبد العزيز أحمد:
نقف اليوم وِقْفَاتٍ بلاغيةً، مرتبطةً بِقيَمِهَا التربوية مع بعض الآيات القرآنية، أو الكلمات الواردة في شعيرة الحج بمناسبة وقفة عرفات، وتجليات اليوم العظيم، المهيب، يوم الحج الأكبر، ورمزياته العاطرة، وخيراته الماطرة، حيث يشير إلى دلالات جُلَّى، ومَعَانٍ عُظْمَى، منها أنه وثبة حقيقية، وتوجُّه صادقُ، وفزعَةٌ مخلصة ممَّن آمنوا بربهم، وارتكنوا إلى مولاهم، يخشعون فيها لسيِّدهم، وإلههم، ويَمضون حاسري الرؤوس، متجردين إلا من ثياب الإحرام التي تُعَدُّ بمثابة ثياب للميت، يستعد بها للقاء ربه، متجردا مِنْ حَوْله، وطَوْله، وقوته، ذاهبًا إليه بمحض نفسه، تاركًا كل ما لديه كأنما هو في سبيل انتقاله إلى الحياة الأخروية، ومنها كذلك أنها في بياضها، ونبلها، وطهرها، وجلالها أشبهُ بحياة الملائكة الكرام، وهم يَسْبَحُون في جنبات الكون بأنوارهم، يُسَبِّحُونَ، ويحمدون، يَجُوبون الآفاق: طاعة وانقيادا، ومنها أنها رمزية ليوم الحشر، والنشور، حيث ترى البشر يوم عرفة على مرمى البصر، وهم مجموعون في صعيد واحد، تَنْظُرُهُمْ أشبهَ بصعيد يوم القيامة، وتراهم رافعين أكفَّهم، ضاحين، باكين، خاشعين، مخبتين، طالبين العفو، والصفح، مستنزلين بالبكاء رحمةَ ربِّ الأرض، والسماء، إنه منظر رهيب رعيب، نراه على مدار يوم كامل (يوم عرفة)، كلٌّ يبكي، وكلٌّ يدعو، وهو منشغلٌ بنفسه، ومهتمٌّ بطاعة ربه، ويستغيث بمولاه، تراه أشعثَ أغبرَ، عليه آثارُ التعب، مُضنَى الجسد، كليلَ الطرف، كسيرَ القلب، دامعَ المقلة، صادقَ الدمعة، كأنَّ جهنمَ ماثلةٌ بين عينيه، ويديه، تراه حاسرَ الرأس، لاجئًا إلى ربه المَلِكِ، وصاحبِ المُلْكِ، والملكوت، فتعلم بعضًا من منازل ذلك اليوم، كما أن من رمزياته وحدة المسلمين الكبرى، وهم في يومهم هذا في أكبر تجمُّع كَوْنِيٍّ، عَقَدِيٍّ على مستوى العالم كله، يدين لله بالولاء: مظهرا ومخبرا: في ملبسه، وفي تلبيته، وفي طاعته، وفي توجهه لله، وفي كل عبادته، إنه حقًّا منظر مهيب، يملأ السمع والبصر، ويَشِي بقوة الإسلام، وعظمته؛ بسبب صدق التوجُّه، وتوحيد القِبلة، وكريم الولاء.

وهنا نتوقف عند بعض الآيات وبعض الكلمات، نتوقف بلاغيًا وتربويًا، حيث يقـول الله تعـالى في شـأن إبراهيـم مع ولده إسمـــاعيل (عليهما السلام):(وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (الصافات 99 ـ 107).

إن سبب هذا الفداء، ونعمة السماء هو ما حدث مع سيدنا إبراهيم وولده إسماعيل، حيث امتحنه الله في أحبِّ ما عنده، وهو ولده الذي رُزِقَهُ على كِبَرٍ وقالت امرأته يومها، وهي تستحيي، وتتآكل حياء:(.. فصكّت وجهها وقالت عجوزٌ عقيم)، واستعظم إبراهيم أن يُرزَق وهو على كبر، وامرأته عاقر، فقال القرآن الكريم مسجلًا ذلك الموقف الإنساني الفطري الكريم:(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِين، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ، فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ، قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) (الذاريات 24 ـ 30).

يقول الأب لابنه بكل حنان، ووداعة، ورقة، وتدليل:(يا بُنيَّ) وهو تصغير (ابن)، والتصغير هنا للتدليل، فلم يَنْسَ لحظة واحدة أن يتحنن ويتدلل معه، ويناديه نداء المحب الشفيق، في أحرج لحظات الحياة، وأشد ظروفها ألما، ونتعلم نحن منها أن يكون الوالد محتفظًا بكل معاني الأبوة، وكل ألوان الحنان والرقة، ويتحلى بحسن المعاملة حتى في اللحظة التي يفارق فيها أعزَّ من لديه، وأغلى شيء عليه، وهو فلذة كبده، وموضع سروره، وسبب فرحته.

وبادله ابنُه أدبًا بأدب، وحنانًا بحنان، ورأفة برأفة حين رَدَّ بقوله:(قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)، لم يقل:(يا أبي)، وإنما قال:(يا أبَتِ) فجاءت الآية بتاء التجلة، والاحترام، والتوقير التام، فزيادة المبنى تفيد زيادة المعنى، فكأنه قال:(افعل ما تؤمر، يا أحن أب في الوجود، وأرق فؤاد في الكون، وأرأف روح في الحياة)، إنها كلمة مبكية حقًّا، كلها أدب، وجمال، وحياء، وجلال، حيث حُذِفَتْ ياء المتكلم حياءً، وعُوِّضَ عنها بالتاء في آخره، كـأنه فنيت ذاتُه أمام مطلوب الله، ونسيَ نفسَه تمامًا، ثم إنه قال:(افعل ما تًؤمر)، ولم يقل:(افعل بي ما تُؤمر)، فنسي كذلك نفسه هنا كما نسيها هناك إجلالًا لربه، واستسلامًا، وخضوعًا لمولاه، وامتثالًا، واحترامًا لأبيه، وكلمة (ما) في:(افعل ما تؤمر) اسم موصول مبهم، يشمل كل ألوان الفعل، بمعنى افعل بي كل ما تشاء، مادام ذلك أمرا من الله، فأنا عبده، وهو ربي، وسيدي، يفعل بي ما يشاء، ثم عقَّب بحرف التوكيد السين، وفعل اليقين، وبياء المتكلم: (ستجدني) التي تعبِّر عن حضور الذات التام، وصدق الاعتراف الكامل:(ستجدني إن شاء الله من الصالحين) كما وضع المشيئة بين يدي كلامه؛ لأنه لا يملك نفسه، ولا روحه، إنما سلَّم الأمر لله، واستكان إلى طلب أبيه، وتحلَّى بالصبر الجميل انتظارًا إلى تنفيذ مطلوب الله، ولكنِ انظر إلى البيت المؤمن، المسلِّم لله في كل حال، فالوالد وولده معا، وفي ضمير واحد هو ألف الاثنين حكى القرآن الكريم عن موقفهما الإيماني الرائع، واستسلامهما السامي الذي يجب أن نتوقف عنده مليًّا، ونسترشد به طويلا، ونأخذ منه أسمى الدروس، وأجل القيم:” فلما أسلما” ما أجمله من ضمير واحد جمع التسليم كله!، والكمال الإنساني في شأن الطاعة والإخلاص، هو ضمير ألف الاثنين حيث وقفا معًا وقفة طاعة، واستسلام، ولعل ألف الاثنين تبيِّن الخشوعَ التام منهما، والوقوف المُخْبِتَ، والسكون الصادق، فقد أسلما معا، واستسلما معا، وجملة: (وتله للجبين) أيْ: أنامه على وجهه؛ حتى لا يرى عينيه تخاطب الأبوة الرحيمة، وتناشد القلب الأبويَّ الحنون، فيرجع عن تنفيذ الذبح، ولكنَّ الأب تلَّه للجبين، وتلَّه بمعنى صرعه، كما تقول معاجم اللغة:(كما تقول كَبَّهُ لوجهه)، وإسماعيل ـ عليه السلام ـ مستسلمٌ غاية الاستسلام، فلم يَعُدْ يرى وجه أبيه وسلَّم رقبتَه لربه، ورَضِيَ تمامَ الرضا، منظرٌ مُبْكٍ من كماله، وجلاله، فلو تخيل الواحد منا أنه أُمِرَ بذبح ابنه لَفَكَّرَ مئات المرات، ولراح هنا وهناك، وجاء، وما نام لحظة واحدة، ولتلكَّأ كثيرًا، ونظر، وأعاد الكلام في شأن العفو، وأطال الزمن، ولكن إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ ما أخذ الأمر معهما إلا لحظة إعادة الرؤيا على مسامع ابنه، وردّ الابن بالموافقة التامة، وذهاب الأب إلى تنفيذها فعلا، وجميل أن نعيش جميعًا تداخل التسليم، وامتزاجه في ضمير ألف الاثنين.

ولما كان هذا الموقف الذي سجَّله القرآن الكريم على مدى عمر الكون نزل الفضلُ، وحلت الرحمةُ، واستحق إسماعيل أن ينزل في شأنه آياتٌ تُتلَى إلى يوم الدين، وعلى أساسها تتمُّ أعمال الحج بالفداء، أو الفدية التي تذكِّرنا بهذا الصنيع الكريم من أب محب لولده، ولربه الكريم، وولد محب لأبيه، ولربه الكريم، فقال الله بعدها مباشرة:(وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (الصافات 104 ـ 107).

* كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية

Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap