- جريدة الوطن - https://alwatan.com -

البصرة بين مقاربة النفط والمياه.. تشكو جور الزمان

أحمد صبري:
رغم أن نهري دجلة والفرات يلتقيان في البصرة جنوب العراق، ويشكلان شط العرب، إلا أن البصرة عطشانة وماؤها غير صالح للشرب، الأمر الذي دفع منظمة “هيومن رايتس ووتش” مؤخرا أن تدق ناقوس الخطر من مغبَّة استمرار شحة المياه وملوحتها في هذه المدينة الغنية بالنفط؛ لتسلط الضوء على أزمة مركَّبة تعاني من تداعياتها الصحية والإنسانية البصرة على مرِّ العقود الماضية.
وجرَّاء ما تعانيه البصرة من تلوت المياه وارتفاع نسبة الملوحة فيها، دفعت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق بإعلان البصرة مدينة منكوبة؛ بسبب ما تشهده من كارثة بيئية، وارتفاع نسبة الملوحة في المياه.

ولمواجهة نقص المياه وتلوُّثها، اضطر سكان البصرة البالغ عددهم أكثر من 4 ملايين للاعتماد على شراء المياه بعبوات من السكان الأكثر فقرا، وتجعلهم قابلين على نحو خاص للتعرض لمياه الصنبور غير المأمونة.
وشط العرب الذي يلتقي فيه نهرا دجلة والفرات بالبصرة والأنهر المتفرعة عنه ارتفعت فيها نسبة الملوحة بمستويات غير مسبوقة، ما جعلها غير صالحة للشرب والزراعة لعدم وجود نظام الصرف الصحي بالمدينة. ويعود ارتفاع نسبة الملوحة في شط العرب إلى عدم تلقي الشط الكميات الكافية من المياه العذبة من نهري دجلة والفرات بسبب قيام تركيا وسوريا ببناء السدود على النهرين، وعدم اهتمام العراق ببناء منشآت إروائية، ما فاقم من مشكلة الملوحة، كما أن إيران هي الأخرى أقامت سدودا، وحوَّلت العديد من الأنهر لتصب في أراضيها.

وما يعقِّد آفاق الحل هو محطات المياه العامة في البصرة غير مجهزة بالتكنولوجيا اللازمة لجعل مياه البحر صالحة للشرب. هذا يجعل الكلور، مادة كيميائية شائعة الاستخدام لمعالجة المياه، أقل فعالية، علاوة على ذلك، يقول الخبراء إن سلطات المياه تعاني للحصول على كميات كافية من الكلور بسبب الضوابط الصارمة التي تهدف إلى منع وقوع المادة الكيميائية في أيادٍ غير أمينة.

إن حل أزمة المياه وملوحتها في البصرة تحتاج إلى الكثير من التخطيط والوقت والمال، غير أن سوء الإدارة والفساد، وعدم وجود الرغبة الحقيقية لإدارة المدينة لمعالجتها تسبب في إطالة أمد المشكلة التي تراكمت والتي أوقعت خسائر كبيرة بين السكان.
إن معاناة البصرة لم تقتصر على ملوحة المياه وتلوُّثها، وإنما المحن والأزمات وحوَّلتها من حديقة غنَّاء ومزدهرة وثغر العراق الباسم وجوهرة الخليج العربي إلى مدينة منكوبة ومهملة، وغير قادرة على النهوض من فرط ما أصابها من تداعيات جرَّاء الحرب العراقية الإيرانية، والحصار الظالم، وفشل الإدارات التي تعاقبت على إدارتها.

وما يدعو للقلق على مستقبل هذه المدينة صدود الطبقة السياسية عن إيجاد الحلول لأزماتها المتراكمة ونصرة أهلها الذين يعانون من ملوحة المياه والفقر والبطالة والإهمال، على الرغم من أن ما يخرج من بطون أرضها يكفي لسد رمق الملايين من العراقيين ويديم حياتهم، في مقاربة غير عادلة ومنصفة تظهر جور الزمان على مدينة لم ينصفها من يعيش على مواردها.