الإثنين 20 سبتمبر 2021 م - ١٣ صفر ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / آراء / إفريقيا من الصفوف الخلفية إلى الأمامية
إفريقيا من الصفوف الخلفية إلى الأمامية

إفريقيا من الصفوف الخلفية إلى الأمامية

جودة مرسي:
تحوَّلت العديد من دول القارة الإفريقية خلال السنوات القليلة الماضية من السحر والشعوذة أو ما يُسمَّى السحر الاسود إلى السحر الأعظم، وهو المال والاقتصاد؛ لتكون القارة السمراء هي الأكثر جذبا للاستثمارات ورؤوس الأموال لتغير بسحرها قبلة هذه الأموال من آسيا إلى إفريقيا، والتي بدلت القارة من صراعات قبلية تسببت في كثير من الأحيان للإبادة والمقابر الجماعية إلى اتفاق مجتمعي يسعى وراء الحياة العصرية والتقدم الاقتصادي، والدخول في عصر الرفاهية لتنتقل من الصفوف الخلفية أو المنسيَّة إلى الأمامية..
وتسود حالة من الحبور والإعجاب والابتهاج والدهشة كل من يتابع تاريخ وصراعات القارة التي طوبت صفحات مظلمة، واندمجت في صفحات البناء والتنمية. ومن يتابع حركة النمو الاقتصادي العالمي لإفريقيا يجد أن هناك بعض الدول قفزت قفزات هائلة في النمو. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نيجيريا التي تتصدر دول القارة وتحتل حاليًّا المركز السادس عشر ضمن الدول العشرين الكبرى اقتصاديًّا، والتي لم تقف جائحة كورونا “كوفيد19” أو حركة بوكو حرام الإرهابية عائقا أمام تطورها لتصل نسبة النمو بها إلى 4،2%. ومن نيجيريا إلى جنوب إفريقيا وأنجولا ورواندا ومصر وإثيوبيا والمغرب إلى العديد من الدول الإفريقية الأخرى التي تتسابق في تسريع عجلة النمو لتحجز لها مكانا في مقاعد الكبار اقتصاديا، فيما من المنصف أن لا يتم إغفال أن هناك بعض الدول في القارة التي أنهكتها الانقسامات السياسية فلم تلحق قواربها بموجة المد المرتفع في التنمية التي تشهدها القارة السمراء. وقد دفعت التنمية في إفريقيا دخول الملايين إلى قوة العمل سنويا، بفضل ارتفاع نسبة الشباب بين الفئات العمرية، التي أسهمت في إحياء وتعزيز الصناعات التحويلية والزراعة ـ التي لديها فرصة كبيرة لإطعام سكان العالم المتزايدين وتشجيع الزراعة كعمل تجاري ـ وتجارة التجزئة وقطاعات الضيافة، فضلًا عن الشركات ذات الصلة بالتكنولوجيا. وقد شهدنا بالفعل التأثير الإيجابي المترتب على إبداعات مثل المحافظ المحمولة، تطبيق على الهاتف المحمول للخدمات المصرفية، في تسهيل السداد والمعاملات التجارية، وإيجاد طبقة جديدة من الوظائف في إفريقيا، كما اهتم المستثمرون بالشركات الناشئة الرقمية في إفريقيا ليرتفع في العام 2019، حيث تم جمع 2.02 مليار دولار من موارد الاستثمار في الأسهم، و350 مليون دولار في الربع الأول من عام 2020.
تملك القارة العديد من الأفكار التي تسهم أكثر في التنمية من خلال جعل اتصالات النطاق العريض والتكنولوجيا أكثر توافرًا وبأسعار معقولة. ويشكل تسهيل نمو القطاع غير الرسمي وتحسين إنتاجيته من خلال توسيع القدرة على الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا كضرورة حتمية. ومن الأمور الإيجابية التي فطنت إليها بعض الدول في إفريقيا وأسهمت بفاعلية في عجلة النمو هو تركيزها في النظام التعليمي على إنتاج المهارات والعمالة القابلة للتوظيف والتي تتطابق مع الاحتياج الفعلي لسوق العمل.
إن إفريقيا، بفضل اتباعها القوانين المشجعة للاستثمار وجلب الأموال، نجحت في تحسين بنيتها الأساسية المادية، مثل محطات الطاقة والمطارات والموانئ والطرق والسكك الحديدية. ويبقى للقارة حلم إقامة اتحاد تجاري “حقيقي” يعمل على نحو أشبه بالاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بضمان حرية حركة السلع والخدمات والبشر بتفعيل أنظمة منح التأشيرة؛ لتكون أكثر ملاءمة وجذبا للأعمال التجارية.
إن المقومات الطبيعية والبشرية التي تمتلكها القارة السمراء والتي كانت هدفا للاستعمار الخارجي، وفي المقدمة منه الفرنسي الذي ما زال قائما في البعض منها، تجعل القارة تحافظ على التنمية ومقوِّماتها بعد أن تضعها هدفا مجتمعيا لا يستثني أحدا من أجل استمرار عجلة التنمية بعد أن فطنت أن لديها كل المفردات التي تتيح لها أن تستمر في رفع مستوى الخدمات والدخل للأفراد.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap