الأحد 22 مايو 2022 م - ٢٠ شوال ١٤٤٣ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / محاضرة حول «السردية والدراسات الثقافية» بالجمعية العمانية للكتاب والأدباء ضمن فعاليات «صالون الأربعاء»
محاضرة حول «السردية والدراسات الثقافية» بالجمعية العمانية للكتاب والأدباء ضمن فعاليات «صالون الأربعاء»

محاضرة حول «السردية والدراسات الثقافية» بالجمعية العمانية للكتاب والأدباء ضمن فعاليات «صالون الأربعاء»

مسقط ـ «الوطن»:
نظمت الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، ممثلة بلجنة الدراسات والفكر، وضمن فعاليات (صالون الأربعاء)، الجلسة الثالثة في الخاصة بالدراسات الثقافية بعنوان:(السردية والدراسات الثقافية)، قدمها الكاتب والناقد العراقي الدكتور عبدالله إبراهيم، وذلك نهاية الأسبوع الماضي على قناة الجمعية في (زووم)، مع بث مباشر على حساباتها في (اليوتيوب والفيسبوك والتويتر).
المحاضرة أدارها الباحث بدر بن حارب الحراصي، وقد بدأها المحاضر من خلال عدة تساؤلات معرفية تم طرحها للنقاش، بدءًا من ماهية الخلفية المنهجية التي دفعت بالدراسات الثقافية للظهور، فقد أشار عبدالله إبراهيم الى إنه يصح القول بأن ظهور الدراسات الثقافية، هو بشكل من الأشكال، ردّ فعل على هيمنة الدراسات اللغوية التي خلعت نتائجها على كثير من حقول الثقافة والأدب، تلك الدراسات اللغوية التي حبست مظاهر التفكير والتعبير في إطر ضيقة بافتراض وجود نموذج لغوي يحكم بنياتها، فضاق الفكر النقدي حينما أخضع الظاهرة الأدبية لذلك التصوّر، فقد صبّها في قوالب مسبقة الصنع بذريعة انتاج (علم أدبي) خاص بها، وأي نفع في علم يزعم وجود قوالب جاهزة لاستيعاب ظاهرة يشكل التحول جوهر سيروتها، حسب قول المحاضر، فذلك، في تقديره استدلال فاسد يقوم على مبدأ المقايسة بين الظواهر الأدبية والظواهر اللغوية، ويخضع الأولى لقواعد الثانية، والمقايسة المنطقية بين ظواهر تختلف في المبنى والمعنى والوظيفة هي مغالطة صريحة غايتها ادعاء التماثل فيما بينها، وليس الاختلاف، ففضلًا عن الارتياب بوجود قواعد لابثة في عمق الظاهرة اللغوية، فمن غير السليم خلعها على الظاهرة الأدبية.
موضحًا إن ذلك يعود إلى هيمنة نموذج تحليلي ساد خلال معظم عقود القرن العشرين، وأقصد به النموذج اللغوي، وأطبق على كثير من العلوم الإنسانية إلى درجة جعل غير الآخذين به دخلاء على الثقافة، وهو نموذج استبدّ بالتفكير، واستبعد ما لا يتوافق مع فرضياته، حتى أحال الظاهرة الأدبية إلى ظاهرة لغوية ـ منطقية، والحال هذه، فقد ارتقى النموذج اللغوي إلى رتبة نموذج فكري إرشادي (بارادايم) استبطن التفكير الثقافي بعامة، ومنه التحليل النقدي، وأرغم المشتغلين للأخذ به، وعدم القدرة على الارتياب بفرضياته. وشأنه شأن أي نموذج إرشادي، فالتزمّت فيه أدى إلى تضييق فيما يحيط به، وانتهى بحبس الظاهرة الأدبية في سجن اللغة بدلًا أن تكون وسيلة من وسائل تشكيلها، والعمل على كبح جموحها بذريعة تكوين علم يختصّ بوصفها، وبتحليلها.
وحول كيف وقعت الافادة من معطيات الدراسات الثقافية في دراساتك السردية، أشار المحاضر الى أن المناهج الحديثة أفرزت مادّة خصبة من التحليلات، والفرضيات، والتوصيفات، والنتائج، وهي ثمرة من ثمار الجهد الذي انتهى إليه مفكّرون انخرطوا في صلب العملية النقديّة، وأقاموا هذا الصرح الذي يُمثِّل أحد أهمّ إنجازات العقل البشريّ في مضمار العلوم الإنسانيّة، وتمكّن النقد من فتح المسالك للدخول إلى عالم التخيّل الأدبيّ. وكثير من الدراسات الفكرية، وفي مقدمتها الدراسات الثقافية، تُحذّر من استبعاد قيمة المتخيّل المرتبط بالواقع، والتاريخ، والأدب، والعقائد، وأكثر مظاهر الاحتجاج على فكرة الحداثة هو أنّها أعطت العقل دورًا جعله يتحوّل إلى أداة قاطعة، لا تأخذ في الحسبان المستويات غير المرئية للعلاقات الإنسانيّة، وللآداب، وللأديان، وللتواريخ، ذلك أنّ العقلانية خلعت على الثقافة سمة المنفعة، وجعلت منها معيارًا في تحديد قيمة الأشياء في العالم.
كما أوضح المحاضر بأنه ينبغي الحذر من الامتثال للدعوة القائلة بحبس الظاهرة السردية في أطر وصفيه ضيّقة بدواعي مراعاة شروط العلوم النظريّة في تحليلها، وهو أمر ما وجدته فاعلًا في الدراسات السرديّة، فالغاية استكناه هوية الظاهرة السرديّة.
وعن ماهية السياق الثقافي الذي تبلور فيه مفهوم (السردية)، أشار المحاضر بقوله الى أنه في أثناء عملي على الظاهرة السردية في الأدب العربي لم أغفل الزعم القائل بوجود مقايسة بين التعبير السرديّ والنموذج اللغوي بافتراض وجود قواعد ثابتة تقبع تحت التعبير الكلاميّ، وتتحكّم فيه، وكأنّنا بإزاء نحو سرديّ يتحكّم في مواقع الأحداث، ويستبدّ بترتيبها، فالسرد، على وفق هذه الفرضية، جُملة محكمة الصنع، وقع تصميمها قبل ظهور النصّ، وليس تعبيرًا مرتبطًا بالسياقات الثقافيّة الحاملة له، وما وجدت لذلك القول مصداقية، وجافيته، ونظرت إلى السرد على أنّه ممارسة ثقافيّة أكثر منه ممارسة لغوية يتلفّظ بها اللسان، ممّا جعلني أتحرّر من القيود المدرسيّة للسرديات بالشكل الذي استُعيرت به من سياقها الغربي القائم على فرضية النموذج اللغوي، وانهج نهجًا مرنًا في تحليلاتي النقديّة التي جمعت بين الوصف، والتحليل، والاستنطاق، والتأويل، ومن هنا بدأت تلوح لي معالم مفهوم السردية الذي أردت به: المدخل النقدي الذي يستعين به الباحث لاستخلاص هوية المادة السردية بكشف مكوناتها بالوصف، وأبنيتها بالتحليل، ووظائفها التمثيلية بالتأويل، وفيه تتولّى المعرفة النقدية استخلاص مجمل صفات السرد، وتعرّف بهويته الأدبية، في آن واحد. والغاية من ذلك سبك مفهوم لا ينفصل عن المادة السردية فيخضعها لقواعد تجريدية، ومن ثمّ يتعالى عليها، بل يصدر عنها، ويتكيّف معها، فتحولاته مقيّدة بتحولاتها، فلا يجوز تجريد نموذج افتراضي عابر للزمان والمكان، واللغات والثقافات، والأجناس والأنواع، وإرغام المادة السردية الامتثال له، فذلك لاهوت افتراضي تأبى المادة السردية قبوله، وعلى هذا فالتماسك بين وظيفة السردية مفهوما وبين هوية المادة السردية ضروري كيلا تنفصم العُرى الرابطة فيما بينهما بذريعة الغاية العلمية للمصطلح، فالتراكب بين الوصف والتسمية ينشّط التحليل النقدي من جهة، ويراعي أعراف المادة السردية من جهة أخرى.
وحول حكمه النقدي على السرديات الكلاسيكية، وسبب انحسارها في رأيه أشار الدكتور عبدالله إبراهيم إلى أن تبلور تصوره لمفهوم (السردية) إبان سيطرة (السرديات الكلاسيكية) على المشهد النقدي في العالم، ومعلوم بأن تلك السرديات اقترنت بالبنيويّة، وتلازما بضعة عقود، قبل أن يأفلا معًا، فقد أزاحتهما الدراسات الثقافيّة عن العرش، ونتج عن ذلك ظهور مداخل سرديّة حلّت محلّها لأنها تغافلت عن جماليات النصوص، ووظائفها التمثيليّة، وشغلت باستخراج الأبنية المعياريّة فيها على غرار الدراسات اللغوية، أمّا المداخل السرديّة الجديدة فشملت طيفا واسعا من القضايا بدأت بالأدب، ومرّت بالتاريخ، وتجاوزت ذلك إلى الأديان، والأخلاق، والعمارة، والفنون البصريّة. وبهذا الاستبدال انتقلت دراسة السرد من الحقبة الشكليّة إلى الحقبة التداوليّة.
وعن كيفية نظرته للسرد، وكيف يرى وظيفته، أشار المحاضر إلى أنّ الظاهرة السرديّة برمّتها فعل اجتماعيّ ما خلا الأفعال التي تقوم بها الشخصيات المتخيّلة، فالسرد يفارق الواقع، ولكنّه لا ينقطع عنه، والأحداث سواء أحصلت في الواقع أم كانت قابلة للوقوع في السرد، فهي متآزرة في سيرورة حدوثها، أي في تطوّرها، وامتدادها، وتشابكها، وكون جمهرة منها يقوم به الإنسان في الواقع، وأخرى تقوم به شخصيات العالم المتخيّل، لا يُجرّدها من التعاضد، والتفاعل. فليس لأحد إنكار الوظيفة التمثيليّة للسرد؛ إذ هي وظيفة اجتماعيّة تردم الهوّة الفاصلة بين العالمين، وتمدّ جسرًا رابطًا فيما بينهما. ولا يجوز تجريد السرد من وظيفته المثقلة بأمور العالم، وقصرها على الوظيفة الجمالية التي لا يخالطها شيء، فذلك ينتهك وظيفة نشاط بشريّ بالغ التأثير في تاريخ الإنسان.
وفي نهاية المحاضرة أشار الدكتور عبدالله إبراهيم إلى الخلاصة التي يقترحها لتحديث الدراسات السردية ، وأجملها في أن السرديات الكلاسيكية تتنكّب للبّ المكون للظاهرة السردية، ويتعذّر على فرضياتها القائمة على المقايسة استيعاب ذلك اللبّ المتحول، فلا تفي بأي وعد تعد به للإلمام بها، والتمكن من خوض غمارها، ولهذا تراجعت بالتدريج، وهجرت، ولم تبق غير رسوم دالة على حقبة من حقب تاريخ النقد، إذ لم يعد لها محتوى حيّ تتمكن من الاشتغال عليه، ومضت الظاهرة السردية في تحولاتها غير آبهة بأي قيد من القيود الافتراضية التي أرادت حسبها في إطار مغلق، كما كان للدراسات الثقافية، بعموم الحقول التي نمت فيها، دور بالغ الأهمية في تحرير الدراسات السردية من الأعباء الافتراضية المستعارة من حقل علوم اللغة، فتفتحت في أفق من التنوّع الذي أثراها، وجذب إليها رؤى جديدة لم تكن في الحسبان، وأن مفهوم (السردية) تفتح ضمن هذه الآفاق المتنوعة، وأثرى نفسه في سياق هذا الفهم للظاهرة السردية، ولوظيفتها التمثيلية.

إلى الأعلى
Copy link
Powered by Social Snap