السبت 28 يناير 2023 م - ٦ رجب ١٤٤٤ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / لا دين لمن لا أمانة له

لا دين لمن لا أمانة له

حامد مرسي:
يقول الله عز وجل في كتابه العزيز:(إنَّ اللهَ يأمُرَكم أن تؤدّوا الأماناتِ إلى أهلِها وإذا حَكمتُم بينَ الناسِ أن تحكُموا بِالعدل) (النساء ـ 58)، هذه الآية مؤكدة بأن وبصيغة الأمر وبلفظ الجلالة (الله)، ولم يقل:(إن ربكم يأمركم)، إنما قال (الله) لأن لفظ الرب فيه معنى الرحمة، أما لفظ الجلالة (الله) فيه معنى الجلال والكمال والرفقة والعظمة والهيبة والكبرياء حتى يبعث في القلوب الخوف من خيانة الأمانة ويخبر الله أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(أدِّ الأمانة إلى من أئتمنك ولا تخُن من خانك فأمر الله عز وجل بأدائها فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه يوم القيامة)، كما ثبت في الحديث الصحيح: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(لتؤدَّن الحقوق إلى أهلها حتى أنه يقتص للشاة الجمعاء من الشاة القرناء)، وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية الكريمة نزلت في عثمان بن أبي طلحة صاحب الكعبة المعظمة، وسبب نزولها فيه: لما أخذ منه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) أمر الله تعالى بالحكم بالعدل بين الناس وهى نزلت في الحكم بين الناس، وفي الحديث:(أن الله مع الحاكم ما لم يجر فإذا جار وكله إلى نفسه)، وفي الأثر:(عدل يوم كعبادة أربعين سنة)، ومما يدل على الأمانة روي:(أن رجلاً اشترى من آخر عقارًا فوجد المشتري في عقاره جرّة ذهب فحملها بنفسه إلى البائع قائلاً: خذ ذهبك. فقال له البائع الأمين: والله ما هى لي وما ينبغي أن آخذ ما لا أعلم، فترافعا إلى مؤمن ليحكم في هذه القضية النادرة، فقال لهما الحكم: هل لكما من عيال؟ فقال أحدهما: لي غلام. وقال الآخر: لي جارية، فقال الحكم: زوجا الجارية للغلام وأنفقا عليهما من جرة الذهب، فانصرفا راضيين)، وفي معركة القادسية:(عثر أحد أفراد الجيش الإسلامي وقد كان مسكينًا فقيرًا على صندوق به جواهر غالية فرفعه إلى قائده فعجب من أمانته مع فقره وقال له: ما اسمك حتى أذكرك لعمر فيعطيك ويثني عليك أمام الناس؟ فغضب الجندي المؤمن ثم قال لقائده: لو أردت عمر ما رأيته أنت ولا عمر فدعا له بخير وأرسل القائد الجواهر بحقها إلى عمر ـ رضي الله عنه ـ فلما وقف سيدنا عمر على الخبر قال: أشكر الله أن جعل في جيشي مثل هذا الأمين، فقال له أحد الحاضرين: يا أمير المؤمنين عففت فعفوا)، وذات يوم جاءت عمة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ بيته تطلب منه المزيد من بيت المال، ولما دخلت عليه وجدته يأكل عدسًا وبصلًا فقالت له: يا عمر أريد زيادة من بيت المال، فقام عمر ـ رضي الله عنه ـ عن طعامه وجاء بدرهم من فضه ووضعه على النار حتى انصهر ثم وضعه في كيس من النسيج وقال لها: خذي هذه الزيادة، فلما قبضت عليه احترقت يدها وصرعت فلما أفاقت قال لها: يا عمتاه إذا كانت هذه حالك من نار الدنيا فكيف يكون حالي وحالك من نار الله يوم القيامة.

وهذه الأمانة صفة ممدحة في الإنسان وليس أدل على ذلك من أن بنت سيدنا شعيب (عليه السلام) قالت عن سيدنا موسى لأبيها: (يا أبتِ استئجره إنَّ خيرَ من استئجرتَ القويُّ الأمين) (القصص ـ 26)، بعدما قتل سيدنا موسى الرجل القبطي خرج من مصر إلى مدين ووجد عن بئر في مدين بنات سيدنا شعيب لا تحاولن بأن يتزاحمن مع السقاة أثناء سقي الدواب فسقى لهما سيدنا موسى، وجاءت إحداهن تقول له:(إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقصَّ عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين، قالت أحدهما يا أبت استئجره إن خير من استئجرت القوي الأمين) (القصص 25 ـ 26)، فقال أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت له: أما عن قوته إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها عشرة من الرجال، وأما عن أمانته لما جئت أسير أمامه لأعرفه الطريق فأبى وقال لي: سيري خلفي خشية أن يبعث الهواء بثيابك فأرى منك ما حرمه الله، وقال لها: إذا ضللت الطريق فخذي حصاة واقذفيها شمالًا أو يمينًا لأهتدي إلى الطريق فهذا وإن دل على شيء إنما يدل على أمانة سيدنا موسى (عليه السلام). ونظراً لأن العبادات أمانة والدين أمانة، نجد أن سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ كان حريصًا على أداء العبادات وضمان ما عليه من دين، فعندما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي وأخذت روحه إلى الصعود إلى بارئها طلب من عبد الرحمن بن عوف أن يؤم الناس مكانه في الصلاة، ثم جلس يتمتم بشفتيه ويركع بحاجبيه ويسجد بعينه ويجري أفعال الصلاة على قلبه، ولما أن أتم الصلاة طلب من ابنه عبد الرحمن أن يضمن أمام المسلمين أداء الدَّين الذي عليه حتى يلقى ربه راضيًا، ولذلك كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا يصلي على أحد وهو عليه دين، روي عن أبي سلمة قال:(بينما نحن جلوس عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ أتى بجنازة ليصلي عليها، فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتى بجنازة أخرى فقال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم، قال: فهل ترك شيئًا؟ فقالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليه، ثم أتى بجنازة ثالثة فقال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم، فقال ـ صلى الله عليه وسلم: هل ترك شيئًا؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، فرفض أن يصلي على هذا الرجل الذي عليه دين، لأن الدين أمانة، ولهذا فإن الشهيد تغفر له ذنوبه إلا الدين، فعن أبي قتادة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رجل: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مُدبر يكّفر الله خطاياي؟ قال: نعم، فلما أدبر الرجل ناداه فقال: يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدين .. هذا والله أعلم.

* إمام مسجد بني تميم بعبري

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap