الأحد 17 أكتوبر 2021 م - ١٠ ربيع الأول ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الحضارة في الهجرة (2)

الحضارة في الهجرة (2)

محمود عدلي الشريف:
وقف بنا الحديث ـ أيها الأحباب ـ في المرة الماضية عن الأساليب التي انتهجها المشركون لصد دعوة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتي اتخذوا فيها كل الأدوات الممكنة والطرق الحديثة في عصرهم، فقد بذلوا كل غال ونفيس حيال ذلك، ومن أعجب تلك الأساليب أنهم أرادوا أن يحاكوه فيما أوحي إليه، وعلى سبيل المثال ما قام به (النضر بن الحارث بن كلدة الثقفي وقيل ـ هو ابن خالة الرسول ـ وكان ـ هذا ـ النضر قد سافر البلاد، واجتمع بالأفاضل والعلماء بمكة .. وغيرها، وعاشر الأخبار والكهنة، واشتغل وحصل من العلوم القديمة، واطلع على علوم الفلسفة وأجزاء الحكمة، وكان قد تعلم من أبيه ما كان يعلمه من طب وغيره، وكان يؤاتي أبا سفيان في عداوة النبي، ويحسده، ويكثر الأذى له، ويتكلم فيه بأشياء كثيرة، ويحط من قدره عند أهل مكة) (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 16/ 17)،و(كَانَ يَشْتَرِي كُتُبًا فِيهَا أَخْبَارُ الْأَعَاجِمِ، فَكَانَ يَقُولُ لِلْعَرَبِ: مُحَمَّدٌ يُحَدِّثُكُمْ عَنْ عَادٍ وَثَمُودَ، وَأَنَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رُسْتُمَ وَاسْفَنْدِيَارَ) (شعب الإيمان 7/ 166)، قال ابن إسحاق:(فقال: يا معشر قريش، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به، قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم، وقلتم شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها:هزجه ورجزه، وقلتم مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنّه والله لقد نزل بكم أمر عظيم،فكان إذا جلس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مجلسًا فذكر فيه بالله، وحذّر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش، أحسن حديثا منه، فهلم إلي، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم..)(سيرة ابن هشام، ت: السقا 1/ 299).
بل والأغرب من ذلك أنهم اتخذوا معه أساليب لا تتق مع عاداتهم وتقاليدهم وشجاعتهم ونخوتهم العربية التي نشأوا عليها أصلًا، فلم يكتفوا بكل ما فعلوه بل قاموا بالإيذاء بأيديهم،فـ(عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ، إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلاَ تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا المُرَائِي أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلاَنٍ، فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلاَهَا، فَيَجِيءُ بِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ وَثَبَتَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ ـ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ ـ فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَثَبَتَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الصَّلاَةَ، قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، ثُمَّ سَمَّى: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَعُمَارَةَ بْنِ الوَلِيدِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ القَلِيبِ لَعْنَةً)(صحيح البخاري 1/ 110ـ برقم 520)، و(عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ)(غافر: 28)(صحيح البخاري 6/ 127ـ برقم 4815).
وحتى لا أطيل عليكم ـ أيها الأحباب ـ في هذه الدلائل ولعلكم تعلمون منها الكثير، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن قريشًا بذلت قصارى جهدها في إيذاء شخص رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ووظيفته النبوية المعصومة ماديًا ومعنويًا، وقاموا بمثل ذلك مع أتباع رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أضعاف أضعاف ذلك، أليس ذلك داعيًا لانتقال الدعوة إلى أناس يقبلونها ويستجيبون لدعوة ربهم، وما أن حاول المسلمون تنفيذًا لأمر رسول الله وهاجروا إلى الحبشة، فلم يلبث المشركون أن أرسلوا خلفهم عمرو بن العاص، ولولا أن الله سخَّر ملك الحبشة لحماية المسلمين، وإلا لكانوا قد قضي عليهم، ولنتفكر قليلًا في الموقف، أنتم يا كفار قريش قمتم بكل ما تستطيعون فعله بالموحدين، وهاهم تركوا لكم بلدكم، والتي فيهها في نفس الوقت بيوتهم وأموالهم وفروا بدينهم، فهل من حقكم أن تخرجوا خلفهم لتقاتلوهم في بلد غريب ـ سبحان الله ـ كل هذا وغيره أليس سببًا قويًا لانتقال الرسول بدعوته ومن ومعه من المسلمين، خصوصًا إذا توفر الأرض الطيبة والنفوس المباركة، وهذا ما أهداه الله تعالى لرسوله ومن معه من المؤمنين، ألا وهي المدين المنورة، فهاجر معظم الصحابة إليها، وكان أبوبكر الصديق يريد ذلك، ففي (سيرة ابن هشام، ت: السقا 1/ 484):(قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر رضي الله عنه رجلًا ذا مال، فكان حين استأذن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الهجرة، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: لا تعجل، لعل الله يجد لك صاحبًا، قد طمع بأن يكون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما يعني نفسه، حين قال له ذلك، فابتاع راحلتين، فاحتبسهما في داره، يعلفهما إعدادًا لذلك).
وهنا تأتي تفاصيل الهجرة والتي اتخذ فيها رسول الله ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ كل التدابير الحديثة بل والمتقدمة المتوفرة في عصره، من ناحية رفعته البشرية فضلا عن عصمته النبوية،وهذا إن يدل على حضارة العرب وتقدمهم، أنهم ليسوا كما يصورنهم بأنهم أهل جهل وتخلف، فإنهم إن كانوا قد أشركوا بالله فقد كان الفرس والروم يشركون بالله وكانوا يصفونهم بالتقدم والرقي، وعلى النقيض من ذلك اتخذ الكفار كل الوسائل التي يمكن أن تستخدم أو تتخذ، حتى في عصرنا الحديث اليوم رغم اختلاف تقدمنا ووسائلنا الحديثة، وإليكم ـ إخواني وأخواتي ـ تفاصيل ذلك:
1ـ استخدام الوقت المناسب: حينما جاء الأمر لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) من ربه بالهجرة من مكة إلى المدينة اتخذ أمرًا متطورًا جدًّا وهو استخدام الوقت المناسب، وأقصد بالوقت المناسب هنا أول اتفاق على الترتيب لها، فقد ذهب رسول الله (صلالله عليه وسلم )لأبي بكر في وقت الظهيرة، وهو وقت ترتفع فيه حرارة مكة جدًّا، ومعظم الناس خاصة الأغنياء الذين لا يحتاجون إلى العمل يستريحون في هذا الوقت وهو ما يسمى بالقيلولة، الأمر الذي يجعل ذهاب الرسول ورجوعه من بيت أبي بكر غير مرئي لأعدائه، فلا يوجد أحد منهم في هذا التوقيت، ففي (سيرة ابن هشام، ت: السقا 1/ 484):(عن عائشة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالهاجرة، في ساعة كان لا يأتي فيها الحديث).
.. وتأتي البقية بإذن الله تعالى.
ma.alsharif78@gmail.com*

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap